سيرة الشيخ الشهيد عطية الله الليبي
جمال إبراهيم اشتيوي (تقبله الله في الشهداء)
من الميلاد إلى الاستشهاد

الاسم الكامل
جمال إبراهيم اشتيوي (عطية الله)
الميلاد والنشأة
١٣٩٠ هـ / ١٩٧٠ م (مدينة مصراتة - ليبيا)
التخصص الشرعي
علوم الشريعة، الفقه، والعلوم الاستراتيجية والمنهجية
الوفاة والارتقاء
١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م (وزيرستان - باكستان)
معرض صور الشيخ عطية الله
معرض صور الشيخ عطية الله









المحطات التاريخية والمنعطفات الكبرى
تصفح مسيرة حياة الشيخ الحافلة بالتضحيات من خلال هذا الجدول الزمني التفاعلي
المولد والنشأة الأولى بمصراتة
ولد الشيخ جمال إبراهيم اشتيوي (عطية الله الليبي) في مدينة مصراتة الساحلية بليبيا، ونشأ في طاعة الله حيث حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتميز بنبوغه الاستثنائي وتفوقه في دراسة الرياضيات والعلوم.
الهجرة الأولى إلى خراسان
ترك الشيخ مقاعد الدراسة الجامعية وهاجر في سن الثامنة عشرة إلى أفغانستان للمشاركة في دفع الغزو السوفيتي، ونال هناك احترام أقرانه وشيوخه بذكائه الحاد وشجاعته وفقهه المبكر.
ملازمة العلم في بلاد شنقيط
سافر الشيخ رفقة رفيقه الشيخ أبي يحيى الليبي إلى موريتانيا، حيث مكثا في المحاظر الموريتانية يدرسان المتون الفقهية والأصولية واللغوية بجد واجتهاد على كبار شيوخ المحاظر، وهي الرحلة التي رسخت علمه الشرعي الغزير.
الرحلة إلى ساحة الجزائر
توجه الشيخ إلى الجزائر بتكليف علمي للمساعدة في توجيه وإرشاد الحركات الإسلامية هناك بالوعي الشرعي والفتوى السليمة، وقضى هناك سنوات في ظروف صعبة حاملاً راية العلم والتربية وداعياً للحق.
العودة لوزيرستان والعطاء العلمي الكثيف
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، عاد الشيخ للاستقرار في وزيرستان، وبرز كأحد أكبر المراجع الشرعية والاستراتيجية، وتولى مسؤوليات جسيمة في توجيه الفتاوى وإصدار الكتب والرسائل العلمية وحل المسائل المنهجية المعقدة.
الاصطفاء والشهادة
ارتقى الشيخ شهيداً إثر غارة جوية أمريكية غادرة بطائرة بدون طيار في وزيرستان في أواخر شهر رمضان، ليلحق بركب الشهداء والصالحين تاركاً وراءه إرثاً فقهياً وفتاوى علمية بالغة الأهمية للأمة بأسرها.
سيرة الشيخ رحمه الله
هوَ الشـيخُ العالـمُ المجاهدُ الـمرابطُ المهاجرُ القائدُ الأميرُ الحليمُ الخلوقُ الحكيمُ المربِّي المؤلفُ للقلوبِ المجمعُ للصفوفِ رفيعُ الأخلاقِ طيبُ الشمائلِ الصادعُ بالحقِّ والمنتصـر للإسلامِ، المحققُ المنصفُ؛ فضيلةُ الشـيخِ: أبو عبدِ الرحمنِ جمالُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ اشْتِيوي المِصْرَاتِي الليبيِّ، الشهيرِ بـ «عطيةِ اللهِ الليبيِّ»، جزاهُ اللهُ عنِ الإسلامِ وأهلهِ خيرا، وأتمَّ لهُ مَثوبتهُ على هجرتهِ وجهادهِ ورباطهِ وثباتهِ وطلبهِ للعلمِ وبذلهِ لهُ ونشـرهِ، وتقبلهُ الله سبحانه في عدادِ الشهداءِ، ورفعَ ذكرهُ في الدنيا والآخرةِ، وألحقنا بهِ مقبلينَ غيرَ مدبرينَ.. آمينَ.
عطية الله.. أشهرُ منْ علمٍ على رأسه نارٌ؛ سبقَ اسمُهُ رسمَهُ، وعملُهُ علمَهُ، وباتت سـيرته الزكيةُ العطرةُ ذائعةً في كلّ الـميادينِ، ومعلنةً في شتى ساحاتِ المجاهدينَ -التي أمضـى جلَّ حياته فيها-؛ جمع له المولى ﷻ بينَ العلمِ والحكمةِ، والحلمِ وحسنِ القيادةِ، والصبرِ وإتقانِ الإدارةِ، معَ ما يتميز به رحمه الله من صفاتٍ جليلةٍ أخرى كالصمتِ والتفكر العميقِ في الأمور، وحبِّ التأني وعدم التعجلِ، إضافةً إلى كونه خبيرا وبارعا في إدارةِ الشؤونِ الجهاديةِ والمسؤولياتِ الـموكلةِ لهُ في ساحاتِ القتالِ في سبيلِ اللهِ ﷻ، معَ إشـرافهِ على الشؤونِ الخاصة بالساحات الجهادية الأخرى -حيثُ كانَ مسؤولا عنِ التواصلِ معَ أفرعِ «جماعةِ قاعدةِ الجهادِ» حتى مقتلهِ رحمه الله-، وكذلك فقد حباه الله ﷻ بالفراسة؛ مما يجعل المرءَ يعجبُ أشدَّ العجبِ من ذلكَ، ولا غروَ؛ فتاريخُ الرجلِ الطويلُ في الجهادِ معَ تعددِ الساحاتِ التي شاركَ فيها؛ جعلتهُ يكتسبُ خبرةً عظيمةً في هذهِ الأمورِ بالإضافةِ إلى كونهِ رحمه الله طالبَ علمٍ شـرعيٍّ متمكنٍ، معَ حفظهِ لكثيرٍ منَ الأدلةِ الشرعيةِ؛ منَ القرآنِ والسنةِ وآثارِ سلفِ الأمةِ.
فكمْ لهذا الشيخِ الجليلِ منَ المواقف؛ التي نصرَ فيها الحقَّ ولمْ يكنْ بالخائفِ؟ وكمْ أخرجَ للناسِ علما، لمْ يكنْ لهُ يوما كاتما، ولا يعني هذا عصمةَ الشيخِ منَ الخطأِ؛ فقدْ قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ رحمه الله: «لا يسلمُ العالمُ منَ الخطأِ، فمنْ أخطأَ قليلا وأصابَ كثيرا فهوَ عالمٌ، ومنْ أصابَ قليلا وأخطأَ كثيرا فهوَ جاهلٌ»٩جامع بيان العلم وفضله (2/ 280).، وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنِ تيميةَ رحمه الله: «لوْ قدرَ أنَّ العالمَ الكثيرَ الفتاوى أخطأَ في مئة مسألةٍ لمْ يكنْ ذلكَ عيبا وكلُّ منْ سوى الرسولِ ﷺ يصيبُ ويخطئُ، ومنْ منعَ عالما منْ الإفتاءِ مطلقا وحكمَ بحبسهِ لكونهِ أخطأَ في مسائلَ؛ كانَ ذلكَ باطلا بالإجماعِ»١٠مجموع الفتاوى (6/ 258).، ورحم اللهُ الإمامَ سعيدَ بنَ الـمسيبِ الذي قالَ: «ليسَ منْ شريفٍ ولا عالمٍ ولا ذي سلطانٍ إلا وفيهِ عيبٌ؛ لا بدَّ، ولكنْ منَ الناسِ منْ لا تذكرُ عيوبهُ، منْ كانَ فضلهُ أكثرَ منْ نقصهِ وهبَ نقصهُ لفضلهِ» ١١الكفاية في علم الرواية (ص 79)..
ولمْ يُعرَف اسمُ الشيخِ الحقيقيُّ إلاَّ قبلَ فترةٍ منَ استشهادهِ -أثناءَ الثورةِ الليبيةِ- إذْ كانَ يُعرفُ رحمه الله بعدة ألقابٍ مستعارةٍ وأسماءَ اقتضاها الحالُ لـمناسبةِ الظروفِ الأمنيةِ التي كانَ يمرُّ بها الـمجاهدونَ؛ فمنْ ذلك: أبو أسامةَ الليبيِّ -وهوَ أقدمُ أسمائهِ الذي عرفَ بهِ في الجهادِ الأفغانيِّ الأولِ، ويَعرفهُ بهِ قدامى الإخوةِ-، ومنْ ألقابهِ: محمودُ الحسن، محمود، أبو عبدِ الرحمنِ، عبدُ الكريمِ الليبي.
ودونك مقتطفاتٍ من سيرتهِ العطرةِ، وجوانبَ منْ حياته تقبلهُ اللهُ:
۞ من النشأة إلى الهِجرة:
حدثنا الشيخ «أبو محمد الفقيه الليبي» عن بعض مراحل عمر الشيخ رحمه الله؛ فقال حفظه الله١٢كل ما سأذكره في بدايات حياة الشيخ؛ فهو من كلام الشيخ الفقيه، إلا ما ذكرتُ أنه من كلام زوجته أو الشيخ أبي حفص؛ فأصلُ الكلام المذكور في البابين الأولين من سيرة الشيخ مأخوذٌ من كلام الشيخ أبي محمد الفقيه، حفظه الله وجزاه خيرًا.:
أخي ورفيق دربي «عطية الله»، تشرفت بالمعيشة معه في مكان واحد وفي ظروف مختلفة وأماكن مختلفة وأزمنة مختلفة..
وُلِد الشيخ رحمه الله في قرية «الزَّوَابِي» بـ«مِصْرَاتَهْ» في «لِيْبْيَا» في عام 1388، الموافق: 1969م، ونشأ في أسرة متمسكة بدين الله غير مفرطة فيه، معروفة بالخلق الطيب وحسن السيرة، له عدد من الإخوة اثنان أكبر منه: بشير وحسن -وهم من خيرة الناس أخلاقا وسيرة-، وأخ أصغر منه: محمد، وهو كذلك شاب فاضل وتربطني بهم مودة وتواصل ولله الحمد..
«جمال» شاب نشأ في طاعة الله، فمنذ بداياته نشأ على سنة وطريقة سليمة كانت سائدة في مصراته في ذلك الوقت؛ إذ نشأ على الشجاعة وله في ذلك مواقف كثيرة، وكذلك على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يزين ذَلك كلَّه أدب جم وخلق حسن واحترام لمن هو أكبر منه سنا أو أقدم سابقة..
كانت تربطني به علاقة من صغره، وكان متحمسا للدعوة والجهاد، وكنا نحاول تهدئته وتوجيهه بما يتناسب مع ظروف البلاد الصعبة في ذلك الوقت، لكنه كان لا يخاف في الحق؛ ففي سنة 1988 بدأ الشباب في التفكير في إنشاء تنظيم جهادي يدفعهم لذلك الغيرة والشجاعة والحماسة؛ ولكن لظروف البلاد والقبضة الأمنية مع نقص الخبرة والدراية؛ لم ينجح هذا التنظيم.
فقد عُرف هذا التنظيم باسم الشيخ «محمد الفقيه» تقبله الله، وانضم له شباب كُثر في ذلك الوقت، وكان «عطية الله» من أوائلهم؛ بل كان من الدعاة له، وكان صاحب همة عالية وجدية في العمل؛ إذ كان يجوب ليبيا من شرقها لغربها داعيًا إلى العمل الجهادي، ومحرضا عليه؛ كان شجاعا بحق رحمه الله، ومن مواقفه: أن أحد الثوريين المتسلقين وقف يومَ جمعة بعد الصلاة، وقال: «باسم الله وباسم الفاتح العظيم»؛ فوقف له الأخ «عطية»، وتكلم معه بكلام شديد.. ولكن الله سلمه وسلم الإخوة يومها.
كانت بيئة مِصراته في تلك الفترة بيئة دعوة على منهج الأوائل: كتاب يهدي وسيف يحمي، وكان من رموز الدعوة والصحوة المباركة الأخ «يوسف المصراتي» وكان شجاعًا كريمًا، وقد لازمه «عطية الله» فترة، وكان بيته مضافة للإخوة، ووُجد في مصراتة عدد من أهل العلم والفضل والجهاد وقتها؛ من أمثال الشيخ الشهيد بإذن الله: عبد الله إجمال، والشيخ الشهيد بإذن الله: بلقاسم مليطان، وغيرهم.. فكانت بيئة علم ودعوة وجهاد على منهج صحيح لا إفراط ولا تفريط؛ فهناك من يرشد الشباب ويوجههم التوجيه الصحيح، وكان الشباب رغم الحماس وصغر السن يستمعون لمن هو أكبر منهم، وكان الحب والتقدير والاحترام هو السائد في تلك المرحلة.
وزيادةً على هذا فقد كان «عطية» مميزا بين أبناء جيله بالذكاء وعلو الهمة؛ فقد كان في الشهادة الثانوية من الأوائل في دراسته.
في تلك الفترة كان «عطية» دون العشرين من عمره، وكانت أخبار الجهاد الأفغاني تصل إلينا، ويصلنا بعض الإصدارات من أشرطة فيديو وبعض المجلات، وأعلى شيء كنا نطمح إليه وقتها أن نحصل على شريط فيديو؛ فأجهزة الفيديو لم تكن متوفرة عند الجميع فيسافر الشباب أحيانًا مسافة القصر من أجل أن يتفرج على فيديو للأفغان أو محاضرة للشيخ عبد الله عزام رحمه الله، ولم تكن آلات تصوير الورق متوفرة وقتها؛ فكانت المجلات والمقالات تنسخ باليد أو يتم تصويرها بصعوبة وتوزع على الإخوة حتى تقرأ الورقة كالمخطوطة بصعوبة أن بعض الحروف تكون قد مُحيت من كثرة تداول الأيدي عليها.
في نهاية الثمانينات انتشر الفكر الجهادي بليبيا وإن كان ينقصه التنظيم والخبرة، ونتج عنه بعض العمليات مثل مقتل «أحمد مصباح» في بنغازي سنة 1986، وفي سنة 1988 حصل لقاء في اجدابيا عند الشيخ «محفوظ» وحضره عدد من الإخوة منهم «عطية الله» والأخ «مفتاح الدوادي» و«ميلاد قمرة» و«محمد الفقيه» وكنت بين الحضور، وتناقشنا في ترشيد الصحوة الجهادية ونقلنا لهم تجربتنا في أفغانستان وركزنا على ضرورة التنظيم والتدريب والسرية، ولكن الإخوة قد حزموا أمرهم بعد انضمام عدد كبير لهم من جميع أنحاء ليبيا، وكان عملهم نوعا ما ظاهرًا؛ فقد قرروا التصعيد مع النظام.
«وقد حدَّث رحمه الله عن سبب تحوله من مذهب الغلو الذي انتشر في بين شباب ليبيا في أواخر القرن الفائت؛ فذكر قصةً حصلت له قبل خروجه من ليبيا وهو شاب في العشرين من عمره حيث أنه كتب ملخصًا مال فيه إلى فكر الغلو، وتداوله بعض الإخوة في مِصراتة، ثم وقع الكتيب بيد الشيخ «عبد الله إجمال» رحمه الله فعلق عليه وبيَّن ما فيه من خطأ وزجره؛ فتأثر «عطية الله» بذلك ونفعه الله بنصائح هذا الشيخ؛ لأنه كان يعرف قدره ومكانته العلمية.. ولو كان من شباب اليوم لقال: هو رجل ونحن رجال، ولطعن في عقيدته وقال: أزهري تربى على الإرجاء، وسولت له نفسه التمادي في الباطل».
وفي خضم الدعوة والصَّحوة قدَّر الله أحداث 1989م التي استفز فيها النظام الإخوة بصورة بشعة ومقززة، وكانت الأمور توحي بأن الطاغوت يبيت لأمرٍ بليل، وهو القضاء على هذه الصحوة المباركة، وأنَّ هذا القرار سينفذ حتى لو لم تحدث أي مواجهة من طرف الإخوة؛ فلا علاقة للقرار بتصرفات الشباب؛ فبدأت الحملة في جميع أنحاء ليبيا في 14/1/1889م وشملت جميع الشباب الملتزم من جميع التيارات، وهنا حاول «عطية الله» أن يحرض الإخوة على المواجهة ولكن للأسف لم يكن هناك أي استعداد لهذا الظرف وكانت الاتصالات صعبة؛ فُوضع آلاف من الإخوة في السجون، وتمكن آخرون من الإفلات من هذه الحملة، وكان من بين الناجين: «عطية الله».
كانت هذه هي الأجواء والبيئة التي نشأ فيها جمال اشتيوي «عطية الله»، كانت مأسدة بحق..
بعد تمكننا من الإفلات من قبضة الطاغوت جاءني بعض الإخوة للبيت كان من بينهم: «جمال»، ومن تلك الفترة لم نتفارق قرابة سبعة أشهر في مِصراتة، وأجهزة أمن الطاغوت تبحث عنا، ولما اشتدت حملة الطاغوت «القذافي» على الإخوة ذهب «عطية» إلى أحد مناطق مِصراته ونصبوا خيمة صغيرة بين كثبان رملية ومكثوا فيها عدة شهور مع القرآن والسنة في جوِّ تأمل وعبادة، وتعاهدهم بعض الإخوة بما ما يحتاجون إليه، وكنت أزورهم دوريا؛ فكانت أجواءً إيمانية رائعة للتفكر والعبادة.
وبعد حوالي ثلاثة أشهر بدأ الرُّعاة بالمجيء لتلك المنطقة؛ فأصبحت غير آمنه لشابين يقيمان في ذلك المكان؛ فرجعوا معي إلى بيتي فأقمنا فيه، وبقينا في هذا البيت عدة شهور -ونحن ثلاثة- ننام ونستيقظ مع الأحاديث والنقاشات والكتب؛ فكانت أيامًا جميلة، وكان يزورنا بعض الإخوة ليطلعونا على آخر الأخبار، وسافر «عطية الله» لطرابلس عدة مرات من أجل التواصل مع باقي الإخوة للتفكير فيما يمكن أن نقوم به.
حتى جاء قرار الهجرة والذي دُرس بعناية؛ فقررنا الهجرة من البلد، ورتبنا مع الإخوة، ثم خرجنا إلى طرابلس، وهناك أخذنا تأشيرة الحج وكنا في بداية ذي الحجة، وتحركنا باتجاه الجزائر وكنا أربعة: أنا وأبو حنيفة وعطية الله وفوزي.. حتى وصلنا إلى «اغدامس» واستطعنا النجاة من الحواجز بأعجوبة منَّ الله علينا بها وحده، ومن هنا بدأت رحلة الهجرة -وسبحان الله بعد 23 سنة تخرج عائلة الطاغوت القذافي من نفس المكان، ورجعت أنا إلى مصراتة مرفوع الرأس بفضل الله-.
دخلنا الجزائر بيسر، ونتيجة لقرب العيد لم نتمكن من الحصول على طائرة، إذْ بقي على العيد يوم أو يومين وكانت «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في أوجها؛ فلما جاء العيد صلينا في ملعب كرة، وكان إمامه «كمال كمازي» إمام مسجد التقوى الذي قتله الخوارج فيما بعد، وكان الملعب ممتلئا على آخره، وكانت هذه أول مرة نرى هذا العدد من الشباب الملتزم في مكان واحد.
بقينا شهرًا في الجزائر كان «عطية الله» حريصا فيها على حضور المحاضرات التي كان يلقيها الشيخ «علي بلحاج» و«عباسي مدني» وغيرهم، مع حرصه على التعرف على شباب الصحوة وغالبهم حديث عهد بالتزام، وكان لـ«عطية الله» دور في النصح والتوجيه لهؤلاء الشباب، وفي هذه الأيام حاولنا الحصول على التأشيرة الباكستانية لكن لم تتيسر، وزرنا في الجزائر الشيح «أحمد سحنون» وهو من الباقين من رابطة العلماء التي كان يرأسها الشيخ «ابن باديس» و«البشير الإبراهيمي»..
بعد فشلنا في الحصول على تأشيرة باكستان قررنا السفر إلى مصر حيث فُتح السفر إلى مصر في تلك الفترة فقط؛ فقد كان ممنوعا على الليبين السفر إلى مصر لسنوات طويلة؛ فسافرنا خمستنا إلى مصر.
وصلنا مصر ومعنا «عطية الله»؛ واتصل أحد الإخوة الذين معنا بأستاذ مصري كان يدرس في ليبيا فالتقينا به في «الزقازيق» بالشرقية؛ فأكرمنا وترك لنا بيته أيامًا وعرفنا على إخوة أفاضل من «جماعة الجهاد» منهم د. أحمد حسين وغيره؛ ففرحوا بنا جدا حيث كان هذا لقاءهم الأول بشباب ليبيين ملتزمين وجهاديين وأصحاب ثقافة وفقه، وقد اقترحوا علينا أن يعرفونا على «سلفية الإسكندرية»؛ فذهب «عطية الله» وأخ آخر وبقوا عندهم أيامًا فرحوا بهم خلالها.
وكان «سلفية الإسكندرية» في ذلك الوقت قريبين من «جماعة الجهاد»، وتعرفنا وقتها على الشيخ «صلاح أبو إسماعيل» وكان شجاعا أديبا صاحب طرفة وقد زرناه كثيرا وكان يكرمنا، وكان يذهب معي «عطية الله»؛ لأن الشيخ كان ضليعًا في اللغة والشعر والأدب وكان ذلك يعجب «عطية»، وكنا نلتقي بـ«حازم» عنده أحيانًا وكان شابا جسيما.
وخلال هذه المدة فُتحت مصر لِلَّيبيِّين فبدأت أعداد كبيرة من الشباب تتجه لها لتنطلق منها لباكستان؛ فحضر لنا إخوة كُثر منهم الأخ «أبو الفرج الليبي» الأسير عند أمريكا -فك الله أسره-.
والتقينا في مصر بالشيخ «أبي الحسنين المِصراتي»؛ فاستفدنا من علمه وخبرته وقصصه الشيء الكثير وكان «عطية الله» من الملازمين له فاستفاد من حكمته وعلمه خاصة في اللغة العربية؛ لأنهم كانوا يقضون وقتًا طويلا في البيت.
وقد حاولنا مُذْ وصلنا لمصر أن نحصل على التأشيرة الباكستانية؛ فكلمنا «جماعة التبليغ» لكن لم يقدموا لنا مساعدة؛ لأن لهم إجراءات وخطوات لا بد أن تمر بها معهم قبل أن تحصل منهم على شيء، وهم ناس طيبون ومن أقرب الناس للمجاهدين ولنا معهم مواقف طيبة يشهد الله.. وحاول الشيخ «صلاح أبو إسماعيل» مساعدتنا بمراسلة السفارة، بل وذهب بنفسه لهم ولكن لم يوافقوا.
حتى جاءنا الأخ «مفتاح الدوادي» وهو آية في الشجاعة ورباطة الجأش في أصعب المواقف؛ فأخذ جوازاتنا لليبيا وتركنا مدة طويلة بدونها، فصرنا كلما طُرق الباب ظننا الطارق الأمن المصري.. وبعد أكثر من شهر جاء بالجوازات وفيها التأشيرة الباكستانية؛ فسافرنا عن طريق الإمارات إلى باكستان.
۞ في خُرَاسَان آخر الثمانينات:
فِي أَوَاخِرِ عَامِ 1409 المُوَافِقُ: 1989م أَيَّامَ الاحْتِلَالِ السُّوفْيِيتِّي وصلنا إلى «إسلام آباد» وكان في استقبالنا الأخوان القائدان: «يوسف البخاري؛ ذبيح الله» والأخ «عبد الرحمن حطاب» وهما من أفضل الإخوة والقادة؛ سافرَا من «بيشاور» لاستقبالنا وفرحا بنا وفرحنا بهما، حتى وصلنا «بيشاور» وذهبنا إلى مضافة الليبيين، وكان اسم «عطية الله» هناك: «أسامة» أو «أبو أسامة الليبي»، حتى ذهبنا إلى معسكر «جَاوَرْ» فِي منطِقةٍ حدودِية بِالقربِ مِنْ «خُوسْت» فِي أَفْغَانِسْتَانَ -وليس في معسكر «جَاجِيْ» - وكان معسكرا عاما لجميع الإخوة وهنا بدأ يلمع نجم «عطية الله» حيث بدأ في إلقاء الدروس والنهل من طلبة العلم هناك، وبعد المعسكر ذهبنا لمنطقة «كاما» في «جلال أباد»، وفي الأيام الأولى من مكوثنا في مراكز المجاهدين في «كاما» حصلت حادثة غيرت مجرى حياتنا جميعا -بما فينا «عطية الله» - حيث قتل خمسة من خيرة شبابنا غدرا من قبل عصابة من المجرمين المنتسبين للمجاهدين؛ قتلوهم ليأخذوا سلاحهم، وكان منهم «قاسم قرجي أبو حفص» رفيق درب «عطية الله»، وتعبنا جدا حتى توصلنا للمجرمين وتم القصاص منهم، ومن أقدار الله أننا في ذلك اليوم الذي ذهب فيه الإخوة لزيارة هؤلاء الذين غدروا بهم جاءني «عطية» واستأذن ليذهب معهم فرفضت ذلك فحزن ولكن لم يتكلم.. فأنجاه الله بقدره وادخره لما هو خيرٌ.
رجعنا إلى «بيشاور» بعد هذا الابتلاء الشديد، وعُرض على «عطية الله» الدخول لـ«القاعدة» في تلك الفترة؛ فقرَّرَ الدخول مع الإخوة بقيادة الشَّـيْخِ الإِمَامِ: «أُسَامَةَ بن لَادِن» رحمه الله، خاصةً أننا في «الجماعة الإسلامية المقاتلة» لم تتبلور الأمور عندنا بصورة جيدة وإمكانياتنا ضعيفة، مع ما في «بيشاور» من أفكار غريبة عجيبة؛ فدخول أخ لـ«القاعدة» لا يحزننا بل يفرحنا لأننا نأمن عليه من الضياع في زحمة أفكار «بيشاور» وتخبط الجماعات فيها.
استفاد «عطية الله» من إمكانيات «القاعدة» ومن المعاهد والدورات الشرعية التي كانت تتنافس الجماعات الجهادية فيها وتتعاون كذلك، فَتعلًّم وعَلَّم، ومن أكثر من استفاد منهم في هذه المرحلة: «قاري سعيد الجزائري» فقد أحبه كثيرا، وكذلك استفاد من غيره من أهل العلم والفضل.
وخلال وجودنا فِي أَفْغانِستَانَ شارك «عَطِيَّةُ» رحمه الله فِي بعض العملياتِ الكبرى هُناك مِثْل: عملية فتح «خوست»، وكان قد تخصص في سلاح الهاون «الْغرْنَايْ»، وقد ذكر بأنه رمى به في أكثر من عملية، من ضمنها تلك العملية، وكذلك فقد كان رحمه الله متخصصا في المتفجرات.
قال الشيخ أبو حفص الموريتاني١٣كل ما سأنقله من كلام الشيخ أبي حفص -محفوظ ولد الوالد- فهو مستفادٌ من محاضرةٍ له بعنوان: «كلمات في سيرة الشيخ أبي عبد الرحمن عطية الله»، نُشرت في: ذي القعدة 1437هـ، وقامت مؤسسة «البشريات الإعلامية» بتفريغها، وحيثُ غنها نُشرت بعد نشر «المجموع» في طبعته الأولى؛ فكل ما أذكره هنا من كلام الشيخ أبي حفص فهو ضمن الطبعة الثانية فقط.: «كان لي الشرف حقيقة في التعرِّف على الشيخ الفاضل والأخ العزيز الشيخ عطيَّةِ الله الليبي.
وكان أول لقاء لي مع الشيخ عطيَّة الله الليبي في بيشاور سنة 1991م؛ تعارفنا هناك وكنت وقتها لم أنضم بعد إلى تنظيم القاعدة، وتعرَّفت عليه في مضافات تابعة للقاعدة، ثم بعد ذلك كانت لنا مسيرة مشتركة في العمل الدعوي والعمل التعليمي، استمرّت عدَّة سنوات بعد ذلك.
ولما التحقتُ بتنظيم القاعدة في بيشاور في سنة 1991م كان هو عضوًا في التنظيم، وكان معه إخوة آخرون أيضًا من ليبيا ومن غيرها؛ ضممناهم إلى اللجنة الشرعية في التنظيم.
وكان الشيخ عطيَّةُ وقتها في مرحلة التحصيل، ولكنه حقيقةً كان متميّزًا في ذكائه وقدرته على التحصيل واتِّزَانه واعتداله في أخذه للأمور كلِّها؛ سواء كانت أمورًا علمية أو كانت أمورًا فكرية، أو حتى أمورًا تنظيمية أو غيرها.
وكان الشيخ عطيَّةُ يرافقني في بعض الأسفار من بيشاور إلى معسْكَرات «تنظيم القاعدة» في الداخل، وجبهات التنظيم أيضًا في جلال آباد لتطبيق البرنامج الشرعي والتربوي والدعوي الذي أقرَّته اللجنة الشرعية في ذلك الوقت.
ولما سقطت كابل بأيدي المجاهدين وبدأ الاقتتال بين «الحزب الإسلامي» و«أحمد شاه مسعود» وقرَّرت القاعدة الخروج من السّاحة الأفغانية والانتقال إلى السودان، كان أخونا عطيَّة الله -رحمة الله عليه- مع مجموعة من الإخوة آخرين قرَّرت القاعدة أن ترسلهم لطلب العلم الشرعي في موريتانيا» اهـ.
إذًا؛ بعدما فُتِحَت أَفغَانِستَانُ وتحررت مِنَ الشُّـيُوعِيِّينَ حَصَل قتال بين الأحزاب الإسلامية، مما دفع «القاعدة» و«المقاتلة» و«جماعة الجهاد» و«الجماعة الإسلامية» وغيرهم للتوجه إلى «السودان» مضطرين.. وتوجه الشيخ عطية الله وبعض طلبة العلم إلى موريتانيا لطلب العلم.
ومِمَّا ميز مرحلة «السودان» أن الجماعات الجهادية تقاربت من بعضها وأصبح عندها وقت أكثر للتلاقي والتشاور والمناقشة.
۞ طلب العلم في موريتانيا والزواج:
قررت «القاعدة» إرسال بعض الشباب لطلب العلم في «موريتانيا»، كان منهم «عطية الله»، وكذلك أرسلت «المقاتلة» عددا من الشباب لنفس الغرض؛ كان منهم «أبو يحيى الليبي» الذي سمى نفسه هناك «يونس الصحراوي» وكانت هذه الرحلة العلمية في «موريتانيا» مرحلة مهمة في حياة «عطية الله» حيث استفاد كثيرًا؛ ليس في المستوى العلمي وحسب؛ فقد استفادوا كذلك في التربية وتزكية النفوس والتواضع والبساطة لدرجة كبيرة جدا أحيانا؛ إذ كان هذا خلق مشايخ «شنقيط»، مع أخلاق أخرى حميدة ترسخت عندهم كالبعد عن الغرور والعُجب، فقد عرفوا أن علمهم الذي كان معهم ليس شيئا يُذكر، بجانب البحار الزاخرة من علماء «شنقيط» مع بساطة في لباسهم ومسكنهم ومطعمهم، وقد حدثني «عطية» عن أحد الشيوخ الكبار الحفاظ أنه كان يبيت على كرتون في مسجد أو بجانب حائط!
وقد استفادوا كذلك فقه التعامل مع الناس وخاصة المخالف، وعلموا أن الغيرة على الدين ليست خاصة بالمجاهدين؛ فعند غيرهم كهؤلاء العلماء غيرة ربما زادت على غيرة الشباب المتحمس على دينهم، ولهذا ترى في كتابات «عطية الله» أدب التعامل مع المخالف..
حقًّا؛ لقد زادت هذه الرحلة في أعمارهم سنوات كثيرة، فزادتهم سعة في أفقهم وفهومهم وعلومهم، وأصبحوا مؤهلين لأن يكونوا علماء أمة لا علماء تنظيم.. وقد حدث الشيخ في مواضع من «المجموع» عن رحلته في موريتانيا وفوائده منها.
وهناك في «موريتانيا» تزوج عدد من الشباب الذين كانوا مع «عطية» رحمه الله، مما دفعَ الشيخَ أن يذهب إلى «الجزائر» فيتزوج فيها، ثم رجع إلى موريتانيا مصطحبا زوجته معه؛ ليغرف من معين علمها الصافي؛ فدرس على كبارِ علمائها كالشـيخيْن البَحْرَيْنِ: «بَدَاهُ وَلَد الْبُوصِيرِيّ» حيث درس على يديه بعض الدروس العامة لكن لم يدرس على يديه كتابا متخصصا، وكذا دَرَس على يد الشَّيخ «مُحَمَّد سَالِم عَدُّودْ» دراسة مُنتظَمةً؛ حَيْثُ درس على يديه أبوابا من ألفية ابن مالك في النّحو وغيرهِ، كما ذكر ذلك في بيان تعزيته فيهما رحمه الله، ولكنه اضطُـــرَّ للخروجِ مِنْ «شِنْقِيطَ» بسبب الـملاحقة الأمنيةِ وَالتَّضْيِيقِ عليه وعلى إخوانهِ من الطغاة١٤انظر عزاء الشيخ في: البوصيري وولد عَدُّود (ص 1254)، وكلامه عن طلبه العلم في موريتانيا؛ ضمن لقاء الحسبة في «المجموع»..
تقول زوجته١٥وصلتُ إلى كلام زوجته من خلال ملف نصي سلمني إياه الأخ ضياء بن الشيخ مصطفى أبي اليزيد؛ حيثُ كانت تربطهم علاقة عائلية بالشيخ عطية وأسرته، فضمنتُ ما ذكرته زوجته في مواضعه من سيرة الشيخ. في لقاءٍ للأخوات المهاجرات معها: «كانت هجرتي الأولى في سنة 1993 بعد أن تزوجت -من الشيخ عطية الله-، وكان زوجي رحمه الله سبقني الى الجهاد بثلاث سنوات، وبدأت الهجرة من الجزائر إلى موريتانيا؛ حيث كان زوجي يطلب العلم هناك، وأول ما وصلت الى موريتانيا نزلت في بيت الشيخ أبي يحيى الليبي رحمه الله وكان بيتا متواضعا جدا، ولم يكن فيه مقومات الحياة؛ حتى الماء والكهرباء، وتفاجأت بهذه الحالة والمعيشة الصعبة، وبعد مدة وصبر على هذا الحال تعودت على هذا الحال، وبعدها ذهبت إلى بيت لنا وكان بسيطًا جدا؛ حتى أن سقف البيت كان بالحديد الزنكو.. وكان الجو في تلك البلد حارًّا جدا ولا يوجد كهرباء حتى نخفف من الجو الحار، وكان زوجي الشيخ عطية الله رحمه الله يدرس على الشمع، وهكذا بدأت الحياة الجديدة وبدأت أنسجم وأرضى بما اختاره الله لنا في طريق الهجرة، والحمد لله كانت الحياة بسيطة ولكن كانت جميلة وسعيدة، وخاصة أني راضية ومقتنعة بهذا الطريق».
قال الزبير: كان لهذه المرحلة العلمية التي قضاها الشيخ في موريتانيا أثرٌ كبير في الحراك العلمي داخل الحركة الجهادية فيما بعد؛ فقد نفعَ اللهُ المجاهدينَ بعلمِ الشيخ كثيرا، حتى ترقَّى في الرتب التنظيمية وصار: مفتي تنظيمِ «قاعدةِ الجهادِ» -أعزهُ اللهُ ونصرَ بهِ الدينَ- وهوَ لذلكَ أهلٌ رحمه الله.
ولم ينقطع الشيخُ عن الطلبِ بعد ذلك؛ بل كان فيه همه وهِمته؛ حتى إنه اجتمع مرةً مع رفيقهِ الشيخ: «أبي يحيى الليبيِّ» رحمه الله مدةَ ستةِ أشهرَ يراجعانِ فيها المتونَ والعلومَ، ويتذاكرانِ المسائلَ، ويتباحثانِ النوازلَ.. أعلى اللهُ نزلهما، وعوضنا عنهما خيرا.
وعلى ذكرِ طلبهِ العلمَ؛ فلا بدَّ منْ إشارةٍ إلى أنَّ خطَّ الشيخِ رحمه الله كانَ يمتازُ بالجمالِ وحسنِ السبكِ والتنسيقِ، معَ الشكلِ الأنيقِ، وقدْ حصلنا على بعضِ الرسائلِ بخطهِ رحمه الله؛ ألحقناها بآخرِ الـمجموعِ.
قال الشيخ أبو حفص الموريتاني ملخصًا سيرة الشيخ في مرحلة الطلب بموريتانيا:
«كنتُ في استقبالهم في موريتانيا ورتَّبنا لهم برنامج طلب العلم عند بعض المشايخ، وكان عدد الإخوة طلّاب العلم الشرعي لا بأس به؛ منهم إخوة تابعون للقاعدة، ومنهم إخوة آخرون أيضًا كانوا تابعين للإخوة في الجماعة المقاتلة الليبية أيضًا؛ فكانوا يطلبون العلم في ذلك الوقت، وكان من أبرزهم وأظهرهم وأنشطهم الشيخ أبو يحيى الليبي -رحمة الله عليه-.
ولما جاء الإخوة كنَّا رتَّبنا أن يكون الشيخ عطيَّة الله الليبي هو المسؤول عن الإخوة طلَّاب العلم الشرعي التابعين للقاعدة في موريتانيا، وسافرت أنا من موريتانيا إلى السودان وبقيت معه على تواصل.
وكان يوافيني بتقرير كل شهر عن سير عملية التحصيل وكيف يكون نشاط الإخوة وعملهم في طلب العلم، وكان التقرير -حقيقةً- وافيًا وشاملًا وكاملًا ومكتوبًا بلغة منظّمة جدًّا، ولفت انتباهي حقيقةً في تقاريره التي يكتبها عن المجموعة بصورةٍ عامة وعن بعض أفرادها أيضًا بصورة خاصة.
والشيخ عطيَّة الله مكث في موريتانيا -على ما أذكر- حوالي ثلاث سنوات درس فيها الفقه والنحو أساسًا؛ هذه العلوم التي درسها في هذه الفترة على ما أذكر، وكان له مشايخ متعدِّدون لعلَّهم لا يريدون أن تُذكر أسماؤهم في هذا المقام وبالتالي أعتذر عن ذكر أسمائهم.
وفي سنة 1994م قامت سلطات موريتانيا بحملة ضدَّ الإسلاميين في موريتانيا، وفي هذه الحملة أُخذ فيها -من بين من أُخذ- الإخوة الليبيون الذين كانوا يطلبون العلم في موريتانيا؛ فسافر الإخوة على إثر هذه الحملة -بعد الإفراج عنهم- إلى السودان، وكان من بين المسافرين إلى السودان أخونا الشيخ عطيّة -رحمة الله عليه-.
في ذلك الوقت كانت الجماعة الإسلامية في الجزائر والمجموعات الأخرى في أوج وذروة نشاطها وقتالها ضدّ النظام الحاكم في الجزائر في ذلك الوقت، وكان الإخوة في السودان كثيرًا ما يلحّون على الشيخ أسامة -رحمة الله عليه- في تقديم ما يمكن تقديمه من المساعدة للجهاد في الجزائر.
فاختار الشيخ أسامة -رحمة الله عليه- من بين مَن اختار: الشيخ عطيّة الله الليبي ليذهب إلى الجزائر لاستطلاع الوضع ومعرفة الأحوال والجماعات والسّاحة والأفكار وما يحتاجون بالضبط، وذلك باعتبار أنَّ الشيخ عطيّة هو أحد الإخوة النوادر في كفاءته وقدرته في هذه الناحية، والأمر الآخر أن أهله -امرأته- كانت جزائرية أيضًا».
۞ في الجزائر ثم العودة لأفغانستان قبل الحادي عشر من سبتمبر:
في عامِ 1415 الموافق 1995م -وبتوجيهٍ مّنَ الشّـيخِ الإمامِ أسامةَ بنِ لادنَ رحمه الله- توجّهَ «عطيّةُ» رحمه الله للمشاركةِ في قيادةِ الجهادِ في الجزائرِ؛ حيثُ مكثَ فيها ثلاثَ سنواتٍ كاملةٍ، إلّا أنّهُ مرَّ بتجربةٍ مريرةٍ فيها، حتّى خرجَ منها نافذًا بجلده -كما ذكر رحمه الله في لقائهِ بشبكةِ «الحسبةِ» و«التَّجربةِ الجزائريّةِ» وفي مواضعَ أخرى تجدها في «الـمجموعِ» - بعدما كادَ أن يتعرّضَ للقتلِ منْ الغلاةِ؛ لكنّهُ نفذَ بجلدهِ.
وبعدها -في حدود 1420الموافق 2000م- يمّمَ وجههُ تجاهَ أفغانستانَ الفخارِ -مرّةً أخرى- مع قيامِ إمارةِ «طالبانَ» الإسلاميّةَ فيها، وعملَ مدرّسًا في «المدرسةِ العربيّةِ في كابلَ» حتّى كانَ وعدُ اللّهِ بنصـر المجاهدينَ المباركِ في غزواتِ الثّلاثاء الأغرِّ 23/ 6/ 1422، الـموافق 11/ 9/ 2001م..
قال الشيخ أبو حفص الموريتاني: «ذهب الشيخ عطيّة الله الليبي إلى الجزائر في رحلة طويلة جدًّا استغرقت عدة سنوات؛ كاد أن يُقتل خلالها من قبل غُلاةِ الجماعة الإسلامية المسلَّحة في الجزائر؛ الذين كادوا أن يقتلوه أكثر من مرَّة.
بقي معهم فترة من الزمن ولما أحسَّ بما يُضمرون له من الشرّ، حتى على ما أذكر أنه حكَى لي بعد ذلك أنه قابل مرّة عنتر الزوابري فهدَّده تهديدًا فَهم منه أن عليه أن يبحث عن مخرج، وأن يتخلَّص من الوضع الذي هو فيه؛ فاضطرَّ للجوء إلى إحدى الجماعات الإسلامية الأخرى المناوئة للجماعة الإسلامية المسلَّحة في ذلك الوقت.
انقطع تواصلنا مع الشيخ عطيّة الله من سنة 1995 إلى سنة 1999 تقريبًا؛ فهذه الفترة تقريبًا قضاها منقطعا عن الاتصال بنا في القاعدة ولا ندري عنه شيئًا قبل سنة 1999م، حتى استطاع بفضل الله عز وجل، وبمساعدة بعض الإخوة الآخرين أن يخرج من الجزائر، وجاءنا في أفغانستان على ما أذكر إما سنة 1999م أو بداية سنة 2000م.
لما جاء حكَى لنا المآسي والجرائم التي كان يرتكبها الغلاة المجرمون باسم الجهاد والمجاهدين؛ فقد كانوا يقتلون الأطفال ويقتلون النساء ويقتلون من لا علاقة له بالحكومة، بل كانوا يذبحون المجاهدين الذين يخالفونهم وجهة النظر أحيانًا، وفي الحقيقة كانت هذه أوَّلُ شهادة أسمعها مباشرة ممن أثق به عن حالة الغلوِّ والإجرام الذي كان يُرتكب باسم الجهاد والمجاهدين في الجزائر، وعلى كلٍّ فشهادة الشيخ عطيَّة على إجرام الغلاة في الجزائر موثّقة وموجودة على الإنترنت، ويمكن الرجوع إليها.
لـمَّا جاء الشيخ عطيَّة الله إلى أفغانستان جاءني في البيت، حيث إنه في الحقيقة كانت تربطني به أكثر من رابطة وعلاقة؛ تربطني به رابطة التنظيم في ذلك الوقت، ولكن ما كان يجمعنا كان أقوى وأرسخ من علاقة التنظيم؛ فقد كان هناك تشابه وتطابق في وجهات النظر لكثير من الأمور؛ سواء تعلّقت بالسّاحة الجهادية أو تعلّقت بساحة العمل الإسلامي بصورة عامة، وكانت بيننا قواسم مشتركة في هذا المجال نادر أن تجدها مشتركةً بين أكثر العناصر الموجودة في السّاحة من طلّاب العلم.
من تلك الأمور مثلًا رؤيتنا لبعض ما كان يشيع في السّاحة الجهادية في ذلك الوقت من كتابات بعض طلّاب العلم وبعض أهل العلم، وكانت كتابات معتمدة بل كانت حقيقة تكاد تكون مقدّسة عند كثير من عناصر التيّار الجهادي بينما كنّا نحن ننظر إليها نظرةً أخرى ونرى أن فيها غلوًّا مُمنهجًا ومُؤصَّلًا، وسوف تكون له نتائج خطيرة في المستقبل، وكان من نتائج ذلك بعض ما حصل في السّاحة الجهادية في الجزائر.
وكان من الأفكار الموجودة مثلًا في الساحة أن كل حاكم كفر بمجرِّد الحكم بكفره؛ فيجب الخروج عليه مباشرة دون النظر إلى عواقب الأمور، ودون النظر إلى توفِّر الشروط والمقوِّمات، ودون النظر إلى المآلات، ودون النظر إلى الظروف المحيطة.. وهذا كان كلامًا غير صحيح وغيرَ منضبط، وكان هذا الأمر من الأمور التي أتَّفق -أنا والشيخ عطيَّة- على أنه أوقع أضرارً كبيرة بالجهاد والمجاهدين في تجارب متعدِّدة حصلت في سوريا من قبل سنة 1982، وحصلت في مصر بعد ذلك سواء على أيدي جماعة الجهاد أو الجماعة الإسلامية، وتكرَّرت في أكثر من موقع.
وحتى لما كنَّا نتكلّم فيما بيننا مع الشيخ عطيَّة في هذا الموضوع كان يقول لي: حتى الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية الآن بعد تجربتها الطويلة لعدَّة سنوات في قتال القذافي وصلت إلى هذه القناعة بالضبط؛ حتى على ما أذكر كان يقول لي: إنها تفكِّر في تغيير اسمها في ذلك الوقت حتى تنزع منه صفة المقاتلة؛ لأنهم وصلوا إلى أن قتال النظام بهذه المقوِّمات البسيطة وعدم توفِّر العَدد والعُدد وشروط ومقوّمات الجهاد هي عملية خاطئة.
ومن الأفكار التي كنّا نتّفق فيها أن ساحة الجهاد على أهميتها هي مجرَّد ساحة من ساحات العمل الإسلامي الكثيرة جدًّا؛ يعني هنالك ساحة الدعوة، وهنالك ساحة العمل الخيري، وهنالك ساحة طلب العلم، وساحات كثيرة جدًّا لعمل الخير.. فقد كانت الأفكار المنتشرة في الساحة الجهادية أن كل عمل غير الجهاد هو عبث، وهو تضليل، وهو قعود، وهو عمل لا يفيد الإسلام والمسلمين في شيء، وكان الشيخ عطيَّة يرى معي أن هنالك ساحات إسلامية فيها عمل هو حقيقة مفيد للإسلام والمسلمين.
ومن الأمور التي كنت أتّفِقُ فيها مع الشيخ عطية أيضًا: قضيَّة الموقف من بعض البدع التي كانت موجودة في أفغانستان أيام حكم طالبان؛ فقد ظهر عندنا بعض الغلاة الذين كانوا يكفّرون حركة طالبان لوجود هذه البدع ووجود بعض العناصر من حركة طالبان كان عندهم بعض التصوّف أو عندهم بعض البدع؛ فكنا أنا والشيخ عطيّة ومجموعة من طلاب العلم أيضًا الموجودين في الساحة؛ كنّا نرى أن هذه الاستثناءات الموجودة في ساحة أفغانستان هي حقيقة لا تغيّر من الأصل الموجود، وهو أن هذه إمارة إسلامية تحكمها حركة تريد تطبيق الشريعة وتجاهد في سبيل الله، وتُؤوي المجاهدين وتنصرهم، وأن هذه الأخطاء تُصلَح على مرّ الزمن وتُصلَح بالدعوة والتصحيح من الداخل.
ومن المسائل التي كنّا نتّفق فيها أيضًا: الموقف من بعض الآراء والاجتهادات للدكتور الفاضل عبد القادر بن عبد العزيز التي وردت في كتابيه (العمدة) و(الجامع في طلب العلم)، وكنَّا نرى أن فيه أفكارًا غايةً في الغلوّ في باب التكفير وباب الحكم على المخالف».
قال الشيخ أبو حفص متابعًا: «ولمَّا جاء الشيخ عطيّة الله الليبي بعد رحلته الطويلة في الجزائر جاء بأطفاله وأسرته نزل عندنا وبقي معنا أيامًا في قندهار معي في البيت، وكنت في ذلك الوقت أُؤَسِّس -أو كان تأسَّس بالفعل-: «معهد العلوم الإسلامية والعربية في قندهار»؛ فكنت استشرته في بعض الأمور التي نريد أن نؤسِّس المعهد من أجلها، وبعض الأمور التي نريد أن نساهم في إصلاح الساحة الجهادية بها، وكانت -حقيقةً- آراؤه وأفكاره مشجِّعة وكانت حقيقة ساهمت في إنجاز بعض ما تمَّ إنجازه من مشاريع في هذا المجال سواءً عن طريق المعهد أو غيره.
وهنا أنوه إلى أن معظم المشايخ الشناقطة أو الموريتانيين الذين كانوا في معهد قندهار أو قل كلّهم لم يكونوا منضمّين للقاعدة، وإنما كانوا متعاقدين مع المعهد ويدرّسون علومًا شرعية ويدرّسون لغة عربية ويدرّسون أصول الفقه ويدرّسون مواد مختلفة، ومنهم الشيخ أبو يوسف الموريتاني، ومنهم أبو الحسن الشنقيطي، ومنهم الشيخ أبو سلمان الموريتاني أيضًا، ومنهم إخوة آخرون، كل هؤلاء ما كانوا مبايعين للقاعدة وأنا كنت متعاقدًا معهم من بلادهم باسم المعهد وليس باسم تنظيم القاعدة، وكان في ذلك خير».
وتُلخص زوجة الشيخِ تفاصيلَ ما جرى في مرحلة الخروج من موريتانيا ثمَّ الذهاب منها للجزائر حتى وصولهم لأفغانستان، وهي تفاصيل مهمة لم تُنشر من قبلُ عن حياة الشيخ الجهادية؛ فتقول:
«بعد تسعة أشهر من وصولنا مهاجرين إلى موريتانيا بدأتِ الحكومة الموريتانية تطارد الإخوة وتبحث عنهم، وبعدها اجتمعنا نحن وعوائل المهاجرين كلنا في بيت واحد، وبعدها بأسبوع رجعت للجزائر، وتركت زوجي والإخوة في البيت، وبعدها هاجمت الشرطة الموريتانية البيت واعتقلت كل الإخوة والأخوات؛ بما فيهم الشيخ أبو يحيى الليبي وزوجته، واعتُقل كذلك زوجي الشيخ عطية، ولكن في طريقهم إلى السجن هرب زوجي وبعض الإخوة معه من الشرطة، وبعدها اتجهوا إلى السنغال، وبعدها إلى السودان، وبعدها رجعوا للجزائر..
ولما رجع كنت بعدها بيوم قد أنجبت ولدي الأول عبد الرحمن.. وبقينا في الجزائر إلى أن أراد زوجي الرجوع إلى موريتانيا للعمل في الأسواق؛ حتى نستطيع السفر بولدنا عبد الرحمن، وأثناء سفرنا عبر المطار قُبِض عليه في المطار، وبقي عند مكتب التحقيقات حوالي أسبوع، وبفضل الله استطاع الفرار منهم، وبعدها التحق بالجماعة الجهادية في الجزائر، وبعدها أرسل لي رسالة وأخبرني أنه في الجزائر لم يسافر، وكنت أزوره من الحين إلى الآخر، وأثناء تلك الفترة رُزِقنا بمولودنا إبراهيم رحمه الله، وبعد أسبوع من ولادة إبراهيم؛ أخذته عند والده ففرح به كثيرا.
وبدأت الأوضاع تصعب علينا في الجزائر، وهذه الفترة كانت آخر مرة نذهب لزيارة زوجي رحمه الله، وبعدها انقطع عنا ولا ندري أهو حي أو ميت، حيثُ مرت أربع سنوات لا ندري ولا نعلم أي شيء عن زوجي (1994 - 1998م)، وفي تلك السنوات سُجنتُ أكثر من مرة وأخذوا مني جوازي، والحمد لله الذي نجانا منهم.
وفي هذه السنوات بدأت «الجيا» التكفيريون في الجزائر بقتل الإخوة المجاهدين، والهجوم على المناطق التي كانت تؤوي الأخوة.
وبعد هذه الفترة صارت هدنة بين الإخوة المجاهدين والحكومة الجزائرية، وبعد مرور أربع سنوات صعبة ظهر زوجي، وأتت به الاستخبارات الجزائرية ومعه سلاحه، وكانت المفاجأة عندي أنه لم يزل حيا؛ ففرحت كثيرا وحمدت الله على سلامته وأن رده عليَّ بعد أربع سنوات؛ حيثُ أتت به الاستخبارات زيارة عندنا في بيت أهلي لمدة ساعتين فقط، وبعدها جاءت الاستخبارات وأخذته وقالوا لي: اذهبي عنده، وفِعلا وبعدما رجع زوجي للجبال ذهبت بعده بساعتين الى الجبال، وعشنا هناك في الجبال شهرًا كاملًا، وكنا نرتب أنفسنا للخروج من الجزائر.
وبعد التجهيز والترتيب للسفر؛ حان موعد السفر فخرجت بجواز آخر، وسافرنا من المطار ولله الحمد، وكانت هذه الهجرة الثانية لي، وكان ذلك في سنة 1998م وكانت الوجهة إلى المغرب، ولما دخلنا إلى المغرب في المطار ختموا لي جوازي، ولكنَّ زوجي رحمه الله شكوا فيه وبدؤوا يفحصون في الجواز، وكان معنا ولدي الصغير «إبراهيم» فقال لي زوجي: اقرصيه؛ حتى يصرخ ويتركونا نمر، وبالفعل بدأ إبراهيم يصرخ وختم له الجواز وخرجنا، ومكثنا في المغرب شهرا كاملًا.
وبعدها هاجرنا إلى الأردن ومكثنا فيها سبعة أشهر، وكان لنا فيها مواقف، ومنها سجن زوجي، وهذا لما كنا في طريقنا إلى تركيا؛ حيثُ أخذوه مِن أمامنا وكبلوا يديه بالأصفاد، وبعدها رجعت إلى الإخوة الذين كانوا معنا في الأردن، وكانوا كلهم ليبيون ومنهم الشيخ أبو محمد الفقيه، وقد مكث زوجي في السجن بالأردن خمسة عشر يومًا، وبعدها أطلقوا سراحه وطلبوا منا الخروج خلال يومين من الأردن وأن ندفع مبلغًا من المال.
وفي الأردن التقيت ببعض الأخوات الفضليات، وكانت الحياة فيها صعبة جدا، وكذلك بعد سجن زوجي سكنا في منطقة الزرقاء مدينة الشيخ أبي مصعب الزرقاوي، وكان لنا لقاءات وزيارات للشيخ أبي مصعب الزرقاوي تقبله الله.
ثمَّ خرجنا من الأردن واتجهنا إلى تركيا قاصدين الإمارة الإسلامية في أفغانستان، وأثناء الطريق أكرمني الله بلقاء ببعض الأخوات المهاجرات، وبعد وصولنا إلى تركيا كانت الحياة جيدة في البداية ورزقنا الله بمولودنا «عصام» تقبله الله، وعزمنا الإخوة على عشاء بمناسبة المولود الجديد، وفي تلك الليلة قامت الحكومة التركية باعتقال الإخوة الذين كانوا عندنا، وبعدها غيرنا البيت وذهبنا لبيت آخر ومنه بدأنا نرتب للخروج من تركيا إلى إيران، وهذه المرة كانت الهجرة برًّا وليس عبر الطائرة.
وخرجنا من تركيا في سنة 1999م ودخلنا إلى إيران ومكثنا فيها شهرًا، وبعدها ذهبنا إلى باكستان وسكنَّا في منطقة كراتشي لمدة سنة، وبعدها دخلنا إلى أفغانستان، وهكذا في كل بلد نتعلم منه ونتعرف على ثقافات وعادات الشعوب، ولولا الهجرة ما عرفنا ذلك؛ رغم أنه فيها مخاطرة، ولكن فيها متعة وسعادة وراحة نفسية رغم الصعاب ورغم الحياة البسيطة.
وبعدها وصلنا إلى أفغانستان، وكانت أول محطة لنا: قندهار؛ حيثُ جلسنا فيها خمسة عشر يوما، وبعدها انتقلنا للعيش في كابل وكانت جميلة وجوها جميل، ويكفي أننا نعيش في ظل خلافة إسلامية وربنا يعلم أحببتها كثيرا وأحسست بالراحة فيها، وكان أولادنا يدرسون في مدرسة للأولاد وأخرى للبنات، والحمد لله قضينا فيها ما شاء الله وحملت فيها ابني «مجاهد».
وبعدها كانت الغزوة المباركة على برج التجارة واضطررنا أن نخرج من كابل إلى قندهار، واستقرَّ بنا المقام في هلمند، وفيها أنجبت ولدي الرابع وكانت أيامًا صعبة والقصف فيها قويا؛ فاستشهد بسببه كثيرٌ من خيرة الأخوة، وبعدها قرر الإخوة أن يُخرجوا كل العوائل، وخرجنا فِعلا، وكان ذلك صعبا علينا وعلى أولادنا الذينَ أحبوا هذا البلد الطيب الذي قضوا فيه أجمل الأيام.. ويكفي أننا كنا نعيش في عزة وكرامة وحُرية، ونسأل الله أن يعيدها وأن ينصر المجاهدين في كل مكان».
۞ بعد الحادي عشر من سبتمبر:
بقي الشيخُ في أفغانستان حتى غزواتِ الحادي عشـرَ منْ سبتمبرَ المباركةِ، وبدءِ الحروبِ الصّليبيّةِ الثّالثةِ على أفغانستانَ، وانحيازِ المجاهدين في «الإمارةِ الإسلاميّةِ»؛ فذهبَ الشيخ إلى إيرانَ.
قالَ الشيخ أبو حفص الموريتاني: «لما رجع الشيخ عطيّة الله الليبي من الجزائر لم ينضم إلى القاعدة مباشرة؛ بل بقي فترة من الزمن وكنت أكلّمه وأقول له: لماذا لا ترجع إلى القاعدة؟ فكان يقول لي: أمهلوني فترة، وكأنه كان واجدًا في نفسه أن القاعدة لم تبذل الجهد الكافي في متابعة موضوعه أثناء انقطاع أخباره في الجزائر.
وبالمناسبة فهذا أمر غير مقصود؛ فالشيخ أسامة -رحمة الله عليه- يقدّر الشيخ عطيّة جدًّا جدًّا، حيث إن الشيخ عطيّة يتميّز بصفات منها حسن الخلق، ومنها الصبر، ومنها مؤهّلات شخصيّة تتوافر فيه كالإدارة والقيادة قلّ أن تتوفّر في غيره.
فالشيخ عطيّة الله بقي منذ أن جاء إلى أن بَدَأ العدوان والحرب على أفغانستان وهو خارج إطار تنظيم القاعدة ولم يكن معهم، ولعلَّ هذا ما لا يعرفه كثير من الإخوة؛ أي أنه كان في هذه الفترة مستقلًّا، وحتى لم يكن في هذا الوقت منضمًّا تنظيميًّا للإخوة الليبيين في الجماعة الإسلامية المقاتلة.
ولما حصلت أحداث عمليات الحادي عشر من سبتمبر وحصل بعدها ما حصل من غزو كان موقفه موقف طلّاب العلم الشرعيين وموقف الناس كلها؛ فالناس كانت في عمومها معارضة للأحداث، لكن لما حصل الغزو لأفغانستان لم تكن معارضة لمقاومة الاحتلال والعدوان، بل كانت مع الأفغان ومع حركة طالبان في مقاومة الاحتلال ومقاومة العدوان، وكانت جهودها العلمية والدعوية وجهودها العسكرية منصبَّة في هذا الجانب.
ولما سلّمَت طالبان آخر معاقلها في قندهار وطلبت من الإخوة المجاهدين العرب وخاصّةً أصحاب الأسر الخروج من أفغانستان في تلك المرحلة إلى أن تتهيّأ مرحلة جديدة كان الشيخ عطيّة الله الليبي من الخارجين إلى إيران، وقد تواصلتُ معه في إيران وبقي فيها مدّةً من الزمن، وبقي حتى ذلك الوقت لم يدخل إلى تنظيم القاعدة ولا يزال على موقفه الذي رجع به من رحلته إلى الجزائر.
لما اعتُقلنا في إيران كان الشيخ عطيّة الله ممن نجا بفضل الله من الاعتقال وذهب إلى وزيرستان، فانقطعت عنّي أخباره في هذه المرحلة لأننا دخلنا السجن في شهر 12 سنة 2002م ولم نخرج منه إلّا في شهر 4 سنة 2012م يعني تقريبًا عشرُ سنوات.
في هذه الفترة كان أحيانًا يأتي إلينا بعض الإخوة الذين اعتُقلوا مؤخّرًا أو اعتُقلوا بعدنا بعدّة سنوات مثلًا؛ فينضموا إلينا في السجن فنجد عندهم بعض الأخبار، ومن الأخبار التي وصلتنا من بعض هؤلاء الإخوة أن الشيخ عطيّة الله الليبي رجع إلى القاعدة وانضمّ إليها وأصبح يتحمّل مسؤوليات إدارية وتنظيمية في وزيرستان.
بل كان حقيقة يتولّى جزءًا كبيرًا جدًّا من مسؤوليات التنظيم، حتى أنه كان يتولّى المسؤولية في التواصل مع فروع تنظيم القاعدة في مناطق أخرى، كشمال إفريقيا والصومال وفي العراق أيضًا؛ فقد كان يتواصل معهم وكان يحمل إليهم ويتلقّى منهم المراسلات بينهم وبين الشيخ أسامة -رحمة الله عليه-».
قال الزبير: ثم إنه لمَّا احتلَّت «أمريكا» العراقَ كلّفَ الشّـيخُ «أسامةُ» الشـّيخَ «عطيّةَ اللهِ» رحمه الله بالذّهابِ إلى العراقِ لقيادةِ الجهادِ هناكَ جنبًا إلى جنبٍ معَ أسدِ العراقِ الشـّيخِ: «أبي مصعبٍ الزّرقاويِّ» رحمه الله -وذلك في عامِ 1427 الموافقِ 2006م-، ولكنْ لمْ ييسّـر اللّهُ ﷻ للشّـيخِ دخولَ العراقِ لحكمةٍ يعلمها عز وجل -فلعلّهُ لوْ وصلَ العراقَ لقتلهُ الغلاةُ المجرمونَ هناكَ-؛ فعادَ ليتمَّ دورًا كبيرًا ومحوريًّا في قيادةِ «قاعدةِ الجهادِ» خلالَ الخمس سنواتٍ الأخيرةِ من حياتهِ؛ حيثُ كانَ رحمه الله نائبَ المسؤولِ العامِّ للتّنظيمِ في أفغانستانَ؛ الشـيخِ «مصطفى أبو اليزيدِ» رحمه الله، وما لبثَ أنْ صارَ المسؤولَ العامَّ لهُ بعدَ استشهادهِ، ثمَّ صارَ الرّجلَ الثّاني في التّنظيمِ بعدَ استشهادِ الشّـيخينِ الجليلينِ: «أسامةَ بنِ لادنَ» و«مصطفى أبو اليزيدِ» رحمه الله؛ فلقدْ كانَ الشّيخُ عطيّةُ رحمه الله يمتلكُ منَ الحكمةِ والحنكةِ والخبرةِ الشّرعيّةِ والقياديّةِ والإداريّةِ والسّـياسـيّة ما أهّلهُ لقيادةِ «تنظيمِ قاعدة الجهاد» برغم وجودِ منْ همْ أكبرُ منهُ سنًّا وأقدمُ هجرةً وجهادًا في التّنظيمِ، وهكذا بقيَ الشّـيخُ رحمه الله في جهادٍ..
حتّى حانت ساعةُ لقاءِ ربّهِ، وجاءه الاصطفاءُ؛ فصارَ في مصافِّ الشّهداءِ -كما نحسبهُ-.
قال الشيخ أبو حفص الموريتاني: « في سنة 2014 لما أُفرج عن الدفعة الأولى من مجموعة الوثائق التي عُثر عليها في بيت الشيخ أسامة -رحمة الله عليه- قرأت هذه الوثائق كلها، وفي الحقيقة قرأت من خلالها كلّ -أو أستطيع أن أقول معظم- ما فاتني من أخبار وأمور الجماعة وقيادتها في الفترة التي غبنا فيها في السجن.
ومما قرأته من رسائل الشيخ التي أُفرج عنها إلى الشيخ عطيّة الله الليبي -رحمة الله عليه- أنه عُيّن في مكان الشيخ سعيد -رحمة الله عليه- بعد استشهاده، وكان يتولّى معظم المهام أو تستطيع أن تقول: إن الأعمال الإدارية والتنظيمية للقاعدة في وزيرستان والتواصل مع فروعها من الخارج يتبيّن للقارئ من خلال الرسائل أنها كانت إما بيد الشيخ عطيّة وإما أنها كانت تمرّ عن طريقه.
وقرأت للشيخ عطيَّة أيضًا أنه كان يتولّى إدارة ملفات مهمة منها ملف اختطاف دبلوماسي أفغاني كانت اختطفته القاعدة؛ تم دفع خمسة ملايين دولار من قبل الحكومة الأفغانية للإفراج عنه.
ولو قلت إنني لم أعايش شخصًا مثل الشيخ عطيَّة الله الليبي من جيله في ساحات الجهاد لما كنت في كلامي مبالغًا؛ فالشيخ عطيّة الله الليبي كان عفّ اللسان، كان مؤدّبًا، كان كريمًا، كان خلوقًا، كان منصفًا، وكان ذكيًا حقيقة ومدركًا لما حوله.
ومما يعجبني فيه قدرته على التمييز بين ما يؤخذ وما لا يؤخذ من كلام بعض أهل العلم في اجتهاداتهم، وإنصافه لهم مع ذلك، ومن ذلك على الخصوص: موقفه من مدرسة مشايخ نجد المعاصرة؛ الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمة الله عليه-، والمشايخ النجديين من بعده؛ حيث كانت لي وإيّاه آراء متطابقة في هذا المجال، خطرت لكلّ منّا لوحده فتواردت فيها الخواطر، وهذا كان ممّا أعجبني فيه حقيقة.
وما رآه الشيخ عطيَّة الله الليبي في الجزائر من غلوّ الغلاة أضاف إلى رصيده العلمي رصيدًا من التجربة كان له أثرٌ إيجابيٌ كبيرٌ جدًّا في فتاوى وآراءِ ومواقفِ الشيخ عطيّة الله الليبي.
ونقول اليوم: إن غياب الشيخ عطيّة الله الليبي عن ساحة الجهاد وعن القاعدة كان خسارة عظيمة؛ لأنه وجه علمي، جهادي، متميّز، معتدل، متّزن، خلوق، يعرف للناس أقدارهم، ويحفظ لهم منزلتهم ومكانتهم، وهذا شيء نادر حقيقةً في ساحة الجهاد التي يغلب عليها عادةً التوتّر وعدم الاتّزان عند بعض وليس كل طلّاب العلم الذين هم في الحقيقة قليلون في الأصل في ساحة الجهاد».
۞ أخلاقه وصفاته وعلميَّته:
كان الشّـيخُ رحمه الله صاحبَ عبادةٍ وقيامِ ليلٍ وتهجُّدٍ للّهِ ﷻ، وكانَ قد ازدادَ تعلّقهُ بربّهِ عز وجل بعدَ تسلّمهِ لإمارةِ «جماعةِ قاعدةِ الجهادِ» أعزَّها اللهُ؛ حيثُ يتّضحُ هذا بشدّةٍ منْ خلالِ رسائلهِ العديدةِ الّتي ينصحُ فيها بالصّبرِ واللّجوءِ إلى اللّهِ ﷻ في أوقاتِ الشّدّةِ وحسنِ الظّنِّ به عز وجل والثّقة بنصـره؛ برغمِ الظّروفِ الصّعبةِ الّتي كانَ يمرُّ بها المًجاهدونَ.
وكانَ كذلكَ منْ أحرصِ النّاسِ على بيتِ مالِ المسلمينَ؛ فلا يصرفُ منهُ إلّا بقدرهِ وبالمعروفِ؛ فقدْ تكون عنده منَ الأموال أحيانًا ما يكفيهِ لسدادِ حاجاتهِ، ولكنّها أموالُ بيتِ المالِ؛ فلا يشتري لنفسه ما يأكلهُ، وإنْ فعلَ فإنّهُ يشتريْ ما قلَّ ثمنهُ ورخصَ؛ حرصًا منهُ رحمه الله على هذهِ الأمانةِ العظيمةِ.
وكانَ رحمه الله يحرصُ أشدَّ الحرصِ على تعليمِ أولادهِ وتدريسهمْ وتربيتهمْ بنفسهِ على الرّغمِ منْ كثرةِ الـمسؤوليّاتِ الملقاةِ على عاتقهِ.. كلُّ هذا مع طيبةِ قلبه؛ وخفّةِ ظلّهِ؛ فقدْ كانَ يمازحُ إخوانه ويواسيهمْ؛ معَ ما عرفَ عنهُ منْ حزمٍ وقوّةٍ في الرّأيِ والتّدبيرِ.
وأمّا حسنُ إدارته وقوّةُ بصيرتهِ فهيَ السّمةُ المميّزةُ لهُ رحمه الله، فقدْ شهدَ لهُ القاصـي والدّانيْ بذلكَ؛ حيثُ أكسبهُ العملُ في السّاحاتِ الجهاديّةِ المختلفةِ خبرةً عظيمةً قلَّ أنْ تجتمعَ في رجلِ واحدٍ.
وكانتْ شخصيّتهُ قويّةٌ رحمه الله حيثُ عرفَ عنهُ الجدّيّةُ والحزمُ، وأحيانًا «العصبيَّة»؛ فقدْ كانَ حازمًا في العملِ، دقيقًا في مواعيدهِ، ضابطًا لعملهِ.
ولعلّ من أعظمِ صفاته رحمه الله: التّواضعُ لإخوانه المجاهدينَ خاصَّةً والمسلمينَ عامّةً، وهذا منْ بركةِ العلمِ الّذي حباهُ اللهُ إيّاهُ؛ فلا يأنفُ عنْ محاورةِ الصّغيرِ ولا الكبيرِ، ولا مؤاكلتهمْ أوْ مخالطتهمْ.
وقدْ كانَ شديدَ الغيرةِ على دماءِ الـمسلمينَ وأعراضهمْ مشدّدًا فيها، ومعلنًا أعظمَ النّكيرِ على سفكها بغير حقٍّ، وهذا كلّهُ ملاحظٌ منْ كلماتهِ ومواقفهِ القويّةِ الّتي سجّلَ بعضها في هذا «المجموعِ».
وأمّا خطابه؛ فقدْ كانَ يتّسمُ بالاهتمامِ البالغِ بالتّربيةِ وترسيخِ الأخلاقِ الفاضلةِ معَ الموافقِ والمخالفِ، وتركِ حظِّ النَّفسِ وإيثارِ ما عندَ اللهِ عز وجل، وكانَ يرى أنَّ هذهِ الأمورَ منْ أولى الواجباتِ على المجاهدينَ -وهيَ كذلكَ بلا شكٍّ-، بلْ كانَ كثيرًا ما يحيلُ المشاكلَ إلى قلّةِ التّربيةِ في السّاحةِ الجهاديَّةِ.
وكذا كانَ يقف رحمه الله سدًّا منيعًا في وجهِ الغلاةِ والمتسرّعينَ في التّكفيرِ، والمتساهلينَ في الدّماءِ، وكانَ يكرّر حينَ الخلافِ: «لعلَّ للمخالفِ عذرًا.. لعلّهُ كذا وكذا» حتّى تذهبَ عجلةُ المتسرّعينَ.
وكانَ رحمه الله يراسلُ أهلَ العلمِ في المشكلاتِ والنّوازلِ الجهاديّةِ والشّرعيّةِ؛ فيصدرُ عنهمْ ويستفيدُ منْ شوراهمْ، وممّا يذكرُ هنا أنَّ أحدَ الـمشايخِ العاملينَ بعثَ لهُ برسالةٍ فيها: أنَّ سرَّ «الفاتحةِ» في ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة] فعلّقَ عليها رحمه الله: سرّها في كلمةِ ﴿ٱهۡدِنَا﴾ [الفاتحة: 6] كما تجدهُ في «سلسلةِ الثّقافةِ والوعيِ»، ولا يمنعهُ عنِ التّواصلِ معهمْ؛ كونهم يخالفونهُ في بعضِ الـمسائلِ والنّوازلِ؛ فقدْ كانَ فقهُهُ أوسعَ منَ التَّنظيماتِ والجماعاتِ، بلْ كانَ ينظرُ أنَّ العالِمَ يستفادُ منهُ ولوْ خالفنا في اجتهادهِ.
والـمـتـتــبّعُ لكلامِ الشّيخِ رحمه الله يلحظُ ما حباهُ اللهُ منْ فقهٍ في الدّينِ، وفهمٍ عنِ اللهِ رّبِّ العالمينَ، وما كانَ عندهُ منْ قوّةٍ في الحافظةِ، وسيلانٍ في العلمِ؛ فقدْ تتبّعتُ كثيرًا منْ كلامه؛ فعلمتُ أنّهُ -وبلا شكٍّ- كثيرًا ما يحدّثُ منْ حفظهِ، ويستدلُّ على مسائلَ كثيرةٍ من ذاكرتهِ، معَ تواضعٍ شديدٍ، وفهمٍ كبيرٍ، وكانَ يقولُ: «التّأليفُ لعلّهُ ما زالَ مبكّرًا على مثلي، وأنا أخشاهُ وأتقاصـرُ عنهُ» معَ ما عندهُ منْ علمٍ وفضلٍ.
وقد سُئل الشيخ أبو حفص الموريتاني عن مؤلفات الشيخ عطية المضمَّنة في هذا الكتاب «الأعمال الكاملة»، فقال: «راجعتُ واطلعت على هذا الكتاب وهذا السفر العظيم للشيخ عطيَّة الله الليبي، وهو حقيقةً كتاب يستحقُّ القراءة، والشيخ من الشخصيات النادرة في الساحة الجهادية، والتي أثَّر غيابها عن الساحة سلبًا عليها، وأتاح الفرصة لآراء وأفكار أخرى كان بوجودها أثر سلبي في الساحة.. وللشيخ عطيَّةُ الله رسائل وفتاوى ولقاءات تبيِّن آراءه في بعض ما كانت تقوم به الجماعات الجهادية من أمور غير منضبطة من الناحية الشرعية، ومن أفكار فيها غلوٌّ وفيها عدم انضباط من الناحية الشرعية، وهذا ما يؤكِّد ما ذكرت من اتِّزانه واعتداله وانضباطه في أغلب وأكثر ما يقول».
۞ صفات الشـيخ الجهادية والقيادية:
يشهدُ الجميعُ للشّـيخِ رحمه الله أنّهُ كانَ حاذقًا وذا خبرةٍ واسعةٍ في الشُّؤونِ الجهاديّةِ وتسـييرِ أمورِ الجهادِ ومهَامهِ الصَّعبةِ؛ حيثُ كانَ ذا حزمٍ وقوّةٍ في الرَّأيِ، وصاحبَ نظرٍ عميقٍ في عواقبِ الأمورِ، ولعلَّ ما قالهُ عنهُ أميرُ الاستشهاديّينَ الشّـيخُ «أبو مصعبٍ الزَّرقاويُّ» رحمه الله في رسالتهِ المسمَّاةِ: «دعوا عطيَّةَ اللّهِ فهوَ أعلمُ بما يقولُ» يكفي لبيانِ ذلكَ.
وممَّا يدلُّك على هذا أيضًا أنَّ الشّـيخَ رحمه الله قامَ بقيادةِ «قاعدةِ الجهادِ» في ظروفٍ عصيبةٍ؛ اقتضتْ ضـرورةُ المرحلةِ أنْ لاَ يكونَ لها إلَّا الأكفاءُ منْ أمثالهِ، فقامَ بثغرهِ أحسنَ قيامٍ؛ حتَّى ارتقى شهيدًا كما نحسبهُ، وقدْ أخذتْ منهُ إدارةِ العملِ الجهاديِّ جُلَّ وقتهِ حتّى صرفتهُ عنِ القراءةِ والتَّأليفِ رغمَ شغفهِ بهما، ولذلكَ قلَّ إنتاجهُ العلميُّ بشكلٍ ملحوظٍ، وكانَ يتأسّفُ على قِلَّةِ الوقتِ الَّذي يهبهُ للقراءةِ.. وفي كل خير؛ فما العلمُ إلا لِلعَمَلِ.
وقد قاد الشيخُ عطيةُ التنظيمَ في أفغانستان من حين استشهاد قائده الأسبق الشيخ مصطفى أبي اليزيد، وذلك بتاريخ: 7 جمادى الآخرة 1431هـ؛ 22 مايو 2010م، أي أنه بقي أميرًا لقاعدة أفغانستان وما حولها -ونائبًا للشيخ أسامة- سنةً ونصف حيث استشهد في رمضان 1431 هـ رحمه الله.
ولكنَّا نحمدُ اللّهَ على كلِّ حالٍ؛ فقدْ تركَ الشّـيخُ رحمه الله خلفهُ رجالًا ذوي هممٍ عاليةٍ تناطحُ الشُّمَّ الرَّواسي -نسألُ اللّهَ ﷻ أنْ يسدّدهمْ ويعينهمْ على رفعِ الرّايةِ وإكمالِ المشوارِ الجهاديِّ المباركِ-.
وكذلكَ فقدْ كانَ رحمه الله ذا خبرةٍ كبيرةٍ بالكمبيوتر والتّعاملِ معَ الانترنتْ، وملمًّا بأمورٍ كثيرةٍ في مجالاتِ التّكنلوجيا والتَّطوّر، معَ حرصٍ شديدٍ على الارتقاءِ بنفسهِ منْ جميعِ النّواحي؛ حتّى يستطيعَ استيعابَ ظروفِ الجهادِ المختلفةِ الّتي تتطلّبُ أن يكونَ القائدُ والأميرُ على كفاءةٍ عاليةٍ منَ النّاحيةِ العلميّةِ والعمليّةِ، بلْ وفي شتّى المجالاتِ.
وكانَ رحمه الله حريصًا على إخوانهِ وعلى أرواحهمْ أشدَّ الحرصِ؛ فقدْ تجدهُ يمنعهمْ منْ أمرٍ ظاهرهُ خيرٌ، ولكنْ -وبعدَ التَّأمّلِ- تجدُ أنَّ ما ذهبَ إليهِ منْ رأيٍ هوَ الصّوابُ، وما كانَ ذلكَ إلّا لحرصهِ رحمه الله على دماءِ إخوانهِ؛ خاصّةً القياداتِ والكفاءاتِ منهمْ.
وقدْ شاركَ الشّيخُ رحمه الله في توجيهِ دفّةِ «قاعدةِ الجهادِ» معَ سنانهِ بقلمهِ وبنانهِ؛ فقدْ كانتْ لهُ مشاركاتٌ في كتابةِ عددٍ منْ بياناتِ «جماعةِ قاعدةِ الجهادِ - القيادةُ العامّةُ»، وكانَ ممَّا كتبهُ: بيانُ استشهادِ الشّيخِ أسامةَ بنِ لادنٍ رحمه الله الـمعنونُ بـ: «عشتَ حميدًا.. بيانٌ بشأنِ ملحمةِ الإباءِ، واستشهادِ أسدِ الإسلامِ الشّيخِ أسامةَ بنِ لادنٍ»، وكذلكَ فقدْ كتبَ بيانَ «غزوةِ أبي دجانةَ الخــراساني تقبّلهُ اللهُ لاختراقِ حصونِ الأمريكانِ» وغيرها منَ البياناتِ الّتي أصدرتها القيادةُ العامّةُ لـ«جماعةِ قاعدةِ الجهادِ».
۞ حبٌّ ووفاءٌ بين المجاهدين والشيخ «عطية الله» رحمه الله:
لقدْ كانَ الشّيخُ حبَّ إخوانهِ، حتّى أنّهمْ يفدونهُ بأنفسهمْ، ويحملونهُ فوقَ رؤوسهمْ؛ ولا أدلَّ على هذا ممّا خطّهُ الشّيخُ «أبو الحسنِ الوائلي» فيْ كتابهِ القيّمِ «الحبُّ الخالدُ»؛ حيثُ قالَحفظه الله:
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
فَدَتْكَ نَفيساتُ النُّفوسِ مِنَ الرَّدَى | ومثلُكَ يُفْدى بالنُّفوسِ النَّفائِسِ |
وَكَيْفَ لاَ يُفْدَى الشَّيْخُ عَطِيَّةُ بِأَرْوَاحِنَا؟ فَلَقَدْ كَانَ نِعْمَ الشَّيْخُ الْعَالِمُ، وَنِعْمَ الْمُجَاهِدُ الْعَامِلُ، وَنِعْمَ الْأَمِيرُ وَالْجُنْدِيُّ، وَنِعْمَ الْأَخُ الْحَبِيبُ، وَالْوَالِدُ الْقَرِيبُ، وَالنَّاصِحُ الشَّفِيقُ؛ جَمَعَتْنَا أيامٌ سَوِيَّةً فَكَانَتْ أَجْمَلَ الْأَيَّامِ، اسْتَفَدْتُ مِنْهُ وَتَعَلَّمَتُ مِنْهُ كثيرًا؛ فَكَانَ قُرَّةَ الْعَيْنِ، وَجَلَاءَ الْأَحْزَانِ، قَالَ لِي فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ الَّذِي اُضْطُرِرْتُ فِيْهِ لِفِرَاقِهِ: وَاَللَّهِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَكْثَرَ مِن ابْنِي!، وَقَبْلَ أَيَّامٍ مِنْ تَنْفِيذِ «أَبِي طَلْحَةَ الألْمَانِيِّ» لِعَمَلِيَّتِهِ الانْغِمَاسِيَّةِ، ذَهَبْتُ مَعَ الشَّيْخِ لِزِيَارَتِهِ، وَقَدْ كَانَ لِأَبِي طَلْحَةَ مَكَانَةٌ كَبِيرَةٌ فِي قَلْبِ الشَّيْخِ عَطِيَّةَ رحمه الله، فَلَمَّا جَلَسْنَا سَوِيَّةً قَالَ لِيَ الشَّيْخُ: «اذْهَبْ أَنْتَ كَذَلِكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ؛ فَمَا بَقِيَ إلَّا أَنْتَ!»، وَكَانَ وَقْتَهَا حَزِينًا لِفِرَاقِ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَدْ وَجَدْتُ رِسَالَةً بِخَطِّ «أَبِي طَلْحَةَ» أَرْسَلَهَا إِلَى الشَّيْخِ قُبَيْلَ اسْتِشْهَادِهِ، يَقُوْلُ فِيهَا: «شَيْخِي الْكَرِيمَ! اعْلَمْ أَنَّنِي أُحِبُّكَ فِي اللَّه، وَكَانَتْ مُعَاشَرَتُكَ وَقْتًا طَيِّــبًا فِي حَيَاتِي، وَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا عَلَى حُسْنِ ظَنِّكَ بِي، وَإِنَّهُ لَشَرَفٌ عَظِيمٌ أَنْ عَرَّفَنِي اللَّهُ عَلَى أَمْثَالِكُمْ؛ نَعَمْ يَعِزُّ عَلَيَّ فِرَاقُك، وَقَدْ حَاوَلْتُ أَنْ أَتَهَرَّبَ مِنَ الْعِنَاقِ الْأَخِيرِ، وَلَكِنْ أَيْنَ الْمَفَرُّ؟ وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُبُّ فِي الدُّنْيَا؛ فَكَيْفَ يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سُرُرٌ مُتَقَابِلَيْنِ؟».
وَهَذَا قُرَّةُ أَعْيُنِنَا الشَّيْخُ «أَبُو يَحْيَى اللِّيبِيِّ» حفظه الله١٦استُشهِدَ الشيخ «أبو يحيى» تقبله الله بعد رفيق دربه وخل روحه وأنيسه في هجرته، الشيخ «عطية الله» بمدة يسيرة؛ ففجع بهما أهل الإسلام في كل مكان، وصدق فيهما قول الشيخ أبي الليث الليبي رحمه الله أنه وجد خلال حياته: «أن الذي تجمعه مع أخيه المجاهد عَلاقة حب خاصة تتميز عن بقيتها من العلاقات، إذا قتل هذا الأخ فالآخر يلحقه بعد فترة بسيطة»؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. يُجَاوِبُنِي عَلَى رِسَالَةٍ أَرْسُلْتُهَا لَهُ أُعَزِّيهِ وَأُعزِّي نَفْسِي فَيهَا بِمَقْتَلِ حَبِيبِنَا وَوَالِدِنَا الشَّيْخِ «عَطِيَّةِ اللهِ»؛ فَكَانَ جَوَابُهُ: «أَخِي الحَبِيْب: وَصَلَتْنِي رِسَالَتُكُم الأُولَى فِي التَّعْزِيَةِ فِي رَفِيقِ الدَّرْبِ الشَّيْخِ «عَطِيَّةَ»؛ فَجَزَاكَمُ اللهُ خَيْرًا كُلَّ خَيْرٍ، هَكَذَا يَكُونُ العَزَاءُ وَالوَفَاءُ وَأَنْتُمْ أَهْلٌ لَذَلِكَ، فَعَلِمَ اللهُ مَا كُنْتُ أَنْتَظِرُ يَوْمًا أَعِيشُ فِيهِ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِيهَا الشَّيْخُ «عَطِيَّةُ» رحمه الله؛ فَقَدْ كُنْتُ أَعُدُّهُ عُدَّةَ النَّوَائبِ لـِمَـا جَمَعَ اللهُ لهُ مِنَ العَقْلِ وَالحِكمَةِ وَالرَّزَانَةِ وَالأَنَاةِ والعِلْمِ والتَّجْرِبَةِ وَالوَقَارِ -كَمَا نَحْسِبُهُ واللهُ حَسِيبُهُ-، وَقَدْ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي التَّخَوُّفِ مِنْ ذَهَابِ الآخَرِ قَبْلَ أَخِيهِ كَفَرَسَيِ الرِّهَانِ!، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَدُهُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ غِيَابِ الآخَرِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا بَيْنِي وَبَينَهُ مِنَ البَوْنِ؛ فَمَا أَنَا وَهُوَ إِلَّا كَالعَصَا وَالسَّيْفِ، وَلَكِنْ هَكَذَا أَلَّفَ اللهُ بَيْنَنَا؛ فَنَحْنُ رُفَقَاءُ هِجْرَةٍ وَجِهَادٍ وَأَسْفَارٍ وَطَلَبِ عِلْمٍ وَمُدَاهَمَاتٍ، وَأَخِيرًا: بَلَاءُ الـمَسْؤُولِيَّةِ.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
فَمَا رَاقَنِي مَنْ لَاقَنِي بَعْدَ بُعْدِهِ؟ | وَلَا شَاقَنِي مَنْ سَاقَنِي لِوِصَالِهِ | |
وَلَا لَاحَ لِي مُذْ نَدَّ نِدٌّ لِفَضْلِهِ؟ | وَلَا ذُو خِلَالٍ حَازَ مِثْلَ خِلَالِهِ» |
ثمَّ ختمَ الشّيخُ أبو يحيى رسالتهُ بهذا الحديثِ العظيمِ: «ولكَ هذا الحديثَ العظيمَ الصَّحيحَ الّذي رواهُ أبو داودَ والنّسائيٌّ وغيرهما عنْ عبيدِ بنِ خالدٍ السّلميِّ، أنَّ رسولَ اللّهِ ﷺ آخى بينَ رجلينِ، فقتلَ أحدهما وماتَ الآخرُ بعدهُ؛ فصلّينا عليهِ، فقالَ النّبيُّ ﷺ: (ما قلتمْ؟) قالوا: دعونا لهُ.. اللّهمَّ اغفرْ لهُ، اللّهمَّ ارحمهُ، اللّهمَّ ألحقهُ بصاحبهِ، فقالَ النّبيُّ ﷺ: (فأينَ صلاتهُ بعدَ صلاتهِ؟ وأينَ عملهُ بعدَ عملهِ؟ فلما بينهما كما بينَ السّماءِ والأرضِ)»١٧سنن النسائي (1985)، سنن أبي داود (2524) وصححه الألباني..
وقدْ أفادني الشّيخُ أبو الحسنِ الوائلـي بقصصٍ عجيبةٍ عنِ الشّيخِ رحمه الله؛ في حسنِ إدارتهِ، وتربيـــتهُ أولادهُ، واعتنائه بمنْ تحتهُ من الـمجاهدينَ وتعليمهمْ وتوجيههمْ حتّى تتّضحَ الأمورُ، وصبرهِ وتسليمهِ بما يحلُّ عليهِ منَ الـمصائبِ؛ رضًى بقضاءِ اللهِ وقدرهِ، وممّا ذكرهُ أنْ قالَ: كنتُ لـمَّا أرى الـمقتلةَ الحاصلةَ بالإخوةِ منَ الطّائراتِ بدونِ طيّارٍ؛ أقولُ للشّيخِ عطيَّةَ رحمه الله:
يبدو أنّنا كأصحابِ الأخدودِ؛ نعرفُ أنَّ مصيرنا القتلُ منْ هذهِ الخبيثةِ ومعَ ذلكَ نستمرُّ في العملِ.! فكانَ يقولُ: صدقتَ كأصحابِ الأخدودِ».
۞ غزوة «خوست» المباركة:
وليسَ أدلَّ على ما سبقَ ذكرهُ منْ حنكةِ الشَّيخِ وخبرتهِ أنْ تعلمَ -رعاكَ اللّهُ- أنَّ الشَّـيخَ رحمه الله هوَ المهندسُ الحقيقيُّ لـ «غزوةِ حذيفةَ بن اليمانِ»؛ الّتي هزّتْ أركانَ الاستخباراتِ الأمريكيّةِ «CIA» وإدارةَ «البيتِ الأسودِ»، والّتي نفّذها الأخُ الدّكتورُ الشّهيدُ -كما نحسبهُ-: «أبو دجانةَ الخراسانيِّ» رحمه الله في قاعدةِ «خوست»؛ قالَ الشّيخُ المجاهد أبو البراءِ الكويتيُّ -خلالَ سردهِ سيرةَ الشّيخِ عطيّة رحمه الله-: «في صباحُ اليومِ الثّاني -للغزوةِ- قابلتهُ في إحدى المناطقِ وقدَ كنّا نتحدّثُ بكلامٍ عاديٍّ فقالَ لي: هلْ تعرفُ يا أبا البراءِ منْ قامَ بهذهِ العمليّةِ؟ فقلت لهُ: لاَ أعلمُ، فقالَ لي: إن أخانا أبا دجانةَ الخراسانيِّ هوَ منْ قامَ بتنفيذِ هذهِ العمليّةِ، ثمَّ حكى ليَ التّفاصيلَ كاملةً عنْ العمليّةِ وكيفَ تمَّ التّخطيطُ لها؛ فالعمليةُ لمنْ عرفَ تفاصيلها تدلُّ دلالةً كبيرةً على براعةِ هذا الرّجلِ وحنكتهِ وحسنِ تخطيطهِ وتدبيرهِ، إلى جانبِ توفيقِ اللّهِ ﷻ أولًا ثمَّ لأخينا «أبي دجانةَ الخراسانيِّ» رحمه الله.
تمّتْ هذهِ العمليّةُ المباركةُ الّتي قصمتْ ظهرَ الاستخباراتِ الأمريكيّةِ وقتلتْ ثمانيةً منْ أكبرِ ضبّاطهمْ وأردتهمْ إلى جهنّمَ وبئسَ المصيرِ؛ بعدَ أنْ كانوا يأملونَ المكرَ بالإسلامِ وأهلهِ، ولكنْ أتاهم اللّهُ منْ حيثُ لمْ يحتسبوا ولمْ يخطّطوا، ولمْ يعرفوا أنَّ الأمّةَ فيها رجالٌ أمثالَ شـيخناَ رحمه الله؛ يتربّصونَ بهمْ ويقعدونَ لهمْ كلَّ مرصدٍ إعلاءً لرايةِ اللّهِ، ونصرةً لعبادهِ المستضعفينَ، معَ أنَّ الهدفَ الأوّلَ منْ تجنيدِ الأخِ «أبي دجانةَ» رحمه الله كانَ لاغتيالِ الشّـيخِ عطيّةِ اللّه، ولكنَّ اللّهَ لهمْ بالمرصادِ»١٨مصادر السيرة: أكثر ما تم ذكره في هذه السيرة التي حاولنا أن نختصر فيها قدر الاستطاعة؛ إنما هو مستفادٌ ممن عاصر الشيخ وخالطه وجالسه، ومنه ما نُشر من قبلُ، ومنه ما انفردنا بنشره في هذا «المجموع»، ومما نُشر في سؤرة الشيخ واستفدنا منه: مقالٌ بعنوان: «ورحل الشيخ عطية الله: فارس العلم والحكمة والزهد» للأخ: أبي البراء الكويتي رحمه الله، ومنه هذا النص الأخير بتمامه، وكذا استفدنا بعض سيرته من رثاء الشيخ: «أيمن الظواهري» للشيخ رحمه الله في «رسالة الأمل والبشر لأهلنا في مصر؛ الحلقة الثامنة»، واستفدت فصل «الحب بين المجاهدين» وفصل «غزوة خوست» من رسالة «الحب الخالد» ورسالة «أبو دجانة الخراساني: القصة الكاملة لغزوة خوست»؛ للشيخ: أبي الحسن الوائلي، وكذا أفادني الشيخ «أبو الحسن الوائلي» بشيء من سيرة الشيخ في مراسلاتٍ خاصة جرت بيننا؛ حيث أضاف على ما عندي وصحح، واستفدتُ كثيرا من الشيخ المجاهد «أبي محمد الفقيه الليبي» الذي خالط الشيخ منذ صغره وهاجر معه هجرته الأولى؛ حيث جرت بيننا مراسلات في ذلك، وغير ذلك مما أفادناه طلبة الشيخ وصحبه جزى الله الجميع خيًرا..
۞ الارتقاء إلى رب السماء، والاصطفاء -بإذن الله- مع الشهداء:
قدّمَ الشّـيخُ رحمه الله لدينِ اللهِ ﷻ الغاليَ والنّفيسَ؛ ومنْ ضمنِ ذلكَ ولدهُ «إبراهيمَ» وهوَ أحبُّ أبنائه إليهِ وأميزهمْ رحمه الله -وعمرهُ خمسةَ عشرَ عامًا- حيثُ قتلَ قبلَ والدهِ بقرابةِ سنتينِ، وكانَ ابنهُ «إبراهيمُ» هوَ النّاجي الوحيد في حادثِ استشهادِ الشّـيخِ «أبي اللّيثِ الليبيِّ» رحمه الله -مطلعَ عامِ 2008م-، وبعدَ ذلكَ بسنةٍ ونصفٍ قتلَ «إبراهيمُ» رحمه الله؛ فاحتارَ الشّيخُ «عبدُ اللهِ سعيدٍ اللّيبيّ» كيفَ سيخبرُ والدهُ الشَّيخُ «عطيّةَ» بذلكَ؛ لوجودِ موعدٍ بينهمـا، فلمّا اجتمعا سألَ الشّيخُ «عطيّةُ» عنِ القصفِ؛ فلمْ يجبهُ الشّيخُ «عبدُ اللهِ» ودخلَ معهُ في مواضيعِ العملِ، وفي ثنايا الحديثِ قالَ الشّيخُ «عطيَّةُ» للشّيخِ «عبدِ اللهِ»: أخبرني هلْ قتلَ ابني في القصفِ؟ فلمّـا علمَ ذلكَ استرجعَ، وقامَ فصلَّى ركعتينِ ثمَّ عادَ لصاحبهِ وقالَ لهُ: جيّدٌ؛ فلنكملْ عملنا ومواضيعنا.
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
رَكَزُوا رُفَاتَكَ فِي الرِّمَالِ لِواءَ | يَستَنهِضُ الوادي صَباحَ مَساءَ | |
يا وَيحَهُم نَصَبوا مَنارًا مِن دَمٍ | تُوحِي إِلَى جيلِ الغَدِ البَغضاءَ | |
جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ | تَتَلَمَّسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ | |
يَا أَيُّها السَّيفُ المُجَرَّدُ بِالفَلا | يَكسُو السُّيوفَ عَلى الزَمانِ مَضَاءَ | |
خُيِّرتَ فَاِختَرتَ المَبيتَ عَلى الطَوى | لَم تَبنِ جاهًا أَو تَلُمَّ ثَراءَ | |
تِلكَ الصَّحَارِي غِمْدُ كُلِّ مُهَنَّدٍ | أَبْلَى فَأَحسَنَ في العَدُوِّ بَلاءَ | |
[خُرَاسَانُ] مَهْدُ الأُسودِ وَلَحدُها | ضَجَّت عَلَيكَ أَراجِلًا وَنِساءَ | |
وَالمُسلِمونَ عَلى اِختِلافِ دِيارِهِم | لَا يَمْلُكُونَ مَعَ المُصَابِ عَزاءَ |
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
وَذَاكَ أَبُو تُرْبٍ مِثَالُ مَوَاثِقٍ | مِنَ الدِّينِ قَدْ شَدَّتْ عَلَيهَا الْأَصَابِعُ | |
دَمَاثَةُ أَخْلَاقٍ وَطِيبَةُ مَعْشَـرٍ | رَزَانَةُ كَهْلٍ حَنَّكَتْهُ الْمَعَامِعُ١٩شهداء في زمن الغربة (ص 72). |
ولنتركَ الكلام لزوجةِ الشيخ؛ في توصيف مشهد استشهاد الشيخ، وقبله استشهاد ابنهما إبراهيم:
«كنا كلما خرج الزوج والأولاد استودعناهم لله، والحمد لله كان أول من استشهد منهم ولدي الثاني إبراهيم رحمه الله، وذلك أننا أول ما وصلنا إلى وزيرستان جاء الشيخ أبو الليث رحمه الله وأخذ أبنائي عبد الرحمن وإبراهيم وبعدها لم أرهما؛ حتى كان استشهاد الشيخ أبي الليث، وقد جرت كرامة لابني إبراهيم يومها أنه كان معه الشيخ أبي الليث، ولكنه لم يستشهد معهم بل كان الناجي الوحيد، ولعل هذا كان تمهيدا لنا؛ لكنه أصيب إصابات بليغة وكان صابرا، وكنت أقوم في الليل فأسمعه يبكي فأقول له: لماذا تبكي؟ فقد كان يتألم كثيرا من الجراح ومع هذا كان صابرا وحزن لأنه لم يستشهد مع الشيخ أبي الليث، وهكذا مرِّت سنة كاملة وهو يعالج وكل مرة تخرج منه شظية وكان مصرا أن يذهب مع الإخوة للمعسكر مع أنَّ آثار الجراح لم تزل فيه ولم تُشف بعد، وفعلا ذهب ومكث هنالك شهرًا، ثمَّ جاءنا هو وأخوه عبد الرحمن، وبعدها طلب منا الأنصار أن نترك البيت لأن عندهم عرسًا فيه؛ فخرجنا وأراد الشيخ عطية الله أن يترك أحد الأبناء في مركزٍ بمسعود، وبعدها تشاور ولداي؛ فقال إبراهيم لأخيه عبد الرحمن: أنا أجلس في البيت وأنت اذهب، وبعدها نزل من السيارة وودعني وأنا أنظر إليه واستودعته لله، وقلت في نفسي: هل أراك مرة أخرى؟ وهكذا كملنا طريقنا إلى الشمال وبعدها بثلاث أيام سمعت في الراديو أنه تم قصف المكان الذي تركنا فيه ابني، وبالفعل كان هو، ونحن لم نسمع بالخبر إلا بعد ثلاثة أيام؛ حيث جاء أبوه وأخبرني أن ابننا قد استشهد.
والحمد لله استرجعنا، وصبرنا على قضاء الله، وكان لولدي ما تمنى، وكان الأمر صعبًا جدا في الحقيقة، ولكن صبرنا واحتسبناه لله، ونسأل الله أن يتقبله هو وجميع الإخوة، وأحمد الله أن الجميع يشهدونَ له بحسن الخلق وحبه لله ورسوله ﷺ، ولما كانت تصلنا رسائل من الإخوة كانوا يقولون لنا: إنه جسم ولد ولكن عقله وفكره مثل الرجل وكان في خدمة الإخوة.
وأما استشهاد زوجي رحمه الله وابني عصام؛ فقد كان في ليلة ( 23 رمضان 2011م) وكان القصف على البيت على أذان صلاة العشاء، حيثُ كان عصام معي في الغرفة وناداه أبوه ليساعده، فلما خرج وقع القصف بصاروخين، ولا أزال أذكر أن زوجي كان يقول لعصام: أنت تستشهد معي، وكان له ما تمنى.. وبعد القصف بدأت أكبر، وبدأ أولادي سعيد ومجاهد يكبران، وكانت معي «ريا» وعمرها حينها أربعة أشهر فقط، وبدأ سعيد ومجاهد يصرخان: أبي، عصام.. والحمد لله على كل حال، ونسأل الله أن يتقبلهم جميعا ويرزقهم الفردوس الأعلى، لقد كان استشهاد زوجي وابني مصيبة عظيمة نزلت بنا؛ لكن رحمة الله واسعة والحمد لله الذي أنزل علينا الصبر.
لقد قضيتُ مع زوجي أيامًا جميلة، وأشهد الله أنه كان زوجا وأبا حنونا، وبرغم ما كان يحمله من هموم العمل؛ فقد كان يخصص لنا شيئا من وقته ويعلم أبناءه ويرسخ فيهم حب الله ورسوله ويقول: أهم شيء رضا الله عنا وتقوى الله، وبهذا ربنا ينصرنا إذا كنا صادقين مع الله في كل شيء وأن نجدد النيات».
۞ رثاء وعزاء؛ من أمة الإسلام، في الشيخ الأسد الهمام: عطية الله رحمه الله:
نعمْ شـيخنا الحبيب؛ فزتَ بالمنى، وبلغتَ -بإذنِ اللهِ- العلا، فرحَ بمقتلكَ الكافرونَ، وتفطرّتْ عليكَ قلوبُ المحبّينَ، وجالتْ في النّفسِ آلامٌ مّنْ ضـربِ الغادرينَ، فالجرحُ ما اندملَ بعدُ -واللّهِ- بمقتلِ شيخِ الكلِّ: «أسامةَ بنَ لادنٍ» رحمه الله حتّى لحقته، ولكنَّ عزاءنا فيكَ أنَّ اللهَ اصطفاكَ: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ﴾ [آل عمران: 140]، وللقائهِ -كما نحسبُ- اجتباكَ؛ فارتحتَ منَ الدُّنيا وأذاها إلى رحمةِ اللهِ وفضله وجنته العليَّة، بعد حسن عمل، وطول بذل، وعظيم مصابرة.
شيخنا؛ قدْ حارتِ الأنفسُ في وصفِ حزنِ القلبِ، ودمعِ العينِ؛ فأبتْ الكلماتُ إلّا أنْ تنطقَ بذلكَ شعرًا ونثرًا، سرًّا وجهرًا، فعزّينا أنفسنا وهنّأناك، ورثينا قعودنا وقلنا: قريبًا -بإذنِ اللهِ- نلقاكَ..
ولئنْ كانتْ خيرُ المراثي ما يرثي بهِ المرءُ نفسهُ؛ فخيرُ ما نرثيكَ بهِ: رثاؤكَ السَّالفينَ مِن أَحبِّتكَ القادةِ والمجاهدينَ؛ كأبي مصعبٍ الزّرقاويِّ، وأبي اللّيثِ اللّيبيِّ، ومصطفى أبي اليزيدِ، وشـيخِ الكلِّ أسامةَ بنَ لادن رحمهم الله؛ فلقدْ رثيتهمْ -شـيخَنا- وكأنَّكَ ترثي نفسكَ، وتودّعُ أمَّتكَ، وما قرأتُ كلماتكَ تصبيرًا لنا على فراقِ الشَّيخِ «أبي مصعبٍ» رحمه الله إلَّا ذكرتكَ فاستعبرتُ.
هنيئًا مَولَانا عَطِية؛ فقدْ آنَ لِقلَمِك أنْ يستريحَ، بعد بذل الوُسعَ في البيان، والغاية في الإعذار إلى الله وتبليغِ الدينِ، فحُقَّ للكلماتِ في رثائك أنْ تُـخـطَّ بالدّمِ القاني لا الحبرِ الفاني؛ فهنيئًا لبطن أنجبك، ولأم حملتك، ولإخوة رافقوك؛ فبمثلكم رُفع رأسُ هذهِ الأمّةِ خفَّاقًا، وصارَ دمُ الكفرِ ترياقًا..
لقدْ كثرتْ عليكَ مدامعُ خِلَّانكَ وصحابكَ -في الدَّارينِ بإذنِ اللهِ- فعزُّوا فيك ورثُوك وبكوك، فكانتْ ألسنتهمْ شواهدَ مكنوناتِ قلوبهمْ، وهذهِ خلجاتُ تلكَ الألسنِ ترثيكَ، وأناملُ هاتيكَ الأيادي الـمتوضّئةِ تُهنّيكَ؛ فتقبَّلكَ اللهُ يا حبُّ في الشُّهداءِ، وجمعكَ في عِلِّيِّينَ معَ محمّدٍ ﷺ خيرِ الأنبياءِ٢٠لما كان المراد إثبات ما قيل في الشيخ رحمه الله من رثاء وعزاء وتهنئة باستشهاده، وحث الأمة وعلمائها وشبابها على قفوِ أثره؛ فإننا لم نثبت هذه البيانات كاملة؛ بل اكتفينا بما تقوم به الحاجة فقط، وبترنا منها ما لا يؤثر؛ كمقدمة البيان وختامه، والله الموفق للخير..
وهذه بعض المراثي التي جاءت في الشيخ:
• رثاء الشـيخ الأمير «د. أيمن الظوهري» نيابَةً عن جماعة «قاعدة الجهاد»:
يقول الشـيخ في كلمته بعنوان: «رسالة الأمل والبشـر لأهلنا في مصـر 8»: «تهنئةٌ للأمة المسلمة وللمجاهدين ولأهلنا في ليبيا وفي مِصراتة على الأخص بشهادة الشـيخ العالم المجاهد..» الخ٢١تقدم معظم رثاء الشـيخ أيمن للشـيخ عطية الله رحمه الله في ثنايا السـيرة المتقدمة؛ فأغنى هذه عن ذكره هاهنا..
• بيان تعزية في مقتل الشـيخ من «دولة العراق الإسلامية» -ردهم الله للسنة-:
«فبنفوسٍ متعلِّقة برحمة الله وقلوب راضية بقضائه وقدره، تلقَّينا الخبر المؤلم الذي أعلنه إخوتنا في تنظيم القاعدة بمقتل بطلٍ آخر من أبطال هذه الأمَّة، ورجل من خيرِ رجالاتها، لم نسمع منه إلا ما تزداد به نفوس المسلمين عزّة وثباتًا واطمئنانًا، ألا وهو الشـيخ العالم، والمهاجر المجاهد، والحييّ النَّاصح الزاهد أبو عبد الرحمن عطيَّة الله الليبيِّ، في زمرة مؤمنةٍ من أهل بيته وأصحابه بغارةٍ غادرةٍ جبانة.. فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
نَحْنُ أُناسٌ لَا نَرى القَتْلَ سُبَّةً | عَلَى أَحَدٍ يَحْمِي الذِّمَارَ وَيَمْنَعُ | |
بَنُو الَحرْبِ أُرْضِعْنَا بِهِ، غَيْرَ فُحَّشٍ | وَلَا نَحْنُ مِمَّا جَرَّت الَحرْبُ نَفْزَعُ | |
جِلَادٌ عَلَى رِيبِ الَحوَادِثِ لَا تُرَى | عَلَى هَالِكٍ عَيْنٌ لَنَا الدَّهْرُ تَدْمَعُ |
فاللهُ نسألُ أنْ يرزقه الفردوس الأعلى، ويبارك في دمائه وأشلائه، وأن يجيرَنا وهذه الأمّة المكلومة ويرحمنا في مُصابنا بأمثال هؤلاء، ويخلفنا خيرًا منهم، وأن يُكرم الشـيخ بما كانَ يبتغيه فيتقبّله في الشّهداء، ويُحسِن العزاء لذويه ورفقاء دربه» اهـ المراد منه.
فالله نسألُ أنْ يرزقه الفردوس الأعلى، ويبارك في دمائه وأشلائه، وأن يجيرَنا وهذه الأمّة المكلومة ويرحمنا في مُصابنا بأمثال هؤلاء، ويخلفنا خيرًا منهم، وأن يُكرم الشـيخ بما كانَ يبتغيه فيتقبّله في الشّهداء، ويُحسِن العزاء لذويه ورفقاء دربه» اهـ المراد منه.
• تعزية في مقتل الشـيخ من «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» نصرهم الله:
«بقلوب راضية بقضاء الله مطمئنة بوعده يتقدم المجاهدون في جزيرة العرب بالعزاء للأمة المسلمة عامة وللمجاهدين في ثغر خراسان خاصة في مقتل الشـيخ المربي والداعية الموجه والمهاجر المرابط المجاهد أبي عبد الرحمن عطية الله جمال المصراتي ورفع منزلته في درجة الشهداء، فقد قتل الشـيخ بأيدي الأمريكان بعد رحلة طويلة من الهجرة والجهاد في سبيل الله ضد الطغاة الصليبيين والمرتدين المستكبرين، بدأت بانضمامه للمجاهدين في المغرب الإسلامي مقاتلًا طاغوت ليبيا القذافي واستمر عطاؤه ليشارك في عدة جبهات مختلفة حتى شـرفه الله بقتال الأمريكان في ثغر خراسان، ومع مسـيرة الجهاد والبذل، لم يدخر جهدًا في الدعوة إلى الله والإرشاد والتوجيه فكان إمامًا في الحق يجمع ولا يفرق ويسدد ويقارب ويسعى لرص الصفوف وتكاتف الجهود». اهـ المراد.
• بيان تعزية في استشهاد الشـيخ من «حركة الشباب المجاهدين» نصرهم الله:
«تلقينا بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، خبر استشهاد فضيلة الشـيخ المجاهد عطية الله أبي عبد الرحمن جمال إبراهيم المصراتي بعد تاريخ حافل بالهجرة والجهاد وطلب العلم والثبات، نحسبه والله حسـيبه ممن نذر نفسه لنصرة أمّته ولرفع الذل والهوان الذي قيدها في عقود من الزمان، فجمع بين فضل الجهاد وفضل طلب العلم، وأبى إلا أن يكون في عداد النخبة الأخيار ومن طلاب الشهادة»
• تعزية صادرة عن أمير وقيادة ومجاهدي جماعة «أنصار الإسلام» أعزهم الله، باستشهاد الشـيخ جمال المصراتي «عطية الله الليبي» القائم بأمر الجهاد في أيام الصبر:
«إنّ أمير وقيادة ومجاهدي جماعة أنصار الإسلام تهنئ الأسـرة المصراتية المهاجرة الجهادية، والجماعة الليبية المقاتلة، بالتحاق أبي الشهيدين «عطية الله الليبي» بأخيه الإمام «أسامة بن لادن»، ونحسب أنه قد ظفر بالشهادة ملتحقًا بركب إخوان رسول الله ﷺ في ليلة القدر وكفى بذاك شـرفًا»..
• بيان في استشهاد الشيخ العالم المجاهد عطية الله الليبي من «كتائب عبد الله عزام» سدد الله رميهم:
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
هُوَ الدَّهْرُ وَالأَقْدَارُ يَجْرِي بِهَا الدَّهْرُ | فَمَا لِامْرِئٍ نَهْيٌ عَلَى الدَّهْرِ أَوْ أَمْرُ | |
فَصَبْرًا وَلَا تَجْزَعْ لِمَا فَعَلَ القَضَا | وِإِنْ جَلَّ خَطْبُ الدَّهْرِ وَاسْتَفْظَعَ الأَمْرُ | |
مُصَابٌ بِهِ هَانَتْ مَصَائِبُ أُمَّةٍ | عَلَى عَتَبَاتِ الكُفْرِ يَنْحَرُهَا الكُفْرُ | |
مُصَابٌ بِمَنْ مِنْ فَقْدِهِ تَذْرِفُ السَّمَا | وَتَنْتَحِبُ الأَرْضُونَ وَالبَرُّ وَالبَحْرُ | |
كَأَنَّ الَمنَايَا إِذْ تُغِيرُ وَتَنْتَقِي | لَدَيْهَا دَلِيلٌ بَيْنَنَا وَلَهَا وِتْرُ | |
تَوَخَّى الرَّدَى فَاخْتَارَ فِي النَّاسِ وَانْتَقَى | خِيَارًا كِرَامًا مِثْلَمَا يُنْتَقَى التِّبْرُ | |
فَسُبْحَانَ مَنْ أَغْرَى الـمَنَايَا بِأَهْلِهِا | كَأَنّ لَهَا ثَأْرًا وَلَيْسَ لَهَا ثَأْرُ | |
لِيخْتَارَ مَنْ يَخْتَارُ مِنْهُمْ وَيَصْطَفِي | لَهُ الحِكْمَةُ العُلْيَا لَهُ النَّهْيُ وَالأَمْرُ |
ما رحل الشيخ عطية الله رحمه الله إلا بعد أكثر من عشرين سنة من الجهاد والبذل والتضحية والعطاء؛ هاجر فيها إلى ثغور عدة؛ فكان فيها نعم المجاهد المصلح، والموجه المسدد، والعالم المعلم، استفاد منه إخوانه وأمراؤه، وانتفع به أهل الثغور، وامتد نفعه حتى بلغ الناس في الآفاق، وهكذا المؤمن كالغيث؛ أينما حلّ نفع.
ما رحل الشيخ عطية الله رحمه الله إلا وقد أدَّى ما تفنى فيه أعمار كتيبة من العلماء والمجاهدين، فكان له مع الحق في كل ميدان صفحة بيضاء، ورفع له في كل ثغر لواء، أعلى السنة وقمع بها البدعة، وحارب الفرقة يريد جمع الأمة، وأصاب الكفر وأهله في مقاتلهم مرارا كثيرة.
يشهد له قلمه الذي خطّ به مصارع أهل الباطل، وتشهد له آثار عمله التي يراها خيار الناس؛ فيشهدون له بها بالخير، وعمل مع إخوانه من قادة تنظيم قاعدة الجهاد؛ فكان له أثر واضح في المساهمة في تسديد المسيرة، وجمع الكلمة، وفي تجديد معالم النهج السياسي والإعلامي للمجاهدين وعموم الحركات الإسلامية، بما حباه الله من العلم الشرعي، والفقه بالسنة، وكمال العقل، والحلم والصبر والأناة، واشتغل الشيخ بمهام قيادية كثيرة؛ ميدانيا وعسكريا وتربويا وعلميا وإعلاميا؛ فكان له في كل شأن سهم من الخير وافر، وكان رحمه الله خلية تعمل دؤوبا ولا تعرف الراحة، ولهذا الرجل المعطاء من المآثر الجليلة والصفات الحميدة ما لا يوفيه إياها ثناء، فاجز اللهم عطية الله عن أمته خير الجزاء.
ونحن في كتائب عبد الله عزام: نتقدم بالتعزية إلى إخواننا في تنظيم قاعدة الجهاد، وعلى رأسهم قائد المجاهدين، وحكيم الأمة، فضيلة الشيخ الدكتور أيمن الظواهري حفظه الله وسدده ونصره ورعاه. ونعزي فيه صاحبه ورفيق دربه في العلم والجهاد، العالم العامل المجاهد الشيخ أبا يحيى الليبي حفظه الله وندعو له أن يوفقه الله ويعينه على تحمل العبء وسد الثغر الذي تركه خليله وصاحبه.
كما نعزي إخواننا في تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب، وفي المغرب الإسلامي، وندعو لهم بالثبات على الجهاد، وبالتوفيق والسداد.
ونحرِّض في هذا المقام العلماء وطلبة العلم على النفير إلى ساحات الجهاد، فإن العمل يتغذى بدماء أشراف هذه الأمة، والقافلة تسير بتوفيق الله وتسديده ثم بجهود نخبة من العلماء والعامة من المجاهدين، وإن رجلا في علم شيخنا عطية الله رحمه الله وحكمته ونفاذ بصيرته؛ ما كان نفعه ليحصل للناس بعُشر ما حصل به، ولو بذل عشرة أضعاف ما بذل، لولا أن وفقه الله إلى مشاركة إخوانه المجاهدين في جهادهم، ومعاينته لنوازلهم ومعايشته لمشكلاتهم، وتقدمه لصفوفهم، فكونوا أمامنا تكونوا أئمتنا وقادتنا، وعيشوا معنا في أحوالنا نعيش فيها بتوجيهاتكم، وكونوا في قافلتنا تسددوا مسيرها عن رؤية لوعر دروبها وخبرة به، فانفروا خفافا وثقالا في سبيل الله، يفتح الله لكم من أبواب العلم والعمل والنفع ما لستم تدركونه بغير الجهاد.
وندعو شباب الأمة إلى العمل الحثيث في إكمال ما بدأه قادة الجهاد والسعي لإتمام ما بذلوا أرواحهم من أجله، وهو التمكين لدين الله وبسط سلطانه في الأرض، وندعوهم للثأر لأشراف أمتنا وقادتها، من أعدائها الصليبيين وكل من عاونهم ودخل في نصرتهم وكان في طائفتهم من المنافقين والعملاء الخائنين.
اللهم ارحم عطية الله واغفر له وتقبله في الشهداء، وأقم مقامه خيرا منه، وانفع إخوانه المجاهدين والمسلمين جميعا بما خلّف وترك من العلم النافع، وأجر له أجره إلى يوم الدين».
• تعزية باستشهاد الشـيخ من «الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية» ثبتهم الله:
«فقد تَلقينا بِقُلوبٍ مُؤمِنة مُطمئِنة رَاضِية بِقضاء الله تَعالى وقدرهِ نَبأ اسْتشهاد الشـيخ المُهاجِر المُجاهِد العالم الناصح الأمين صَاحب الخُلق الرفِيع والقُول البَلِيغ الشـيخ الصابر المُجاهد المُحتسب عطية الله الليبي نسأل الله تعالى أن يتقبله في عِداد الشُهداء.. فهنيئًا لك الشهادة.. ثم هنيئًا لك الشهادة.. ثم هنيئًا لك الشهادة يا شـيخنا، شهادة في سبيل الله يرضـى الله بِها عنك والخِزي والعَار على خَونة باكِستان ونقول لهم: «لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» [روه أحمد وإسناده حسن، والكلام لعمر بن الخطاب h].. رحم الله الشـيخ المجاهد المهاجر عطية الله الليبي ومن سبقه من إخوانه المجاهدين والمهاجرين في ساحات الجهاد».
• تعزية في استشهاد فضيلة الشـيخ جمال المصراتي؛ عطية الله رحمه الله، من «شبكة شموخ الإسلام»:
«ها قد ترجل الفارس المعلم النبيل فقد عاش غريبا ومات بين الغرباء مجاهدا مرابطا لا يكل ولا يمل من حرب أعداء الله..
علَّم الأجيال وربى الأخيار ونصر وحرض وجاهد في الله حق جهاده فضيلة الشيخ المجاهد عطية الله أبو عبد الرحمن، جمال إبراهيم المصراتي، رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته.
وكم كان للشيخ ونصائحه من أثر طيب على إعلامنا الجهادي وأهله وتوجيهه وترشيده وتأطيره فأفرز لنا ثلة طيبة عاملة عززت بفضل الله ثم توجيهاته دعائم هذا الطريق وركزت مسيرته رحمه الله.
فإننا ومن فوق هذا الصرح الطيب نعزي شيخنا وأميرنا أيمن الظواهري حفظه الله وكل قادتنا وشيوخنا ونسأل الله لهم الصبر والثبات والتمكين وأن يخلفهم الله وإيانا خيرا وإنا لله وإنا إليه راجعون.
كما أننا ندعو إخواننا في الجهاد الإعلامي أن: هبوا ووحدوا صفوفكم وجهودكم ودعموا خنادقكم فإن لكم إخوة في الثغور لم يدخروا جهدا ولا ينامون على الضيم فكونوا خير خلف ولنجعل كلمات شيخنا تقبله الله واقعا وأثرا حيا نقتدي به ونطبقه».
• تعزية إلى أمة الإسلام في استشهاد فضيلة الشـيخ جمال المصراتي، من «شبكة الفداء الإسلامية»:
«تتقدم إدارة شبكة الفداء الإسلامية إلى أمة الإسلام، وإلى إخواننا في تنظيم القاعدة وعلى رأسهم فضيلة الشـيخ القائد: أيمن الظواهريحفظه الله، وفضيلة الشـيخ العالم: أبي يحيى الليبي حفظه الله، نتقدم إليهم بالتعزية في مقتل فضيلة الشـيخ المجاهد عطية الله أبي عبد الرحمن، جمال إبراهيم المصراتي، بعد أن قضـى أكثر عمره في ساحات الجهاد، مجاهدا وطالبا للعلم وأميرا وعالما موجِّها، فنسأل الله أن يرحمه ويتقبله في الشهداء. وإنا لله وإنا إليه راجعون..
وإن مقتل شـيخنا رحمه الله ليزيدنا -نحن أهل الإعلام الجهادي خاصة- عزيمة على التمسك بثغرنا والقيام بأعمالنا على أتم وجهٍ ممكن، وفاء لجهود الشـيخ عطية الله وتكميلًا لمسـيرته في أحد الثغور التي كان عليها، فإنه كان نعم المربي والموجِّه لإخوانه والمتواضع لهم».
• «مركز المقريزي» يعزي ويهنئ الأمة باستشهاد الشـيخ -بقلم: د. هاني السباعي-:
«يتقدم مركز المقريزي للأمة الإسلامية ولعائلة المصراتي بخالص العزاء لفراق أنفس بريئة طاهرة نذرت حياتها للذب عن حياض هذا الدين العظيم.. فإنا لله وإنا إليه راجعون..
وفي الوقت نفسه نتقدم أيضًا بخالص التهنئة للأمة الإسلامية ولأهل الشهيدين.. نحسبهما كذلك ولا نزكيهما على ربهما.. فقد حقق الشـيخ المجاهد العالم العامل أبوعبد الرحمن جمال المصراتي الشهير بعطية الله ما كان يتمناه منذ أن خرج من مسقط رأسه مصراتة؛ التي أسقطت طاغية ليبيا القذافي؛ حيث قدم أنموذجًا مشـرفًا مشـرقًا للأجيال المتعاقبة؛ في الصبر والبلاء والجهاد والعلم والعمل والتربية وحسن الخلق والتضحية والصبر على فراق الأحبة.
فقد استشهد ابنه إبراهيم وسبقه إلى الرفيق الأعلى نحسبه قد فاز بمقعد صدق عند مليك مقتدر.. وكان إبراهيم قد نجا قبل استشهاده من غارة استهدفته والشـيخ أبا الليث الليبي لكن الشـيخ أبا الليث الليبي قتل شهيدًا نحسبه كذلك في تلكم الغارة منذ ثلاثة أعوام، وقد نعاه مركز المقريزي ببيان بعنوان «أبا الليث هنيئًا لك لقاء الأحبة» بتاريخ 23 محرم 1429 هـ الموافق 31 يناير 2008 م..
ومن عجائب المقدور أنَّا كتبنا بيان نعي وتهنئة باستشهاد الشـيخ أبي الليث الليبي في يوم خميس.. ونحن أيضًا نكتب بيان نعي وتهنئة لِصِنوِه الشـيخ عطية الله في نفس اليوم ونفس الشهر أيضًا محرم!.. وقد قتلوا جميعًا رحمهم الله بنفس آلة العدوان والغدر الصليبية في غارة في أفغاسنتان وباكستان.
وها هو ذا الشـيخ «عطية الله» وابنه عصام يلحقان بقوافل الشهداء ممن سبقوهما في أرض الصمود والجهاد؛ مقبرة الغزاة أفغانستان.. فرحمة الله عليهما وأسكنهما الفردوس الأعلى.. اللهم آمين!.. فهنيئًا لأمة؛ هؤلاء شبابها وهؤلاء قادتها وهؤلاء أبناؤها..
هنيئًا لأمة شعارها؛ إما النصـر وإما الشهادة..
هنيئًا لأمة شعارها نحن لا ننهزم.. نتصـر أو نموت..
[البحر: الوافر]
[البحر: الوافر]
دَعُونِي فِي الْقِتَالِ أَمُتْ عَزِيزًا | فَمَوْتُ العِزِّ خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي» اهـ |
• رثاء الشـيخ المجاهد الأديب: «أبو عصام الأندلسـي» حفظه الله، للشـيخ عطية الله رحمه الله؛ في قصيدةٍ بعنوان: «ما لقلبي لم تغادره الخطوب» من أرض خراسان٢٢نَشَـر هذه القصيدة: مركز الفجر للإعلام، في يوم الجمعة 4 شوال 1432.:
ها هي الأحزانُ تعود من جديد، وها هي العين تُجدِّد عبراتها مرّة أخرى، وها هو القلب ما زال يعتصره الأسـى، فلم تلتئم جراحاته بعد، وللأسف كلّما اندملت تُدمى من جديد، ممّا أثار مشاعر قلبي وحُقّ لها أن تثور فأبت إلّا أن تستجيب القريحةُ لثورة آهاتها، علّ ذلك يخفّف من آلام جُرحها الجديد، الذي خلّفه فقْدُ شـيخٍ حبيب وخلٍّ لبيب وأخٍ عزيز وشهابٍ في الحرب ورشـيدٍ في الرأي وخبيرٍ بالواقع وعليمٍ بالشـرع.. إنّه الشـيخ عطيّة الله رحمه الله..
ولولا أنَّ لنا في القرآن والسّنة أحسن العزاء، وأعظم فسحات الأمل، لضاقت علينا الأرض بما رحبت بفقد هذا الجبل الأشمّ والعيْلم الأضخم.
وما أبرد كلمات شـيخنا أبي يحيى اللِّيبيحفظه الله على قلبي حين سلَّاه ببيتين من الشعر وعزَّاه بهما على الخطوب التي توالت عليه، جوابًا على البيت الأوَّل في قصيدتي «ما لقلبي لم تغادره الخطوب» فكأنَّما أعاد الرُّوح في جسدي من جديد.
[البحر: الرمل]
[البحر: الرمل]
قُلْ لِبَاكٍ قَدْ أَمَضَّتْهُ الْخُطُوبْ | وَأَشَابَتْ رَأْسَهُ نَارُ الْكُرُوبْ | |
إِنَّ بَعْدَ الْعُسـر يُسـرا قَادِمًا | سـيزِيلُ الْغَمَّ عَنْكُمْ مِنْ قَرِيبْ |
•••
[البحر: الرمل]
[البحر: الرمل]
مَا لِقَلْبِي لَمْ تُغَادِرْهُ الْخُطُوب
في رثاء الشـيخ جمال إبراهيم المعروف بـ«عطيّة الله» أو «محمود الحسن» رحمه الله
مَا لِقَلْبِي لَمْ تُغَادِرْهُ الْخُطُوبْ | كُلَّمَا خَفَّ الضَّنَا عَنْهُ يَؤُوبْ | |
يَا لَهَا مِنْ فَاجِعَاتٍ مُرَّةٍ | لَمْ تَزَلْ دَهْيَاؤُها نَارًا تَنُوبْ | |
كَمْ وَكَمْ وَارَى تُرابٌ مِنْ حبِيبٍ | فَفُؤَادِي مِنْ لَظَى الْغَمِّ يَذُوبْ | |
وكُلُومٌ قَدْ تَوَالَتْ فِي الْجَوَى | لَسْتُ أَدْرِي الْجُرْحَ هَلْ عَنِّي يَغِيبْ | |
وَدُمُوعِي تُغْرِقُ الْجَفْنَ أَسَىً | كُلَّمَا اغْتَالَ أَخِلَّائِي الصَّلِيبْ | |
يَا لِقَلْبِي مِنْ مُصَابِ الْخِلِّ آهٍ | مِنْ سِهَامٍ للْعِدَى حِينَ تُصِيبْ | |
يَا لَحُزْنِي قَدْ فَقَدْنَا الْيَوْمَ لَيْثًا | إِذْ عَلَيْهِ وَثَبَ الْغَدَّارُ ذِيبْ | |
وَيْلَهُمْ قَادُوا كِلَابًا كَيْ تَشِـي | بِشِهَابِ الْحَرْبِ مَحْمُودِ النَّجِيبْ | |
أَيُّهَا الجَاسُوسُ أَنَّى لَكَ مَنْجَى | فَحُسَامُ الثَّأْرِ لَا شَكَّ يُصِيبْ | |
قَلَّمَا الْمُرْتَدُّ يَنْجُو وإذا | فَرَّ مِنَّا فَهْوَ مَفْزُوعٌ رَعِيبْ | |
وَرُوَيْدًا يَا عُلُوجَ الرُّومِ لَا | تَأْمَنُوا مَنْ فِي جَنَى الْمَوْتِ رَغُوبْ | |
لَيْسَ يَشْفِيهِ سِوَى سـيفٍ ضـروبٍ | لِنُحُورِ الْكُفْرِ يُدْمِي وَيَجُوبْ | |
أَوْ يُلَاقِي مَا تَمَنَّتْ نَفْسُهُ | مِنْ حَيَاةٍ بَعْدَ مَوْتٍ تَسْتَطِيبْ | |
وَهْيَ مَا فَازَتْ بِهِ نَفْسُ جَمَالٍ | بَعْدَمَا أَرْوَى غَلِيلًا فِي الْقُلُوبْ | |
وقَضـى نَحْبًا وَقَرَّتْ قَبْلَهَا | عَيْنُهُ إذْ حَلَّ بِالرُّومِ الكُرُوبْ | |
وَلَئِنْ وَارَى الثَّرَى قَسْوَرَنَا | فَالْوَغَى مَوْلِدُ آسَادِ الخُطُوبْ | |
وَإِذَا الْهَيْجَا مَضـى قَائِدُهَا | فَعَلَى الدَّرْبِ سَنَمْضـي وَنَلُوبْ | |
وَإِذَا الطَّوْدُ هَوَى أَبْقَى مَعَا | دِنَهُ تِبْرًا لِأَجْيَالٍ تَنُوبْ | |
تَرِثُ الْكَنْزَ الَّذِي لُؤْلُؤُهُ | حِكَمٌ أَنْوَارُهَا لَا لَا تَغِيبْ | |
إِنَّهُ حَقًّا لَإرْثٌ لِلَّذي | هُوَ لِلْعِزِّ وَلِلْمَجْدِ طَلُوبْ | |
إِنَّهُ الْمَحْمُودُ ذُو الرَّأْيِ السَّدِيدِ | وَكَذَا ذُو الْعَزْمِ إنْ شَبَّتْ حُرُوبْ | |
جَامِعٌ لِلْعِلْمِ وَالْفِعْلِ وَلِلْــ | ـحَقِّ نَهَّاضٌ عَلَى الْمَطْخِ٢٣المطْخ: الباطل. [الكاتب: أبو عصام الأندلسي] غَلُوبْ | |
عَالِمٌ ذُو خِبْرَةٍ قَدْ كَانَ لِي | شـرفٌ فِي النَّهْلِ مِنْهُ وَنَصِيبْ | |
شَـيرٌ٢٤يقال: فلان خير شير، أي يصلح للمشاورة. ينظر: لسان العرب (4 / 437). صَاحِبُ عَقْلٍ رَاجِحٍ | نَاصِحٍ يَا حَسـرتِي غَابَ اللَّبِيبْ | |
غَابَ مَنْ لَمْ يُثْنِهِ يَأْسٌ وَلَا | بَأْسُ جَيْشٍ بَلْ لَهُ حَزْمٌ صَلِيبْ | |
عَاشَ فِي الْكَدِّ حَيَاةً وَانْقَضَتْ | لَيْسَ فِي الْفِرْدَوْسِ هَمٌّ أَوْ لُغُوبْ | |
فَهَنِيئًا لَكُمُ الْحُورُ وَرَوْضٌ | لَا بِهِ حُزْنٌ وَلَا فِيهِ سُغُوبْ٢٥سُغوب: جوع مع تعب. [الكاتب: أبو عصام الأندلسي] | |
وَهَنِيئًا لَكُمُ الْأَنْهَارُ مَرْوَىً | طَعْمُهُ في جَنَّةِ الْخُلْدِ عذُوبْ | |
وَهَنِيئًا لَكَ طَيْرٌ أَخْضَـرٌ | أَنْتَ فِي جَوْفِهِ فَانْعَمْ يَا حَبِيبْ | |
يَا شَهِيدَ الْحَقِّ وَاسـرحْ فِي الْجِنَانِ | أَبَدًا وَاخْلُدْ وَفِيهَا لَا تَشـيبْ |
[البحر: الوافر]
[البحر: الوافر]
أمِطْ عَنْهُ اللِّثَامَ لِكَيْ أَرَاهُ | جَمِيلَ الوَجْهِ أخَّاذٌ هَوَاهُ | |
أمِطْ عَنْهُ اللِّثَامَ لِيَوْمِ عُرْسٍ | بِدَارٍ لَيْسَ يَدْخُلُهَا سِوَاهُ | |
تَعَجَّلَ وَالسِّنِينُ إِلَى زَوَالٍ | تُسَابِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا خُطَاهُ | |
أَمِيرٌ فِي الجِهَادِ لَهُ مُقَامٌ | وِفِي العُلَمَاءِ مَرْفُوعٌ لِوَاهُ | |
فَحَدِّثْ عَنْ عَطِيَّةَ يَا ابْنَ أُمٍّ | فَقَدْ صَحَّ الحَدِيثُ وَمَنْ رَوَاهُ | |
وَخُذْ مِنْ عِلمِهِ مَا شِئْتَ وَانْهَلْ | مِنَ الأَدَبِ الغَزِيرِ وَمَا حَوَاهُ | |
كَأَنِّي بِالسِّهَامِ وَقَدْ تَرَامَتْ | تُسَابِقُهَا بِحَدِّ مُقْلَتَاهُ | |
وِإِنْ لَيْلُ المَعَارِكِ قَدْ تَمَادَى | وَلَفَّ مَشَارِقَ الدُّنْيَا دُجَاهُ | |
تُشِعُّ مَنَابِرُ الْعُلَمَاءِ نُورًا | مِدادَ الدَّهْرِ وهَّاجًا سَنَاهُ | |
أمِطْ عَنْهُ اللِّثَامَ إِذَا الْتَقَيْنَا | وَبَانَ الشَّوْقُ مِنِّيْ وَاعْتَرَاهُ | |
فَإِذْ يَلْقَ الحَبِيْبُ لَهُ حَبِيبًا | يُقَبِّلُهُ وَتَحْضُنُهُ يَدَاهُ | |
وَإِنِّي لَوْ أُعَانِقُهُ أَرَانِي | يُطَبِّبُنِي هُبُوبٌ مِنْ هَوَاهُ | |
أَكْثِرْ بِالمَدِيحِ فَلَيْسَ يُجزِي | رِثَاءً لِلْأَمِيرِ وَمَنْ سِوَاهُ | |
عَلَائِمَ فِي طَرِيقِ الْحَقَّ كَانُوا | لِمَنْ قَدْ تَاهَ فِي دَرْبِ هُداهُ | |
فَخَطَّابُ الَّذِي أَلِفَ الْمَنَايَا | يُلَبِّي فِي الْمَعَارِكِ مَنْ دَعَاهُ | |
يُبَارِزُ عَسْكَرَ السُّوفِيِتِّ حَتَّى | بَكَتْ مِنْ هَوْلِ غَضْبَتِهِ عِدَاهُ | |
وَشِامِلُ حَاكَ أَثْوَابَ الْمَنَايَا | لِيَلْبَسَهَا وَقَدْ صَارَتْ رِدَاهُ | |
طَلَائِعُ زَيَّنَتْ صَدْرَ الثُّرَيَّا | وَفَخْرٌ لَيْسَ يُدرَكُ مُنْتَهَاهُ | |
وَدَادُ اللَّهِ فِي سَاقٍ كَسِيْرٍ | أَمَاتَتْ هَجْمَةَ النَّاتُو يَدَاهُ | |
فَتَى الأَفْغَانِ شَبَّ عَلَى الْمَنَايَا | وَخَاضَ مَخَاضَ مَوْتٍ وَاعْتَلَاهُ | |
وَفِي بَغْدَادَ كَانَ الشَّيْخُ نَسْـرًا | أَخُو الزَّرْقَاءِ مُذْ حلَّتْ خُطَاهُ | |
مَعَارِكَ خَطَّهَا فَانْحَازَ عَنْهَا | وَمَجْدٌ فِي مُطَاوَلَةٍ رَعَاهُ | |
وَحِينَ الْمَوْتُ أَغْمَضَ مِنْهُ | جِفْنًا بَكَتْ أَعْدَاؤُهُ مِمَّن تَلَاهُ | |
فَإِنَّا إِذْ نُحِبُّ نحِبُّ حَتَّى | نَمُوتَ مَعَ الْحَبِيبِ عَلَى هَوَاهُ | |
هُوَ الذَّبَّاحُ مِنْ نَسْلٍ كَرِيمِ | تَرَبَّت فِي الكَنَانَة سَاعِدَاهُ | |
أَأَكْتُبُ أَمْ أُقِيلُ حُرُوفَ شِعْرِي | وَقَدَ فَضَحَتْ صَبَابَاتِي الشِّفَاهُ | |
وَقَدْ نَادَتْ أَحِبَّائِي الْمَنَايَا | وَمَاجَ الْمَوْتُ يَخْطِفُ مَنْ أَتَاهُ | |
وَضَمَّ الْبَحْرُ قَلْبِيْ فِي وَدَاعٍ | وَجَادَتْ بِالمَدَائِحِ ضِفَّتَاهُ | |
وَفَجَّرَت الْقَصَائِدُ مِنْ مُصَابٍ | وسُجِّرَت الْحُرُوفُ عَلَى لَظَاهُ | |
أُسَامَةُ وَالرِّجَالُ لَهُمْ مَقَامٌ | وَأَنْتَ لِكُلِّ جِيْلٍ مُجتَباهُ | |
فَلَنْ نَرْثُوا بُعَيْدَكَ مَا فَقَدْنَا | وَطِيبُكَ أَغْرَقَ الدُّنْيَا سُقُاهُ | |
وَإِنْ حَاكَتْ لَكَ الْأَعْدَاءُ سُوْءًا | وَأَبْدَتْ مِنْ دَسَائِسِهَا السِّفَاهُ | |
فَلاَ وَاَللَّهِ مَا فَرِحُوا بِمَوْتٍ | لَهُ وَالمَوْتُ أَجْمَلُ مُبْتَغَاهُ | |
فَأَشْهَدُ مَا عَلِمْتُ وُكُلَّ خَيْرٍ | وَيَوْمَ الْعَرْضِ يَشْهَدُ كَاتِبَاهُ | |
وَهَذَا الْيَوْمِ وَدَّعْنَا أَمِيرًا | وَمِصْـرَاتَا الَّتِي عَجَنَتْ صِبَاهُ | |
تَسَمَّرَت الْعُيُونُ بِهِمْ تُبَاهِي | فَتَخْتَصِـرُ الْمَسَافَةَ نَاظِراهُ | |
وَقَدْ صَدَقَتْ جَوَارِحُهُ وَلبَّتْ | عَلَى دَرْبِ الْمَكَارِمِ أَصْغَرَاهُ | |
يَهِيْمُ بِهِ الفُؤادُ بِكُلِّ حِينٍ | إِذَا شَوْقُ اللِّقَاءِ لَهُ كَوَاهَ | |
عَطِيَّةُ وَالْعَطَايَا لَيْسَ تُجْزَى | إِذَا رَبُّ السَّمَاءِ بِهَا حَبَاهُ | |
فَهَذِي قَوْلَتِي وَمِدَادُ شِعْرِيْ | وَهَذِي أَحْرُفِي تَبْغِي عُلَاهُ ج | |
وَحَمْدًا لِلَّذِي خَلَقَ الْبَرَايَا | وَمَنْ سَجَدَتْ لِعِزَّتِهِ الْجِبَاهُ |
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
رَقِيْتَ مقامًا يَا عَطِيَّةَ يَلْمَعُ | عَلَا مِثْلَ أَنْوَارِ الكَوَاكِبِ يسْطعُ | |
إِذَا كَانَ لِلْآجَالِ حَدٌّ مُؤَقَّتٌ | فَمَا العِزُّ إِلَّا مِيتَةٌ تَتَشَعْشَعُ | |
شُعَاعًا مَنَارًا لِلْجِهَادِ وَحَارِقًا | لِكَيْدِ عَدُوٍّ حَاقِدٍ يَتَوَجَّعُ | |
مَضَيْتَ شَهِيدًا يَا عَطِيَّةُ مَاجِدًا | وَأَيُّ مَقَامٍ مِثْلَ هَذَا وَأَرْفَعُ | |
لَعَلَّكَ نِلْتَ الآنَ خُلْدًا طَلَبْتَهُ | وَتَطْرُبُ إِنْ قُلْنَا: الشَّهِيدُ الـمُـوَدَّعُ | |
لَعَلَّكَ تَدْرِي الآنَ فَضْلَ شَهَادَةٍ | وَأَنْتَ تُغَنِّي فِي الجِنَانِ وَتَرْبَعُ | |
لَعَلَّكَ بَيْنَ الُحورِ تُسْقَى بِكَفِّهَا | وَتَرشُفُ شَهْدًا مِنْ شِفَاهٍ فَتـَشْبَعُ | |
وَتَلْثُمُ بَيْنَ الَخدِّ وَالنَّهْدِ ضَاحِكًا | فَــــتُـضْحِكُ مَنْ تُعْطِيكَ لَثْمًا فتُبْدعُ | |
وَتَشْـرَبُ مِنْ خَمْرٍ كَرِيمٌ مَذَاقُهَا | وَلَيْسَتْ لِأَلْبَابٍ تَغُولُ وَتَصْـرَعُ | |
فَخُذْهَا فَدَيْتُكُ يَا عَطِيَّةُ نِلْتَهَا | وَأَنْتَ لَهَا أَهْلٌ، أَحَقُّ، وَأَرْوَعُ | |
هُمَا اثْنَانِ: سَاعٍ لِلْجِنَانِ بِرُوحِهِ | يَؤُولُ لِـخُلْدٍ نَاعِمٍ يَتَمَتَّعُ | |
وَسَائِرُ خَلْقٍ عَابِثِينَ كَأَنَّهُمْ | بَهَائِمُ أَنْعَامٍ تَسُومُ وَتَرْتَعُ |
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
• رثاء «الزهيري» للشيخ في قصيدة: «ستزيد دعوتنا عزا وتمكينا»:
يَا رَاعِفَ الْجُرْحِ قَدْ جَفَّتْ مَآقِينَا | وَهَيَّجَ الحُزْنُ أَشْجَانًا تُلَظِّينَا | |
مَا إِنْ تَفِيضَ إِلَى العَلْيَاءِ قَافِلَةٌ | حَتَّى نَسِيرَ بِإِثْرِهِمْ قَرَابِينَا | |
إَنِّي نَذَرْتُ لِأَهْلِ الحَقِّ قَافِيَةً | نُسِجَتْ بِلَوْنِ دِمَاءِ القَلْبِ تُذْكِينَا | |
يَا دَامِيَ الجُرْحِ ممن بَرِحَتْ رَوَاعِفُهُ | تُؤَجِّجُ النَّارَ بَلْ تُذْكِي بَرَاكِينَا | |
يَا مَنْ تَرجَّلَ عَنْ صَهَوَاتِ ضَابِحَةٍ | يَشْتَاكُ فِي الصَّدْرِ جَذْلانًا يُنَادِينَا ج | |
مَا غَابَ طَيْفُكَ عَنْ وُجْدَانِ كَوْكَبَةٍ | إِلَيْكَ تَهْفُو فَتَسْـرِي فِي حَوَاشِينَا | |
يَا حُرْقَةَ القَلْبِ مَا بَرِحَتْ خَوَافِقُنَا | يَهِيضُهَا الُحزْنُ مِنْ فُقْدَانِ حَادِينَا | |
تَجُولُ فِي النَّفْسِ آلَامٌ مُبَرِّحَةٌ | فَلَيْسَ غَيْرَ سِلَاحِ الغَدْرِ يُرْدِينَا | |
أَنَا الـمُتَيَّمُ مَا بَرِئَتْ رَوَاعِفُهُ | تَجْرِي وَمَا فَتِئَتْ تَدْمَى أَمَانِينَا | |
نَسِيرُ فِي الدَّرْبِ وَالآفَاقُ مُوحِشَةٌ | يَغْتَالُنَا الـمَوتُ وَالآمالُ تُحْيِينَا | |
قُمْ يَا جَمَالُ وَأَيْقِظْ رُوحَ نَخْوَتِنَا | وَعَطِّرْ الأَرْضَ رَيْحَانًا وَنِسْـرِينَا | |
وَجِابِهِ المَوْتَ فَالَماضُونَ مَا وَجَدُوا | قَبْرًا وَلَا كَفَنًا يُؤْوِي تَشَظِّينَا | |
نُخَضِّبُ الأَرْضَ بِالأَشْلَاءِ نُشْعِلُهَا | عَلَى الُمغِيرِ وَسُوقُ البَذْلِ دَاعِينَا | |
نُسَعِّرُ الَحرْبَ نَلْقَى الـمَوْتَ أَوْرِدَةً | تَفُورُ بِالدَّمِ تَجْرِي فِي رَوَابِينَا | |
عَطِـيَّـةَ اللهِ قَدْ أَشْعَلتَ قَافِيَتِي | وَأَحْرَقَ الوَجْدُ وَالبَلْوَى مَرَاثِينَا | |
فَمَا اسْتَفَاقَ نَشِيدِي أَوْ هَمَى وَزَكَا | إِلَّا بِذِكرِ سُخَاةٍ مِنْ أَوَالِينَا | |
تَحَشْـرَجَ الَحْرفُ لَا يَلْوِي عَلَى أَحَدٍ | يُغْرِي الكُمَـاةَ وَقَدْ طَابَتْ سَوَاقِينَا | |
وَأَشْرَقَ الفَجْرُ إِيذَانًا شَوَاهِدُهُ | شَمْسُ الخِلَافَةِ لَاحَتْ فِي نَوَاحِينَا | |
تَغْزُو القُلُوبَ وَقَدْ مَـُـدَّتْ عَبَاءَتُـــــَـها | مِن قَنْدَهَارَ إِلَى دَرْعَا إِلَى سِينَا | |
وَأَيْمُ اللهِ لَنْ تَنْفَكَّ غَارَتُنَا | حَتَّى نُجَرِّعَ أَهْلَ الكُفْرِ غِسْلِينَا | |
وَعِزَّةُ اللهِ أَنْ تَـمْـضِي قَوَافِلُنَا | وَأَنْ نَسِيرَ عَلَى مِنْهَاجِ هَادِينَا | |
وَأَنْ نَذُودَ عَنِ التَّوْحِيدِ لَا عِوجٌ | وَلَنْ نَحِيدَ وَلَنْ تَعْنُو نَوَاصِينَا ج | |
يَا غَارَةَ اللهِ حُثِّي السَّيْرَ وَاقْتَلِعِي | كُلَّ الطُّغَاةِ وَلَا تُبْقِي أَعَادِينَا | |
لَا يَنْجَلِي الَهمُّ إِلَّا فِي مُنَازَلَةٍ | تَحَزُّ فِيهَا رُحَى التَّوْحِيدِ غَازِينَا | |
ونُعْمِلُ السَّيْفَ فِي أَعْدَاءِ مِلَّتِنَا | لَنْ نَسْتَكِينَ لِبَاغٍ فِي أَرَاضِينَا | |
لَلثَّأْرِ قَاعِدَةُ التَّوْحِيدِ قَدْ مِلَأَتْ | كُلَّ الثُّغُورِ قَسَاوِرَةً شَوَاهِينَا | |
تَرْوِي الـمَنِيَّةَ مِنْ مُهْرَاقِ قَادَتِنَا | فَتَزِيدُ دَعْوَتُنَا عِزًّا وَتَمْكِينَا | |
«بِيْضٌ صَنَائِعُنا خُضْـرٌ مَرَابِعُنَا | سُودٌ وَقَائِعُنَا حُمْرٌ مَوَاضِينَا» | |
كُلُّ القُلُوبِ الَّتِي تَمْكُو ضَغَائِنُهَا | بِالخِزْيِ قَدْ بَاءِتْ وَاللَّهُ حَامِينَا | |
قُلْ لَنْ يُصِيبَ بَنِي التَّوْحِيدِ غَيرُ أَذًى | حَتَّى وَإِنْ قَتَلَ الكُفَّارُ عِرْنِينَا | |
لَنْ يَبْزُغَ الفَجْرُ مِنْ أَقْصَـى دَيَاجِيهِ | إِلَّا إِذَا اغْتَسَلَتْ بِدَمٍ أَرَاضِينَا |
[البحر: المتقارب]
[البحر: المتقارب]
«عطيةُ الله!؛ في رثاء الإمام الشهيد عطية الله»:
سأكتبُ شِعْرِي لشَيخِ السُّـرَاهْ | حَليمِ الكُمَاةِ شَهيدِ الأُبَاهْ | |
ويَا لَيتَ شِعْرَي وَمَا قدْ حَوَاهْ | يَفِي عُشْـرَ مَا قَدَّمَتهُ يَدَاهْ | |
رِجَالٌ أبوْا جبَرُوتَ الطُّغَاهْ | وَلَا يَنْحَنُونَ سِوَى فَي الصَّلَاه | |
وَتَسجُدُ لِلَّهِ مِنْهُم جِبَاهْ | فَدَربُ الجِهَادِ سَبِيلُ النَّجَاهْ | |
سَيُطْلِقُ قلبِي الرّقيقُ هَوَاهْ | بحَرْفٍ كَسيرٍ لِيَحْكِي رُءَاهْ | |
فبَعْدَ رَحِيِلِ عَطِيَّةَ اللهِ | غَدَوْتُ كَطَيرٍ بِأَرْضِ الفَلاهْ | |
عَطِيَّةُ رَبِّيْ وَنَغمَةُ حُبِّي | ||
ظَريفٌ ظَلِيفٌ شَرِيفٌ خَلُوقْ | نقِيٌّ صَفِيٌّ وَفِيٌّ صَدُوقْ | |
كَقَطْرِ النّدَى عِندَ خَيطِ الشـُّرُوقْ | نُدَاوِي بِهِ الجُرحَ جُرحَ الحرُوقْ | |
لَهُ في سَمَاءِ الجهَادِ البُرُوقْ | وَفِي الأَرْضِ يبْقَى عَمِيقْ العُرُوقْ ْ | |
كَلَامُه لِلأُذْن دَوْمًا يَرُوقْ | فَمَنْ ذَاقَ حُلْوًا سَيَبقَى يَذُوقْ | |
قدْ صَانَ الأمَانَةَ أَدَّى الحُقُوقْ | وَإِنْ حَلَّ بِالصَّفِّ صَدْعُ الشُّقُوقْ | |
يُلَمْلِمُهَا ويَصدُّ الفُرُوقْ | فَهلْ مِنْ مُجَارٍ لَّهُ قَدْ يفُوقْ | |
عَطِيَّةُ رَبِّيْ وَنَغمَةُ حُبِّي | ||
حَمَلتَ الهُمومَ قهَرْتَ المُحَالْ | نشَـرْتَ العلُومَ بِسَاح النّزَالْ | |
سَقيتَ الخُصُومَ كُؤُوسَ الخَبَالْ | وعِشْتَ شَمُوخًا كَمثل الجِبَالْ | |
سَلكتَ طَريقَ التُّقَى والقِتَالْ | وَعِفتَ القُصُورَ وَذُلّ السُّؤَالْ | |
وَنِلْتَ الشَّهَادَةَ أغلَى المَنَالْ | فَحَيُّوا الشَّهِيدَ وَحَيُّوا الرِّجَالْ | |
سَكَنْتَ بِقَلْبِي السِّنِينَ الطِّوَالْ | وَحَيَّرْتَ لُبِّي بِسِحْرِ الجَمَالْ | |
ونَوَّرت دَرْبي بنُور الجَلالْ | فَكَيْفَ أُلَامُ إَذَا الدّمْعُ سَالْ | |
عَطِيَّةُ رَبِّيْ وَنَغمَةُ حُبِّي | ||
لقَدْ كنتَ فينَا كمَاَ الوَالدِ | ودِفْئًا لَنَا فِي الدُّجَى البَاردِ | |
نَرْقُبُ في جفنِكَ الشّارِدِ | تبَاشِيرَ فجْرِ الهُدَى الوَاعِدِ | |
أعَدْتَ لنَا مجْدنَا التّالِدِ | وَرَبَّيْتَ جِيلَ الفِداَ الصَّاعدِ | |
عَلَى مَنْهَجِ الأنبِيَا الرّاشِد | وحَرَّضتَ كُلَّ أَخٍ قَاعِد | |
فَلِلَّهِ دَرُّكَ مِنْ قَائِدٍ | اصْطَفَاكَ إلَهُ الوَرَى الوَاحِدِ | |
فَنِعْمَ الشَّهادَةُ للعَابِد | وَأَنعِمْ بِهَا عَيْشةَ الخَالدِ | |
عَطِيَّةُ رَبِّيْ وَنَغمَةُ حُبِّي | ||
غَريبَ الدّيَار قَدْ حُقَّ البُكَاءْ | لمِثلكَ يَا نَجْمَةً في السَّمَاءْ | |
يَا ريحَ عَطِيَّةَ طَابَ الهَوَاء | بمِسْكِ رسَائلِهِ فِي المَساءْ | |
فصَبْرًا أخِي إنَّ هَذا بَلاءْ | سَيَجْزِيكَ رَبُّكَ خَيْرَ الجَزاءْ | |
وَإنّي لأُهْدِيكَ هذَا الرثَاءْ | فَقُمْ وَالتَمِسْ للجِرَاح الشِّفَاءْ | |
فإن صِرْتَ حَيًّا مَعَ الشُّهَدَاءْ | فكُنْ لِي شَفِيعًا مَعَ الأقربَاءْ | |
وإن طَالَ عُمركَ في الأوفياءْ | سَأَغْدُو سَعِيدًا بيَومِ اللِّقَاءْ | |
عَطِيَّةُ رَبِّيْ وَنَغمَةُ حُبِّي | ||
ونُقْسِمُ بالله يَا شَيخَنَا | سنُنْجِزُ مَا بِهِ كَلّفْتَنَا | |
ومَا قَدْ نصَحتَ وَوَصيتَنَا | بِهِ سَوف يُعْلي لنَا شأنَنَا | |
ونُعلنُ أنّا سَنَبقَى هُنَا | دِمَاكُم تُنيرُ لَنَا دَرْبَنَا | |
وأقْوالكُم رَافقتْ سَمْعنَا | ورَبُّ البَريّة حَافِظُنَا | |
فثَبِّتْ أيَا ربّ أقدَامَنَا | وسَدِّدْ ويَسـِّر لنَا أمرنَا | |
خِتَامًا بكيتُ وقلتُ أنَا | سَلامًا وَدَاعًا أيَا شيْخنَا | |
سَلامًا وَدَاعًا أيَا شيْخنَا | سَلامًا وَدَاعًا أيَا شيْخنَا | |
سَلامًا وَدَاعًا أيَا شيْخنَا | سَلامًا وَدَاعًا أيَا شيْخنَا | |
عَطِيَّةُ رَبِّيْ وَنَغمَةُ حُبِّي | ||
إلى هَاهُنا أنهي هَذي الدُرَرْ | بقول بَليغٍ لِمَنْ يعْتبِرْ | |
فكُل الذِي قالَ أهلُ السَّمَرْ | قلِيلٌ قليلٌ بِحَقِّ القَمَرْ | |
شَغَلْنَا الوَرَى مَلَأْنَا الدُّنَا | ||
ولَكنْ أَمُفدي | بلَحنِ الرَّصَاصْ | |
وحُكْمِ القصاصْ.. ولا لا مَنَاصْ.. مِنَ القَاعِدةِ |
وبهذا نكون قد أتينا على سيرة الشيخ فحررناها، سائلين الله أن يخلف أمة الإسلام به خيرًا، والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.
•••