🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

مباحثة في الديمقراطية

تحميل الكتاب PDF مصورًا

مباحثة في الديمقراطية

[سجلها الشيخ في: شوال 1430 هـ / 10 - 2009م، نُشرت صوتية في التلجرام]

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين.

ثم أما بعد؛ ففي أول الدورة() كنت قد ذكرت أن الدروس ستكون على قسمين: دروس تتعلق بفقه الجهاد -وقد قطعنا فيها شوطًا لا بأس به، والحمد لله- ودروس أخرى تتعلق ببعض المسائل التي يحتاج إليها المجاهد، سواءٌ منها ما يتعلق بأمور العقيدة، أو ببعض القضايا التي تمس الواقع ويحتك بها المجاهد إمَّا عمليًا وإما فكريًّا، فيحتاج معها إلى أن يعرف حقيقتها حتى يكون تعامله معها تعاملًا صحيحًا مبنيًّا على أسس شرعية صحيحة، بعيدة عن الهوى، وبعيدة عن الظلم وعن الجهل أيضًا.

واليوم اخترت أن يكون الدرس حول إحدى هذه القضايا العظيمة التي دَهَمت أمتنا الإسلامية، والتي يحتاج المجاهد -كما يحتاج كل مسلم- إلى معرفة حقيقتها؛ لأنها تغلغلت وتوغلت إلى بلاد المسلمين، ولا يكاد أحدٌ يستطيع أن يشُذَّ أو ينفردَ عن التعامل معها بطريقة أو بأخرى.. هذه المسألة هي «مسألة الديمقراطية»: ما هي حقيقة الديمقراطية؟ وما هو موقعها من الإسلام؟ وكيف يتعامل المسلم مع هذه الحقيقة أو مع هذا المنهج الجديد الذي بسط على الأرض شرقًا وغربًا؟

كنت قبل ثمان أو تسع سنوات تقريبًا كتبت مقالًا بعنوان: «الديمقراطية الصنم العصري»()، وحقيقة لم أجد عنوانًا أدق من هذا العنوان لهذا النظام الجديد؛ فهو صنمٌ بحق لأنه يعبد من دون الله بكل ما تحمل كلمة العبادة من معنى.

فهذا النظام الجديد جُيِّشَت لأجله الجيوش، واحتُلَّت لبسطه الدول، وأُنفقت لإقامته الأموال، ونُكِّل المعارضون له، وصُنِّف الناس بحسبه بين معتدل وبين متطرف، وبين عصري متحضر وجامد رجعي؛ إذن هو صنم بما تحمل هذه الكلمة من المعاني.

فما دام هذا النظام الجديد يُعَدُّ صنمًا يعبد من دون الله -وهو ليس بعيدًا عنا، فهو ليس وراء البحار ولا منقطعًا في الجزر، وإنما في عقر دارنا- فلا يكاد حاكم من الحكام ولا طاغية من الطغاة إلا ويتبجح ويفتخر بانتمائه الديمقراطي وأن نظامه نظام ديمقراطي عادل يقوم على الأسس الديمقراطي؛ فنحن إذن لسنا بمعزل عن هذا النظام، وإنما هو في داخل بلداننا وشعوبنا تتعامل يومًا بعد يوم بل لحظة بعد لحظة مع هذا النظام.. وكثير من دعاتنا وقادتنا ممن ينتسبون إلى الحركات الإسلامية وإلى الجماعات الإسلامية رفعوا لواء نشر هذا المنهج بين المسلمين؛ فلابد إذن، وفرض علينا أن نعرف حقيقة هذا المنهج: ما هو هذا الفكر؟ ومن أين جاءنا؟ وهل هناك ارتباط أو علاقة بينه وبين دين الله سبحانه وتعالى، أم هو أمر منفصل وفي واد منعزل لا صلة له بالدين، وديننا شيء آخر وراء ما يقوله لنا من يرفع لواء الديمقراطية، سواء من الإسلاميين أو من الطغاة الحاكمين؟!

وكما يقولون: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.. فلا تستطيع أن تحكم على شيء بأن هذا طيب أو خبيث، أو هذا جائز أو حرام، أو هذا واجب أو مكروه إلا إذا عرفت حقيقته وعرفت صفاته أيضًا.. فنحن أيضًا، وحتى لا نظلم الناس وحتى لا نظلم الديمقراطية ولا نظلم الديمقراطيين: لن نسارع ولن نبادر ونتعجل في الحكم على هذا النظام حتى نعرف حقيقته؛ فبعد ذلك لن نتعامل مع مجرد الأسماء -فليسموها بعد ذلك ما شاؤوا- ولكن سنتعامل مع الحقيقة، مع المضمون، مع المسمى: ما هي حقيقة هذا النظام؟ ثم بعد ذلك نقول: هذا جائز أو ليس بجائز، هي من دين الله أو ليست من دين الله؟ موافقة لشرع الله عز وجل أم أنها مصادمة لدين الله سبحانه وتعالى؟!

الديمقراطية من حيث اللفظ والمعنى

أولًا: من حيث اللفظ؛ الأمر الذي نقطع به ولا يمكن أن يشك فيه أحد، أن هذا اللفظ -لفظ الديمقراطية- ليس له موضع لا في كتاب الله، ولا في سنة النبي ، ولا في كلام السلف، بل ولا في لسان العرب أصلًا؛ إذن لفظها لفظ وارد، أقصد: جاءنا من خارج لسان العرب، فاللفظ إذن هو لفظ طارئ دخل علينا نحن المسلمين؛ فليس في لساننا وليس في كلام العرب شيء، وهذا اللفظ لو قلبت قواميس اللغة العربية كلها لتبحث عن كلمة «دمقرط» هذه فلن تجدها في لسان العرب، فالكلمة واردة من حيث اللفظ، فهي عندنا جديدة طارئة.

ولكن كما قلنا مرارًا: نحن لا نتعامل مع مجرد الأسماء، فقد يكون اللفظ محدثًا جديدًا جاءنا من هذه الأمة أو من غيرها أو عربناه ولكن المضمون يكون صحيحًا، فنحن علينا أن ننظر إلى الفحوى وإلى المضمون وإلى المسمى وإلى الحقيقة، ثمَّ بعد ذلك نتعامل مع اللفظ ومع المسمى معًا، فنتعامل مع المعنى ومع المبنى جميعًا.

وقبل أن ندخل في هذا الأمر نريد أن نؤكد على عدة أسس:

قبل أن ندخل في هذا الأمر نريد أن نؤكد على عدة أسس هي عند كل مسلم من المسلمات، فهي ليست من الأمور المعقدة التي تحتاج إلى إعمال العقل والبحث والفلسفة والنظر، وإنما المسلم العادي يعرفها:

1- أولها: أن دين الله سبحانه وتعالى قد اكتمل؛ فالنبي ما خرج من الدنيا إلا وقد بلغنا كل ما أمره الله به، والله ما اختار نبيه للرفيق الأعلى إلا بعد أن أنزل عليه الدين الذي ارتضاه للأمة: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [التوبة: 3] فالإسلام دين مكتمل، وعندما نقول: إن الإسلام دين مكتمل ونضع بجانبه أن النبي أُرسل للناس كافة من زمنه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فمعنى هذا أن هذا الدين الذي ارتضاه للناس كافة دينٌ صالح لكل زمان ولكل مكان؛ صالح لزمن النبي ولزمن التابعين، وتابعي التابعين، إلى القرن العاشر.. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهو دين الله الذي ارتضاه للناس، والنبي هو خاتم النبيين لا نبي بعده.. فإذن هذه من الحقائق المسلمة التي يعرفها كل مسلم.

وعندما نقول: إن دين الله كامل فهذا يعني أنه قد شمل جميع جوانب الحياة، سواء كانت السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو أي جانب من الجوانب؛ فدين الله إذا علمنا كيف يقضي أحدنا حاجته -فآداب قضاء الحاجة جاءتنا في دين الله - وعلمنا كيف يلبس أحدنا ثيابه، وعلمنا آداب إتيان الرجل أهله -يعني أخص الخصوصيات أرشدنا إليها دين الله -؛ فهل يتوقع مسلم أو عاقل أن يهمل دين الله بيان الأسس أو القواعد أو الأصول أو الطرق التي يمكن أن يكون عليها النظام السياسي في الدولة الإسلامية؟ هل يمكن لدينٍ أن يهتم ببعض القضايا الجزئية الصغيرة الخاصة التي تتعلق بآحاد الناس ويهمل القضايا الكبيرة العامة التي تتعلق مصالحها بالأمة بل بالناس جميعًا؟ هذا لا يمكن أن يكون!

إذن دين الله هو كامل وشامل لجميع جوانب الحياة الخاصة والعامة.

2- النقطة الثانية: ما دمنا سلمنا أن دين الله هو دين كامل وشامل وصالح ومصلح لكل زمان ومكان، إذن هو غير قابل للزيادة؛ أي لا نحتاج معه إلى شيء خارجي يمكن أن نضيفه وأن ندخله إلى دين الله ؛ فإذا أدخلنا شيئًا خارجيًّا على دين الله عز وجل -سواء كان في الجانب الاقتصادي أو الجانب الاجتماعي أو الجانب السياسي أو غيرها- فقد مزجناه بشيء ليس من الدين.

والدين إذا أردنا أن نمثله بصورة يمكن تصورها، فهو كالكوب المليء بالماء امتلاءً كاملًا؛ يعني لا يوجد مجال لزيادة قطرة ماء في هذا الكوب، فإذا وضعت قطرة واحدة من غير جنس الماء فإن شيئًا من الماء سيخرج من الكوب بلا شك.. هكذا دين الله ، فما دام شاملًا كاملًا فهو غير قابل لأن نضيف أو نزيد عليه شيئًا؛ لهذا فالنبي قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)()؛ في أمرنا يعني في ديننا هذا، فمن أحدث فيه شيئًا وهو ليس منه فهو مردود عليه، فلا يمكن أن يكون هذا من دين الله لأنك لن تستدرك على الله وعلى رسوله، فالدين قد انتهى، وكذلك قال النبي : (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)().

ولهذا فالنبي بين لنا حالة الخروج من الأزمات عندما يقع اضطراب في الدين، فبين لنا أنَّ المخرج هو الرجوع إلى الدين الذي أكمله الله سبحانه وتعالى؛ قال النبي : (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا)، ما هو المخرج من هذا الخلاف؟ قال النبي : (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور)()؛ فهذه الأمور الزائدة التي يمكن أن تدخلوها وتمزجوها بدينكم: احذروها، وأبعدوها عن دين الله ، وحلكم وخروجكم من هذا الخلاف: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.

3- الأمر الثالث: مصادر الدين ثابتة؛ فمصادر الدين التي نستنبط ونستخرج منها أحكام شرعنا التي نتعبد الله بها ثابتة لا يدخلها تحريف ولا زيادة ولا نقصان؛ فالله قد حفظ علينا كتابه، قال الله : ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9] كتاب الله محفوظ من جهة ألفاظه ومحفوظ أيضًا من جهة أحكامه، وكذلك سنة النبي محفوظة لأنها وحي وهي داخلة في الذكر الذي حفظه الله ، ولهذا فالنبي كان يشدد على الصحابة إذا رأى منهم أدنى ميل إلى مصدر آخر يمكن أن يشوش عليهم، حتى أن النبي في صدر الإسلام منع الصحابة من كتابة السنة خشية أن يختلط بالقرآن حتى يبقى القرآن محفوظًا؛ فعندما استقر الأمر وحفظ القرآن أذن لهم النبي بكتابة السنة، وكان قد أذن لبعض الصحابة كعبد الله بن عمرو بن العاص ، والنبي في يوم من الأيام رأى في يد عمر بن الخطاب صحيفة مطوية فقال: (ما هذا يا عمر؟) قال: «صحيفة من التوراة» كان عمر قد وجد فيها أشياء توافق ما يخبر به النبي ففرح بها عمر، يعني وجد شيئًا في التوراة مطابق لما يخبر به النبي ، فتغير وجه النبي وغضب غضبًا شديدًا وقال: (أمتهوكون أنتم يا ابن الخطاب؟) -يعني: أَمتحيرون وشاكون فيما أقوله لكم يا ابن الخطاب؟- (والله لو كان موسى حيًا ثم اتبعتموه لضللتم)() هذا موسى بن عمران .

إذن الإسلام حفظ المصادر التي نأخذ منها ديننا.

الأمر الرابع وهو الذي يرتبط بموضوعنا هنا: أنَّ الإسلام حرص على وقوع المفاصلة والاختلاف بين المسلمين وبين الكفار، لا سيما اليهود والنصارى والمجوس؛ فجِنس المخالفة بين المسلمين وبين الكفار هذا مقصدٌ شرعي أرشدت إليه السنة؛ فالنبي أمرنا بإعفاء اللحية وحف الشارب.. لماذا؟! قال: (خالفوا اليهود)() أو (خالفوا المجوس)()، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تأمر بمخالفة اليهود والنصارى.

إذن مخالفة هؤلاء القوم المغضوب عليهم والضالين: هذا مقصد شرعي حثَّ عليه الإسلام؛ فلا نحاول أن نمزج أو أن نتقارب معهم، والذي يحاول أن يُوجِد أرضًا مشتركة -كما يسمونها- أو أصولًا تجمعنا مع اليهود والنصارى، سواء سمى هذه الأصول «حقوق الإنسان» أو «أصول التعايش» أو «أصول الحريات» أو غير ذلك من الأشياء، فإنه يعمل في طريق مضاد لدين الله عز وجل.. هذه الأصول لا بد أن تكون مستحضرة في أذهاننا ونحن نتكلم على هذا الموضوع المهم.

وننتقل إلى موضوعنا حتى لا نطيل الكلام..

وقلنا من حيث اللفظ: إنَّ لفظ الديمقراطية هذا ليس موجودًا في قاموس العرب إلا عند القذافي فقط؛ القذافي قال: الديمقراطية أصلها من «الدهماء على الكراسي» أو «ديمومة الكراسي»، فقال: أصلها عربيّ ولم يسبقه إلى هذا الاشتقاق أحد!.

وأما من حيث المضمون، فالديمقراطية ترجمتها: «حكم الشعب»، هذا هو ترجمة كلمة الديمقراطية -وأنا لا أعرف الإنجليزية ولا غيرها ولكن هذا الذي أقرأه في الكتب- قالوا: معنى الديمقراطية حكم الشعب.

وهناك أصول يقوم عليها النظام الديمقراطي، وعندما نقف على هذه الأصول نعرف منزلة أو مكانة هذا النظام أو هذا المنهج من دين الله ، وأين يقع هذا النظام بالنسبة لدين الله ؟ حتى نعرف إن كان الديمقراطيون الإسلاميون محقين فيما ذهبوا إليه أم أنهم مبطلون.

صور الديمقراطية (أنواعها)

الديمقراطية لها ثلاث صور، ويمكن أن نسميها: أنواع الديمقراطية، نذكر هذه الأنواع حتى نعرف أن مضمونها وجوهرها واحد حتى ولو اختلفت الأسماء والصور؛ ويكون هناك نظام في الدستور يحدد نوع الديمقراطية التي في البلد.

وقد ذكرنا أنَّ ترجمة كلمة الديمقراطية «حكم الشعب» فمدار هذه الأنواع التي سنذكرها كلها مدارها على وجود هذه الحقيقة أو هذا المعنى وهو تطبيق حكم الشعب، يعني إثبات أن الحكم للشعب، ولنذكر الأنواع:

1. الديمقراطية المباشرة:

صورتها أن يشارك جميع أفراد الشعب في سن القوانين -يعني التشريعات- وإصدار هذه القوانين وإعطائها الصبغة الشرعية الدستورية التي تكون بسببها ملزمة لجميع أفراد الأمة.. يعني كل فرد من أفراد الشعب يشارك في سن هذه القوانين.

وهذه الديمقراطية صورتها قديمة، ولا توجد الآن -على الأقل من حيث الصورة- إلا في ليبيا عند ديمقراطية القذافي؛ فنوع الديمقراطية التي عنده هي الديمقراطية المباشرة، كيف صورتها باختصار؟ وأنا خبير في هذا الباب.. عندنا في ليبيا عدة بلديات -يعني محافظات- وكل بلدية فيها عدة مدن، والمدينة قد تكون مقسمة إلى عدة أحياء؛ يعني طرابلس مدينة لكنها مدينة كبيرة لا يمكن أن نجمع جميع أفراد طرابلس في اجتماع واحد ونقول لهم: ماذا ترون أو ماذا تشيرون أو ماذا تشرعون؟، فأحيانا تُقَسَّم البلدة إلى عدة أحياء بحسب حجمها.. ولا بأس أن تفهموا هذا النوع من الفقه القذافي!

وهذا لتفهموا صورة الديمقراطية المباشرة، وتروا كيف يسوق هؤلاء الطغاة الشعوب إلى الكفر أفواجًا.. فماذا فعلوا على الأقل من حيث الصورة؟

فنظام القذافي «الصقر الوحيد» كما يسمونه: يقسم المدن إلى أحياء، وكل حي يكون له اجتماع يسمى مؤتمرًا، فمثلا: نقول مدينة سبها -وتسمى بلدية سبها- في داخلها أحياء أو مدن، وكل حي أو مدينة يكون فيها مؤتمر؛ يعني أصحاب هذا الحي أو هذه المنطقة يجتمعون مثلًا مرة في السنة، وهذا الاجتماع وهؤلاء الناس عندهم رئيس يسمى أمين المؤتمر ونائب أمين المؤتمر وهكذا يجتمع عدة رؤوس، وهؤلاء مهمتهم أن يديروا الجلسة.. وكل هذا على مستوى جميع ليبيا.

فكيف طريقة التعامل في سن التشريعات، ولا يوجد تشريعات إلا ما يسنه القذافي؟ ولكن يقول هذا في ظاهر النظام: اقترحوا ما هو جدول الأعمال في هذه السنة، يعني ماذا تقترحون من الأمور التي تريدون نقاشها في هذه السنة؟ فتجتمع مؤتمرات هذه الأحياء فيتكلم هذا ويريد كلامًا على الاقتصاد، وهذا يريد كلامًا على السياسة، وهذا يريد كلامًا على الطلاق، وهذا يريد كلامًا على زيادة المهور وهكذا.. فتُطرح القضايا بغض النظر عن موافقتها أو مخالفتها لدين الله ؛ يعني مِن حقك في المؤتمر أن تقول: أنا أريد أن أقترح هل العِصمة أو هل الطلاق يكون في يد الرجل أو في يد المرأة؟ تقدمه، فيتناقش أصحاب المؤتمر المجتمعون وهؤلاء، ويتناقشون: ما رأيكم هل نسجل هذه النقطة حتى تطرح على الناس في جميع ليبيا حتى يناقشوها؟ فيناقشونها ويقولون: نعم.

فبعد ذلك يخرج أمناء المؤتمرات هؤلاء بعدة توصيات، لأنَّ كل بلدية فيها أمناء مؤتمرات، ثمَّ أمناء المؤتمرات عندهم مؤتمر على مستوى البلدية -أي على مستوى المحافظة- فأحيانا المحافظة يكون فيها عشرين مؤتمرًا، يعني عشرين أمين أو رئيس مؤتمر يجتمعون في البلدية أو في المحافظة، والمحافظة هذه عندها أمين مؤتمر خاص على مستوى المحافظة.. بعد ذلك كل واحد من أمناء المؤتمرات يقول: أنا أفرادي أو مؤتمري عندهم من النقاط التي يريدون نقاشها: واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة.. فبعد ذلك يناقش هؤلاء الأمناء -وهم خونة- هذه النقاط، فبعد ذلك يذهب أمين مؤتمر البلدية هذا على مستوى مؤتمر يسمونه «مؤتمر الشعب العام» على مستوى ليبيا كلها، وهذا يمثل البرلمان؛ فيتناقش أمناء البلدية على مستوى ليبيا ويخرجون يقولون: جدول الأعمال الذي سيناقش هذه السنة فيه عشرين نقطة.. هذه العشرون نقطة تعاد مرة أخرى إلى الناس؛ لأن ما اقترحه بعضهم في سبها لم يقترحه الآخر في طرابلس ولم يسمع بها.. فتأتي ورقة مكتوب فيها النقاط التي نريد نقاشها هذه السنة، فتقدم إلى المؤتمرات، ثم بعد ذلك يبدأ الجاهل والعالم والمرأة والرجل والخبيث والطيب والفاسق وكلهم يناقشون في هذه النقاط، ثم ترجع إلى مؤتمر الشعب العام مرة أخرى ويقرها، فإذا قرها صارت قانونًا ساريًا ملزمًا لأن ليس لأحد أن يخالفه، هذا من الناحية النظرية.. وأما في الحقيقة والمضمون فالحكم كله للقذافي؛ فهذه صورة الديمقراطية المباشرة.

طيب، بناء عليه فالحكم هنا لمن في الديمقراطية المباشرة لو نزلنا على الحقيقة؟ للشعب؛ يعني الشعب هو السيد، أو باختصار: الشعب هو الإله، فهو الذي سن القوانين بغض النظر أوافقت الشرع أم لم توافق، يعني أعطى لنفسه حق التشريع، وأعطى لنفسه حق السيادة التي تكون لله عز وجل.. هذا هو القسم الأول من الديمقراطية المباشرة.

2. الديمقراطية غير المباشرة، وهي السائدة في العالم الآن:

وصورتها: أن الشعب ينتخب نوابًا عنه، يعني ناس ينوبون عنه؛ فمثلًا هذه المنطقة يقولون له: أنت تنوب عنا في البرلمان، وتلك المنطقة يقولون: أنت تنوب عنا في البرلمان، وهذا الحزب مثلًا يقول له أفراده: أنت تنوب عنا في البرلمان.. فيصبح هناك مجلس، وهذا المجلس له عدة أسماء: أحيانًا يسمى: مجلس الأمة، وأحيانًا يسمى: مجلس الشعب، وأحيانًا يسمى: مجلس النواب، وأحيانًا يسمى: المجلس التشريعي، وأحيانًا يسمى: البرلمان، وأحيانًا يسمى: الكونجرس.. فله أسماء متعددة ولكن حقيقته واحدة.

فهذا البرلمان وهذه القبة التي يدخل تحتها يصبح ربًا؛ يعني له حق التشريع وله حق سن القوانين كما سيأتينا إن شاء الله.. فالشعب هو جمهور الدولة وكل واحد منهم أو كل مجموعة ينتخبون عنهم نائباً يكون في البرلمان؛ فهؤلاء يسمون بالنواب، ولذلك يسمى مجلس النواب ومجلس الأمة ومجلس الشعب.. تعبيرًا على أنه يقوم مقام الشعب؛ فمجلس النواب أو البرلمان عبارة عن حلقة مصغرة للشعب؛ فكأننا لأننا لا نستطيع أن نجمع الشعب كله في قبة واحدة في مكان واحد، فقلنا له: قدم من تثق فيه ومن يعبر عن رأيك وقناعتك ومن تريد أن تلتزم بتشريعاته، وقدِّمه ليقوم مقامك في البرلمان.. فالذي يدخل البرلمان يكون نائباً عن الشعب، وهذا البرلمان طبعاً عنده من الصبغة الشرعية في سن القوانين والحكم وغير ذلك ما لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى.

وسميت غير مباشرة لأن الشعب لا يتولى سن القوانين مباشرة، وإنما ينوب عنه النواب، ويقومون مقامه.

3. الديمقراطية المركبة: هذه الصورة الثالثة وهي مركبة من المباشرة وغير المباشرة.

يعني جزء منها غير مباشر وجزء منها مباشر، وصورتها: أنَّ الشعب ينتخب نواباً عنه، وهؤلاء النواب لهم حق سن القوانين والتشريعات، وهذا الحق أخذوه بدخولهم تحت هذه القبة.. فإذا قال أحد أعضاء البرلمان: أنا أريد أن أقترح تشريعًا جديدًا، يعني قانونًا جديدًا يسري في البلد، فيقدم أي قانون من القوانين، فيناقش في داخل البرلمان، فإذا افترضنا أن أغلبية أعضاء البرلمان وافقوا على هذا القانون، وقالوا: نحن نرضى بهذا القانون؛ ففي الديمقراطية غير المباشرة خلاص هذا يصبح قانونًا ساريًا ملزمًا لأعضاء البرلمان والشعب بمجرد هذا الإقرار، وأما في الديمقراطية المركبة فيحتاج الأمر إلى عرضه على الناس في استفتاء؛ فبعد أن وافق البرلمان على سن هذا القانون، يخرج القانون من تحت قبة البرلمان ليعرض على الشعب، فيقولون له: إن أعضاء البرلمان أو إن الأغلبية في البرلمان رأوا أن يكون القانون في كذا وكذا وكذا، فماذا ترى أيها الشعب: نعم أو لا فقط؟ فليس هناك نقاش: توافق أو لا توافق؟!

فإذا وافق الشعب أُقر هذا القانون وصار قانونًا ملزمًا وتشريعًا محتمًا عليهم وعلى أعضاء البرلمان.. وإذا رده الشعب وقال الشعب: نحن لا نريد هذا القانون، فيلغى.

إذن هو مركب من هؤلاء ومن هؤلاء؛ فكلهم اشتركوا في جريمة تشريع القوانين.

إذن لو تأملت في الأقسام الثلاثة فالحكم فيها يرجع إلى الشعب، يقرب أو يبعد، يعني تكون الدائرة واسعة وتكون ضيقة، ولكن في الحقيقة الأمر يرجع إلى الشعب.. هذه هي صور الديمقراطية ولا يوجد ديمقراطية تخرج عن واحدة من هذه الصور، سواء سموها ديمقراطية إسلامية أو سموها ديمقراطية غربية أو غير ذلك، لا يوجد ديمقراطية مما يتبجح به الناس اليوم ويدعون إليه يخرج عن واحد من هذه الأقسام.. لماذا؟!

قالوا: لأن الديمقراطية تعبر عن قناعة الأمة وعما تريد الأمة، فأصبحت مطالب الشعب والوصول إلى ما يريد الشعب هو المطلب الأول وليس ما يريده الله سبحانه وتعالى.

وهذا يكفينا في مناقضة الديمقراطية للإسلام، ولكن مع ذلك لا بأس أن نذكر النقاط التي تُظهر لنا بشاعة هذا النظام.

ركائز الديمقراطية المناقضة للإسلام
1- الركيزة الأولى: حق التشريع لغير الله (مجلس الأرباب)

فأول شيء في النظام الديمقراطي: أن حق التشريع يكون للشعب أو لنوابه؛ فعضو البرلمان له أن يقترح ما شاء من القوانين، وإذا اقترح هذا العضو أو هذا الشخص الذي هو في البرلمان قانونًا من القوانين ونوقش في داخل البرلمان، وأقره الأغلبية فخلاص صار قانونًا ملزمًا يجب الأخذ به ويعاقب على مخالفته، سواء كان هذا القانون موافقًا لدين الله عز وجل أو مخالفًا لدين الله ، وسواء كان تحليلًا لحرام أو تحريمًا لحلال، لا فرق بين ذلك.

وأدق اسم ووصف يمكن أن نطلقه على البرلمانات -وهم يسمونه مجلس النواب- هو «مجلس الأرباب» جمع الرب.. ولسنا في حاجةٍ إلى إثبات أن حق التشريع في ديننا هو لله ، هذا من بديهيات الدين ويعرفه الصغير والكبير؛ فالله قال عن اليهود والنصارى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31] فهذه الآية في سورة التوبة بينت لنا حقيقة، وهي أن عوام اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم -يعني عبادهم وعلماءهم- أربابًا من دون الله؛ فكيف اتخذوهم أربابًا من دون الله؟ هل سجدوا لهم؟ أو ركعوا لهم؟ هل صلوا لهم؟ لا.. كما جاء في حديث عدي بن حاتم ؛ دخل عدي بن حاتم على النبي وهو يقرأ هذه الآية، قال: يا رسول الله ما عبدناهم؟ -فعَدِيٌّ كان يتصور أن عبادتهم لهم هي السجود والركوع وغير ذلك- فقال النبي : (أليسوا يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه؟) قال: بلى، قال: (فتلك عبادتهم)().

الآن ما الفرق بين أن يكون هؤلاء الأحبار والرهبان جالسين في الطرقات أو في الصوامع أو في غيرها ويحلون ويحرمون، أو أن يكونوا في غرفة أو في قاعة مزينة فيها أفخم الكراسي وفيها أفخم الأضواء ومكيفة ويُحلون ويُحرمون؟ هل هناك فرق؟! ليس هناك فرق، فالعبرة بالحقائق.. فلذلك قلت لكم أنَّ الذي يصح أن نطلقه على هذه المجالس هو «مجلس الأرباب»؛ لأنهم يقومون بنفس المهمة التي كان يقوم بها الأحبار والرهبان: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، يحلون ويحرمون. بل أرباب اليوم هؤلاء أبشع وأقبح من أولئك؛ لماذا؟ لأن أولئك يتكلمون باسم الدين، فيحلون ويحرمون باسم الدين ويلبسون على الناس، وأما اليوم فيتكلمون باسم الاشتراكية، وباسم الإلحاد، وباسم العلمانية، ويتكلم بما شاء، ولا ينسب ما قاله للدين، ولا يهتم أصلًا وافق الدين أو لم يوافق، ولا يهتم أصلًا أرضي الشعب أو اقتنع الشعب بأن ما قاله موافق للدين أو لم يوافق.. فلذلك مجالس اليوم هي أقبح من مجالس الأمس، وأرباب اليوم هم أشد كفرًا من أرباب الأمس، والمهمة التي يقوم بها أرباب اليوم هي أقبح وأشنع من المهمة التي كان يقوم بها الأحبار والرهبان.

ولا نحتاج أن نثبت أن التشريع من دون الله هو كفر، فهذا لا خلاف فيه بين المسلمين، وهو أمر مجمع عليه، وحتى الذين يتكلمون عن الحكم بغير ما أنزل الله فيفرقون بين التشريع وبين الحكم، مع أن كلاً منهما كفر؛ يعني يمكن أن نتكلم عن «كفر دون كفر» في مسألة الحكم، وأما التشريع وهو سن القوانين فهذا لا يخالف أحد من المسلمين أنه كفر.

وأنا أضرب لكم مثالين ثم ننتقل إلى النقاط الأخرى:

المثال الأول: في أن التشريع كفر وأن من يطيع من يشرع من دون الله عز وجل هو مرتكب لكفر أيضاً؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧﴾ [التوبة: 37] ما معنى هذه الآية وفيمَ نزلت؟!

هذه الآية نزلت في كفار قريش، ماذا كانوا يفعلون؟! أنتم تعرفون الأشهر الحرم: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، ثلاثة سرد متتابعة وواحد فرد منفرد عنها؛ هذه هي الأربعة الحرم.. فكان مصدر اقتصاد قريش وتلك القبائل هو الحروب والغارات على القبائل الضعيفة وقطع الطرق على القوافل، وهؤلاء مع أنهم كانوا كفارًا إلا أنهم كانوا يُعَظِّمون الأشهر الحرم، يعني يتحرجون من القتال في الأشهر الحرم؛ فكيف يفعلون حتى يوافقوا بين تعظيم الأشهر الحرم وبين استمرار مصدر رزقهم -يعني استمرار الاقتصاد عندهم- ماذا فعلوا؟!

قالوا: عندنا شهر ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، هذه الثلاثة أشهر المتتالية لا نستطيع أن نتوقف عن الغارات وقطع الطرق أمام القوافل؛ فمن أين نعيش؟ فماذا فعلوا؟ قالوا: نأتي إلى شهر محرم وهو من الأشهر الحرم فنؤخره وننسئه -هذا معنى قوله: النسيء زيادة في الكفر- فننقل التحريم من شهر محرم ونجعله في صفر؛ يعني: نلتزم بتحريم شهر واحد تمامًا كما كنا نحرم شهرًا، يعني نجعل هذا بدل هذا، فنكون ما فعلنا شيئًا، ففي النهاية نحن التزمنا بتحريم أربعة أشهر.. فالله سبحانه وتعالى قال في فعلهم هذا -مع أن تعظيم الأشهر الحرم ما زال في قلوبهم، وإلا كانوا يستطيعون أن يقاتلوا وأن يستبيحوا الأشهر الحرم من غير أن يجعلوا له بديلًا، ولكن لأن في قلوبهم شيئاً من تعظيم الأشهر الحرم فإنهم أخروه وجعلوا مكان ما استحلوه شهراً آخر- فقال الله عز وجل في هذا: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ هذا الفعل الذي فعلوه زيادة في الكفر، والزيادة في الكفر كفر، قال: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾؛ فإذا كان الاقتصاد جيدًا هذه السنة فلنترك الثلاثة أشهر محرمة، وفي السنة التي فيها فاقة وشدة وفقر فلننسِئ شهر محرم ونجعله في شهر صفر ونقاتل في شهر المحرم.. قال الله عز وجل في هذا: النسيء زيادة في الكفر؛ لماذا؟ لأنه تشريع مخالف ومناقض لما كان عليه دين الأنبياء.

المثال الثاني: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121] ما هو سبب نزول هذه الآية؟ سبب نزولها أن كفار قريش أو غيرهم جاءوا إلى أصحاب النبي فقالوا لهم: أرأيتم ما يموت حتف نفسه من الدواب أو من الأنعام -يعني خروف أو نعجة أو بقرة أو جمل مات حتف نفسه- مَن قَتله؟ قالوا لهم: قتله الله. قالوا لهم: أرأيتم ما تذبحونه بأيديكم، وأنتم قتلتموه -وهم قتلوه بحسب الظاهر- أَوَ تحلون ما قتلتموه بأيديكم وتحرمون ما قتله الله سبحانه وتعالى؟ فجاءت الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وما وجه الشاهد في هذا؟ قال الله للصحابة: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ يعني: وإن أطعتموهم فيما قالوا لكم من تحليل الميتة وتحريم ما ذكر اسم الله عليه إنكم لمشركون بهم.. فهل سجد لهم الصحابة؟ هل ركعوا لهم؟ لا، وإنما أطاعوهم في التشريع لو حصل هذا، فسمى الله من يفعل ذلك مشركًا، وقال الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21] وهذه المسألة واضحة.

إذن هذا الأمر -حق التشريع في ديننا- هو خالص لله ، والمؤمن ما عليه إلا: سمعنا وأطعنا، كما قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فمجالس البرلمانات هي مجالس الخِيَرة؛ يعني: إن شئت فخذ بهذا الحكم الشرعي وإن شئت فرد هذا الحكم الشرعي، فمن حق رجل البرلمان أن يقترح مثلاً زواج الرجل من الرجل، وهذا حصل في مصر، حيثُ قُدِّم هذا المشروع: ناس في البرلمان في دولة إسلامية -تسمى إسلامية وسكانها مسلمون- يتقدم فيهم رجل ربما كان اسمه محمدًا أو اسمه عليًّا أو صالحًا أو غير ذلك، وأبوه مسلم وجده مسلم، يتقدم ببرنامج ويقول: أنا أريد برنامجًا أو أريد قانونًا يبيح للرجل أن يتزوج بالرجل، فتداولوه فيما بينكم يا معشر الأرباب!

فإذا أقر مجلس البرلمان أو إذا أقر هؤلاء الأرباب وقالوا: هذا جيد، والأغلبية وافقوا على هذا، بعد ذلك سيصبح زواج الرجل من الرجل قانونيًّا ولا يحق لأحد أن ينكر عليه ولا أن يرده ولا أن يعاقب عليه، ومن حقهم أن يَفتحوا له صالات الأعراس وغير ذلك كغيره من الزواج.

هل هناك مناقضة لدين الله أعظم من هذه المناقضة؟ وهذا الكلام لا نفتريه من عندنا، وإنما هذا كلام تتداوله وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة وتلقى فيه الخطب وتقام له الدعايات، فهذا هو لب الديمقراطية.

2- الركيزة الثانية من ركائز الديمقراطية المناقضة للإسلام: مبدأ المساواة المطلقة

فمن الركائز التي تقوم عليها الديمقراطية وهو مناقض لدين الله : قيامها على مبدأ المساواة المطلقة؛ فكل الناس سواءٌ في النظام الديمقراطي؛ لا فرقَ فيه بين المؤمن التقي وبين الفاسق الشقي، وبين الملحد وبين النصراني وبين اليهودي وبين المجوسي، وبين الرجل والمرأة، وبين الصغير وبين الكبير.. كلهم سواء في النظام الديمقراطي؛ من حيث الحقوق ومن حيث الواجبات.

فعندما نقول: من حيث الحقوق، يعني للرجل الملحد أو للرجل النصراني أو للرجل اليهودي أن يرشِّحَ نفسه للرئاسة في النظام الديمقراطي؛ فهو مواطن، فالأمر يقوم على مبدأ المواطنة؛ فما دمت أنت مواطنًا في هذه الدولة فحقُّك وحقُّ الآخر سواء، ترشح من تشاء وكذلك تترشح متى تشاء.

وهذا المبدأ يتناقض مناقضة كاملة مع دين الله ؛ فالله قال: ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥ مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦﴾ [القلم: 35 - 36]، قال الله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21]، وقال الله : ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ﴾ [آل عمران: 36]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28] وغيرها من الآيات الكثير التي تبين أن المؤمن خير من الكافر مهما بلغ المؤمن من الفسق، وأنَّ المسلمين في ذواتهم متفاضلون: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

فإذن هذا من المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية: مبدأ المساواة المطلقة، ولهذا فإنَّ بعض الجماعات الإسلامية التي دخلت في اللعبة الديمقراطية تورطت في هذه المسألة؛ ذلك أنَّ التفاضل بين المسلم وغيره من الأمور المعلومة التي لا يجهلها أحد؛ فهم إذا أقروا بمبدأ المساواة فمعنى هذا أنهم ناقضوا دين الله ، وإذا خالفوا مبدأ المساواة ناقضوا المبدأ الديمقراطي، فهؤلاء هم أصحاب: ﴿إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا﴾ [النساء: 62]، يعني يريد أن يقف في النصف؛ فيأخذ شيئًا من الديمقراطية ويقول: أنا معكم، ويأخذ شيئًا من الإسلام ويقول: أنا معكم: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ﴾ [البقرة: 14] فماذا فعلوا؟! لم يتحرجوا وأدخلوا في جماعتهم الإسلامية بعضَ النصارى ورشحوهم تحت مظلة الجماعة الإسلامية! كيف هذا؟!

أنت جماعة إسلامية تريد أن تعلم الناس دين الله.. تريد أن تعلمهم توحيد الله.. تريد أن تعلمهم مبدأ الولاء والبراء.. تريد أن تعلمهم أن الدين والحكم لله ؛ فكيف تأخذ قبطيًّا من أقباط مصر أو نصرانيًّا من نصارى فلسطين وتجعله ضمن المرشحين في الجماعة الإسلامية ليكون عضوًا في البرلمان يتكلم باسم الجماعة الإسلامية وهو قبطي؟! فقالوا: عندنا مبدأ الترشيح مبني على الكفاءة وليس على الدين.. هذا قولهم هم!

فحركة حماس في فلسطين رشحت نصارى أعضاء في حركة حماس في المجلس التشريعي، وحركة الإخوان في مصر كان من ضمن المرشحين فيها بعض الأقباط.. فأي دينٍ هذا الذي تدعو إليه؟ فقل لنا: إنني رجل علماني أو قل إنني رجل ديمقراطي ديمقراطية خالصة.. أو غير ذلك! وأما أن تمزج الطاهر بالنجس وتقول لنا: هذا دين الله فهذا غير مقبول؛ فهذا مبدأ من المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية.

ونحن نختصر ولا نطيل، ولكن هذه النقاط لا بد أن تكون واضحة في أذهانكم؛ حتى إذا تكلم الإنسان عن الديمقراطية أو نقض أصول الديمقراطية يعرف ماذا ينقض، ولا يتكلم بالعمومات وبالإجمال.. فهذا لا يسمن ولا يغني من جوع.

3- الركيزة الثالثة التي تقوم عليها الديمقراطية: مبدأ حرية الاعتقاد

وهو في الأصل مبدأ عام، وهو مبدأ الحرية المطلقة، ولكنَّ التفصيل يبين الأمر أكثر.. فمبدأ حرية الاعتقاد معناه أنَّ للإنسان أن يعتقد ما شاء، وأن يُقَلِّب عقيدته متى شاء وإلى ما شاء؛ فإذا شاء الرجل أن يكون اليوم مسلمًا تقيًّا فله هذا، وفي الصباح ينتقل إلى النصرانية فله هذا، وفي اليوم الذي بعده ينتقل إلى الإلحاد فله هذا، واليوم الذي بعده ينتقل إلى المجوسية فله هذا؛ فحرية الاعتقاد مكفولة في النظام الديمقراطي.

أليس هذا مناقضًا مناقضة جلية لقول النبي : (من بدل دينه فاقتلوه)()؟ فقتل المرتد وهو الذي يخرج من دين الله إلى غيره من الأديان -مهما كان-: أمر مجمع عليه بين العلماء، واختلفوا فقط في المرأة المرتدة، وأما الرجل المرتد فلا خلاف بين العلماء في وجوب قتله إذا لم يَرجع إلى دين الله ، وأما الديمقراطية فتقول له: إن شئت فكن يهوديًّا وإن شئت فكن نصرانيًّا وإن شئت فكن مجوسيًّا؛ فحرية الاعتقاد تحت مظلتنا مكفولة، وليس لأحد أن يعترض عليك.

فإذا كان هذا هو الدين الذي يدعو له النبي لا مشكلة فيه بحرية الاعتقاد: فلماذا أرهق الصحابة أنفسهم في قتال مسيلمة وفي قتال سجاح وفي قتال مانعي الزكاة وفي قتال طليحة الأسدي ومَن تبعهم؟ ولِماذا قُتل أكثر من كم من أهل بدر في معركة الحديقة -حديقة الموت- إذا كانت حرية الاعتقاد مكفولة؟ ولماذا لم يأتِ أبو بكر وقال: يا مسيلمة تعال، ويا سجاح تعالَي، ويا الأسود العنسي تعال، ويا طليحة الأسدي تعالَ؛ لِنُكوِّنَ برلمانًا ولكم حرية الاعتقاد، فمَن شاء منكم أن يؤمن بالنبي وحده فله ذلك، ومن أراد منكم أن يشرك معه مسيلمة فله ذلك.. فهذا من حرية الاعتقاد! لماذا يقول أبو بكر : «أينقص الدين وأنا حي؟»()، فهذا دينٌ يُنقص في النظام الديمقراطي؛ إذ حرية الاعتقاد مكفولة فيه.. فليس هناك حزب مسيلمة الكذاب في الدولة الإسلامية، وحزب سجاح في الدولة الإسلامية، وحزب طليحة الأسدي في الدولة الإسلامية.. وليس في الدولة الإسلامية إلا حزب الله .

والديمقراطيون الإسلاميون وقعوا في هذه الورطة؛ فكيف يوفقون بين مسألة حرية الاعتقاد وبين مسألة إثبات حكم الردة؟! قالوا: الدول الإسلامية لها خصوصياتها ولها ضوابطها ولها قواعدها، إلا أن الديمقراطيين العلمانيين يحرجونهم دائمًا بهذا الأمر، حتى إن بعض رؤوس الجماعات الإسلامية الديمقراطية، أحد رؤوسها عندما أُحرج بسؤال قيل له: إذا كان الشعب الذي تنتمي إليه اختار الكفر -يعني هناك أحزاب كافرة في هذه الدولة وهناك أحزاب إسلامية في هذه الدولة- فهذا الشعب كله أو أكثره صوَّت وقال: نحن نريد هذا الحزب الكافر سواء كان شيوعيًّا أو غير ذلك، فقال: أنا أحترم خيار الشعب! إذَا رجعنا إلى الإله في الديمقراطية وهو «الشعب»، وأصبحت هذه الأحزاب الكافرة لها حق الحكم ولها حق تبني ما شاءت من العقيدة، وعقيدتها محترمة في النظام الديمقراطي مِن قِبَلِ الجماعات الإسلامية التي نريد منها أن تعلم الناس الدين، وأن تبين لهم حدود الإسلام وأن تكشف لهم سبيل المجرمين كما تكشف لهم سبيل المؤمنين، ولكنها ألبست الحق بالباطل.

المحاضرة الثانيةحقيقة لفظ الديمقراطية وبيان أن معناها العرفي: سيادة الشعب

()شرعنا بالأمس في الحديث عن الديمقراطية وبيان حقيقتها وما هو حكم الإسلام فيها، وذكرنا في ذلك بعض الأمور أو الأسس التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، ورأينا مناقضَتَها لدين الله مناقضة تامة، وقلنا: سواء نظرنا للديمقراطية من حيث الاسم، أو نظرنا إليها من حيث المسمى والمضمون والحقيقة، فإنها بعيدة عن دين الله .

فأما من حيث الاسم؛ فقلنا إن هذه اللفظة -لفظة الديمقراطية- ليست في شيء من كلام العرب، وكما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ فإن الألفاظ لا تخرج عن واحد من ثلاثة أقسام:

الأول: أن يكون اللفظ لفظًا شرعيًّا؛ يعني جاء به الكتاب والسنة فيكون له معنى شرعي محدد، كلفظ الصلاة والزكاة والصيام، فهذه الألفاظ وإن كان لها معنى في أصل لغة العرب إلا أن الشرع استخدمها في معنى جديد.. وسنتكلم على هذا الأمر إذا يسَّر وتحدثنا عن مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة.

الثاني: أن يكون اللفظ لفظًا لغويًّا؛ استخدمه العرب وما زال الاستخدام العربي جاريًا به، كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض؛ فهذه ألفاظ عربية وما زال الاستخدام العربي جاريًا بها.

الثالث: اللفظ العرفي؛ يعني الذي لم يأتِ به كتابٌ ولا سنة، بمعنى أنه لم يُحدد الكتاب والسنة حقيقة هذا اللفظ، وإنما ردَّه إلى العرف، وذلك أنه قد تطرأ ألفاظ ومصطلحات وكلمات جديدة لم تكن معروفة عند العرب وتكون عند أصحابها في هذا البلد أو ذاك لها معنى خاص ومسمى خاص وحقيقة خاصة، وقد يشترك هذا اللفظ العرفي مع غيره؛ فقد يكون أُطلق من قبل على شيء في كلام العرب أو يكون لفظًا مستحدثًا، لكن إذا أردنا أن نحكم على هذا اللفظ العرفي فلا نكتفي بمجرد اللفظ، وإنما ننظر إلى حقيقته التي يستخدمها له أصحابها.

فمن هذا القبيل: الديمقراطية؛ فهي في الأصل ليست لغة عربية، وإنما استجلبت إلى بلاد العرب، يعني جاءت ودخلت على العرب وأصبحوا يستخدمونها؛ فعندما نريد أن نحكم على الديمقراطية لا بد أن ننظرَ: ماذا يقصد أصحابها بها؛ سواء أصحابها الذين وضعوا هذا الاسم لمعنى خاص عندهم أصلًا، أو الذين أخذوا هذا اللفظ وأسقطوه على معنى جديد عندهم.

فتكلمنا بالأمس وقلنا إن حقيقة الديمقراطية بأنواعها كلِّها لا تخرج عن مضمون وفحوى واحدة، وهي: «حكم الشعب» أو «سيادة الشعب»؛ هذه الديمقراطية.. فما من رجل ديمقراطي -سواء كان من أصحاب الديمقراطية المباشرة أو غير المباشرة أو المركبة- إلا وهو يسعى لإثبات أن السلطة أو السيادة في ديمقراطيته هي للشعب؛ فالديمقراطية لا يخرج معناها عن هذا.

وسيادة الشعب معناها أن السلطة العليا تكون للشعب، وليس هناك أي سلطة فوق هذه السلطة.

ونحن نعلم أن السلطة العليا أو السيادة هي لله ، كما قال النبي : (السيد الله )()، هذا حديث صحيح عن النبي ، وأما الديمقراطيات فإنها تنص وتؤكد باللفظ والمعنى أن السيد هو الشعب؛ فإذا كان القرآن يقول: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: 41]، فالديمقراطية تقول: والشعب يحكم لا معقب لحكمه. وإذا كان القرآن يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: 1]، فالديمقراطية تقول: إن الشعب يحكم ما يريد. وإذا كان القرآن يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]، فالديمقراطية تقول: إن الحكم إلا للشعب.

وهذه اللفظة موجودة عندنا في ليبيا: «السلطة للشعب ولا سلطة لسواه»، هكذا تقع اللفظة بالضبط.. فلم يكتفوا بالمشاركة؛ لم يكتفوا بأن يشارَك الله في حكمه، لا.. إنما أبعدوه أصلاً؛ فحكم الله أبعدوه، ليس له سلطة أصلاً والعياذ بالله، وهذه تجدها مليئة باللافتات ومعلقة في الشوارع وفي الطرقات وفي القاعات وفي غيرها..

إذن هذه هي فحوى الديمقراطية وهذه هي حقيقتها.

الديمقراطية كدين جديد وجذورها التاريخية

أيها الإخوة: موضوع الديمقراطية موضوع متشعب، ومن حيث ما أردت أن تدخل فيه تجد نفسك لا بد أن تدخل يمينًا أو يسارًا؛ لأن الموضوع عميق، وكذلك مصيبة الأمة به كبيرة، والتلبيس فيه شديد، يعني الآن الأمة أو أكثر الأمة تواطأت على هذا الأمر.. فإذا أردنا أن نوصف الديمقراطية وصفًا دقيقًا فنقول: هذا دين جديد دخل على الأمة.. دين جديد بما تحمل هذه الكلمة من معانٍ.

فالدين هو نظام الحياة، كما قال الله في قصة يوسف عليه السلام: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: 76] يعني: في حكم الملك؛ فالدين هو: قانون الحياة ونظام الحياة التي يجري عليها الخلق أو الناس؛ فالله أخبرنا أن هناك دين الإسلام وأن هناك أديانًا أخرى؛ فكل ما سوى الإسلام فهو دين، أي نظام قبله الناس ورضي به الناس واتبعه الناس فهو دين؛ ألسنا نقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون]؟ إذن ديننا واحد، وما عندهم هو أديان.

فالديمقراطية -وإن حاول البعض ممن ينتسبون إلى الجماعات الإسلامية بل وقادة الحركات الإسلامية أن يطلقوا عليها ألفاظًا شرعية يموهون بها كالشورى والعمل السياسي- إلا أنها في حقيقتها دين مستقل؛ له أصوله ومعتقداته وآدابه ومصطلحاته بما تحمل هذه الكلمة من معانٍ.

وإذا أردنا أن نعرف أن الديمقراطية دينٌ جديد؛ فعلينا أن ننظر إلى جذورها: كيف خرجت الديمقراطية أصلاً؟ هذا الدين جديد لا أقول كيف وصلنا، كلا.. فنحن الآن -وأقصد بلدان المسلمين- تبع للغرب؛ لأن السيادة الآن والقوة للغرب، فعند الغرب كيف ظهرت الديمقراطية؟!

في العصور المظلمة كان هناك الملوك والبابوات -أي القساوسة- وكان عندهم هناك شيء اسمه عند الملك -حاكم أي دولة في أوروبا-: «الحق الإلهي المقدس»؛ فعند هذا الملك حق أُعطي له يسمى هذا الحق: الحق الإلهي المقدس، وإذا أردنا أن نضع آية قرآنية تعبر عن هذا الحق الإلهي المقدس فهي: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: 23]؛ يعني هذا الملك كانت سلطته عليا، فهو أعلى من يتخذ القرار وليس هناك رقيب فوقه، وليس هناك من يقول له: لِمَ فعلت هذا؟ وإنما أي قرار أراد أن يتخذه فهو أعلى شيء في تلك الدول.. فسلطته هي العليا، فتكون له السيادة؛ فالسيادة للملك صح، ومِن ورائه أولئك البابوات الذين أسبغوا وأضفوا عليه هذا الحق الإلهي، فهذا الملك سيادته عليا وإرادته مطلقة؛ فيتصرف في شعبه بما شاء، فالشعب عبارة عن قطعان يتصرف فيها الملك بما شاء بموجب «الحق الإلهي المقدس»؛ فلا يُسأل عما يفعل.

ولا شك أن الأمور عندما تصبح في يد واحدة عند شخص واحد وعنده الحرية المطلقة في التصرف وله السيادة العليا بحيث لا يسأله أحد، ولا يراقبه أحد، ولا يحاسبه أحد، فلا تسأل بعد ذلك عن الظلم والكبت الذي يلحق الأموال والأعراض والدماء وغير ذلك.. فهذه الشعوب الأوروبية أصابها من الظلم ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى تحت شعار «الحق الإلهي المقدس»؛ فهذه الشعوب نفد صبرها وتململت؛ فأرادت أن تخرج من هذا الكبت ومن هذا الظلم الذي صُبَّ عليها من وراء هذا الشعار، فقامت الثورة الفرنسية سنة ألف وسبعمائة وتسعة وثمانين (1789م)، وكانت ثورة عارمة، وحصل فيها انتفاضة على الملوك وعلى البابوات، حتى كان شعار الثورة: «اشنقوا آخر الملوك بأمعاء آخر قسيس»؛ يعني: لا تتركوا منهم أحدًا؛ إذن هو تمرد كامل على الحق الإلهي المقدس.

فماذا صار للشعوب بعدها؟! كرهت أي شيءٍ اسمه ارتباط بالدين؛ لأنَّ وجود الدين عندها صار يعني الظلم والكبت ومنع الحريات.. فقالت هذه الشعوب ومَن قادها ومَن قام عليها: السيادة بدل أن كانت للملوك لِمَن تصبح؟! للشعب، للأمة؛ فالسيادة انتقلت إلى الأمة، والإرادة انتقلت من الملوك إلى الأمة.. هذا الحق الإلهي المقدس تمردوا عليه بماذا؟! بحرية الاعتقاد: فليس لأحد أن يجبرني بأي شيء، وأنا حر فيما أعتقد.. وهكذا ظهرت الديمقراطية الغربية.

إذن تأمل: هذه الديمقراطية الآن التي تُقدم لنا في بلداننا الإسلامية لم تقم بالورود والرياحين وغير ذلك، إنما قامت بانتفاضة قُتل فيها آلاف الناس، يعني ضحى آلاف الناس من أجل أن يثبتوا أو أن يقرروا أو أن يقيموا هذا النظام الجديد، أي هذا الدين الجديد؛ الدين المتمرد على كل شيء له صلة بالدين.. فهكذا خرجت الديمقراطية، ثم بعد ذلك أصبحت تتسلل وتتسرب إلى الدول الأوروبية الأخرى، إلى أمريكا، وإلى البلدان الإسلامية، وقد يقرب أو يبتعد بعضهم من المعنى.. ولكن الأصل واحد.

البرلمان والقيود الدستورية في النظام الديمقراطي

وإذا أردنا أن نصور النظام الديمقراطي، فيمكن أن نصوره داخل مربع، وفي داخل هذا المربع نجد: «حرية الاعتقاد، حرية التعبير، المساواة المطلقة، السيادة للشعب.. ونقاط كثيرة»؛ فهذه الأعمدة والأسس هي النظام الديمقراطي الذي يتركب منه هذا المربع.. فأنت أيها الإسلامي أو الحركة الإسلامية حين تقول: أنا أدخل مجلس البرلمان وأريد أن أقيم شريعة الله من خلال البرلمان.. فنقول له: بما أنك دخلت إلى البرلمان؛ فهذا البرلمان هو جزء من النظام الديمقراطي، يعني هذا البرلمان وضعت له نقاط وحدود لا يتجاوزها، لا يتجاوزها؛ فحتى من أراد أن يدخل إلى البرلمان ويتكلم بحرية ويطرح القوانين بحرية، إلا أنه يطرحها داخل نطاق الدستور، داخل نطاق الدستور؛ فالبرلمان محكوم بالدستور.

فالنظام الديمقراطي كله مقيد بقواعد الدستور لكل دولة، وكل دولة عندها دستور خاص، وتتصرف بدستورها في النظام الديمقراطي بما شاءت؛ فمثلًا بعض الدول تقول: إنَّ حل البرلمان من حق الملك؛ فإبقاء البرلمان أو حل البرلمان راجع للملك كما هو في الكويت والأردن وغيرهما.. فأنت الآن تقدم مشروعًا وتناقشه ويُقره البرلمان، ثم بعد ذلك الملك -سيادة الملك!- يقول: البرلمان أصلاً حللناه، يعني نحتاج إلى انتخابات جديدة لإيجاد نواب جدد.. فهكذا تصبح أنت مثل العجلة؛ هذا لو قلنا إن الأمر جائز في أصله.

فأنت إذا دخلت إلى البرلمان ضمن دولة من الدول العري فيها حلال، أو الخمور فيها حلال مثلًا؛ فانت دخلت البرلمان تريد أن تقيم شريعة، فتقول مثلا: أريد أن أطرح تحريم الخمر، وأريد أن أطرح تحريم الاختلاط، وأريد أن أطرح تحريم التبرج مثلًا.. فهذه النقاط تخل بأصل النظام الديمقراطي؛ فإذا أردت أن تقيم دين الله فعليك أن تقلب النظام الديمقراطي كاملًا، لا أن تقيم دين الله وأنت في داخل النظام الديمقراطي؛ فتغير بعض الأحكام وأنت مغطى بهذه العباءة الكبيرة التي تسمى «النظام الديمقراطي»؛ فحركة كل نائب من النواب إنما هي مقيدة بنقاط الدستور، ولذلك فما من نائب من النواب يُرَشَّح ويفوز في الترشيحات إلا ويقسم على احترام الدستور، ولماذا يقسم على احترام الدستور؟ ذلك لأجل المحافظة على النظام الديمقراطي.. فإذن: ما هو الشرع الذي تريد أن تقيمه أنت؟ تخادع من؟ تخادع نفسك أم ربك أم أمتك؟!

قاعدة الاستسلام للشريعة مقابل الأكثرية في الديمقراطية

ثمَّ عندنا نحن في ديننا الإسلامي يقوم الأمر على قاعدة التسليم لأحكام الله ، يعني إذا جاءنا الحكم من الله فما علينا إلا أن نقول: سمعنا وأطعنا؛ فليس للإنسان أن يقول: أريد أن أعرض فكري أو أعرض هذا الحكم على نظري أو على اجتهادي، أو أن أستشير فيه هؤلاء.. فقط نحن نبحث: هل هذا حكم الله أم ليس بحكم الله؟! فإذا ثبت أنه حكم الله فليس للمسلم -إذا كان مسلمًا، وهذا هو معنى كلمة الإسلام، يعني الاستسلام والإذعان والانقياد والتسليم- فليس للمسلم إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا، كما قال الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].

فالآن تأمل معي يا أخي: الآن عندنا هنا نظام الإسلام، وهنا الديمقراطية؛ ففي نظام الإسلام: إذا كنت مسلمًا فالقاعدة الأولى تقول: ليس لك الخيار من أمرك في أمر الله وفي أحكام الله ، فالله يحكم لا مُعِقَّب لحكمه؛ لا أحد يتعقب أحكام الله ويتابعها، ينقض هذا ويقيم هذا ويقبل هذا ويرد هذا.. هذا لا يمكن أن يكون مسلمًا.. هذه هي القاعدة التي يقوم عليها أصل الإسلام؛ فالنطق بالشهادتين يعني أنك مستسلم لأحكام الله التي جاء بها النبي ؟

وأما النظام الديمقراطي فالأمر عنده معروض على الأكثرية؛ بغض النظر عن هذا الأمر المعروض: سواء كان قانونًا بشريًّا أو كان شرعًا ربانيًّا، لا فرق بين هذا وبين هذا.

ففي مجلس الأرباب الذي هو البرلمان لو جاء شخص، وقال: أنا أريد أن أقترح أن يكون الخمر في بلادنا حلالَا، فجاء أحد النواب الإسلاميين واعترض على هذا القانون، وقال له: هذا لا يمكن، نحن لا يمكن أن نقبل بأن يكون الخمر حلالاً في بلادنا.. لماذا؟ لأن المادة كذا من الدستور تقول كذا وكذا. إذا قال لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ [المائدة: 90] إلى آخر الآية، فسيقولون له هنا: ليس هو محل أن تقول لي: قال الله وقال الرسول، فنحن الآن في محل المناقشة؛ هل هذا القانون مما يناسب الشعب ويلائم حاجات الشعب أم لا يلائم حاجات الشعب؟!

فالآن هذا يقول نريده حلالًا، وذاك يقول نريده حرامًا.. فما الذي يتم بعد ذلك؟! يقال: نعرض الحكم على الأغلبية، يعني الآن عندنا شخص رفع قانونًا لتحليل الخمر، واعترض عليه شخص آخر قال: أنا أعترض على هذا القانون، فنقول: الأمر يرجع إلى الأغلبية في البرلمان.. فيصوتون: وافق واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، مئة، مئتان وقالوا إن الخمر حلال، بينما قال ثلاثمئة قالوا إن الخمر حرام؛ فخرج البرلمان بحكم منع الخمر في هذه البلاد مثلًا.. فالآن تحريم الخمر هذا هل جاء بناء على قاعدة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ... أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أم جاء على قاعدة أن الأكثرية قد شرَّعوا تحريم الخمر؟! بل باعتبار أنَّ الأكثرية شرَّعوا تحريم الخمر! هل يكون هذا التحريم هو الذي يريده الله ؟! لا.. لماذا؟! لأنه غدًا أو بعد سنة أو سنتين يأتي برلماني آخر ويعرض تحريم الخمر فترى الأكثرية أن الحاجة وأن الاقتصاد منهار فنحتاج إلى فتح خمارات، فينقض هذا الحكم ويرجع إلى أن الخمر حلال: يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا.

إذن قاعدة الاستسلام -أصل قاعدة الاستسلام والانقياد لدين الله- غير موجودة في النظام الديمقراطي، فنحن لا نريد حكمًا يسمى حكم الله أو حكمًا يماثل حكم الله، ولكن نحن نريد حكمَ الله ، وحكم الله له شقان: شق ظاهري، وشقُّ يمكن أن نسميه باطنيًّا أو قلبيًّا أو سمِّه ما شئت؛ فالشق الظاهري هو هذه الأفعال: الخمر، الخنزير، الميتة وغيرها مما ينبغي أن تُمنع.. والشق الآخر: أن يكون منعها بناء على الانقياد لحكم الله ، فإذا انتفى هذا فهذا ليس حكم الله وإنما هو حكم العقول والأهواء.. هذا هو الأمر الأول؛ فعلينا أن نعرف أن أصل قاعدة الاستسلام؛ يعني أن الإنسان لا يمكنه بدخوله لهذا البرلمان تحت أية حجة كانت، ولا يمكنه أن يجمع بين الاستسلام لأحكام الله وبين النظام الديمقراطي وقاعدة النظام الديمقراطي. لماذا تضطر إلى أن تدخل؟! لأن هذه القبة هي التي لها حق الاعتراض ولها حق تسويغ وتشريع القوانين.. ولذلك لو أن إنسانًا يعترض عليهم وهو على المنبر ماذا سيكون مصيره؟ السجن!

ولكن تعال وادخل إلى هذه القاعة التي لك فيها حق التشريع، ولك فيها حق التحليل والتحريم، ولك فيها حق أن تنزعه من حق الله ، فبعد ذلك تكون آمنًا؛ فهل هذا يكون حكم الله ؟ لا..

خطر جعل الأكثرية دليلاً على الحق والباطل

وثمةَ نقطة خطيرة سأذكرها الآن، وهي: أنَّ حكم الله يقوم على الدليل؛ يعني إذا أثبتت الآية هذا الحكم أو أثبتت السنة هذا الحكم فخلاص هذا هو حكم الله، بغض النظر أوافق عليه الأكثرية أو الأقلية، قال به عالم واحد أو قال به كل العلماء؛ يعني اتفق عليه العلماء أم خالفوه إلا عالمًا أو عالمين، فما دام الدليل من الكتاب والسنة -يعني الحجة واضحة في هذه المسألة من المصدرين أو من أحدهما- فما على المسلم إلا الحجة في ما يأتي به الكتاب والسنة.

أما الديمقراطية -وهذه غير قاعدة الاستسلام بل هذه قاعدة أخرى- فإنها تجعل الدليل على أن هذا الشيء حق أو باطل هو الأكثرية؛ يعني الحكم على أن هذا الشيء حق أو أن هذا الشيء باطل، أو أن هذا الشيء مقبول أو أن هذا الشيء مردود هو الأكثرية؛ فكأنهم يقولون: إن الحق دائمًا مع الأكثرية.. فإذا قالت الأكثرية: قبلنا بهذا الشيء فهو حق بغض النظر أوافق الحق أو لم يوافق، وإذا قالت الأكثرية إن هذا الشيء مردود فهو باطل مردود.

وانتبهوا لهذه المسألة الخطيرة؛ حتى يتبين لك أي مزلق وأي خطر زلت فيه أقدام هؤلاء الإسلاميين الذين دخلوا إلى مجلس الأرباب؛ فالبرلمان، أو «مجلس الأرباب» كما سميناه، أو مجلس النواب، هو ممثل أو نائب عن الأمة في سن القوانين والتشريعات.. فإذا عرضوا قانوناً من القوانين في النظام الديمقراطي: فهذا القانون في أصله يؤيد برأي الأكثرية، ويصبح القانون رسميًّا بخروجه من البرلمان، بحيث يُعدُّ جميع أعضاء البرلمان أسبغوا الشرعية على هذا القانون، سواء المعترض منهم أو المؤيد، وهذه من أكثر الأشياء خطورة في النظام الديمقراطي.. ما معنى هذا الكلام؟ فالآن لو أن أحد أعضاء البرلمان قال: نريد أن نبحث في حكم زواج الرجل من الرجل -وأنا سأذكر أشياء قبيحة حتى نعرف مدى معارضتها لدين الله - فقدَّم للبرلمان مشروعًا يشرع فيه جواز زواج الرجل من الرجل، وقال: هو مشروع القانون الذي أقدمه بضوابطه واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة.. فيقوم رئيس البرلمان ويقدمه لجميع النواب ليدرسوا هذا القانون؛ بعضهم يقول: عندي عليه تعديلات، وبعضهم يقول: أنا أعترض عليه كاملًا، وبعضهم يقول: أنا أوافق عليه كاملًا، وهكذا.. وبعدما نوقش هذا القانون، جاء وقت التصويت: مَن يوافق على هذا القانون ومَن يعترض؟ وافق على هذا القانون مثلاً ستين في المئة، وعشرين في المئة اعترضوا، وعشرين في المئة سكتوا وما صوتوا؛ إذن الأكثرية صوتت على إمرار وتشريع هذا القانون، والعشرين في المئة هذه اعترضت؛ هذه الستين في المئة هي التي يتأيد بها سن القانون، فخلاص هنا القانون الآن أصبح قابلًا لأن يكون شرعيًّا.

فالمصيبة وين؟!

عندما يخرج هذا القانون من تحت قبة البرلمان، يصبح قانونًا شرعيًّا ملزمًا لجميع هؤلاء، ويحترمه الجميع باعتباره قانونًا شرعيًّا صدر من قبة البرلمان بتأييد الأكثرية؛ يعني هذا المعترض بعد خروج القانون ليس له أن يعترض بعد ذلك؛ فإذا رأى حفلة زواج بين رجل ورجل لا يستطيع أن يتكلم، لماذا؟ لأن القانون قد خرج من البرلمان -ولو اعترض في الحقيقة- وهو أحد الذين أصبح بهم القانون دستوريًّا وشرعيًّا؛ فلهذا لا فائدة من وجود المعترض من غيره.. بل المصيبة أن القانون عندما يخرج ويكون دستوريًّا وملزمًا لجميع الناس وعليهم أن يحترموه، فهو أحد المشاركين فيه؛ فهذه إحدى مصائب الديمقراطية الأخرى.

ثم إن الله أخبرنا أن الباطل دائماً في جانب الأكثرية؛ قال الله : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]، وقال الله : ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116]، ﴿وَأَكْثَرَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 106]، ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 187] وآيات كثيرة في كتاب الله تبين لنا أن الباطل في جانب الأكثرية؛ فكيف نجعل هؤلاء الغوغاء الذين منهم الملحد، ومنهم الشيوعي، ومنهم النصراني، ومنهم اليهودي، ومنهم العلماني، وغيرهم.. أنجعل الحق في جانبهم؟! أي دين يبقى لنا بعد ذلك؟ هذا لو سلمنا أن مبدأ الأكثرية في الأصل هو جائز شرعًا، ولكنه في هذه الحالة -كما علمنا من كتاب الله - أن مبدأ الأكثرية هو في جانب الباطل دائمًا.

فهذه إحدى طوام الديمقراطية الأخرى.

وفي الكويت في الدستور مكتوب: يرجع حق التشريع للأمير ولأعضاء البرلمان، هكذا حق التشريع! فلا يستحون في الألفاظ؛ يعني مثلاً في فلسطين اسمه «المجلس التشريعي»، يعني الذي تسن فيه القوانين؛ فعلى الأقل: استحِ وغير الاسم إذا كنت تزعم أنك مسلم! فلا هو احترم الألفاظ، ولا هو احترم الحقائق وقدسها والتزم بها.

وأظن لسنا في حاجة إلى الزيادة على هذا بالنسبة للديمقراطية، والكلام فيها كثير ومتشعب، ولكن أؤكد ما ذكرته بالأمس يا إخوة وأعيده: إن كلامي هنا متوجه ومنصب على بيان حقيقة الديمقراطية، وبيان حقيقة هذا الدين الجديد، الذي غزا بلادنا، وافتتن به كثير من الناس من قادة الحركات الإسلامية، ومن أعضاء الحركات الإسلامية، ومن عوام الناس أيضًا.

فنحن من واجبنا شرعاً أن نبين الحق للناس ولو كان مرًّا، فمن حقنا أن نقول، بل من واجبنا شرعاً أن نقول: إن هذا كفر وهذا إيمان، حتى يعبد الناس ربهم على بصيرة، وأما أن ننساق وراءهم وأن ننخدع، أو أن ننهزم أمام هجمتهم ونقول: إن هذا قد يؤدي إلى تكفير الناس، أو قد يؤدي إلى تكفير قادة الحركات الإسلامية.. كلا، فنحن الآن لا نتكلم على تكفير أعيان الأفراد، وإنما نتكلم على بيان الحقائق كما يدل عليها كتاب الله وسنة النبي بعد ذلك: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾؛ فلو أن كل نبي من الأنبياء أو كل داعية من الدعاة وجد قومه على حالة وسايرهم عليها ووافقهم وجاملهم لما؛ قامت للحق قائمة.. أليس الكفار جميعًا كما أخبرنا الله قالوا لقومهم: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ﴾ [إبراهيم: 13]؟

إذن هناك مفاصلة بين دين الإسلام الذي جاء به الأنبياء جميعاً وبين الأديان الأخرى، الذي هو: أو لتعودن في ملتنا.. والآن الديمقراطية تُجَيش لها الجيوش؛ فالعراق الآن بعد ما اكتشف أن قضية الأسلحة النووية صارت كاذبة، أصبحت الراية المرفوعة من أجل إحلال الديمقراطية في الشرق الأوسط؛ فإذن هو إله يقاتل من أجله، وتنفق من أجله الأموال، وتجيش من أجله الجيوش، ويعتقل المعارضون له وغير ذلك، فهو دين بمعنى الكلمة.

فنحن قلنا إنما نذكر هذا بيانًا لحقيقة الديمقراطية حتى يحذرها الناس، وحتى يهلك مَن هلك عن بينة ويحيى مَن حيَّ عن بينة، وليس غرضي في هذا الموطن هو الكلام على أعيان من شارك في هذا الأمر الكفري بما تعنيه هذه الكلمة، فأنا الآن لا أتكَلّم على أعيانهم، ولو شارك بعض الناس باجتهاد، أو كان منهم من الصالحين أو المتقين أو المجتهدين المخطئين؛ فهذا لا يغير من حقيقة الديمقراطية ومن قبحها ومن كونها كفرًا ومن كونها دينًا أجنبيًّا مستوردًا = شيئاً؛ فقد ذكرنا بالأمس قصة قدامة بن مظعون وأنه صحابي بدري استحل شرب الخمر وشربها واعترض على عمر عندما أراد أن يقيم عليه الحد()، ولكن الخمر تبقى خمرًا، خبيثة من الخبائث، ويبقى شارب الخمر ملعونًا كما أخبر النبي ، ويبقى استحلال الخمر كفرًا؛ لأنه استحلال لأمر معلوم من الدين بالضرورة، ولا يغير من هذه الأحكام شيئًا كون قدامة بن مظعون قد شرب الخمر مستحلًا لها، ولكنَّ قدامة له مكانته وهو بدري، وممن قال الله فيهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)()، وهذه الأحكام الشرعية نحكيها كما هي؛ فكذلك بالنسبة للنظام الديمقراطي.

وبهذا نكون ذكرنا نقاطًا كثيرة؛ فإذا أردنا أن نلخصها قلنا:

أولًا: إن الديمقراطية تناقض مبدأ الاستسلام لله .

ثانيًا: الديمقراطية حجتها في إثبات الحق تقوم على الأكثرية.

ثالثًا: الديمقراطية تقوم على مبدأ حرية الاعتقاد، يعني فليعتقد الإنسان ما شاء، وليبدل دينه ممَّا شاء إلى أي دين شاء، هذه هي الديمقراطية.

رابعًا: الديمقراطية تقوم على مبدأ حرية التعبير، يعني تكتب ما شئت وتعبر عن نفسك بأي وسيلة شئت، ولهذا عندما رسم الخبيث الدنماركي الكاريكاتير المعروف الذي يقصد به النبي ثارَ المسلمون في البلدان العربية بينما وقع الديمقراطيون الإسلاميون في حرج؛ فعندما أرادوا أن يحاجُّوا الغرب قالوا لهم: هذه حرية التعبير عندنا، وهذه هي الحرية الديمقراطية عندنا! فماذا فعل هؤلاء؟ عقدوا مؤتمرًا في البحرين وحضره بعض الدعاة للأسف، وطالبوا الأمم المتحدة أن تسن قانونًا تحرم فيه التعرض للأنبياء والأشياء المقدسة عند الأمم، ضع بين قوسين «الأشياء المقدسة»؛ فقد يكون هذا الشيء المقدس فأرًا يُعبد، أليست الفئران تُعبد في الهند؟ والنمل يُعبد في الهند، بل والعياذ بالله فروج النساء تُعبد في الهند.. هذه أشياء مقدسة! فلو أصدرت الأمم المتحدة قانوناً يمنع من الاعتراض أو من أذية مقدسات الغير؛ فليس لك بعد ذلك -يا أبا سلمة- أن تقتل الفأر! لأنه شيء مقدس!! ليس لك بعد ذلك أن تعترض على الصليب؛ لأنه شيء مقدس عند أهله.. فانظر كيف يحدث الخلط بسبب الاستسلام وبسبب الموافقة على ما يسمونه بـ«الأرضية المشتركة» بيننا وبين هؤلاء الكفرة..

خامسًا: وتقوم الديمقراطية على أساس حرية المساواة المطلقة؛ لا فرق بين الرجل والمرأة، ولا بين المسلم وبين الكافر من أي نحلة كان، ومن أي دِينٍ كان.

وغير ذلك من الأسس التي تناقض دين الله مناقضة كاملة؛ فمن أراد أن يَسْلم له دينه وأن يعبد الله على سلامة، وأن يقف على أرض ثابتة يطمئن عليها لها قلبه، فما عليه إلا أن يقول لهؤلاء جميعاً: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]، وأما أن يحاول أن يدخل ويضع قدمًا في النظام الديمقراطي والقدم الأخرى في دين الله ، فهذا لا يمكن، لا يمكن.

فهؤلاء الديمقراطيون الإسلاميون يحرصون ويبحثون على أن يجد أحدهم كرسيًّا واحدًا يتكئ عليه، ولو كان في آخر كراسي ومقاعد البرلمان، بينما النبي عَرَضت عليه قريش كل ما يطمح إليه هؤلاء البرلمانيون، بل أضعافاً مضاعفة؛ ألم يقولوا له: إن كنت تريد الملك ملكناك علينا؟ يعني تكون رئيس قريش، فقد قالت للنبي : إذا كنت تريد الملك والرئاسة ملكناك علينا؛ فما قال النبي : أنا الآن ومن باب مصلحة الدعوة أقبل بالملك، ثم بعد ذلك أبدأ في تغيير النظام في داخل قريش شيئًا فشيئًا، وأضع في هذا المنصب بلالًا، وفي المنصب الآخر عُمَرَ ، وفي الوزارة الأخرى أبا بكر وهكذا.. لا؛ هذا طريق لا يقوم به دين الله ، بل تَحَمَّل الأذى والهجرة ومفارقة الأوطان والأموال ومعاداة الأقربين، وأصحابه هاجروا ثلاث مرات؛ مرتين إلى الحبشة، والمرة الثالثة إلى المدينة، حتى أقام دين الله ناصعًا بيِّنًا، وبلغ رسالات الله ولم يحرفها ولم يُدخل فيها شيئاً من أديان الكفرة.

هذا الطريق لمن أراد أن يقيم دين الله ، والأمور كثيرة والمسائل متشعبة ويكفينا منها هذا، ومن لم يقنع بهذا فلن يقتنع، والله تعالى المستعان.

الرد على شبهة: قدمنا في البرلمانات ما نقدر عليه فماذا فعلتم أنتم؟!

[سؤال من أحد الحضور: شيخ، مشكلة بعضهم يسألون في التلفزيونات: نحن قدمنا على الأقل، تكلمنا، أنتم ايش سويتم؟ لا تكلمتم ولا قدمتم ولا استنكرتم، فنقعد نسوي أشياء..، فهذه حدود طاقتنا، وما نقدر نسوي شيء ثاني.. وإذا تكلم في الجهاد قالك: «أنتم الآن تخربون علينا»، فهم دائمًا يقولون المهم أننا نفعل، فقد قدمنا شيئًا، وسوينا شيئًا، ودائماً عندهم القناعات: ايش اللي سويت أنت ومن معك؟]

جواب الشيخ: نقول له: نحن لا نبخس الناس أشياءهم، فنقول له: نعم، ربما تكون أنت قد قدمت شيئًا صحيحًا، ولكن علينا أن نفهم قاعدة ضرورية في دين الله؛ فعندنا «الغاية لا تبرر الوسيلة في دين الله »، ولكن الغاية تكون شرعية والوسيلة أيضًا إلى هذه الغاية تكون شرعية؛ فمثلاً: إنسان يقول: أنا أريد أن أتوضأ لأصلي، والصلاة شيء مشروع، وأنا ليس عندي ماء، فأتوضأ من الخمر، وما وجدت إلا الخمر فقط وهو سائل يمكن أن نطهِّر به النجاسات، فهل نقول له: صحت صلاتك؟ لا، صلاته غير صحيحة.

فالوصول إلى هذه الأمور التي يقولونها هم ويسمونها مكاسب للدعوة، أو مصالح للدعوة، أو تخفيف الضغوط، أو تخفيف للمفاسد؛ هذه لها طرق شرعية للوصول إليها.

إنَّ لبَّ الإسلام وأعظم مصالح الإسلام هو المحافظة على توحيد الله ، هو الكفر بالطاغوت.. هذا هو أعظم مصلحة على الإطلاق التي خُلق لأجلها الخلق-هذا لو سلمنا أنك يمكن أن تصل إلى شيء- فأنت عندما تأتي وتريد أن تدخل لتصحح كما تقول بعض الأخطاء أو تخفف بعض الضغط، ولكن على حساب هذه المصلحة العظمى وهي توحيد الله ، فأي مكسب لك بعد ذلك؟ كالَّذي يقول: أنا أريد أن أنقذ الناس من الكفر بكفري؛ يعني هذا الإنسان يقول: أنا مستعد أن أضحي بإيماني وأكفر من أجل أن أنقذ الناس من الكفر ومن الضلال! هذا هو أعظم الخسران والعياذ بالله.

إذن نحن عندنا الغاية لا تبرر الوسيلة، والكفر لا يجوز بأي حال من الأحوال إلا في حالة الإكراه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] فهذا الذي يقف أمام سيادة الرئيس، أو أمام جلالة الملك، أو أمام سمو الأمير ويضع يده على المصحف ويقسم أمامه بأن يحترم الدستور، وأن يكون مدافعًا عن الدستور ومحافظًا على بنود ومواد الدستور؛ هذا أي توحيد وأي دين بقي له؟ والدستور أول مادة فيه أو المادة العاشرة ومئة تجد فيها أن حق التشريع يعود للملك وإلى مجلس النواب وإلى البرلمان، فأنت تقسم على احترام هذا! بينما الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 64]، وأنت تقسم على احترام هؤلاء الأرباب وأن تكون واحدًا منهم! هذا أي دين يبقى لك بعد ذلك؟! هذا إذن معنى «الغاية لا تبرر الوسيلة».

ثم لو نزلنا إلى الواقع العملي، فنحن نريد أن نعلم الناس ما هو الدين: مبدأ الولاء والبراء، أن نقول لهذا: أنت كافر لأنك كفرت بالله، وأن نقول لهذا: أنت مؤمن وأنت من أوليائنا؛ هذا مما هو من دين الله وعلى الناس أن يتعلموه؛ فأنا عندما أقول: إنني جزء من هذا النظام، وأنا جزء من هذا البرلمان، وأنا محترم لهذا الدستور؛ فمن أين سيفهم الناس الحق والباطل؟ والناس من أين سيفهمون ما الطاغوت ثم يكفرون به؟ من أين سيعرفونه؟ كيف سيعرف الناس أن هذا الدستور هو مِن الطاغوت؟ وهذا الحاكم هو من الطاغوت؟ وهذا البرلمان الذي يحكم هو من الطاغوت؟ أنت مشارك فيه وتدعوه للانتخاب إليه، ثم تقول لهم: عليكم بالكفر بالطاغوت، اجتنبوه! أنت واحد منهم تدعوهم إلى الدخول فيه وإلى التصويت عليه، ثم تدعوهم إلى أن يجتنبوه! هذا لا يمكن أن يكون.

ثم يمكنك أن تنزل إلى التجارب العملية في الجزائر، في تركيا، في مصر، في غيرها؛ ماذا جنت الديمقراطية؟ وماذا كسب الإسلاميون من وراء الديمقراطية؟!

أعظم تجربة يمكن أن يتكلم عليها المعاصرون هي تجربة الجزائر، فقد كانت الجزائر تخرج برمتها والشعب الجزائري كله يخرج وينادي: دولة إسلامية، دولة إسلامية، دولة إسلامية.. ينادون يريدون دولة إسلامية، ولكن بأي طريق؟! بطريق ورقة تُرمى في صندوق.. فالجيش الجزائري والعسكر عندما شعر بالخطر انتهت الأمور؛ فألغى الديمقراطية، وحل البرلمان، وحل بعض الجماعات أو بعض الأحزاب ومنها الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي كانت ترفع لواء الدولة الإسلامية في ذلك الوقت، ثم انتهى كل شيء؛ وصارت الجماعة غير الشرعية في السجن، والشيخ عباسي مدني في السجن وانتهى كل شيء.. فما الفائدة منها؟!

لذلك -كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله تعالى عنه ورحمة الله عليه- أنَّ الإمام والأمير الذي يُبايَع للإمامة إنما يصير أميرًا عامَّا بمبايعة أهل الشوكة والقوة له، قال: لو أن البيعة قام بها عمر فقط لما صحت إمامة أبي بكر، وإنما صار أبو بكر إمامًا بعدَ أن بايعه أهل الشوكة من المهاجرين والأنصار()؛ فالأمر لا يعتمد على الأكثرية، فلا تقولوا لي: نحن نعلم أن الشعب يريد الإسلام، لكن هل يستطيع أن يطبِّقَ الإسلام بقوته؟! هذا هو بيت القصيد؛ فحين تخرج ملايين الناس بالمظاهرات وتطالب بالدولة الإسلامية، والجيش يترصد لها، وينتظر، حتى إذا اقتربت من الخط الأحمر انقض عليها الجيش وألغى كل شيء.. لماذا؟ لأن الشوكة والقوة في يد العسكر؛ فلذلك لا يمكن أن تقام الدولة في الإسلام إلا بكسر هذه الشوكة، إلا بشوكة تقابلها وتكسرها، وهذه الشوكة من أين تأتي؟! في الجهاد في سبيل الله؛ فلا تتعب نفسك ولا ترهق نفسك ولا تضيع الناس وتدخلهم في متاهات لا نهاية لها، والله تعالى المستعان.

هل البرلمانات من الشورى؟

والطغاة لا يأتون لقلب الأمر في مرة واحدة، وإنما يتدرجون في هذا الأمر ويتفننون في اختيار الأسماء؛ ففي البداية يأتيك بأسماء «مجلس الشورى»، فتقول حينها: الشورى شيء إسلامي، فلا تهتم بحقيقةِ ما الذي يجري في داخل مجلس الشورى؛ فكثير من الإسلاميين يقول: إنما هذا من الشورى، يعني عندما نتحاور نحن في داخل البرلمان، فنقول: ما رأيك في كذا؟ أنا أَقبل وأنت تَقبل، وأنت ترفض وأنا أرفض، هذا من الشورى، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، و﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].

فنقول: الشورى في الإسلام لها ضابطان، فاحفظوهما حتى لا يلبس الملبسون:

1- الضابط الأول يتعلق في: مَن يشاور.

2- والضابط الثاني يتعلق في ما تقع عليه الشورى، يعني: في أي شيء يتشاور؟!

فلا نأتي إلى الهَمَل الرِّعاء، الجهلة الفسقة، وربما الكفرة من العلمانيين والملحدين وغيرهم ثم نقول: هؤلاء «وشاورهم في الأمر» هذا الضمير على مَن يرجع؟! ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ مَن هم؟ فهل الله عندما يخاطب النبي بذلك يقصد: شاور أبا جهل؟ شاور أمية بن خلف؟ شاور أبا سفيان بن حرب قبل أن يسلم؟ لا، وإنما «شاورهم» يعني الذين معك؛ فأهل الشورى هم أهل الحل والعقد؛ يعني من المسلمين ومن العلماء وأهل الخبرات كل واحد في خبرته؛ فأهل المشورة العسكرية في خبرتهم، وأهل المشورة الاقتصادية في خبرتهم، أهل الصناعات في خبرتهم، أهل الطب في خبرتهم، وأهل العلم من العلماء وغيرهم كذلك في أمور الشرع؛ فليس لأحد أن يتلاعب بأمور الشرع ويتكلم فيها بحسب هواه وبحسب رأيه؛ إذن هذا هو الضابط الأول عندما يقول لك: «وشاورهم في الأمر، وأمرهم شورى بينهم»، قل لهم: مَن هم هؤلاء الذين أمرهم شورى بينهم؟

والأمر الثاني: في أي شيء تقع المشورة؟

المشورة إنما تقع في الأمور الاجتهادية، التي ليس فيها نص من كتاب ولا من سنة ولا فيها إجماع. فإذا كانت هذه المسألة ثبتت بكتاب الله أو بسنة النبي أو اتفق عليها العلماء، فليس فيها موضع شورى، وإنما فيها سمعنا وأطعنا بعد ذلك، وأما إذا كانت المسألة من الأمور الاجتهادية، التي تحتاج إلى استنباط ونظر وبحث وتوفيق بين الأدلة، أو كانت في غير أمور الشرع من الأمور الدنيوية؛ فهذه نعم هي مجال للشورى ولكن من أهلها، إذن هذا مرتبط بهذا وهذا مرتبط بهذا، فلا نفصل أحدهما عن الآخر.

فشتان بين الشورى الإسلامية، وبين تلاعب الديمقراطية.

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: مباحثة في الديمقراطية

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا