باب تفاوت مراتب الشهداء وأن منهم من لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة

الحديث الرابع والعشرون: عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِىِّ رضي الله عنه -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الْقَتْلَى ثَلاَثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فلقي الْعَدُوَّ فَقَاتَلَ حَتَّى يُقْتَل، فَذَلِكَ الْمُمْتَحَنُ في خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ لاَ يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلاَّ بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا لقي الْعَدُوَّ فَقَاتَلَ حَتَّى يُقْتَل، فَتِلْكَ مُمَصْمِصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا، وَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ مِنْ أي أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شِئْتَ فَإِنَّهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ -وَلِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ- بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ يَعْنِى أَبْوَابَ الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ؛ فَقَاتَلَ حَتَّى يُقْتَل، فَذَاكَ في النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ لاَ يَمْحُو النِّفَاقَ)١٬٨٧٥رواه أحمد [17658]، والدارمي [٢٤٥٥]، والطيالسي [١٣٦٣]، والطبراني [في الكبير: (17/126) ح: (311)]، وابن حبان [4663]، والبيهقي [١٨٥٢٣] -واللفظ له-، وقال السيوطي [في تمهيد الفرش: (ص 14) بترقيم الشاملة]: «هذا حديث صحيح»، وحسَّنة الشيخ الألباني [في صحيح الترغيب والترهيب: (2/136) ح: (١٣70)]..

❖ ❖ ❖

الحديث الخامس والعشرون: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقٍ -نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ- في قُبَّةٍ خَضْرَاءَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا)١٬٨٧٦رواه أحمد [٢٣٩٠]، والطبري [في التفسير: (7/388)]، والطبراني [في الأوسط: (1/45)، ح: (123)]، وابن حبان [٣٧٦]، والحاكم [٢٤٠٣] وقال: «صحيح الإسناد على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، وحسنه الشيخ الألباني [في صحيح الترغيب والترهيب: (ح ١٣٧٨)]، والأرناؤوط..

بعض معاني الكلمات:

خيمة الله: الخيمة معروفة، وجمعها خِيام، وهي هنا دالةٌ على علوِّ منزلة صاحبها لكونها تحت ظل العرش.

ص 1114

الشهيد الممتحن: قال الملا القاري: «أي المشروح صدره وهو الذي امتحن الله قلبه للتقوى»١٬٨٧٧[مرقاة المفاتيح: (6/٢٤٩٦)، ح: (٣٨٥٩)].، وقال ابن منظور: «قال شمر: قوله فذلك الشهيد الْمُمْتحَن هو الْمُصفَّى الْمُهذَّب المخلَّصُ مِنْ مَحَنتُ الفضةَ إِذا صفيتها وخلصتها بالنار، وروي عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ﴾ [الحجرات: 3]؛ قال: خَلَّصَ اللهُ قلوبهم، وقال أَبو عبيدة: امتَحنَ اللهُ قلوبهم صَفَّاها وهَذَّبها، وقال غيره: الْمُمْتحَنُ الْمُوَطَّأُ الْمُذَلَّلُ»١٬٨٧٨[لسان العرب: (13/401)]..

قرف على نفسه من الذنوب: قال ابن الأثير: «أي كَسَبَها، يقال: قَرَف الذنْبَ واقْتَرفَه إذا عَمِله»١٬٨٧٩[النهاية في غريب الحديث والأثر: (4/45)]..

ممصمصة: ممحِّصة مطهِّرة، قال ابن منظور: «المعنى: أَن الشهادة في سبيل اللّه مُطهِّرة الشهيد من ذنوبه ماحِيةٌ خطاياه كما يُمَصْمِصُ الإِناءَ الماءُ إِذا رُقْرِقَ الماءُ فيه وحُرِّك حتى يطهر»١٬٨٨٠[لسان العرب: (7/92)]..

بارق: قال الزبيدي: «نَهَرٌ ببابِ الجَنةِ فِي حَدِيثِ ابْن عَباسٍ»١٬٨٨١[تاج العروس: (25/73)].، وقال السندي: «لعل المرادَ به الموضع الذي يبرق منه النهرُ الذي بباب الجنة ويظهر»١٬٨٨٢[حاشية السندي على مسند الإمام أحمد: (3/369)]..

بعض فوائد الحديث:

الأولى: تفاوت حالات الشهداء في الجهاد فمنهم من هو في أعلى عليين ومنهم دون ذلك، قال القرطبي رحمه الله: «قال علماؤنا أحوال الشهداء طبقات مختلفة ومنازل متباينة يجمعها أنهم يرزقون»١٬٨٨٣[التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: (ص 432)]..

الثانية: فضل الشهادة في سبيل الله تعالى.

ص 1115

الثالثة: تكفير الذنوب بالشهادة في سبيل الله إلا ما خصّه الدليل وسيأتي.

الرابعة: فضل الجهاد بالنفس والمال في سبيل الله.

الخامسة: منزلةُ صفاءِ القلوب وزكائِها وطهارتها ونقائها، وضرورة العناية بها وتخليصها من شوائب الرياء والحسد والكبر والغرور ونحوها، وتعميرها بالأعمال الصالحة كالإخلاص والتواضع والإخبات والصدق وغير ذلك، قال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ﴾ [الحجرات: 3].

السادسة: عظم أجر الثبات في القتال، لقوله: (وقاتل حتى يقتل).

السابعة: أن من الشهداء صديقين لا يفضلهم النبيون إلا بدرجة النبوة.

الثامنة: خير دواء لمن أسرف على نفسه بالذنوب والخطايا القيام بالجهاد والصبر عليه، عكس ما يظن البعض من أن العاصي لا مكان له في الجهاد، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وَمَنْ كَانَ كَثِيرَ الذُّنُوبِ فَأَعْظَمُ دَوَائِهِ الْجِهَادُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ ﷻ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ ﷻ: ﴿يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ﴾ [الصف: 12]»١٬٨٨٤[مجموع الفتاوى: (28/421)]..

التاسعة: التحريض على طلب العلوِّ في درجة الشهادة بإصلاح الظاهر والباطن مع الصبر والصدق.

العاشرة: أن للجنة ثمانية أبواب وللنار سبعة.

الحادية عشرة: أن المنافق قد يخرج للقتال بنفسه وماله، ويقتل ولا يكون ذلك كفارة له بل هو في النار والعياذ بالله.

الثانية عشرة: خطر النفاق والحذر منه.

الثالثة عشرة: عظم أمر النية وأن النجاة والخسران معلقٌ عليها، فالمسرف على نفسه بالذنوب صدق قلبُه فنجا، والمنافق كذبَ وخادَعَ فهلك وكلاهما مقاتِلٌ ثم مقتولٌ.

ص 1116

متفرِّقات:

أولًا: الحديث الأول ذكره ابن حبان تحت: «ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَفْضُلُونَ الشُّهَدَاءَ إِلَّا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ فَقَطْ»، وساقه البيهقي تحت: «باب فَضْلِ الشَّهَادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﷻ».

ثانيًا: اختلف العلماء في معنى الحديث الثاني، وهو كون بعض الشهداء على بارقٍ -نهر بباب الجنة- حيث قد يُفهَم منه أن بعض الشهداء ليسوا وسط الجنة وإنما عند بابها، فقال ابن كثير رحمه الله: «وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم»١٬٨٨٥تفسير ابن كثير: (2 / 164)..

وقال المناوي رحمه الله تبعًا للقرطبي: «وهذا في الشهداء الذين حبسهم عن دخول الجنة تبعة فلا ينافي ما في أحاديث أخرى أن أرواحهم في أجواف طيور خضر تسرح في الجنة أو في قناديل تحت العرش»١٬٨٨٦[التيسير بشرح الجامع الصغير: (2/84)]..

قال السيوطي: «وقال ابن رجب: لعل هذا في عموم الشهداء والذين هم في القناديل تحت العرش خواصهم، قال: أو لعل المراد بالشهداء فيه مَن هو شهيد غير من قتل في سبيل الله، كالمطعون، والمبطون، والغريق، وغيرهم ممن ورد النص بأنه شهيد، أو سائر المؤمنين فقد يطلق الشهيد على من حقق الإيمان وشهد بصحته»١٬٨٨٧الديباج على مسلم: (4 /483)..

وقال ابن القيم رحمه الله: «وهذا لا ينافي كونهم في الجنة فإن ذلك النهر من الجنة ورزقهم يخرج عليهم من الجنة فهم في الجنة وإن لم يصيروا إلى مقاعدهم منها»١٬٨٨٨[الروح: (1/299)]..

❖ ❖ ❖

ص 1117