مقدمة الناشر «أبي عامر الناجي»

إنها سياحة في كلمات كتبها رموز دفعوا حياتهم ثمنًا لاستمرار عجلة الجهاد في سبيل الله والتمكين لدين الله والعزة للأمة الإسلامية، كلمات زيَّنها الأدب، وحلاها العلم، ونوّرها الإخلاص، وحفَّها الصدق، ورافقها التواضع، وخالطتها الحكمة، فلا تجد بين طياتها غيبة لمسلم، ولا بين ثناياها نميمة توقع بين المسلمين، أو كُليمة تسعى لشق صفوفهم، ولا بين أسطرها احتقارًا لمخالف، ولا ازدراءً لمعارض، بل تجد الشفقة على المسلمين، والحرص على صلاحهم، والاستعداد للتضحية في سبيل الله ورفعة الأمة، ودفع تكاليف الهجرة والجهاد وتحمل الأذى والضيق، والأخوة الصادقة، والنصح والتواصي بالحق بكل لطف ولين.

ص 3046

إنها كلمات كتبها أناس تبحث عنهم قوى الكفر ليل نهار، صباح مساء، فلا تفتر طائراتهم من التحليق فوق رؤوسهم أملا في إيجاد خيط يوصل لقتلهم، بل منهم من نجى مرة ومرتين وثلاث من قصوفات استهدفته، ومنهم من ضحى بعائلته في هذا الطريق، ومنهم من فقد ابنا وابنين وثلاثة، أما فقدُ الأحبة والخلان فحدث ولا حرج، فلم تعقهم هذه الظروف الأمنية الصعبة، ولا التحديات التي شاركتهم فيها عوائلهم، بل كانوا يجدون كل ذلك رخيصا في سبيل العبادة التي يقول الله عنها: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].

رسائل في رسالة: وبين يدي الآن رسالة حوت رسائلا نافعة، خطها الشيخ أبو يحيى الليبي رحمه الله لأحد أمراء الجماعات الجهادية ناصحا وشافعا، وهي رسالة لا تخص ذلك الأمير وحسب، بل إنها قد تحدثت عن نموذج لحالة قد تكررت وستتكرر في مسيرة الجماعات الجهادية، فنسأل الله تعالى أن يطرح فيها النفع والبركة.

الدين النصيحة: ترسل النصيحة لغرض صلاح من أرسلت له وهدايته، يقول الإمام الخطابي: «النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له»٣٬٧٤٨[معالم السنن: (4/١٢٥)]. فهذه غايتها، أما مبعثها فهي الشفقة والرحمة، وأما وسيلتها فلا تكون إلا مغلفة بالأدب الجم والعبارات الطيبة التي تعكس شفقة المرسل وإرادته للصلاح.

ص 3047

وكم من رسالة اليوم تسمى «نصيحة»!.. و«الفضيحة» هي أقرب تسمية لها، قال ابن رجب: «ومِن أظهرِ التعيير: إظهارُ السوء وإشاعتُه في قالب النصح وزعمُ أنه إنما يحمله على ذلك العيوب إما عامًا أو خاصًا، وكان في الباطن إنما غرضه التعيير والأذى فهو من إخوان المنافقين الذين ذمهم الله في كتابه في مواضع، فإن الله تعالى ذم من أظهر فعلًا أو قولًا حسنًا وأراد به التوصل إلى غرض فاسد يقصده في الباطن، وعدَّ ذلك من خصال النفاق كما في سورة براءة التي هتك فيها المنافقين وفضحهم بأوصافهم الخبيثة: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [التوبة: 107]»٣٬٧٤٩[الفرق بين النصيحة والتعيير، لابن رجب (ص 22)]..

فلذلك أخي المجاهد عليك بإصلاح نيتك قبل إسداء النصيحة، كما يتوجب عليك اتباع الإرشادات الإلهية والسنن النبوية والأخلاق السلفية في نصيحتك لمن خالفك في مسألة أو عمل، فمهما بلغت الخصومة مع مخالفك؛ فلن يكون حاله أسوء من حال فرعون الذي نازع الله في الربوبية والألوهية وطغى وتجبر في الأرض، ومع ذلك فقد أمر الله تعالى نبييه موسى وهارون عليهما السلام بأن يقولا له القول اللين عند نصيحته.

وتذكر -أخي الناصح- دائما قول الفضيل بن عياض رحمه الله: «المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير»٣٬٧٥٠[جامع العلوم والحكم لابن رجب: (ص 201)].، واجعلها معيارًا لكتاباتك].