خطبة عيد الفطر «1429»
[شوال 1429هـ / 10 - 2008م]
۞
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين.
ثم أما بعد...
فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي جعلنا من المسلمين، الحمد لله الذي جعلنا ممن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، الحمد لله الذي جعلنا ممن يعرف حق هذه الكلمة، الحمد لله الذي اصطفانا من بين خلقه لنكون من عباده المهاجرين المجاهدين المرابطين؛ فهذه نعم الله ﷻ علينا، وهي أجلها وأعظمها وأكبرها، قال ﷻ: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ﴾ [إبراهيم: 34].
يا من رضيتم بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ ﷺ نبيًا ورسولًا:
تذكروا نعم الله ﷻ عليكم، وأكثروا من ذكرها لتكثروا من شكرها، فإن الشكر قيد النعم، وبه يزداد المرء نعمًا من الله ﷻ؛ ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ﴾ [إبراهيم: 7].
يا أيها الإخوة: هي هذه رحلة الحياة، مجيء وإياب، حضور وغياب، بالأمس كنا ننتظر شهر رمضان، واليوم نودع محطةً من محطات العمر، قد انقضت وولت وذهبت، طوبى لمن ملأها بطاعة الله ﷻ، طوبى لمن صامه إيمانًا واحتسابًا، ولمن قامه إيمانًا واحتسابًا، طوبى لمن ملأ وقته فيه بذكر الله ﷻ وتلاوة كتابه وتسبيحه والتوبة إليه والاستغفار بين يديه، ويا خيبة من ضيَّع هذه الأيام النفيسة التي هي أنفس أيام العمر، يا خيبة من ضيعها في معصية الله ﷻ، ويا خسارة من قضاها عاكفًا أمام شاشات الضياع والفساد، ويا خيبة من قضاها في أسواق الصخب وفي دنيا المتاعِ وفي دنيا الضياع.
يا أيها الإخوة: ها نحن قد ودعنا شهر رمضان وقضينا أيامه ولن يعود لنا.. لن تعود لنا تلك الأيام، وإنما هي بما ملأناها من طاعة أو معصية، من برٍّ وخيرٍ أو شر ومخالفةٍ لأمر الله ﷻ، ونعوذ بالله من معصيته.
فهذه المحطة التي جعلها الله ﷻ أيامًا يتزود فيها المؤمن ليكون من أهل التقوى وأهل الصلاح والفلاح، قال الله ﷻ: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾؛ هذه العطية والهبة الجليلة التي أراد الله ﷻ أن يوصل إليها عباده المؤمنين: هبة التقوى وعطية التقوى من الله ﷻ، وهل في الدنيا أجلُّ وأعظم وأكبر وأسمى من أن يكون الإنسان متقيًا لله ﷻ؟
التقوى هي مفتاح كل خير في الدنيا والآخرة، قال سبحانه تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ﴾ [الطلاق: 2-3]، ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا﴾ [الطلاق: 4]، ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا﴾ [الطلاق: 5].
إذن هذا الشهر جعله الله ﷻ محطةً ليرتقي فيها عباد الله إلى أعلى الدرجات وإلى أسمى الدرجات التي يريدها الله ﷻ لهم، فالمؤمن يتفكر في حاله وينظر في أعماله ويتأمل في كيفية قضائه لهذه الأيام: فإن وجد خيرًا فليحمد الله، وإن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
إنها محطةٌ يتزود فيها الإنسان؛ لأن رحلة الحياة طويلة، رحلة الحياة رحلة المشاق والمتاعب والمحن والكد والسراء والضراء والزلزلة، هذه المحنة يحتاج فيها الإنسان إلى زاد حتى تستقر سفينة الحياة في آخر المطاف إما إلى نعيمٍ مقيم، وإما إلى جحيمٍ وعذابٍ والعياذ بالله.
وإذا كنا قد ودعنا شهر رمضان، وتزودنا بما يسَّره الله ﷻ علينا، وبما فتح لنا من أبواب الخير والطاعة والبر؛ فعلينا أن ندخل في الأيام الجدد بهمة أعلى، وبإصرار أكبر، وبتحدٍّ أشد، وبإيمانٍ أقوى؛ لأننا في معركةٍ دائمةٍ دائبة لا تنقطع:
- معركة مع أنفسنا: ﴿۞وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ﴾ [يوسف: 53]، هذه النفس التي تحب الراحة وتتشبث بالدعة، وتميل إلى الركون والكسل والخمول.
- ومعركة مع الشيطان الذي أقسم بأنه سيأتينا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا، والذي أوقف نفسه ليصد عباد الله عن صراط الله المستقيم.
- ومعركة مع أولياء الشيطان وجنوده الذين قال الله ﷻ في حقهم: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾ [البقرة: 217].
إذن هي معركة شرسة ومعركة متواصلة، جبهاتها متعددة وجنودها مختلفون، فالإنسان يحتاج فيها إلى أن يكون أكثر ثقة بالله ﷻ، وأكثر توكلًا على الله ﷻ، وأكثر استعاذة بربه ﷻ.
لذلك -أيها الإخوة- وحتى نعرف قدر ربنا الذي نعبده، ونعرف قدر ربنا الذي نتقرب إليه، ونعرف قدر ربنا الذي نقاتل من أجل إعلاء كلمته؛ رأيت أن أقف عند حديثٍ جليلٍ عظيمٍ عرف أهل العلم قدره وأنزلوه منزلته، ذلك الحديث الذي يرويه الإمام مسلم رضي الله عنه ورحمه الله عن أبي ذر رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: (يقول الله ﷻ)، وتأملوا في هذا الحديث، وانظروا في كلماته، وتعمقوا في معانيه لتعرفوا ربكم الذي تتقربون إليه، والذي تسعون لأن تلاقوه، والذي تسعون لأن تحظوا برؤيته ﷻ:
(يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إِنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد فيكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد، ثم سألني كل واحد منكم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)٣٬٢٣٠[صحيح مسلم: (٢٥٧٧)]..
كان أبو إدريس الخولاني رحمه الله -وهو أحد رواة هذا الحديث- عندما يرويه يجثو على ركبتيه لعظمة هذا الحديث، ولقوة معانيه، فهو يدلنا على قدرة الله ﷻ النافذة وعلى رحمته الواسعة وعلى حكمته البالغة ﷻ.
(يا عبادي): انظروا كيف ينادي ربُّكم عبادَه، يتحبب إليهم؛ لعل منهم من يستمع إلى ندائه فيؤوب إليه ويرجع إليه، ويستمع إلى كلامه ويستغفره من ذنوبه.
(إني حرمت الظلم على نفسي): الملك ملك الله ﷻ، والحكم حكم الله ﷻ، والأمر كله لله ﷻ، ومع ذلك فإن الله ﷻ قد حرم على نفسه أن يظلم أحدًا من عباده: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]، ﴿وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ [النحل: 118]، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا﴾ [النساء: 40].
هذا هو ربنا ﷻ، ربنا العدل، أحكامه أحكام العدل، وشريعته شريعة العدل، هذه الشريعة التي سنَّها لنا على لسان رسوله ﷺ، وأنزلها لنا في كتابه العزيز الذي ﴿لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ﴾ [فصلت: 42]، هذه الشريعة هي شريعة العدل والإنصاف والقسط؛ ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ [النحل: 90].
(يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)، فلا أحد يخاف من الله ﷻ بخسًا ولا رهقًا، فإن جئتَ يوم القيامة مؤمنًا متقيًا صالحًا موحدًا؛ فكن مطمئنًا أن الله ﷻ لن يظلمك: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ﴾ [النساء: 40].
(وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا)؛ أي وجعلت الظلم محرمًا بينكم فلا يظلم بعضكم بعضًا.
وكما نعلم فإن أعظم الظلم هو الشرك بالله ﷻ، والظلم كما عرفه العلماء هو: «وضع الشيء في غير محله تعديًا»٣٬٢٣١[انظر: الأمثال، لأبي عبيد (ص 145)، تهذيب اللغة، للأزهري (14/274) وتعديًا زيادة ليست فيهما وتؤخذ من سياق كلامهم].، أي أن تضع الشيء في غير موضعه الذي ينبغي أن يكون فيه تعديًا وتجاوزًا، وأعظم وضع الأشياء في غير موضعها: أن تجعل لله ﷻ ندًا وقد خلقك، وأن تعبد مع الله إلهًا آخر، وأن تتحاكم إلى غير شرع من خلقك ورزقك وأعطاك وعافاك، هذا من أعظم الظلم، قال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13]، قال: (وجعلته بينكم محرما) فلا يظلم بعضكم بعضًا.
ولذلك قال النبي ﷺ: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)٣٬٢٣٢متفق عليه، [البخاري: (٢٤٤٢)، ومسلم: (٢٥٨٠)].، والنبي ﷺ يقول: (كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه)٣٬٢٣٣[تقدم في: (ص 1373)].، والنبي ﷺ يقول: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)٣٬٢٣٤[رواه البخاري: (٢٤٤٧)، ومسلم: (٢٥٧٨)، واللفظ له].، فماذا سيفعل هؤلاء الذين قد ملؤوا الأرض كلها بظلمات الظُّلْم؟ سفكوا دماء الناس بغير حق، ونهبوا أموالهم بغير حق، واغتصبوا ديارهم بغير حق، وانتهكوا أعراضهم بغير حق؟ هؤلاء الذين سيأتون يوم القيامة: ﴿وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١﴾ [الأنعام: 31].
إن شريعتنا التي علينا أن نتشبث بها، وأن نستيقن بصحة طريقها، وأنها السبيل الوحيد الذي يوصلنا إلى رضوان الله ﷻ؛ هي طريق العدل، وهي طريق الإنصاف، وهي طريق القسط، وهي سبيل الرحمة؛ فمن ابتغى الرحمة والعدل والقسط في غيرها فلن يجد إلا الرهق والضنك والشدة والضيق، كما قال الله ﷻ: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 124]، وأما أهل الإيمان وأهل الصلاح والتقوى؛ فسيحيون حياتهم الطيبة، قال ﷻ: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ﴾ في الدنيا، ﴿وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
نعم؛ هذه هي شريعتنا التي ندعو إليها ونقاتل من أجلها، ونصبر على المحن من أجل تبليغها، هذه هي شريعتنا التي أنزلها الله ﷻ في كتابه العزيز.. فما بال أناس قد هداهم الله ﷻ إلى هذا الخير العميم والبر الواسع؛ ذهبوا يركضون شرقًا وغربًا ويُيممون شمالًا وجنوبًا يبحثون عن الدعة وعن الراحة والعدل في غير ما أنزل الله ﷻ؟! ما هذا إلا الضلال والخبال والخسارة، قال تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ [النحل: 90]، نعم إن الله ﷻ أمرنا بأن ندعو إلى دينه، وأن نستقيم على شريعته، وأن نعدل مع كل أحد.
قال ﷻ: ﴿فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ﴾ [الشورى: 15]؛ فهناك سبيلان: سبيل الاستقامة على طريق الحق التي توصلك إلى الله ﷻ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾ [الأنعام: 153]، هذا هو سبيل الحق، وهناك الأهواء: ﴿وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَيۡنَكُمُۖ﴾ [الشورى: 15].
هناك حزب الله، أهل التقوى أهل الصلاح، وهو كل من انتسب لهذا الدين وتمسك به وعرف قدره، وهناك حزب الشيطان.. حزب الطغيان، حزب التكبر، حزب الفساد؛ الذين حرقوا الأرض وملؤوها بفسادهم وطغيانهم.
(فلا تظالموا): لا يظلم بعضكم بعضًا... ونحن نرى الأرض اليوم وقد امتلأت من أنواع الظلم والطغيان والبطر والكبر والقهر والإذلال لكل مستضعف من المؤمنين وغيرهم، ما لم يسمع به الأولون ولا الآخرون، أرأيتم ظلـمًا أعظم وأشد وأفدح وأقبح مما يتعرض له إخوانكم في غزة؟ مليون ونصف مسلم في سجن واحد مغلق.. ما ذنبهم؟ ما جريرتهم؟ أهؤلاء كلهم إرهابيون؟ هؤلاء كلهم حملوا السلاح؟ هؤلاء كلهم قصفوا أو قتلوا أو دمروا؟ لا والله، إنما هي حرب العقيدة... حرب الإيمان.
فما ذنب هؤلاء؟ ما ذنب الأطفال الرضع والشيوخ الركع؟ ما ذنب هؤلاء النساء الضعفة؟ ولو كان هذا الظلم نلاقيه من بني يهود؛ لهان الأمر؛ فهذا هو دأبهم وطريقتهم وسيرتهم، كما قال الله ﷻ: ﴿وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] اليهودي لا ينفك عن الفساد، هذه سيرته، وقد جُبل على ذلك، ولكن مِن أولئك المجرمين الذين ينتسبون إلى الإسلام! نحن نقول هذا حتى يعرف أهل الإيمان أعداءهم؛ لأننا لا يمكن أن ننتصر في معركتنا، ولا يمكن أن نمكِّن لشريعة ربنا؛ حتى نعرف أعداءنا على حقيقتهم.. هذا الطاغية المتجبر فرعون هذا الزمان، صاحب القلب الجاف اليابس المتحجر طاغية مصر.. لماذا يسلط كلابه الذين رباهم السنوات والسنوات على هؤلاء الضعفة؟ ما ذنب هؤلاء الضعفاء؟ أهناك ظلم أشد وأعظم وأفدح مما نراه يحصل لإخوانكم في فلسطين؟ ولو أردنا أن نعدد صور الظلم وأنواعه يا إخوة فوالله سيطول بنا المقام ولا يمكن أن نحصيها.
إذن (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا)؛ هذه هي شريعتنا التي ندعو إليها، ولكنه ليس عدل الديمقراطية، ولا عدل الرأسمالية، إنه عدل الإسلام الذي أنزله في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ، فنحن لا نتملق لشرق ولا لغرب، ولا نداهن في شريعتنا في صغير ولا كبير، وإنما ﴿فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الزخرف: 43].
(يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم)، إذن مصدر الهداية واحد، وطريق الهداية واحد، من أراد الهداية؛ فعليه أن يتوجه إلى الله ﷻ، ومن أراد الهداية؛ فعليه أن يسير على طريق الله ﷻ، وما وراء ذلك إلا الضلال؛ ﴿ٱهـۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7].
(يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا من هديته) فلا هداية إلا بالتمسك بشريعة الله ﷻ، ولا هداية إلا بما يقذفه الله في قلب عبده من نور الإيمان حتى يكون من أمة التوحيد ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ﴾ [الأنعام: 125]؛ فلو أعطيت له الدنيا بحذافيرها، ولو فتحت له كنوزها كلها، إلا أنه سيبقى في ضنك وضيق وشدة وهمٍّ وغمٍّ لا نهاية له؛ لأن هذا القلب، وهذه المضغة لا تستقر وتطمئن ولا تتنزل عليها السكينة إلا إذا رجعت إلى ما خُلقت إليه، إلى فطرتها؛ فطرة الله ﷻ التي فطر الناس عليها، إلى الإيمان بالله ﷻ، إلى التمسك بشريعته، إلى توحيده، إلى محبته، إلى تقواه.. أما أن يشتت قلب الإنسان شرقًا وغربًا؛ فتارةً يتبع هذا الفكر وهذا المنهج، وتارةً يتبع هذا الفكر وذاك المنهج: تارةً يعبد حجرًا، وتارةً يعبد شجرًا، وتارةً يعبد هوى، وتارةً يعبد قانونًا ضائعًا؛ فهذا والله لا يمكن أن يتحصل على ذرة من السعادة ولو زعم ذلك؛ قال ﷻ: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 124].
فيا أيها المسلمون، يا من خلَّفتم شريعة ربكم ونور نبيكم وراءكم ظهريًا، وركضتم وأنتم تبحثون عن المتعة وتبحثون عن السعادة والسعة والراحة والسكينة في زبالات أفكار أحفاد القردة والخنازير: عودوا إلى ربكم، واستهدوا ربكم، اطلبوا الهداية منه، (فاستهدوني أهدكم).
(يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم) هذا هو ربنا، الخير كله بيديه، خير الدين والدنيا، خير الدنيا والآخرة، فمن أراد شيئًا من متاع الدنيا صغيرًا وكبيرًا طعامًا أو كساءً أو صحةً أو عافية؛ فعليه أن يتوجه إلى الله ﷻ، وإن الله ﷻ لا يستعظم شيئًا يُسأله من عباده، ولذلك فإبراهيم عليه السلام وهو في شدة المحنة، وحيد بين قومه، غريب بين قومه، يعلنها بينهم إعلانًا عامًا ينبغي أن يأتسي به كل مسلم؛ يعلن تمسكه بتوحيده وثقته بالله ﷻ وتوكله عليه ﷻ ومعرفته لقدره، قال إبراهيم لقومه: ﴿مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠ قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١ قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢ أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: 70-73].. إلى أن قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ ٧٨ وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩ وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠ وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١ وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٨٢ رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [الشعراء: 78-83]، وهكذا ينبغي أن تكون ثقة المسلمين بربهم ويقينهم بالله ﷻ؛ توكلًا عليه، واعتمادًا عليه، ولجوءً إليه، وتضرعًا بين يديه، وثقةً فيما عنده ﷻ.
(يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم..) فخزائن السماوات والأرض كلها بيد الله ﷻ، فلا ينفع مع قدرة الله ﷻ تجفيف منابع الإرهاب؛ لأن الرزق كله بيد الله ﷻ، وهذه الدعوة التي تعقد لها المؤتمرات ويجتمع لها شياطين الإنس والجن قد قيلت من قبل، قالوا: ﴿لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ﴾ [المنافقون: 7] هذه دعوة قديمة ليست جديدة: تجفيف منابع الإرهاب!، ونحن نقول: إن بيد الله ﷻ خزائن السماوات والأرض، فاقطعوا ما شئتم، وجففوا ما أردتم، وامنعوا ما تريدون، فإن الله ﷻ إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، وإذا قال الله ﷻ لشيء كن؛ فلن تستطيع الأرض والسماوات أن تمنعه، هذه الثقة لا بد أن تغرس في قلوبنا أيها الإخوة.
يا معاشر المجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها: عليكم بالثقة التامة بربكم في دينكم ودنياكم، استنزلوا الرزق من عند الله ﷻ، أكثروا التضرع بين يديه، هذا ربكم يناديكم ويطلب منكم سؤاله ودعاءه والتضرع له، (كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم)، حتى كان بعض السلف يسأل الله ﷻ في سجوده ملح طعامه وعلف دوابه، هكذا كان السلف؛ فإذن لا نستحي من سؤال الله ﷻ، وهذا شيء يرغبنا فيه ويدعونا إليه ﷻ: (يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم).
(يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم)، قال ﷺ: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)٣٬٢٣٥[رواه الترمذي: (٢٤٩٩)، وحسنه الألباني]..
فالله ﷻ يخبرنا أن ما من أحد من بني آدم إلا وهو يخطئ بالليل والنهار، والله ﷻ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وما من شيء ينزل النقمة والعذاب من الله ﷻ كمثل الذنوب، سواء في حق الفرد أو في حق المجتمعات والدول، قال ﷻ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ﴾ [الرعد: 31].
فنحن -أيها الإخوة- وخاصةً أنتم أيها المجاهدون؛ أكثر الناس حاجة إلى التوبة إلى الله ﷻ والاستغفار لله ﷻ؛ لأن الذنوب من أعظم ما يحول بينكم وبين النصر، فلا يمكن أن ينصر الله ﷻ قومًا يجاهرونه بالمعصية، ولذلك فمن دعاء أهل الإيمان قبل أن يدعوا الله ﷻ بأن ينصرهم على القوم الكافرين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا﴾ وفي الأخير قالوا: ﴿فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286]، إذن فنحن بحاجة إلى أن نكثر من الاستغفار والتوبة إلى الله ﷻ، التوبة النصوح الصادقة التي يستوي فيها ظاهر الإنسان وباطنه، علانيته وسريرته؛ لأن الله ﷻ لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، وإنما ينظر في قلوبكم وما فيها من الإخلاص والصدق والإنابة والتوحيد، وينظر إلى أعمالكم إن كانت موافقة لما جاء به النبي ﷺ أم لا.
إذن إن أردنا النصر والفتح؛ فعلينا بالتوبة الصادقة والاستغفار الدائم إلى الله ﷻ، قال ﷻ: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦ وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا﴾ ثم: ﴿وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 146، 147].
إذن نحن في حاجة أن نذكر أنفسنا بهذا الأمر العظيم؛ فوالله إنه من أعظم أبواب الفتح والنصر والتمكين، كلما كانت طائفة المجاهدين أقرب إلى الله ﷻ، أكثر توبة لله ﷻ، أكثر استغفارًا لربهم، أكثر إنابةً ورجوعًا؛ كلما كان النصر أقرب إليهم من الله ﷻ: (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم).
والله ﷻ هو الغني عنا وعن هدايتنا وطاعتنا وخيرنا وبرنا؛ فالله ﷻ له ما في السماوات وما في الأرض، قال ﷻ: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]، ولهذا حتى لا يغتر الإنسان بإيمانه ولا يُعجب بعمله الصالح الذي يوفق إليه؛ فإن الله ﷻ يُبيِّن لنا هذه الحقيقة بيانًا واضحًا جليًا لا يخفى على الله أحد: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ﴾ [آل عمران: 176]، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا﴾ [محمد: 32].
ثم قال الله ﷻ: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد فيكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا) الله ﷻ غني عنا وعن عبادتنا وعن جهادنا وهجرتنا ورباطنا ودعوتنا، فلذلك يقول في آخر الحديث: (فمن وجد خيرًا فليحمد الله)، فهو من توفيق الله ﷻ لعبده المؤمن؛ فلا ينبغي للمسلم أن يغتر بعمله الصالح، ولا أن يعجب بما وفقه الله ﷻ إليه من الطاعات، وإنما هي نعمة ومنة وفضل يتذكر فيها الله ﷻ، ويفرح بما آتاه من الخير ليزداد في شكرها.
قال تعالى: ﴿وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [العنكبوت: 6].
(يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد)؛ يعني على أرض واحدة، من الأولين والآخرين، من الإنس والجن (ثم سألني كل واحد منكم مسألته)، ليسأل كل واحد ما يأتي في ذهنه وما تتمناه نفسه.. (ثم أعطيت كل واحد منكم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) قال العلماء: «معنى هذا أنه لا ينقص من ملك الله شيء»، كيف ينقص من ملك الله وعطاء الله كلام؟ فهو إنما يقول للشيء: كن فيكون، فكيف ينقص هذا المُلك؟ والله ﷻ يمينه ملأى سحَّاء الليل والنهار ﷻ عنده خزائن كل شيء، ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ﴾ [المنافقون: 7].
هذه المعاني التي دل عليها هذا الحديث من سعة رحمة الله ﷻ: (إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا)، قال ﷻ: ﴿۞قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ﴾ [الزمر: 53]، هذه المعاني التي منها ملك الله الواسع التام الكامل كما في قوله: (لو أن أولكم وآخركم) إلى أن يقول: (ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) فقدرة الله ﷻ نافذة، (إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) وفي هذا استغناؤه التام عن عباده.
فهذه المعاني عندما تترسخ في قلب المؤمن، ويتيقن بها، ويعلم أنه يعبد ربًا هذه صفته ﷻ؛ فهذا يدعوه إلى الازدياد في التمسك بما جاء من عنده، والتيقن بأن كل حرف جاء في كتاب الله ﷻ هو حق، وكل حكم نزل في شريعة الله ﷻ فهو حق من عند الله ﷻ؛ فهذا يدعوه إلى الزيادة في البذل والعطاء والتضحية من أجل دين الله ﷻ، ويدعوه إلى الازدياد في الصبر والمصابرة على كل ما يلاقيه، فلا بد أن نعلم -أيها الإخوة- أنَّ طريق التمكين لدين الله ﷻ هي طريق المحن والشدة والبلاء والزلزلة والضراء، فبعد ذلك يأتي نصر الله ﷻ، نعم إن الله ﷻ قد وعد عباده إن نصروه أن ينصرهم، قال الله ﷻ: ﴿إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ [محمد: 7].
ولكن هذا النصر لا يأتي في دعة وكسل وخمول وبالأماني، وإنما يأتي بالجهد والبذل والتضحية والعناء والصبر، وبعد ذلك يتنزل نصر الله ﷻ؛ كما قال الله ﷻ: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ﴾ [البقرة: 214]، الرسول الذي يتنزل عليه الوحي من عند الله يقول: متى نصر الله؟ يقولها لماذا؟ يقولها من فرط المحنة وشدة الزلزلة وشدة الضراء التي يلاقيها هو وأصحابه، قال تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾ [البقرة: 214].
فلذلك -أيها المجاهدون سواء في أفغانستان أو في العراق أو في الصومال أو في الجزائر أو في الشيشان- عليكم أن توطنوا أنفسكم على هذه الحقيقة؛ إن التمكين لدين الله ﷻ ليس مهمة سهلة، ليس أمرًا يسيرًا، لا يأتي بالأماني، ولا يأتي بمجرد الخيالات، ولا يأتي بالخمول والكسل، ولا بد أن توطنوا أنفسكم على توالي البلاءات وعلى تواصل المحن، فبعد ذلك، بعدما يتنقى صفكم ويتميز الخبيث من الطيب ويعرف أهل الإيمان الصادق ويُعرف المنافقون الذين يتخللون صفوف المجاهدين وينسبون أنفسهم إليهم، بعد ذلك عندما يرى الله ﷻ منا الأهلية لأن نستلم هذه الأمانة العظيمة التي هي الحكم بشرع الله ﷻ، والعدل بين الناس، وتبليغ أحكامه؛ عندها سيأتينا نصر الله ﷻ، فلا تيأسوا مما يصيبكم من المحن، ولا تظنوا أن طريق الجهاد والتمكين والنصر هي طريق سهلة، ولكنها طريق نقص الأموال والأنفس والثمرات.
اليوم تجد ساحة الجهاد مليئة بالأبطال وبالقادة وبالخبراء، وفجأة تجد المعركة قد طحنتهم وقد ذهبوا، هذا من الابتلاء الذي أخبرنا الله ﷻ عنه: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
اللهم انصر عبادك المؤمنين المجاهدين أينما كانوا نصرًا مؤزرًا، اللهم انصر عبادك المؤمنين المجاهدين نصرًا مؤزرًا وافتح لهم من لدنك فتحًا مبينًا، اللهم انصر عبادك المجاهدين حيث ما كانوا، اللهم افتح عليهم بركات السماوات والأرض، اللهم أفرغ عليهم الصبر من عندك يا رب العالمين.
اللهم انصرهم في أفغانستان، اللهم مكن لهم تمكينًا تحبه وترضاه، اللهم أعد لهم ملكهم خيرًا وأقوى وأوسع وأسرع مما كان، اللهم انصر عبادك المجاهدين في العراق، اللهم اكشف محنتهم، اللهم اكشف ضيقهم، اللهم ارفع البلاء عنهم يا رب العالمين، اللهم أغظ بهم أعداءك يا قوي يا عزيز.
اللهم انصر عبادك المجاهدين في الصومال، اللهم مكّن لهم تمكينًا تحبه وترضاه تعز به أولياءك وتذل به أعداءك يا رب العالمين، اللهم انصر عبادك المجاهدين في الجزائر، اللهم اكشف غربتهم، اللهم اكشف غربتهم، اللهم افتح لهم من لدنك فتحًا مبينًا، اللهم دافع عنهم يا من يدافع عن المؤمنين، اللهم افتح لهم بركات السماوات والأرض، اللهم أغنهم بك عن من سواك يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين في الشيشان، وانصر المجاهدين في فلسطين، اللهم افتح لهم من لدنك فتحًا مبينًا، اللهم اخز أعداءك وأعداءهم يا رب العالمين، اللهم فرج عن إخواننا المأسورين في سجون اليهود والنصارى وفي سجون الملحدين والمرتدين والروافض والبوذيين والهندوس يا رب العالمين، اللهم اجعل لهم من كل ضيق فرجًا ومن كل هم مخرجًا وارزقهم من حيث لا يحتسبون.
اللهم ردهم إلى أهليهم سالمين آمنين غانمين مأجورين يا رب العالمين، اللهم أخلفهم في أهليهم خيرًا، واخلف كل شهيدٍ ومهاجرٍ ومجاهدٍ وأسيرٍ في أهله خيرًا يا رب العالمين إنك سميع قريب مجيب.
اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين، اللهم عليك بالذين يحاربون دينك، اللهم عليك بالذين يحاربون دينك وينكلون بأوليائك ويتنكرون لشريعتك، اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تغادر منهم أحدًا.
اللهم عليك بأمريكا وحلفائها، اللهم عليك بأمريكا وحلفائها، اللهم صُب عليهم العذاب صبًا، وافتح عليهم المصائب من كل جهة يا رب العالمين، اللهم اخزهم في عقر دارهم وسلطهم على بعضهم وسلط عليهم أولياءهم، وسلط عليهم جندك وعبادك المؤمنين يا رب العالمين.
اللهم انتقم منهم لعبادك المستضعفين، اللهم انتقم منهم لعبادك المقهورين، اللهم اخز بوش وحزبه يا رب العالمين، اللهم أذله وأرغم أنفه، اللهم أرغم أنفه يا رب العالمين، اللهم اجعل له يومًا كيوم فرعون وهامان وقارون يكون عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين وشفاء لصدور قوم مؤمنين.
إنك سميعٌ قريبٌ مجيب، وصل اللهم على خير خلقك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: خطبة عيد الفطر «1429»
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا