فتوى في التفاضل بين الجهاد الإعدادي والعمل الاستشهادي

[مجلة أمة واحدة (العدد 5، ص 56)، تاريخ الفتوى: مجهول]

۞

السؤال: ما هو الأفضل؛ القيام بعملية استشهادية، أو الإعداد والقتال سواء في أفغانستان أو غيرها، وسواء طالت المدة أو قصرت؟

الجواب: الحمد لله والصلاة والسام على رسول الله وبعد.

فالذي يظهر لي في هذه المسألة –والله تعالى أعلم – أن الأمر ليس حكما ثابتا وشاملًا لكل الحالات، وإنما يختلف من زمن إلى زمن، ومن شخص إلى شخص، ومن مكان إلى مكان.

ومرجع ذلك إلى عدة أمور:

أولها: صلاح الشخص القائم بشيء من هذه الأعمال؛ الاستشهادية أو الإعداد والقتال، وقوة إخلاصه وصدقه مع الله تعالى.

ص 2946

ثانيها: انتفاع الإسلام بعمله؛ فكلما كان انتفاع الإسلام بالعمل الذي يقوم به أكبر وأعظم وأوسع كان أجره كذلك، فرب شخص يمكنه أن يقوم بعملية استشهادية عظيمة منكية في أعداء الله لا يستطيع أن يقوم بها غيره فيكون نفعه للإسلام أكثر بكثير ممن يبقى يعد ويتدرب ويدرب ويقاتل، والعكس كذلك فقد يكون انتفاع الإسلام والمسلمين ببقاء شخص لتعليم الناس وتدريبهم وتحريضهم وقتال أعداء الله أنفع بكثير من قيامه بعملية استشهادية في موطن أو زمان يوجد فيه غيره، ولهذا دعا النبي ﷺ ربه يوم بدرٍ بقوله : (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)٣٬٦٩٢[صحيح مسلم (١٧٦٣) وقد تقدم مرارًا]..

فإن الشهادة وإن كانت مقصداً شرعياً بل هي أعظم المقاصد وأجل المطالب؛ إلا أن بقاء هذه «العصابة» واستمرارها كان سببًا في بقاء الإسلام وانتشاره وبلوغه إلى أقاصي الأرض شرقًا وغربا، ولو قُدِّر قتل أهل بدرٍ جميعهم لكانوا قد فازوا بنيل الدرجات العلى من الجنات وظفروا برضوان الله تعالى، إلا أن الأرض شَقِيت بذلك لحرمانها من نور الإسلام وبعدها عن عبادة الله، وفي ذلك من الشرور والمفاسد والظلمات ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

وعموم هذا المعنى كما يحصل بفناء جماعة من الجماعات فقد يقع جنسه في مقتل شخص من الأشخاص وذلك لقوته في الإيمان، وعظيم نفعه للأمة، وشدة صبره في ذات الله، وتثبيت أفئدة المؤمنين بوجوده بينهم كما حصل مع أبي بكر رضي الله عنه في قتال الردة حينما أراد أن يخرج لقتالهم بنفسه فمنعه الصحابة رضي الله عنهم من ذلك وقالوا له: «لمَّ سيفك ولا تفجعنا بنفسك؛ فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا»٣٬٦٩٣[تاريخ دمشق (30/316)، البداية والنهاية (7/22)].، وفي لفظ: «ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرِّض نفسك؛ فإنك إن تُصَب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو»٣٬٦٩٤[تاريخ الطبري (3/247)، تاريخ دمشق (25/162)].، فتأمل قولهم: «ومقامك أشد على العدو».

ثالثها: لا شك أن من طال عمره وحسن عمله يزداد يوما بعد يوم من الحسنات، لا سيما إذا قضى حياته في ساحة الجهاد والإعداد والهجرة والرباط، إلا أن هذا لا يعني أن من كان هذا حاله هو خير ممن قُتِل قبله؛ لأن المرجع ليس في كل حال هو كثرة الأعمال الظاهرة، وإنما يضاف إليها انتفاع الإسلام والمسلمين بالعمل، وقوة صدقه وإخلاصه وإيمانه وصبره، لا سيما حينما يكون من القلة الذين تحملوا أعباء إقامة الدين وصبروا على البلاء واجتهدوا في التبليغ والجهاد وقُتِلوا في أول أمرهم؛ فمثل هؤلاء يكونون منارات هدى لمن بعدهم، وينزَّل من لحقهم منزلة الصدقة الجارية فيكونون كبعض حسناتهم.

ولهذا قال النبي ﷺ كما في حديث أبي بكرة رضي الله عنه «أن رجلا قال: يا رسول الله أيُّ الناس خير؟ قال: من طال عمره وحسن عمله. قال: فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره وساء عمله»٣٬٦٩٥رواه أحمد [(20415) وحسنه الأرنؤوط] والترمذي [(2330) وقال الألباني: صحيح لغيره] والدارمي [2772]..

ومع ذلك فقد قال في حق حمزة رضي الله عنه وقد قتل في أول سنوات الهجرة كما في حديث جابر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)٣٬٦٩٦رواه الترمذي [وهذا العزو للترمذي خطأ ولكنه مأخوذ من الترغيب والترهيب، وقد علق عليه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب (2308) فقال: عزوه للترمذي خطأ، ولعله من الناسخ أو الطابع، وفي الإسناد مجهول، لكني وجدت له متابعاً صالحاً فخرجته في: الصحيحة (374)] والحاكم [4937] وقال: صحيح الإسناد..

وكم من الصحابة الذين طال عمرهم وحسن عملهم وجمعوا بين أنواع من الأعمال الصالحات إلا أنهم لم يبلغوا درجة حمزة رضي الله عنه ولم يدانوها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وقد قال تعالى: ﴿لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ﴾ [الحديد: 10].

ولتحديد الأنفع للإسلام والمسلمين، والأولى في هذه الأعمال: يُرجع إلى المسؤولين الذين يستطيعون أن يقدروا الأمور ويوازنوا بينها، وهذا لا يمنع أن يعرض الإنسان رغبته ويبين مواهبه، ويستشير من يثق في دينه وعقله وعلمه حتى يكون قراره في أي من الأعمال مبنيا على النظر والتحري وطلب الأجدى.

والله تعالى أعلم

❖ ❖ ❖

ص 2947

ص 2948

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا