🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

تأملات في سورة الحجرات - الدرس الخامس

الدرس الخامس

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

۞

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مضلَّ له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسارَ على سنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد...

فكنا بالأمس قد تكلمنا عن الآية التي تتحدث عن الإصلاح بين طوائف المسلمين فيما لو وقعَ بينهم القتال، وبيَّنا أن الله ﷻ قد ذكرَ القاعدة العامة التي تجمعُ بين المؤمنين وهي أخوة الإيمان، هذه الرابطة وهذه الآصرة التي يجب على المسلمين أن يحافظوا عليها، وأن يقووها وأن يبحثوا عن أسبابِ تدعيمها، وأن ينبذوا عنهم كل ما يوهنها ويضعفها ويؤدي إلى قطعها.

فقال الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ﴾ [الحجرات: 10]؛ فهم إخوةٌ سواءٌ في حالة المسامحة أو في حالة العداوات التي تقع بينهم، والشحناء التي تكون في قلوبهم، والبغضاء التي قد تمتلئ منها صدورهم، إلا أنهم مع ذلك إخوة تجمعهم عقيدةٌ واحدة ودينٌ واحد؛ إذن هذه هي الرابطة التي يقومُ عليها وتتأسسُ عليها العلاقةُ بين الإنسانِ وبين أخيه المؤمن، سواء كان هذا المؤمن قريبًا أو بعيدًا، سواء كان شريفًا أو وضيعًا، سواء كان أسودًا أو أبيضًا، سواء كان غنيًا أو فقيرًا، فهو مؤمنٌ وله حق إخوة الإيمان، قال ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾.

ص 1464

[حرمة السخرية بالمسلم واحتقاره ولمزه]

بعد هذه الآيات ذكرَ الله ﷻ، بل نهى الله ﷻ عن أمراضٍ مستفحلة إذا دبَّت في المجتمع المسلم وإذا انتشرت بين أفراده؛ فإنها تؤدي بلا شك إلى ذلك المرض العظيم، وتلك النتيجة السيئة التي كنا نتحدث عنها من قبل، وهي الاقتتال الذي يقع بين المؤمنين.

قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]، نادى الله ﷻ المؤمنين بهذه الصفة التي لها مقتضيات ولها لوازم، وعليهم أن يُحققوها بأعمالهم التي هي طاعة الله ﷻ، واجتناب ما نهى الله ﷻ عنه.

فمما نهى الله ﷻ عنه المؤمنين، والذين إن كانوا مؤمنين فعليهم أن يلتزموا به: أن يسخرَ بعضهم من بعض، والسخرية هي: الاستهزاء بالآخرين، واحتقارهم وازدراؤهم، فلذلك قال الله ﷻ هنا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ﴾ أي: لا يستهزئ قومٌ من قوم آخرين، ولا يحتقر قومٌ قومًا آخرين، وهذه السخرية سواء كانت بالقولِ أو بالفعل أو بالإشارة، أو بكل ما يفهم من استنقاص أخيك المسلم، وبكل ما يفهم من احتقار أخيك المسلم، وبكل ما يفهم من ازدراء أخيك المسلم؛ فهذا كله نهى الله ﷻ عنه بهذه الكلمات، وإلا فهذا المسلم الذي أنت تسخر منه وتزدريه وتحتقره، وتظن نفسك أفضل منه، قد يكون أفضل عند الله ﷻ؛ ولهذا قال الله ﷻ: ﴿عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ﴾؛ فإن الخيرية الحقيقية هي المنزلة التي ينالها العبد عند الله ﷻ.

فأنت قد ترى هذا الإنسان فقيرًا ضعيفًا، وربما عاصيًا لله ﷻ، وقد تراه قبيحًا، وقد تراه وضيعًا في شرفهِ؛ فتحتقره وتزدريه وتترفع عليه، وتظن نفسك خيرًا منه، وتكون منزلة هذا الإنسان بحسب خشيته لله ﷻ ومراقبته لله ﷻ ومحبته لله ﷻ؛ أضعافَ أضعافَ ما تظنه أنت في نفسك.

ص 1465

وننبه هنا إلى أن كلامنا عن حرمة احتقار المسلم لا يعني أن مجردَ وقوع الإنسان في المعصية يُجيز للمسلم أن يحتقره وأن يزدريه وأن يمتهنه، هذا غير صحيح، ونضرب لذلك مثلًا من سنة النبي ﷺ؛ فقد كان هناك رجلٌ من الصحابة يداعب النبي ﷺ ويُضحكه، وكان هذا الصحابي معروفًا بكثرة مزاحه، ولكنه كان يشرب الخمر كثيرًا؛ فيشرب الخمر ثمَّ يُؤتى به فيُجلد ويقام عليه الحد، ثمَّ يرجعُ مرةً أخرى ويشرب الخمر، ثمَّ يُجلد، فجيء به مرةً من المرات وقد شرب الخمر، فأمرَ النبي ﷺ الصحابة أن يجلدوه -أن يقيموا عليه الحد-؛ فقال أحد الصحابة: «لعنه الله ما أكثر ما يُؤتى به»؛ أي: في كلِّ مرةٍ يُجلد ويشرب الخمر، يُجلد ويشرب الخمر؛ ألا يتقي الله ﷻ، ألا يستحي من نفسه؛ فلعنه هذا الرجل غضبًا لله ﷻ، فسمع النبي ﷺ هذه الكلمة، فقال: (لا تلعنه أما إني قد علمتُ أنه يحبُ الله ورسوله)٢٬٤١٣[صحيح البخاري: (٦٧٨٠)]..

انظروا! رجل يشرب الخمر، بل يكرر شرب الخمر، والنبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة (لعنَ في الخمر عشرة، منهم: شاربها)٢٬٤١٤[سنن ابن ماجه (3381)، وصححه الألباني].، فالنبي ﷺ لعن شارب الخمر، وهذا الصحابي إنما قال هذه الكلمة ولعنه حمية لله ﷻ، لكنَّ النبي ﷺ أخبر الصحابي عن أمرٍ في قلب هذا الإنسان المحدود، بإخبار الله ﷻ وإطلاعه لنبيه عليه -وهذا الصحابي لم يعلمه ولم يطَّلع عليه- وهو محبة هذا الصحابي الذي كان يشرب الخمر لله ﷻ وللنبي ﷺ، فكانت هذه المحبة مَانعةً من لعنه.

فكذلك أنتَ قد ترى إنسانًا صاحب معصية وصاحب مخالفةٍ لأمر الله ﷻ؛ فتأخذك الحمية فتقول كلمةً تحتقره فيها، فاحتقارك لهذا المسلم لا يجوز، والاحتقار شيءٌ غير الإنكار، فلا بد أن تنكر على هذا العاصي، وتُحذِّر منه، وتبيِّن ما هو فيه من مخالفة أمر الله ﷻ، وتهجره إن احتاج إلى الهجران، ولكن هذا الإنكار يتقيد بضوابط شرعية وبأصول شرعية وبآداب شرعية، واحتقاره وازدرائه شيءٌ آخر، وذلك -كما ذكرنا بالأمس- لأن الإيمان عندنا: قولٌ وعمل، تدخل فيه الأعمال الظاهرة، وتدخل فيه أعمال القلوب، وتفاوت العباد الحقيقي بما في قلوبهم من محبة الله ﷻ، ومن خشيته ومن رهبته ومن مراقبته ومن شكره ومن التوكل عليه والإنابة إليه والحياء منه ﷻ.

ص 1466

فهذه الأعمال التي في القلوب لا تطلع عليها أنت ولا يطلع عليها غيرك، فربما أنت تزدري الإنسان وتحتقره بحسب ما ظهر لك من أعماله الظاهرة، هذا إذا كان عمله مخالفًا لأمر الله ﷻ، ولكن يخفى عليك ويغيب عنك شيءٌ عظيم من أعمال القلوب التي تكون في قلب هذا الإنسان.

إذن علينا أن نحترز من احتقار الآخرين ومن ازدرائهم؛ فكيف إذا كان هذا الاحتقار والازدراء مبنيًا على أمرٍ من أمور الدنيا وليس غضبًا لله ﷻ؟ يعني إنسان يحتقر إنسانًا لأنه قبيحٌ في منظره، أو إنسانٌ يحتقر إنسانًا ويسخر منه لأن ثيابه رثَّة، وإنسان يحتقر إنسانًا آخر لأنه فقير، وإنسان يحتقر إنسانًا آخر لأنه جاهل، وإنسان يحتقر إنسانًا آخر لأنه وضيع في نسبه، وهذه الأمور كلها لا قيمة لها في ميزان الله ﷻ؛ فالإنسان عليه أن يعرف قدره، وسخريتك بأخيك المسلم واحتقارك له هو وضعٌ من شأنك أنت؛ لأنك ارتكبت عملًا قبيحًا في دين الله ﷻ، فقد يكون هذا الإنسان صاحب توبة وإنابة، وأنت في نفس الوقت تعصي الله ﷻ باحتقاره؛ فقد وضعت من منزلتك ومن مكانتك.

ثمَّ قال الله ﷻ هنا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ﴾؛ لا يسخر طائفة من الناس بطائفة أخرى من الناس، ولا يسخر رجل من رجل آخر، لماذا؟ ﴿عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ﴾ أي: ربما يكون هؤلاء القوم المسخور منهم خيرًا ممن سخر منهم، خيرًا عند الله ﷻ، وهذا هو الأمر الذي لا يطلع عليه إلا الله ﷻ علام الغيوب.

ص 1467

قال ﷻ: ﴿وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ﴾؛ يعني: ولا يسخر نساءٌ من نساء، قال العلماء: كلمة القوم في الأصل تشمل الرجال والنساء، هذا يقوله بعض أهل اللغة، وقال وبعضهم: نحن نعلم في عرف الشرع أنَّ الله إذا خاطب المؤمنين وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ﴾؛ فإنه يدخل فيه الرجال والنساء كأي تكليفٍ شرعي، إلا أن الله ﷻ في هذا الموضوع أفرد ذكر النساء عن ذكر القوم، قالوا: «وذلك لأن السخرية في النساء بعضهن من بعض أكثر من سخرية الرجال بعضهم من بعض»٢٬٤١٥[انظر ما قرره الشيخ عن العلماء في: تفسير القرطبي: (16/326)].، فالله ﷻ خصهن بالذكر لما ينتشر بينهن من الازدراء لبعضهن، والاحتقار لبعضهن، والسخرية لبعضهن؛ فلذلك قال الله ﷻ هنا: ﴿وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ﴾ يعني: لا تسخر نساءٌ من نساء سواء كان بسبب جمالها، أو بسبب مالها، أو بسبب شرفها، أو بسبب حسبها، أو بأي سبب من الأسباب الأخرى، لماذا؟! السبب واحد: ﴿عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ﴾.

يذكر بعض المفسرين هنا -وهذا يذكرونه هنا ويذكرونه أيضًا في باب الغيبة-: أن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي ﷺ: «حسبك من صفية أنها هكذا»، وأشارت إلى قصرها؛ أي يكفيك عيبًا في صفية -رضي الله عنها وعن عائشة- أنها قصيرة، فقال النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها: (لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بماء البحر لمزجته)٢٬٤١٦[رواه أبو داود: (٤٨٧٥)، وصححه الألباني].؛ أي هذه الكلمة البسيطة التي تلفظتِ بها (لو مُزجت) أي لو خلطناها بماء البحر لغيرت طعم ماء البحر.. لماذا؟ لأنها شيء عظيم، هذا الأمر الذي تكلمتِ به عظيم.

فإذن الإنسان عليه أن يتجنب هذا الخلق السيء: احتقار الآخرين والمؤمنين، هذا ليس من خلق أهل الإسلام، كما قال النبي ﷺ: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره)٢٬٤١٧[متفق عليه، البخاري: (٢٤٤٢)، ومسلم: (٢٥٨٠)].، والنبي ﷺ قال: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)٢٬٤١٨[صحيح مسلم: (٢٥٦٤)].، أي يكفيك من الشر الذي تستحق عليه العقوبة من الله ﷻ أن تحتقر أخاك المسلم، هذا يكفيك ولا تحتاج معه لذنب آخر، وهذا يدل على أن احتقار المؤمنين كبيرة من الكبائر؛ أي أن من يرتكب هذا الفعل فاسق؛ لأن الفاسق هومرتكب الكبيرة، فعلى الإنسان أن يحفظ عليه دينه.

ص 1468

وقلنا: لا نخلط بين الأمرين؛ فمن الناس مَن قد يكون عاصيًا لله ﷻ، أو يكون مرتكبًا لكبيرة من الكبائر، أو يكون مرتكبًا لبدعة من البدع، فهذا الإنسان نحذر منه وننصحه وننكر عليه ونهجره ويُعاقَب إذا استحق العقوبة؛ هذه كلها أشياء جاء بها الشرع.. ولكن هذا شيءٌ، واحتقاره وازدراؤه شيٌ آخر، وذلك لأن الاحتقار يكون مبنيًا على معرفة أعمال الإنسان كلها؛ فعندما تريد أن تقيِّمَ هذا الإنسان وأن تعطيه قيمته ومنزلته؛ إما أنك ترفعه، وإما أنك تضعه، هنا لا بدَّ أن تجمع بين خصال هذا الإنسان كلها، وخصاله منها ما هو ظاهر تراه أنت؛ سواء من صفات حسنة أو من صفات سيئة، ومنها ما هو باطن لا تطلع عليه أنت، فقد يكون هذا الإنسان مُحبًا لله ﷻ، ومُعظمًا لله ﷻ، ومُستحِيًا من الله ﷻ بما يفعله من الموبقات؛ فكم من ذنبٍ أورث طاعة؟ كم من ذنبٍ يرتكبه الإنسان ثم بعد ذلك يندم ويستحيي من الله ﷻ ويكثر من الاستغفار وينكسر بين يدي الله ﷻ فيرفعه الله ﷻ درجات؛ بسبب هذا الاستغفار وهذا الحياء.

فعلينا أن نعطي الناس حقهم، وأن نتجنب احتقار المسلمين.

ثم قال الله ﷻ بعدها: ﴿وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ أي: ولا تعيبوا، ولا يعب بعضكم بعضًا، اللمز هو إظهار عيب الإنسان؛ إما أن يكون باللسان، وإما أن يكون بالإشارة، وإما أن يكون بالفعل، أو بأي طريقةٍ تعيب بها هذا الإنسان، فتظهر عيبه في المجالس وبين الناس.

وتأمل كيف قال الله ﷻ هنا ﴿وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ وكيف يعيب الإنسان نفسه؟ قال العلماء: وذلك لأن المسلمين كالجسد الواحد، فأنت إذا عبت أخاك المسلم؛ فكأنك عبت نفسك، هذا أحد الأقوال.

ومنهم من قال: إن عيبك لأخيك المسلم يؤدي إلى عيبه لك؛ يعني عندما تذكر ما فيه من العيوب وما فيه من النقائص فتأخذهُ الحمية ويرد عليك بمثلها؛ فأنت كنت السبب في عيب نفسك.

فإما أن المقصود به أنه: لا يعب بعضكم بعضًا كما قال الله ﷻ ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ﴾ [النساء: 29]، وهذه الآية تشمل المعنيين؛ أي لا ينتحر الإنسان فلا يقتل نفسه، وكذلك لا يقتل أخاه المسلم؛ لأنك حينما تسفك نفس أخيك المسلم فكأنما قتلت نفسك؛ لأن المسلمين كما قال رسول الله ﷺ: (كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)٢٬٤١٩[حديث صحيح، تقدم في: (ص 2908)].؛ فالإنسان لا يعيب أخاه المسلم.

ص 1469

ثمَّ قال ﷻ: ﴿وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ﴾ أي: ولا يرمي بعضكم بعضًا بالألقاب السيئة القبيحة، واللقب هو وصفٌ إما يتضمن مدحًا وإما ذمًا، والمنهي عنه هنا هو: الوصف الذي يكون ذمًا لأخيك المسلم، يعني: لا يصف بعضكم ولا ينادي بعضكم بعضًا بألقابٍ يكرهها هذا الإنسان؛ كالأعرج أو الأعمش أو القصير أو الأسود، مما يكرهه هذا الإنسان.

ويدخل في ذلك مناداة المسلم لأخيه المسلم: يا فاسق يا كافر يا مجرم، إذا لم يكن فيه هذا الوصف، كما قال النبي ﷺ: (من قال لأخيه المسلم يا كافر، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه)٢٬٤٢٠[صحيح مسلم: (٦٠)].؛ أي إذا كفَّر الإنسان أخاه المسلم فإذا كان هذا الْمُكفَّر حقيقي يعني يستحق التكفير؛ فذاك هو، وإلا فرجع الأمر على قائله واختلف العلماء في معنى هذا الحديث على سبعة أو ستة أقوال٢٬٤٢١[ذكر أهمها الإمام النووي في: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (2/50)]..

فالمقصود هنا: أن المسلم لا ينادي ولا ينبز أخاه المسلم بلقب يكرهه.

ثمَّ قال الله ﷻ: ﴿بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ﴾ أي: قبح الاسم الذي هو الفسوق بعد أن تتصفوا بالإيمان، وهذا يحتمل معنيين كما ذكر العلماء: إما أنه بئس أن تصف أخاك المسلم بالفسوق بعد أن اتصف بالإيمان، وإما أنك أنت بمناداتك لأخيك المسلم بلقبٍ يكرهه قد أوقعت نفسك في الفسق؛ فبئس ما أوقعت نفسك فيه بعد إيمانك وبعد صلاحك.

ثم قال ﷻ: ﴿وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أي: فمن بلغه هذا ولم يتب عن هذه المعاصي ولم يقلع عنها؛ فهو مستحق لقول الله ﷻ: ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ وجاءت الآية بصيغة الحصر كأنه لا ظالم إلا من فعل هذا، وهذا يدلنا على عظم هذه الأفعال، وهي من حقوق العباد كما نعلم؛ فالتوبة منها تحتاج إلى أن يُسقط الإنسان حقه؛ فلذلك فإنَّ الإنسان الذي يحتقر أخاه المسلم أو الذي ينبز أخاه المسلم، أو الذي يلمز أخاه المسلم؛ هذا يحتاج إلى توبةٍ صادقةٍ لله ﷻ، يندم فيها ويعزم فيها على عدم الرجوع ويقلع عن ما فعل، ويدعو لأخيه في ظهر الغيب.

ونقف عند هذه الآية وغدًا إن شاء الله نتكلم عن الآية الأخرى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

❖ ❖ ❖

ص 1470