🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

فلسطين.. الآن حمي الوطيس (العدوان على غزة)

فلسطين.. الآن حمي الوطيس (العدوان على غزة)

فلسطين.. الآن حمي الوطيس (حول العدوان على غزة)

[محرم 1430 هـ / 1 - 2009م]٣٬٢٥٨[سُجلت هذه الكلمة المباركة في ظل أحداث معركة الفرقان في غزة (27/12/2008 – 18/1/2009م) والتي ارتقى فيها نحو (1500) شهيد، وهي المعركة البرية الأولى الموسعة التي يشنها اليهود على غزة بعد طردهم منها صاغرين في (2005م)، وقد كانت معركة طاحنة دخل يفها اليهود بدقهم وقديهم، فردهم الله صاغرين، بعد الثبات الكبير للمجاهدين.. وإنك لتجد الشيخ في هذه الكلمات يرثي غزة ويبكي أهلها وما أصابها ذلك اليوم إلا القليل؛ فكيف لو رأى ما حل بغزةَ اليوم في معركة طوفان الأقصى؛ رحم الله الشيخ وتقبله، فأجزمُ أنه لو كان بيننا هذه الأيام لنادى بأعلى صوته، وبذل نفسه ونَفِيسه فداء للمسلمين في غزة، ولله المشتكى]

۞

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...

أمة الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يشهد العالم اليوم المجزرة القذرة والإبادة الجماعية التي يقوم بها إخوان القردة والخنازير ممن ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، تلك المجزرة التي يقومون بها ضد أهلنا وإخواننا المسلمين في غزة، لتكون هذه الأحداث عبرة وتذكرة وتبصرة لكل من أخذته ثقلة الأرض وبدأ يجنح إلى طلب السلامة، ويسبح في أوهام دعاوى السلام وإقامة الدولة الفلسطينية؛ لتعيش جنبًا إلى جنب في أمن وسلام مع ردغة الخبال، دولة زمرة الفساد وعصابة الإجرام اليهودية.

وإن هذه الفاجعة الكبرى والمصيبة العظمى لتُعرِّفنا بحقيقة إيمانية راسخة، ليس للمسلم بأي حال من الأحوال وتحت أي ظرف من الظروف أن يتغاضى عنها أو يتجاهلها؛ ألا وهي أن الإيمان والكفر والحق والباطل لا يمكن أن يتعايشا في موطن كندِّين دون أن يغالب أحدهما الآخر.

ص 2461

كما تعرِّفنا أن الكفر في تظاهره على الإسلام وتعاضده على أهله وسعيه في استئصالهم ملة واحدة، تفيض قلوبهم بالحقد وتنضح بالعداوة وإن زعموا خلاف ذلك، قال ﷻ: ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2].

فلو أن قطيعًا من الخنازير والكلاب تعرض لعشر معشار ما يتعرض له إخواننا المسلمون في غزة لانتفضت مؤسسات الغرب الكافر، واستنفرت مؤسسات حقوق الإنسان والحيوان على حد سواء، وتعالت أصوات المطالبة بمحاكمة الجناة المسؤولين عن تلك الجريمة المنكرة، ولظهر عندها عدل الغرب ورحمته ورقته وتنديده الشديد بالمجازر التي تتعرض لها تلك القطعان، أما وقد كان الضحية في مجزرة غزة شعبًا مسلـمًا؛ فإنه لا يستحق في عدل الغرب وقيمه حتى مجرد ورقة قرار غير ملزم من مجلس أمنهم الإجرامي؛ لنعلم أن المؤامرة ضد هؤلاء الضعفاء قد حيكت بليل، ونسجت خيوطها بأيدٍ قذرة من أهل الغرب الكافر والطغاة المرتدين الخونة وأمريكا أم الخبائث، وما اليهود المجرمون إلا منفذون لفصولها، ليكون أهل هذا الحلف الشيطاني جميعًا شركاء متساوين في هذه المجزرة المستأصِلة، فعليهم أن يكونوا شركاء أيضًا في تحمل دفع ضريبتها التي سيذوقون مرارتها، فهذا هو موقف دول الكفر وأذنابها العملاء، الذين لم يزل الكثير يستجدونهم ويترقبون نصرتهم ويتحينون رفع المعاناة بأيديهم.

ص 2462

فماذا أنتم فاعلون أيها المسلمون نصرة لإخوانكم المنكوبين داخل سجن غزة المحكم؟، وقد قال النبي ﷺ: (انصر أخاك ظالِمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالِمًا؟ قال: تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه)٣٬٢٥٩متفق عليه، [وتقدم في: (ص 1386)].؛ فما يدور في غزة هي ملحمة من ملاحم الإسلام التي يجب أن يكون لكل مسلمٍ موطنٌ فيها وموقفٌ صادقٌ معها، فالمسألة أكبر من كونها استهدافًا لحركة المقاومة الإسلامية حماس، أو إيقافًا لإطلاق الصواريخ على اليهود المجرمين، إنه سعي حثيث لاستئصال واقتلاع كل ما له أدنى صلة بدين الله تعالى، وإبادة لهذا الشعب المسلم الذي لم يزل صابرًا ثابتًا متحديًا لتلك القوى الإجرامية التي تريد تركيعه وإذلاله.

ومن هنا فإن لنا مع هذه الأحداث عدة وقفات مشاركة منا ونصرة لإخواننا وأداء لشيء من واجبنا:

أما الوقفة الأولى: إنه رغم ثقل الأحداث وعمق الجراحات ومشاهد الفجائع، فلا أحسب أننا بحاجة إلى خطب حماسية وكلمات رنانة تلتهب بها المشاعر ثم تخبو وتتلاشى مع طول الحدث واعتياده، فقد سمع المسلمون من ذلك ما صم آذانهم وأرهق إعلامهم؛ فقضية فلسطين هي القضية التي اقتات عليها القوميون فزادوها رهقًا، وتضلع منها الشيوعيون فغوَّروا جراحاتها، وتغنَّى بها الطغاة المرتدون فمزَّقوا أوصالها، وبيانات التنديد والشجب والاستنكار قد أثقلت كاهل منظماتهم، ورغم ذلك فما تزال فلسطين محتلة منكوبة مسلوبة. 

إذن فنحن اليوم، وأمام هذه الأحداث وغيرها، أحوج ما نكون إلى وقفة صادقة صارمة وتأملات جادة متجردة نرد بها الركب إلى الجادة، ونغوص بها في أعماق المشكلة؛ لنضع دواء ناجعًا نافعًا يأتي على الداء من أصله ويقتلعه من جذوره، ولا يقف عند أعراضه ومعالجة مظاهره التي تخرج علينا كل حين بصورة متنوعة وتبرز أمامنا بشكل جديد.

وعليه؛ فما لم نأتها من أصولها وقواعدها ونعالجها بعلاج الشرع الناصع؛ فسيبقى إخواننا المسلمون في أرض الرباط فلسطين حقلًا مستمرًا لتجارب الأسلحة اليهودية والأمريكية، ومحلًا فسيحًا لترجيح كفات التنافسات الانتخابية في هذه الدولة أو تلك.

الوقفة الثانية: إن الوقوف أمام هذا الإجرام اليهودي أو العالمي لا بد أن يسلك مسلكين: 

ص 2463

1- المسلك الأول: هو موقف التحدي وطريق الصبر والإصرار، ودخول هذه المعركة بعزيمة وهمة، وضرب اليهود والدول التي تمدهم وتعينهم بكل ما أمكن، ولا سيما مصالحهم الاقتصادية ومؤسساتهم السياسية وثكناتهم العسكرية، وهذا واجب يجتهد فيه إخواننا المسلمون في فلسطين وأنصارهم المجاهدون في بقاع العالم بأسره.

2- المسلك الثاني: أن مما يتحتم على كل من أراد أن يرد الأمور إلى نصابها ويأتي القضية من بابها؛ أن يعلن في وضوح وجلاء، بلا تمتمة ولا استحياء وبلا خجل ولا وجل، أن قضية فلسطين قضية إسلامية خالصة خاصة، تقاس بميزان الشرع، وينظر إليها بمنظاره، ويتعامل معها بأحكامه، ويقاتل لإنقاذها تحت رايته؛ فلا مكان في هذه المعركة للقومية العربية، ولا لِلُّحمة الوطنية، ولا للشرعية الدولية بجميع منظماتها وهيئاتها وقراراتها؛ فلا بد أن تصفى القضية تصفية كاملة حقيقية من كل هذه اللوثات؛ لتقف على أساس متين وركن مكين لا يمكن أن يتلاعب به متلاعب أو يعبث به عابث.

فرفع راية الإسلام لتحرير فلسطين يجب ألا يكون مجرد شعارات نلهب بها مشاعر المسلمين كلما حمي الوطيس واستعرت نار الحرب، بل يجب أن يكون ذلك هو المبدأ الذي لا نفرط فيه والصراط الذي لا نتزحزح عنه، وأن يكون فناؤنا وذهابنا عن بكرة أبينا أهون عندنا وأيسر علينا من التنازل عن أصل واحد من الأصول الإسلامية التي تقوم عليها قضيتنا.

ومن هنا فمذهب التوفيق والتلفيق بين ما يمليه علينا شرع الله ﷻ في هذه القضية وما تطالبنا به الشرعية الدولية الكافرة؛ لا يعني إلا شيئًا واحدًا وهو ذهاب الجهود هباءً منثورًا، فلا الله أرضينا فأُجرنا، ولا الأرض أعدنا فتحررنا.

ص 2464

الوقفة الثالثة: سيظن الكثيرون أن تجريد القضية بهذه الكيفية وذلك الوضوح؛ سيجعلنا ندفع ضريبة باهظة، ويهيج الأمم للتكالب علينا، ويؤجج المنظمات ضدنا، ويسد كل الأبواب أمامنا، ومَا لَنا بذلك من طاقة، ولكننا نقول يا معاشر العقلاء والنبلاء: هل هناك ضريبة أثقل وأعظم مما دفعه ويدفعه المسلمون في فلسطين، وماذا بقي مما يمكن أن يحتفظ به أو يخاف عليه؟ فسيول الدماء لا تتوقف، وأكوام الأشلاء متراكمة، وسجون اليهود مكتظة متزاحمة، وتخريب الديار واقتلاع الأشجار وجرف الأراضي مستمر، والحصار مطبق وقاتل، وما ينفذ من خلاله فبالمن والأذى، فما الحال في فلسطين إلا كما قال الشاعر: «أنا الغريق فما خوفي من البلل»٣٬٢٦٠[من شعر المتنبي السائر، انظر: الأمصال السائرة من شعر المتنبي (ص 45)].

ثم علينا ألا ننسى ونحن في غمرة مسيرتنا الجهادية، أننا نتعامل مع الله القوي العزيز ولي المؤمنين نعم المولى ونعم النصير، وقد وعد ﷻ ومن أوفى بعهده من الله، بأن ينصر عباده المؤمنين إن هم نصروه، وهو الذي لا يعجزه هؤلاء الكفرة بحدهم وحديدهم وعدتهم وعتادهم وجيوشهم ودولهم، فلو شاء لأهلكهم أجمعين، قال ﷻ: ﴿۞أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ﴾ [غافر: 21]، وقال ﷻ: ﴿ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ﴾ [محمد: 4]؛ فباب النصر على الأعداء والتخلص من قهرهم وتسلطهم، إنما هو باللجوء إلى الله ﷻ والاستمساك بشرعه والثبات على هديه، لننال بذلك شرف دفاعه عنا ومعيته لنا، قال الله سبحانه: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ﴾ [الحج: 38].

فإذا التفتنا إلى غيره وتعلقت قلوبنا بمن سواه؛ تخلى عنا، ووكلنا إلى أنفسنا وإلى ما ارتضيناه نصيرًا لنا، والله ﷻ يقول: ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160]، وقال ﷻ: ﴿لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ﴾ [التوبة: 25].

ص 2465

فحذار حذار من أن يخذلنا ربنا، ولئن كان فذلك هو الخسران المبين، ولنرسخ في قلوبنا ونضع أمام أعيننا قول الحبيب المصطفى ﷺ: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف)٣٬٢٦١[رواه الترمذي: (٢٥١٦)، وقال: «حسن صحيح»]..

ثم ها هي التجارب أمامنا تؤكد لنا ما قرره الشرع، فانظروا إلى الساحات التي رفع بها المجاهدون رايات الجهاد خالصة نقية بعيدة عن الجاهلية العمية بجميع أنواعها وسائر أشكالها، فهذا أمير المؤمنين الملا محمد عمر حفظه الله ورعاه قد ضرب للأمة أروع الأمثلة في التوكل على الله والثقة به واليقين بوعده، وجاءته قوى الكفر كلها ورمته عن قوسٍ واحدة، وعلى رأسها راعية دولة إسرائيل أمريكا، وفتحت عليه أبواب العروض والإغراءات على مصارعها؛ فركلها برجله مزدريًا لها، وأتته الوفود من كل حدب وصوب تعده وتمنيه تارة، وتتوعده وتتهدده تارات؛ فظهر في موقفه قوة الإيمان وعزة المؤمن، حتى إنه ليذكر بموقف خليل الرحمن عليه السلام: ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠ وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنعام: 80-81].. فما مرت إلا بضع سنين حتى بدأ الكفرة المتبجحون يركضون وراءه طالبين مصالحته: إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب.

ص 2466

وتلك العراق ملحمة العصر، والتي ظهرت فيها معجزة الإيمان، وتأكد في أحداثها ضرورة صفاء الراية ونقائها، حيث جاءت حامية الصليب راعية دويلة اليهود ومن معها من الأحلاف والشيطان يدفعهم ويحثهم ويجيرهم، فما إن وطئت أقدامهم تلك الأرض وأزالوا دولة البعث البائسة، حتى وجدوا أنفسهم أمام المفاجأة التي لم تخطر لهم على بال، إذ ظهر لهم جنود الإسلام وحماة العقيدة وعشّاق الشهادة من حيث لا يحتسبون، فكان حالهم نظير من قال الله تعالى فيهم من أهل الغرور من أسلافهم: ﴿وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال: 48]؛ فأصبحت العراق لعنة تلاحق أم الخبائث أمريكا وساستها أبد الدهر، فذهبت هيبتها وتمرغ كبرها وتلاشت قيمة جنودها وتبدد اقتصادها، وها هي اليوم جاثية على الركب تستجدي العالم وتتسول في المحافل لعلها تنال عطية تقيم بها صلبها، وهيهات هيهات وقد دب الهرم في جسدها المتهاوي.

وتلك الصومال لم تكد تطأ أرضها اللاحبة أقدام أوباش الأحباش، حتى قام لها أهل العزيمة والصدق والإيمان متوكلين على الله، متبرئين من أدناس الوطنية والقومية والشرعية الدولية وشعارهم: ﴿إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [الأعراف: 196]؛ فتولاهم الله ﷻ برعايته، وأحاطهم بعنايته، حتى جرجرت أجساد الأحباش النتنة في شوارع مقديشو، كما فعل بأشياعهم من قبل، وهاهم اليوم وبعد عامين يعلنون على الملأ انسحابهم أذلة صاغرين غير ملتفتين إلى نداءات أسيادهم ولا أوامر أربابهم.

فيا إخواننا المجاهدين في فلسطين: ذلك هو الشرع وهذا هو الواقع، فما لكم وبنيات الطريق وقد جربتم كل الرايات، وركضتم في كل الاتجاهات وسلكتم سائر السبل، ومع ذلك فما زال المسلمون يتجرعون الويلات والويلات؛ فلتكن هذه الأحداث المرة درسًا بليغًا يتميز فيه أهل الصفاء عن الغثاء، وينفرد أهل العزيمة عن أرباب الوهن، ولينبذوا عنهم الرايات العِمِّية والدعاوى الجاهلية والتلفيقات الرديَّة والطرق الغويَّة، وليكن قتالهم لله وفي الله وبالله، ولتنادوا كما نادى أسلافكم الأبرار حينما حمي الوطيس يوم حنين: «يا أصحاب السمرة ويا أصحاب سورة البقرة»٣٬٢٦٢[كما في مسند البزار: (1301)، وغيره].؛ وسترون من فتح الله لكم وعنايته بكم ودفاعه عنكم ما لم يخطر لكم على بال؛ قال الله ﷻ: ﴿وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ﴾ [آل عمران: 120].

الوقفة الرابعة: إن الدخول للقضية الفلسطينية من هذا الباب؛ سيضع كل متعامل معها في موطنه الذي يستحقه، وأول من سيتعرى أمره وتنكشف خياناته -المكشوفة أصلًا- ويفتضح زيفه طغاة العرب، الذين شحوا عليها حتى بدموع التماسيح، هؤلاء المرتدون الخونة وعلى رأسهم فرعون مصر هم أصل البلاء وأس الداء وعنوان الشقاء ورأس المصيبة، فالمخادع لنفسه ولدينه ولأمته من يعدّهم أخوة يحملون قضية فلسطين معه، أو يميل إليهم ليكونوا شركاء في حل أزمتها، أو يترقب منهم عونًا لإخراجها من ورطتها، «ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين»، فما بالنا وقد قطعت أيدينا في جحورهم، وتمزقت من طعناتهم وخياناتهم، ولا زلنا نصرُّ ونسارع في مدها إليهم.

كنا نسمع بأن إسرائيل ستُلقى في البحر، وانتظر المسلمون تلاطم أمواجه من هول الوقعة، ففوجئوا بالنكبات والنكسات، وصارت أيامها عنوانًا للذكريات المخزية؛ حتى توقفت بطولاتهم وفتوحاتهم النادرة على ما أسموه «سلام الشجعان!»؛ فصار خزيهم وذلهم وخياناتهم وصفقاتهم وصفاقتهم هي العقل والحكمة والعدل، فإذا بحكيمهم الأرعن يخرج علينا بمبادرة السلام العربية، فصفق لها القريب والبعيد، إذ رأوها أقصى ما توصلت إليه عبقريتهم وشجاعة سلامهم، فهذه هي سلسلة مخازيهم المكشوفة المعروفة التي لم يعودوا يستحيون من ذكرها ولا الدعوة إليها وتجريم من يخالفها أو يعاديها، فأي خيرٍإذن يرجى من وراء هؤلاء الفراعنة الأذلاء؟! وأية نصرة تلك التي تترقب من جهودهم ومساعيهم؟! وأية منفعة يمكن أن تعود على المسلمين في فلسطين من وراء اجتماعاتهم ولقاءاتهم؟!

فهل يمكن لسليل الخيانة طاغية الأردن، الذي رضع العمالة صاغرًا عن صاغر، هل يمكن أن يكون شريكًا في رفع معاناة الشعب المسلم في فلسطين؟! وهو الذي يقف حارسًا أمينًا مخلصًا لحماية أوليائه اليهود، ويسهر جنوده واستخباراته للدفاع عنهم والتنكيل بمن يهم بالنيل منهم؟

ص 2467

أم هل ينتظر من فرعون مصر وهامانه «عمر سليمان» أن ترق قلوبهم وتخلص نياتهم ليصدقوا في إخراج هذا الشعب من سجنه الكبير، الذي جعلوا حدودهم أحد جدرانه المطبقة المغلقة، واستنفروا جنودهم المستأسدة على الضعفاء لتفجير الأنفاق التي بقيت آخر متنفس لأولئك المنكوبين؟! وهل سيكون إنقاذ المسلمين على يد معتوه جزيرة العرب الذي قلب حوار أديانه إلى خطوة مكشوفة لتحقيق مبادرته العربية للسلام؟!

ومن هنا فعلينا أن نعلم أن أعداءنا لا يرضون بوقوفنا في وسط الطريق؛ مهما ادعينا تقاربًا معهم وتفاهمًا لسياساتهم واحترامًا لآرائهم ومنظماتهم، ومع ذلك فلن يقبلوا إلا بشيء واحد وهو أن نكون على ملتهم وداخل صفهم كما أخبرنا الله ﷻ بذلك فقال: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120]، وقال ﷻ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾ [البقرة: 217].

إننا نعلم أن إخواننا المسلمين في فلسطين لا ينقصهم الصبر فهم مدرسته وجامعته، ولا يعوزهم التضحيات فبطولاتهم النادرة شاهدة لهم ومغامرات رجالهم عجب لها القريب والبعيد، ولكنهم في حاجة حقيقية إلى القيادة الجادة الصادقة الراشدة المتجردة التي ترفع راية الحق والجهاد بصفاء ونقاء، يلتقي فيها الشعار والمضمون والقول والعمل والحماسة والحكمة، بعيدًا عن متاهات السياسة المظلمة المضلِّلة واتفاقيات الخيانة المخزية.

فيا إخواننا المجاهدين الأبطال في أرض الرباط: إن الأمة الإسلامية اليوم كلها تنظر إليكم وتترقب تضحياتكم وتنتظر عملياتكم التي تدك معاقل اليهود وتشرد أبناءهم ونساءهم؛ فشمروا عن ساعد الجد، ووطدوا أنفسهم لخوض معركة المصير بصبر على لأوائها وثبات على طريق الحق فيها، وحافظوا على ثمرة بذلكم وتضحياتكم.

ص 2468

 قال ﷻ: ﴿ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128]، ولا يهولنكم تبجح عدوكم ولا بطره وانتفاشته، فعما قليل ليصبحن نادمين، وستكون هذه المعركة الحاسمة التي فتحوها بأيديهم لعنة عليهم وحسرة في قلوبهم وخزيًا لجنودهم ودولتهم، فما عليكم إلا أن تخلصوا النية لله وتتوكلوا عليه حق التوكل، قال ﷻ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق: 3].

الوقفة الخامسة -وهي لكم أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها-: إن الحقيقة التي لا بد أن تعوها وتتيقنوا منها أن شلالات دمائكم وتطاير أشلائكم وتوالي محنكم واستباحة دياركم في الأرض كلها، وليس في فلسطين فحسب، لن تنقطع وتتوقف ما دامت زمام الأمور بأيدي الغرب الكافر وأمريكا المتجبرة، ولن يخرجكم من أتون المحنة وتتابع المصائب إلا التوكل على اللهأولًا، ثم الجهاد في سبيل الله بجد وعزم وتضحية وبذل وقوة وشراسة ومغامرات ومخاطرات تليق بمن يحمل عقيدة تقول له: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]، ويردد معها قول ربه ومولاه: ﴿قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: 52]، ويعلم وهو يخوض غمار هذه الحرب أنه في صفقة بيع رابحة لا بخس فيها ولا وكس، قال ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].

وإن الأمر أيسر عليكم، وأنفع لكم ولأمتكم ولإخوانكم المنكوبين في غزة الأسيرة من المظاهرات العارمة، التي اكتظت بها شوارع المدن وتعالت في وسطها الصرخات والنداءات.

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

ص 2469

فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعَدُوِّ تَخَشُّعًا

وَلَا جَزَعًا إِنِّي إِلَى اللهِ مَرْجِعِي

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقتل مسلـمًا

على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شلوٍ ممزَّعِ٣٬٢٦٣[سيرة ابن هشام (2/176)، صحيح البخاري (2880)].

 ويا أيها المجاهدون في كل مكان: انتفضوا انتفاضة الليث الْمُغْضَب، وهبُّوا هبة أهل الغيرة والحمية على الدين والعرض، وابذلوا ما تستطيعون لتذيقوا عواصم الغرب الكافر وأمريكا المجرمة والطغاة العملاء ما يذوقه إخواننا وأهلنا المستضعفون في فلسطين جزاءً وفاقًا؛ فما من طفل يقتل على أرض فلسطين، أو امرأة ترمل، أو دم يسال، أو أجساد تمزَّق، أو بيوت تهدَّم، أو مصيبة تحلُّ، إلا ومصدرها من أسلم فلسطين إلى اليهود ووطَّنهم في ربوعها وأقام دولتهم عليها، ألا وهي بريطانيا بوعدها المشؤوم؛ فما كان لها ولإخوانها الأوربيين أن يأمنوا ويخافَ أهلنا، وينعموا ويبأسَ إخواننا، وتعمَّرَ بلدانهم وتدمَّرَ ديارنا، وتستقرَّ شعوبهم وتتشرّدَ شعوبنا.

ولسنا ممن تخدعهم سياسات المجاملات أو تصريحات المراوغات، فالذئب هو الذئب وإن لبس ثوب النعاج، فأذيقوهم مرارة الحرب ومآسي التشريد ونكد الرعب، قال ﷻ: ﴿ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 194]؛ فقد آن الأوان لهذه الدولة المجرمة -أعني بريطانيا- أن تدفع ضريبة جريمتها التاريخية التي لم ولن ننساها، فانتظروا إنا منتظرون.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

❖ ❖ ❖

ص 2470

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا