الخلاصة في هذه المسألة الشائكة
يمكن تلخيصها في عدة نقاط:
- الأولى: أنه يصعب تحديد صور التترس المعاصرة، وحصرها في حالات معينة؛ محدودة كالتي ذكرها الفقهاء قديمًا، لا سيما مع وجود العدو وسُكناهم بين المسلمين، وإقامتهم لمعسكراتهم ومراكزهم وقواعدهم في أحيائهم، وتنقلهم في طرقاتهم، وتعاملهم معهم، واختلاطهم بهم اختلاطًا شبه متكامل، وغدت المدن والقرى والأسواق المأهولة بالسكان؛ هي أهم ساحات معاركهم ضد المجاهدين -قصفًا واشتباكات وكمائن-، وأصبحت مطارداتهم للمجاهدين واعتقالهم لأهليهم ومناصريهم لا يكاد ينفك عنها مكان ولا ينقطع زمان، مع أن أغلب الأسلحة المستخدمة من قبل المجاهدين ضد أعدائهم هي مما يعم به القتل غالبًا، لقلة وضعف أو انعدم تأثير ما سواها في العادة.
وأما صورة التحام الصفوف والقتال وجهًا لوجه والاصطفاف لذلك؛ فهذا وإن كان يقع شبيهه بين الحين والحين في الغارات الخاطفة أو الكمائن التي ينصبها المجاهدون عند توفر الفرص، إلا أنها لم تعد بتلك القوة التأثيرية على الأعداء المحتلين وأعوانهم، وذلك لتحصنهم المحكم في أعماق قواعدهم ومراكزهم.
وهذه الصفات والأحوال تعطي تصورًا جديدًا لتنوّع حالات التترس الحديثة، ربما لم يفترضها الفقهاء بهيئاتها الطارئة، بناء على ما عاينوه من أنواع الأسلحة المستخدمة في عصورهم، وأقصاها المنجنيق وتعميم الحرق بالنيران والإغراق الشامل، كما أن الأسلحة التي كان يستخدمها أعداؤهم تكافئ نوعًا ما الأسلحة التي بأيدهم.
وأما في المعارك الضارية التي تشهدها ساحات الجهاد اليوم -لا سيما في العراق وأفغانستان- فهي في وضع مختلف اختلافًا كبيرًا في كثير من صورها وظروفها، هذا مع أن المجاهدين قد فُرض عليهم نوعية المعركة وساحاتها، وربما اختيار الوقت المناسب لبعض عملياتها، والله المستعان.
قال الدكتور محمد خير هيكل: «ومن الصور الحديثة التي تأخذ حكم التترس: أن يعمد الخصم إلى مقر قيادته أو إلى المنشآت العسكرية الاستراتيجية عنده فيحشوها بالرهائن -مثلًا- وذلك بقصد حماية هذه الأماكن، حتى لا تتعرض للضرب من قبل الطرف الآخر، وهكذا تكون الأسلحة الحديثة قد وسعت من مفهوم التترس، بل جعلت هذا المفهوم في صوره المعاصرة أقوى منه في صوره القديمة.
ففي القديم كان الخصم المقاتل يحتمي بشخص ممن ينتمي إلى الطرف الآخر، يمسك به أمامه ليتفادى به ضربات خصمه، وكذلك بالنسبة للجيش المقاتل حين يقدم أمامه صفا من الأسرى الأعداء -مثلًا- ليتلقى بهم ضربات السيوف أو طعنات الرماح وما إليها... ففي هذه الحال يمكن للطرف الآخر الذي يهمه ألا يتعرض الترس الحي أو الدرع البشري عند خصمه للأذى؛ قد يمكنه أن يقاتل، ويتفادى ما أمكنه أن يصيب ذلك الترس أو ذلك الدرع البشري...
أما اليوم مع الأسلحة الحديثة المتطورة... التي منها ما يحيل هدفه إلى كومة من رماد بما فيه ومن فيه، فإن التترس في صوره المعاصرة التي أشرنا إليها، من شأنه أن يُكره الخصمَ؛ إما على الكف عن فكرة القتال حرصا على حياة الدرع البشري، وإما أن يقبل بفكرة التضحية المحققة بحياة هذا الدرع، وإعلان القتال بالأسلحة التدميرية الشاملة... أو أن ينجر إلى حرب طويلة الأمد ضد الخصم، بأسلحة تقليدية قد لا يكون من مصلحته أن يخوض مثل هذا النوع من الحروب التي تَحرِمه من الاستفادة من أسلحته التدميرية الشاملة... وذلك بسبب حرصه على حياة رهائنه عند خصمه، والذين سيكونون من أولى ضحايا تلك الأسلحة التدميرية فيما لو أراد استعمالها... الأمر الذي يصعب عند هذا الظرف أن يَطرح هذه الفكرة على بساط البحث...
ومن هنا؛ يكون التترس في صوره المعاصرة أقوى في تحقيق أغراضه من التترس في صوره القديمة»٢٤٣الجهاد والقتال في السياسة الشرعية: (2/1328)..
بل قد طرأت بعض الصور العصرية، التي لا تقل أهمية وخطورة وتأثيرًا في سير المعارك وترجيح كفتها عن مسألة التترس، وقد تأملت فيها كثيرًا؛ فلم أرَ فارقًا مؤثرًا يمكن أن يغير الحكم.
وتلك الصورة هي: القصف العشوائي الانتقامي على مساكن العوام الآهلة بالسكان وأسواقهم العامة المكتظة، وذلك إثر كل عملية يقوم بها المجاهدون على مركز من مراكز العدو، وهو أمرٌ نعيشه ويعيشه سائر إخواننا المجاهدين في الساحات، والشيء المقطوع به هنا؛ أن ترك قتال العدو وشن الغارات عليه تركًا كاملًا لأجل ذلك، يؤدي إلى زيادة تمكنه وتوغله وسهولة مطاردته وملاحقته للمجاهدين، فما يقال في مسألة التترس؛ يقال في هذه المسألة -سواء بسواء-.
- الثانية: أن الأضرار التي ذكرها الفقهاء عند تجويزهم لرمي الكفار مع مَن تترسوا بهم من المسلمين، هي اليوم أوضح ما تكون في ساحات الجهاد الكبرى وعلى جميع المستويات، حتى شملت الضروريات الخمس من جميع جوانبها، بل ما جاءوا بجيوشهم الجرارة إلا من أجل سلخ المسلمين من دينهم سلخًا كاملًا وطمس معالم الشريعة الإسلامية طمسًا تامًا.
وهذه الأضرار بعمومها وشمولها؛ تعد في قائمة الأهداف الكبرى التي دخل لأجلها الكفار ديار المسلمين واستولوا على أوطانهم، ولهذا فإن الأمر قد انتقل من حالة «خوف الضرر» إلى بذل الجهد والاستماتة في التضحية لأجل رفعه وتقليله، وتحول الأمر من دفعه إلى رفعه، ومن اتقائه إلى انتشاله.
وهذا كله ليس مجرد افتراضات ذهنية وتحليلات عقلية، بل هي أمور بينة جلية، لا تخفى إلا على الأعمى، ولا ينكرها إلا جاهل مغمور في جهله أو مكابر مجادل في القطعيات ومُنكِر للضروريات.
وعليه فإن المسلمين مطالبون بتقديم أقصى ما في وسعهم وطاقتهم من الجهد لإزالة تلك الأضرار التي تستفحل وتتفاقم وتتضاعف يومًا بعد يوم، وبه يتبين أن أصل الموجِب الذي جوَّز بسببه الفقهاء ضرب الترس؛ يعتبر قائمًا ملموسًا، فيبقى مع ذلك انضمام الضوابط والقيود التي نصّوا عليها، حتى تكتمل الصورة ويكون الموجِب مؤثرًا تأثيرًا مباشرًا في إيجاد الحكم -وهو ما يأتي في النقطة اللاحقة-.
- الثالثة: ينبغي على المجاهدين النظر في كل عملية عسكرية سيقومون بها والتي يمكن أن تطال بعض المسلمين نظرًا مستقلًا بها ومتوجهًا إليها وأن يدرسوها دراسة خاصة بها تُحيطها من جميع جوانبها، إحاطة كاملة شاملة، بحيث تشمل عدة أمور:
- منها: أهمية ووزن الهدف المقصود -عسكريًا أو سياسيًا أو معنويًا أو اقتصاديًا-.
- ومنها: اختيار المكان والزمان المناسبين لتلك العملية بقدر الإمكان، والاجتهاد التام في ذلك بحيث يُتحرى فيه البعد عن أماكن إقامة ومرور وحركة العامة من الناس، ويُتجنب أوقات تنقلاتهم وازدحامهم.
- ومنها: الاقتصار على كمية السلاح أو العبوات التي تؤدي الغرض، وتنعدم معها أو تتقلل الإصابات في صفوف المسلمين، وهو أمر في غاية الدقة والأهمية.
- ومنها: الموازنة الدقيقة الواقعية بين الضرر الخاص المتعلق بذلك الهدف، والذي سيُكف بضربه، وبين الضرر الذي سيقع على المسلمين الذين قد تشملهم العملية تبعًا، سواء من جهة عدد القتلى في صفوفهم، أو من جهة بقاء تأييدهم وتفهمهم لظرف العملية وأهمية المستهدف فيها، ونحو ذلك.
- ومنها: أن يكون الوصول لذلك الهدف بغير هذه الطريقة مُتعذرًا أو متعسرًا، بحيث يستحيل أو يصعب معه التوصل إليه إلا عبر الوسيلة التي قد تؤدي إلى مقتل بعض المسلمين.
- ومنها: منع القصد القلبي لقتل المسلمين، بحيث تتوجه النية والمطلب فقط إلى قتل من يُراد من الكفار، ويعزم بقلبه على عدم قصد قتل أحد من المسلمين في تلك العملية بعينها؛ لأنه إن تعذر ذلك بالفعل والعمل، فهو ممكن بالقلب والنية، وجِماع هذه الأمور كلها في قول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16].
وبهذا يظهر أنه لا بد من التحري والحيطة في كل عملية على حدة، واعتبار هذه الأمور وغيرها مما يمنع إصابة المسلمين أو يُضيق دائرة إصابتهم، وهو أمر مقصود ومطلوب شرعًا.
كما نقلنا عن الغزالي رحمه الله قوله: «لأنا نعلم قطعا؛ أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل»٢٤٤المستصفى: (1/176)..
ولا يكفي أو يغني إدراج تلك العملية ضمن «دفع الضرر» العام، الواقع من جرّاء الاحتلال، ومن ثَم إقحامها في حكم التترس بمجرد ذلك، ومن غير ضرورة أو حاجة خاصة جزئية متعلقة بها -وهذا أمرٌ يقدره ويحدده القادة الميدانيون الذين يعايشون حقيقة الساحات ويحتكون بالعدو في صور وحالات وأماكن متنوعة-.
فما من موطن أمكن فيه صيانة دم المسلم وتأتى فيه حفظه بطريقة أو بأخرى مع قيام الجهاد واستمراره على الوجه المطلوب المؤدي للغرض؛ إلا كان سفكه مُحرمًا.
ومن هنا فإنني أعيد وأذكِّر بما ذكرته آنفًا؛ من أن مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء إنما هي حالة استثنائية عارضة خارجة عن الأصل، ولذا فإن لها ظروفها وأحوالها وأحكامها الخاصة بها، وما ندَّ عن الأصل؛ يُقتصر فيه على حدوده وضوابطه من غير توسّع ولا استرسال، حتى لا ينقلب أصلًا، ومتى انقضت صورة الشذوذ، وأمكن الرجوع إلى الأصل والاستمساك به وجب ذلك، وهي داخلة في عموم القاعدة الفقهية المعروفة؛ «أن الضرورة تقدر بقدرها».
فمتى التُزم بهذه الضوابط وما شاكلها من كل ما يحفظ دماء المسلمين ويقلل من إصاباتهم واستُفرغ الوسع فيها؛ فنرجو ألا يكون هناك بأس بالقيام بعمليات عسكرية، ولو قُتل فيها بعض المسلمين -تبعًا لا قصدًا-.
كما نرجو أن يكون هؤلاء المسلمون المقتولون؛ شهداء عند الله؛ لأنهم إنما قُتلوا لأجل الجهاد ودفع الضرر العام عن الأمة.
كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد اتفق العلماء؛ على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يُخف على المسلمين؛ ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين؛ قولان مشهوران للعلماء، وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يُقتل شهيدًا، فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قُتل من المسلمين يكون شهيدًا، ومن قُتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام؛ كان شهيدًا»٢٤٥[مجموع الفتاوى: (28/546-547)]..
وهو كلام تكرر له مرارًا فليراجع في موطنه.
وكنت قد أرسلت سؤالًا إلى العلامة عبد الله بن قعود رحمه الله قبل تسع سنوات، حول بعض الصور المعاصرة، وعما إذا كانت داخلة في صور التترس التي يذكرها الفقهاء أم لا؛ فأرى أن أنقل السؤال وجوابه لتكميل الفائدة:
«إذا أنشأ العدو معسكراته بين مساكن الناس، واضطر المجاهدون إلى تفجيرها بحيث يؤدي قطعًا أو بغلبة الظن إلى إصابة وقتل بعض المقيمين حول تلك المعسكرات، فهل هي من صور التترس التي ذكرها الفقهاء، علـمًا أن تلك المعسكرات تكون غالبًا بين الأحياء السكنية لتفادي ضربات المجاهدين؟».
فأجاب بقوله:
«الذي أراه -والله تعالى أعلم- أنها صورة من صور التترس، حتى لو لم يجبرهم على البقاء، وقد تكون المصلحة في ترك هذا حتى لا يؤدي إلى الضرر بالمسلمين، أو هناك طريقة حتى يخرج الأعداء من مكانهم، لكن يجوز أن يقصد بالقتل العدو فقط ويحتاط في عدم إصابة مسلم، والله أعلم».
وقد نشرت هذه الفتوى من قبل في مجلة «الفجر» وعلى موقع «الجماعة الإسلامية المقاتلة»، وحينها كان الشيخ رحمه الله قد طلب عدم نشر اسمه، حفاظًا على نفسه من جلادي آل سعود.
هذا ونسأل الله العظيم أن يعصم المجاهدين من الضلال، ويقيهم مزلات الفتن، وأن يجعلهم سببًا في صون دماء المسلمين وحفظ دينهم وأعراضهم وأموالهم، وأن يفتح لهم أبواب النكاية في أعدائهم، وألا يحوجهم إلى مضايق الأمور وحرج المشتبهات، وأن يملأ قلوبهم تقوى وورعًا وخشيةً له في السر والعلانية، وأن يصحح قصدهم، ويخلص نياتهم، ويصوِّب أعمالهم، إنه سميع قريب مجيب.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: التترس في الجهاد المعاصر
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.