رسالة إلى الأخ ماجد الماجد -أمير كتائب عبد الله عزام في لبنان- تعليقًا على انطلاق الثورة السورية
[ربيع الثاني 1433 هـ / 3 - 2012م]
۞
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
إلى الأخ المكرم والحبيب المحترم -حفظه الله وسدد على الخير والطاعة خطاه-: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله الكريم أن تبلغكم رسالتي وأنتم وسائر من معكم وبقربكم في أفضل الأحوال دينًا ودنيا، وأن يزيدكم من فضله العظيم، ويجعلكم حيثما كنتم مفاتيح للخير مغاليق للشر صالحين مصلحين، وأن يقر أعيننا وأعينكم بفتح مبين من عنده ونصرٍ مؤزر.
وصلتني رسالتكم الكريمة -وصلكم الله بحبل طاعته-، وجزاكم الله خيرًا على ما ضمَّنتموها من إيضاحات ومعلومات وآراء وإرشادات ونصائح، وقد استفدتُ منها كثيرًا فلكم جزيل الشكر، وقد قرأتُ رسالتكم مرتين، وأحتاج أن أقرأها مرة أو مرات أخرى.
وكنتُ من قبل أطَّلع أحيانًا على ما تُراسِل به الشيخ عطية -رحمه الله تعالى-، ولكني كنتُ في عافية من حمل مثل هذه الأثقال حيث كانت على كواهل الرجال الذين مضوا، حتى ابتلينا بما ابلتينا به في ظروف دقيقة، وأحوال متقلبة، ومصائب عاصفة، مع بوادر الخيرات التي لا تنقطع عن هذه الأمة، والله مولانا نعم المولى ونعم النصير.
وهذه الرسالة كتبتها فقط حتى أُعلِمكم باستلام رسالتكم، وهي تحتاج إلى شيء من المشورة مع إخواني، وأرجو ألا يأخذ ذلك وقتًا فإن الأحداث متسارعة، وظروفنا لا تخفى عليكم، فنحتاج إلى الموازنة بين تسيير الأعمال ودوام الاتصال مع الحيطة واليقظة والحذر الشديد من عدو متربص حاله كما قال الله عن وليِّهم: ﴿يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ﴾ [الأعراف: 27] أخزاهم الله.
ولكن كردٍّ مبدئي أُعلِمكم أن أغلب النقاط التي ذكرتموها في خلاصة الرسالة لا نكاد نختلف فيها، وهي مما يقتضيه العقل وتوجبه الحكمة، وقد كتبتُ في ذلك للإخوة في الدولة منذ مدة ليست بالقصيرة فيها بعض الخطوط العريضة مما يكاد يكون متطابقًا مع كثير مما ذكرتموه وإن لم يكن بهذا التفصيل، وقد بحثتُ عن نسخة من الرسالة التي حَوَت تلك النقاط لأرفقها لكم ولكني لم أعثر عليها للأسف، ولكن ملخصها باختصار شديد:
1 - ألا يكون هناك أي ظهور علني باسم جماعة جهادية، ولا سيما المشهورة المعروفة كالدولة.
2 - عدم استخدام الأساليب العسكرية التي اشتهرت واختصت بها الجماعات الجهادية مثل: العمليات الاستشهادية والسيارات المفخخة ونحوها.
3 - التأكيد على أن يكون الشعار المرفوع موافقًا وملائمًا للمرحلة مما هو متفق عليه وليس عليه أية مؤاخذة شرعية «الدفاع عن المسلمين في الشام وإسقاط النظام»، وهو مطلب الجميع.
4 - الاقتراب من الناس أكثر ومعايشة مشاكلهم ومشاركتهم في ذلك والوقوف بجانبهم في مآسيهم.
5 - عدم الدخول في مشادات مع الجيش الحر ولا غيره، ومحاولة دعوة مَن أمكن منهم بالتي هي أحسن.
تقريًبا هذا مجمل النقاط التي ذكرتها للإخوة من قبل، ولو أمكن أن ترتبطوا بهم وتكونوا على اتصال وتشاور معهم فهم يحبذون ذلك؛ حتى تكون وجهات النظر متقاربة، والخطوط العامة التي نسير عليها في تفكيرنا وأعمالنا متوافقة.
ولكن كما ترى أخي الحبيب، فإن الأحداث تسير بسرعة رهيبة، والأمور تزداد في ظاهرها تعقيدًا يومًا بعد يوم، والناس يدفعون ضريبة باهظة جدًا من دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وقد صُبَّت عليهم مصائب تذيب القلوب كمدًا وغمًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وحسب وجهة نظري القاصرة، فإن الدول الغربية والجامعة العربية ومن لفَّ لفَّهما لهما في ذلك مقصدان:
الأول: محاولة إيجاد البديل الذي يضمن لهم أمن حدود إسرائيل، فهذا هو المعيار الكامل عند الغربيين وهو الذي يزِنون به جميع قراراتهم، وحالهم الآن في تخبط؛ لأن تفلت الأمور في سوريا يقود إلى الخطر بالنسبة لهذه القضية، كما أن إيجاد بديل غير واضح ولا مضمون ولا راسخ قوي قد يوقع في نفس المحظور.
الثاني: أن تسليط هذا النصيري على العامة بالقتل والتنكيل والجرائم البشعة هو أمرٌ مقصودٌ لذاته بالنسبة لهم، حتى ولو تظاهروا بذرف دموع التماسيح، ومرماهم من وراء ذلك تلقين الشعوب الثائرة درسًا ينحفر في ذاكرتها لا تنساه أبدًا ويكون النكال بها عبرةً لمن يفكر في هذا، لا سيما دول الخليج وبالأخص مملكة آل سعود، وإلا فقطعًا هذه المماطلة والتمييع والتراخي ليست ناتجة عن عجزٍ تام منهم لإسقاط الخبيث.
وبما أن الأنظمة التي سبقت قد سقطت في زمن قياسي بالنسبة لعمرها في الحكم، باستثناء اليمن حيث تمكنوا بحيلهم ومكرهم أن يذهبوا بطاغية ويأتوا بطاغية يؤدي أهم الأدوار التي كان يقوم بها سَلَفه «حرب القاعدة»، فإن القلوب عند الشعوب وعند كثير من الخاصة أيضًا وربما حتى من الدعاة وربما حتى من المحسوبين على التيار الجهادي قد تعلقت «بالناتو» و«مجلس الأمن» و«المجتمع الدولي» وعصاهم السحرية لإسقاط الأنظمة، فأصبحت هممهم لا تتجاوز ذلك، ولم يعد عندهم الصبر على النَفَس الطويل الذي منَّ الله به على المجاهدين وأكرمهم به في ساحات الجهاد، حيث خاضوا ويخوضون معركةً متشعِّبةً طويلةً شرسةً لا تكاد ترى لها نهاية، ومع ذلك فهم في أمل عظيم من قرب نصر الله لهم وتبديل أحوالهم، فهذا الشعور الذي ابتلي به من ابتلي من المسلمين جعلهم يتخذون ذكر المجاهدين، أو دخولهم الميدان بأية صورةٍ كانت عَقَبةً قد تَحُول بينهم وبين نُصْرة «المجتمع الدولي» الذي يريد إسقاط النظام وإقامة العدل والحرية!
فلا يكاد يُذكر اسم المجاهدين وبأية طريقةٍ كانت حتى تضيق صدورهم وتتوالى تحذيراتهم ويكثر شغبهم، ومن لم يصرح فتعرفه في لحن قوله، هذا مع أن الشعب يُنحر، ومطحنة النظام لا تتوقف، وجرائمه البشعة يرتكبها علانية وبأبشع الصور! ولو قالوا: أنا الغريق فما خوفي من البلل، بالنسبة لحالهم عند تدخُّل المجاهدين لما كان بعيدًا! وهو من هذه الناحية مما أعاد الثقة والاعتبار والاعتماد على الغرب المتهاوي ومؤسساته ومنظماته الإجرامية، وصقَل وجهها الكالح البشع من جديد وقرَّبها من قلوب الناس وأنساهم جرائمهم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها في ميادين أخرى ليست عنهم ببعيد لا زمنًا ولا مكانًا، وليس هذا المقصد بالهيِّن بالنسبة لأمريكا ومن معها وبعد أن بلغ بغض الناس وكراهيتهم لها مبْلغه بعد أفغانستان والعراق، ونسأل الله أن يرد كيدهم في نحورهم.
على كل حال أخي الحبيب، هذه الرسالة بمجرد إعلام بوصول رسالتكم إلينا، ونحن نفرح جدًا بالتواصل معكم والاستمرار في ذلك، ولكن أرجو أن تعذرونا إن تأخرنا في الرد؛ فالأمور والأوضاع لا تخفى عليكم، وبعدنا عن مراكز «الحضارة» يفرض علينا ذلك، ومع هذا الليل الكالح والمصائب الْمُطبِقة والشدائد المرهقة إلا أن الفرج قريب، والبشائر كثيرةٌ، والأمل في الله عظيم، وإنما نحن نحرثُ، أما النتائج ومتى تكون فهذه بيد عالم الغيب والشهادة.
ولا تنسونا من دعائكم ونصائحكم وتذكيركم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم ومحبكم وخادمكم/ عبد الحليم٣٬٧٦٩[كنية الشيخ أبي يحيى الليبي رحمه الله في هذه المراسلة، والمراسلة التي بعدها، ومراسلاتٍ أخرى].
«17/ربيع الثاني/ 1433هـ»
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: رسالة إلى الأخ ماجد الماجد -أمير كتائب عبد الله عزام في لبنان- تعليقًا على انطلاق الثورة السورية
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا