الدرس الثالث: من يقيم الجهاد - العمل إذا قتل الأمير - معنى الرباط - حكم الهجرة
۞
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنكمل ما كنا قد بدأناه من قبل في مُدارسة «كتاب الجهاد من متن الإقناع»، وأذكر نفسي أولًا وأذكر إخواني باستحضار النية في هذه المجالس، وأن يعلموا أنها من مجالس الذكر والطاعة والتقرب إلى الله ﷻ، لعل الله ﷻ أن يدَّخِرها لنا ننتفع بها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ونراجع قليلًا ما كنا قد ذكرناه بالأمس.
س: تكلمنا على الدعوة قبل القتال، وذكرنا حكمها بحسب ما بينه المصنف رحمه الله، فما هو حكم دعوة الكفار قبل الشروع في قتالهم؟
أحد الحضور: إذا بلغهم الإسلام وبلغتهم الدعوة من قبل فيسن أن يُدعوا من قبل، وأما إذا لم تبلغهم الدعوة فيجب أن ندعوهم.
الشيخ: إذا كانت الدعوة قد بلغتهم فتستحب دعوتهم، وأما إذا لم تبلغهم الدعوة فيجب، ويحرم القتال دون ذلك.
س: الكفار على صنفين وكل صنف يُدعى إلى أمرٍ ما، ما هي أصناف الكفار في الدعوة قبل القتال؟
أحد الحضور: أصنافهم إما أن يكونوا أهل كتاب ومجوس.
الشيخ: فإلى أي شيء يُدعون؟
أحد الحضور: يدعون إلى الإسلام، فإن أبوا فإلى الجزية، فإن أبوا يقاتَلون، أما غير أهل الكتاب والمجوس فإنهم يدعون إلى الإسلام فإن أبوا يقاتَلون.
س: والجزية تقبل ممن؟
أحد الحضور: تقبل منهم كلهم إلا المرتدين.
الشيخ: لا، ممن حسب ما ذكرنا في الكتاب أولًا؟
أحد الحضور: تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس.
الشيخ: تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس، أما أهل الكتاب فدليلهم في كتاب الله ﷻ، وأما المجوس فما هو الدليل على جواز أخذ الجزية منهم؟
أحد الحضور: أن الرسول ﷺ أخذ من نصارى هجر، كذلك الحديث: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)٢٬٤٩٦[موطأ مالك رواية أبي مصعب: (٧٤٢)، وضعفه الألباني في الإرواء: (1248)]..
الشيخ: ثم قلنا إن العلماء اتفقوا على أن الجزية تقبل من المجوس، وأما من سوى هؤلاء سوى أهل الكتاب والمجوس فقد اختلف فيهم العلماء وقلنا لعل الراجح أن الجزية تؤخذ من كل كافر إلا المرتد.
س: تكلمنا أيضًا على حكم الغزو مع الأمير، البر والفاجر، وذكرنا في ذلك بعض الصور أو الحالات، من يذكرها لنا؟
أحد الحضور: لا يوجد خلاف في الغزو مع الإمام سواء البر والفاجر، لكن الفجور ينقسم إلى قسمين: فقد يكون فجور متعدي؛ بمعنى أصح قد يؤثر في مقاصد الجهاد، وقد يكون فجورًا لا يؤثر في مقاصد الجهاد، فإن أثر في مقاصد الجهاد فلا يُغزى معه، وإن لم يؤثر فيُغزى معه، ذكرت حالة اضطرارية في حال عدم وجود إلا هذا الأمير، قد يغزى معه.
س: ذكر المصنف بعض الحالات التي لا يُغزى فيها مع الأمير، ذكر أنه يُغزى مع الأمير البر والفاجر بشرط ألا... وذكر عدة حالات؟
أحد الحضور: إذا كان نقض العهد.
الشيخ: فقط نقض العهد؟ هذه يغزى معه إذا نقض مرة واحدة.
أحد الحضور: إذا كان من صفاته الغدر، وإذا كان صاحب مهلكة للمسلمين ومضيعًا لأنفسهم.
شخص آخر: إذا كان مثبطًا. شخص آخر: إذا كان مرجفًا.
الشيخ: هذه لو جمعناها أصبحت واحدة، ومعناها لن نغزو مع أحد لو جمعنا هذه!
أحد الحضور: إذا كان كثير الهزائم.
الشيخ: قلنا ألا يكون معروفًا بتضييع المسلمين، وألا يكون معروفًا بالهزيمة، وألا يكون مُخذِّلًا، وألا يكون مرجفًا.
أخ: وغادرًا يا شيخ.
الشيخ: والخيانة، إذا عرف بالخيانة والغدر، ليست مرة، يعني إذا غلب.
۞
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[من يقيم الجهاد؟ وما هي أعمال الأمير]
قال المؤلف: «وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعيةَ طاعتُه فيما يراه من ذلك».
الشيخ: ذكر هنا أن أمر الجهاد موكول إلى الإمام؛ يعني الإمام هو الذي يَرجع إليه أمر ابتداء القتال وأمر وقف القتال.
وقد ذكرنا من قبل أن الكفاية تقع بغزو الكفار مرة واحدة في العام في ديارهم، وقلنا: يجوز له أن يؤخر هذا الغزو لحاجة عارضة، كضعف في المسلمين، أو انتظار مدد، أو رجاء إسلامهم مثلًا٢٬٤٩٧[في كلام المصنف والشيخ الشارح في الدرس الأول ذكر أنَّ رجاء إسلامهم ليست علة مبيحة لتأخير القتال، وإنما اعتُبرَ رجاء إسلامهم في تقديم العدو البعيد على القريب فقط؛ جرى التنبيه عليه لأنه فيما يبدو سبق لسان، فليُراجع].، وكذلك يجوز له أو يجب عليه إذا دعت حاجة لِأن يغزوهم أكثر من مرة في العام وجب عليه، فالإمام هو الذي يرجع إليه هذا الأمر؛ إن رأى أن يُعَجِّل في غزوهم أو أن يكثر من غزوهم في العام، وإن رأى أن يقلل من ذلك بحسب ما يظهر له من المصلحة؛ لأنَّ الجهاد لا يؤدَّى على وجهه الشرعي إلا باجتماعٍ، وإلا بجيش يقاد ويسمع ويطيع لأميره، فإذا وُكِلَ أمر الجهاد إلى العامة من غير أن يُرَد إلى الإمام؛ فعند ذلك سيحصل منهم الاختلاف والتنازع والتفرق فيضيع مقصود الجهاد، فإذن أمر الجهاد -عند وجود الإمام القائم على أمر المسلمين-: يرجع إليه.
وقوله: «واجتهاده» أي أن مواطن الاجتهاد يُطاع فيها الأمراء، قال: «ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك»؛ يعني فيما أوصله إليه اجتهاده، إذا رأى الإمام أمرًا يتعلق بالجهاد كتأخير الجهاد أو توقيف الجهاد، أو أن يكون الغزو في هذه الناحية، أو أن يغزو هؤلاء القوم، أو أن يخرج هذه الطائفة، أو أن يؤخر هذه الطائفة؛ يعني أنَّ كل ما يتعلق بشؤون الجهاد وتدبير الجيش إنما يُرجع فيه إلى الإمام وعلى من هم تحته أن يطيعوه.
وكذلك مَن ولَّاه الإمام من الأمراء؛ فإذا ولى الإمام أميرًا على طائفةٍ مَّا في غزوة من الغزوات؛ فيجب عليهم أن يطيعوا هذا الذي ولاه الإمام أمرهم؛ لأن طاعته من طاعة الإمام، وطاعة الإمام من طاعة رسول الله ﷺ، وطاعة رسول الله من طاعة الله ﷻ، كما جاء هذا في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: (من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصِ الأمير فقد عصاني، ومن أطاعني فقد أطاع الله)٢٬٤٩٨[متفق عليه، البخاري: (٢٩٥٧)، ومسلم: (١٨٣٥)].، فإذا أمَّر الإمام شخصًا ما على طائفة أو سرية أو جيش؛ فيأمرهم أن يسمعوا وأن يطيعوا له كما هي سنة النبي ﷺ، كما رأينا من قبل في قصة عبد الله بن حذافة السهمي عندما غضب على من معه قال: «ألم يأمركم رسول الله ﷺ بأن تسمعوا وتطيعوا؟»٢٬٤٩٩[رواه مسلم: (١٨٤٠)]..
فإذن؛ أمرهم النبي ﷺ أن يسمعوا وأن يطيعوا لهذا الأمير، فمما يُطاع فيه الأمير: طاعة أمرائه، وطاعة من أمَّرهم على السرايا والجيوش.
قال: «وينبغي أن يبتدئ بترتيب قوم في أطراف البلاد يكفون من بإزائهم من المشركين ويأمر بعمل حصونهم وحفر خنادقهم وجميع مصالحهم».
الشيخ: الأدلة على ما كنا نذكره من طاعة الإمام كثيرة؛ منها قول الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59]، وقول الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ﴾ [النور: 62]، وغير ذلك من الآيات، والأحاديث أيضًا كثيرة في هذا.
ثم بدأ يذكر ما هي المهام أو الأعمال التي يبدأ بها الإمام، فقال:
أولها: أي أول ما ينبغي أن يشرع فيه هو: «أن يرتب قومًا في أطراف البلاد؛ يكفّون من بإزائهم من المشركين»؛ يعني أن يؤمن حدود دولة الإسلام، وأن يشحَن الثغور، يعني أن يملأها بالجند الذين «يكفون»؛ يعني يردون من يكون في جهتهم وطرفهم من المشركين بحيث تكون بلاد المسلمين آمنة؛ فإنَّ أعظم المصائب هي أن يتسلط الكفار على بلاد المسلمين، فهذا هو الذي عليه أن يبتدئ به، يعني يجب عليه أن يلاحظ وأن يراقب أطراف بلاد الإسلام، فحيثما وجد نقصًا أو ضعفًا أو قلة؛ فعند ذلك عليه أن يملأها بالجند الذين تقع بهم الكفاية، فإذا ما حصل هجوم أو مداهمة من الكفار إلى بلاد المسلمين من هذا الطرف؛ وُجِد من المسلمين من يردهم ويدفعهم، هذا هو الأمر الأول.
ثانيا: «ويأمرهم بعمل حصونهم»؛ يعني أن يحصنهم، ولا يكِل الأمر إلى هذا الأمير ثم يتركه ويقول له: اذهب إلى هذه الجهة ودافع عن بلاد المسلمين، لا بد أن يراقبه وأن يتابعه وأن يأمره بالتحصن؛ يعني ببناء القلاع إن احتاج الأمر إلى ذلك، وبحفر الخنادق إن احتاج الأمر إلى ذلك أيضًا؛ حتى يحفظ المسلمين، وممن وجب عليه أن يحفظهم هم هؤلاء الجند الذين أمرهم أن يكونوا في هذه الناحية والجهة.
ثالثًا: «وحفْر خنادقهم وجميع مصالحهم»؛ أي يأمرهم ويتابعهم ويراقبهم فيما يحصل به دفع الكفار، وفيما يحصل به حفظ المسلمين.
وهذا ينبغي أن يكون حال كل أمير في كل جهة تولى فيها شيئًا من أمور المسلمين، وإن كان العلماء والفقهاء يتكلمون عن الإمام العام، أو من ينوب منابه، إلا أنهم يتكلمون على حال هم يعيشونها حيث كانت بلاد الإسلام ممكَّنة، والسلطان قائمًا، أما في زمننا هذا حيث لا سلطان ولا دولة للإسلام تحكم بدين الله ﷻ، والمجاهدون إنما هم جماعاتٍ متفرقة؛ فكلُّ أمير تولى شأن سرية أو مجموعة أو طائفة عليه أن يحوطَها بالحفظ، وعليه أن يسعى بقدر جهده أن يدفع عنهم كل ما يمكن أن يقع عليهم من الضرر؛ لأنه من الأمانة التي أُمر أن يؤديها إلى أهلها كما ذكرنا من قبل، فالإنسان مطالَب بهذا ولو لم يكن هناك أمير يأمره به.
ونحن رأينا سيرة النبي ﷺ عندما سمع بأن الأحزاب يريدون أن يداهموا المدينة؛ قام بنفسه الشريفة ﷺ وبقي يحفر الخندق مع أصحابه رضي الله عنهم مع شدة الجوع، وشدة البرد، وشدة الخوف، استجابةً لأمر الله ﷻ.
وهناك كثير من المجاهدين عندهم أفهام خاطئة في مسألة التوكل، فيقول لك: «توكل على الله ودعها»؛ يعني من غير أن تأخذ شيئًا من الأسباب! يقول لك: إذا كُتِب أجلي فماذا سيفيد الخندق؟، وماذا سيفيد التحصن؟، وماذا سيفيد التمويه؟، وماذا سيفيد كذا! وهذا لا شك أنه من النقص في الدين، فإنَّ «ترْك الأسباب خللٌ في العقل» كما قال العلماء.
إذن -وعلى هذا- عندما تجوع أو تعطش أو تمرض فدع الطعام ودع الماء ودع الدواء وقل: ماذا سيفيد الماء؟ وماذا سيفيد الطعام؟ وماذا سيفيد الدواء؟! وهذه الأسباب التي أُمرتَ بها إنما هي من أقدار الله ﷻ؛ فالإنسان مطالَب بها، فكل سبب يمكن أن تقوم به وأن تؤديه لتحفظ به إخوانك المجاهدين فأنت مأمور به شرعًا، وإذا قصرت في ذلك فأنت محاسب عليه في الدنيا والآخرة.
ولذلك على الأمير أو الإمام أن يتابع مَن هم تحته فيما إذا وقع منهم تقصير؛ فسيد المتوكلين هو النبي ﷺ، وهو الذي قال الله له في الكتاب: ﴿وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ﴾ [المائدة: 67]؛ فلن يصلوا إليك، ومع ذلك هو الذي قام بحفر الخندق ﷺ أو شارك في حفر الخندق، وهو الذي خالف بين دِرعين يوم أحد، أي لبس درعين فوق بعضهما؛ فإذن هذا هو من تمام التوكل أن يأخذ الإنسان بالأسباب ثم يعتمد على الله ﷻ، ويعلم من داخل قلبه أن هذه الأسباب لا تقدم ولا تؤخر، وإنما هي أوامر شرعية يؤديها وفقًا لما أمر الله ﷻ.
رابعًا: «ويؤمِّر في كل ناحية أميرًا يقلده أمر الحرب وتدبير الجهاد».
الشيخ: كذلك التأمير، كل ناحية أو كل جهة أو كل مجموعة أو كل طائفة أُوكل إليها شيء من المهام لا بد أن يولي عليهم أميرًا، كما قال النبي ﷺ: (إذا كنتم ثلاثة في سفر فلتؤمروا عليكم أحدكم)٢٬٥٠٠[رواه أبو داود: (٢٦٠٩)، وقال الألباني: «حسن صحيح»].، قال العلماء: إذا كان هذا في الاجتماع العارض.. أي السفر الذي قد يستمر يومًا واحدًا وربما أقل من يوم، فمع ذلك أمر النبي ﷺ هؤلاء الثلاثة وهم أقل الجمع أن يؤمروا عليهم أحدهم؛ حتى لا يقع عليهم اختلاف وتنازع في وقت الصلاة، في الإقامة، في الأذان، في غير ذلك، وما يعترضهم في سفرهم، فكيف بالاجتماعات التي تستمر زمنًا طويلًا ويتوقف عليها شيء كثير من مصالح المسلمين؟ وإن حصل اضطراب أو فساد في هذه الجماعة أو في هذه المجموعة فإن فسادها سيتعدى إلى غيرهم، فلا شك أن هؤلاء أوْلى بالتأمير من أصحاب السفر العارض.
وصفات هذا الأمير أنه: «يكون ممن له رأى وعقل وخبره بالحرب ومكائد العدو مع أمانة ورفق بالمسلمين ونصح لهم ويوصيه ألا يحمل المسلمين على مهلكة»، وهذا واضح، كله ذكرناه في كتاب السياسة الشرعية.
قال: «ولا يأمرهم بدخول مطمورة وهي الحفيرة تحت الأرض..»؛ إنما يذكرون هذه الصور للتمثيل وليس المقصود بها الحصر، ولا يأمرهم بأن يدخلوا إلى نفق يظن أنهم سيهلكون فيه؛ فمعنى هذا ينبغي عليه ألا يغامر بهم في مواطن يغلب على ظنه أنهم يهلكون فيها من غير فائدة، هذا هو المقصود، «يخاف أن يُقتلوا تحتها فإن فعل فقد أساء ويستغفر الله ولا عقل عليه ولا كفارة إذا أصيب أحد منهم بطاعته»؛ أي لو أنه أمرهم أن يدخلوا على هذه المطمورة، يعني إلى هذا النفق، فقد أساء بذلك يعني عصى الله ﷻ؛ لأنه تهاون في أمر المسلمين وكلفهم ما لا حاجة إليه، قال هنا: «فقد أساء ويستغفر الله»؛ لأن كل ذنب يحتاج إلى الاستغفار والتوبة.
قال: «ولا عقل عليه»؛ أي ليس عليه أن يدفع دية من مات من المسلمين في داخل هذا النفق، وليس عليه كفارة أيضًا، فليس عليه عتق رقبة، وليس عليه صوم شهرين متتابعين، قالوا: لأنهم إنما دخلوا باختيارهم وإن كان هو الذي أمرهم، إلا أنهم دخلوا باختيارهم، فلذلك هو عصى؛ لأنه أمرهم بما لا يجوز له، وليس عليه الكفارة، وليس عليه الدية لأنهم دخلوا باختيارهم.
أحد الحضور: شيخ، كيف دخلوا باختيارهم وهو الذي أمرهم؟
الشيخ: ثمة فرق بين إنسان تحفر له بئرًا في الطريق فلا يراه ويسقط فيه، فهنا تسبب مباشر؛ لأن هذا الإنسان ليس له الاختيار، لكن هذا دخل باختياره؛ بمعنى أنه قام بمسألة الحركة والدخول في هذا النفق من قِبَل نفسه، فيستطيع أن يقول: أنا لا أريد أن أدخل، فلوجود هذه الشبهة وهو اختيار الشخص في هذا العمل رُفع عن هذا الأمير العقل؛ أي الضمان والكفارة، ولا كفارة إذا أصيب أحد منهم بطاعته.
[حكم الجهاد لو فُقِد الإمام؟ وحكم الغنائم والسبي حين غياب الإمام]
قال: «فإن عدم الإمام لم يؤخَّر الجهاد وإن حصلت غنيمة قسموها على موجب الشرع، قال القاضي: وتؤخر قسمة الإماء حتى يقوم إمام؛ احتياطًا للفروج»؛ يعني مع أنه ذكر أن الجهاد موكول إلى الإمام، ولكن قد يحصل في زمنٍ ما ألا يكون هناك إمام للمسلمين، فما هو الحل؟ هل ننتظر حتى يأتي الإمام ثم نقاتل وراءه؟ هل يؤخر الجهاد ويُعطل حتى يأتي الإمام؟ لا.
قال: «فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد»؛ يعني إذا لم يكن هناك إمام للمسلمين فلا يؤخر الجهاد انتظارًا لمجيئه، لماذا؟! قالوا: لأن مصلحته تفوت بتفويته، ولأن الجهاد فيه مصالح كبيرة للمسلمين، ويُدفع به شر كبير عن المسلمين فإذا بقينا منتظرين حتى يأتي الإمام، فبعد ذلك تحصل كثير من المفاسد وتضيع كثير من المصالح، بل إن من أسباب الجهاد ومما يتعين به الجهاد على المسلمين هو أن يقاتلوا من أجل أن يُنَصِّبوا على أنفسهم إمامًا، فهذا فيه رد على من يتعلقون بأنه لا جهاد إلا بوجود الإمام وهي شبهة ضعيفة.
قال: «وإن حصلت غنيمة»؛ يعني كذلك أمر قسمة الغنيمة -لأنه من أمور الجهاد- راجع إلى الإمام أو من ينوب عنه ممن وكّله وأمّره على هذه الطائفة؛ فإذا لم يكن هناك إمام، وقاتل المسلمون وحصل بسببهم غنيمة، هذه الغنيمة تقسم على موجب الشرع؛ الأربعة الأخماس للغانمين، والخمس يقسم لمن ذكرهم الله ﷻ، هذا في الأموال في المنقولات والعقارات.
أما في الإماء؛ أي إذا حصل سبي، بأن أخذ المجاهدون شيئًا من نساء الكفار سبيًا؛ فقال القاضي أبو يعلى: «لا يقسم السبي احتياطًا للفروج»؛ يعني حتى لا تقسم تقسيمًا خاطئًا فيقع المجاهدون في الحرام، وهذا هو الذي نحن إلى الآن نقول به في مسألة السبي في هذا العصر بسبب الحال التي يمر بها المجاهدون، نرى والله تعالى أعلم أن هذا الباب مغلق الآن:
أولًا: لما ذكره هنا؛ يعني احتياطًا للفروج حتى لا يقع الحرام.
والأمر الآخر: لمفاسد عظيمة تترتب على هذا الأمر إن فُتح، وهذا حصل، عندما فُتِح باب السبي في بعض المناطق كالبوسنة والمجاهدون هناك سبوا بعض النساء الصربيات وبفتاوى من بعض العلماء؛ فبعد ذلك حصل شر كبير على المجاهدين، حيث تجرأ الصرب على نساء المسلمين انتقامًا، وحصل هذا أيضًا في بعض المناطق في الشيشان، مع أن هؤلاء الكفرة في الأصل لا غَيْرة لهم، ولكن يفعلون هذا انتقامًا من المسلمين، وأمر السبي ليس شيئًا واجبًا يتحتَّمُ علينا أن نفعله، وإنما هو أمر جائز؛ فإذا تركناه لأجل المفسدة الكبرى التي تقع إن قمنا به: فهذا أمر مشروع وقد يكون واجبًا؛ أي قد يكون تركه واجبًا، هذا هو الأمر الثاني.
الأمر الثالث: إن تمام الْمُلك للسبي لا يكون إلا في دار الإسلام؛ لأن السبي هو عبارة عن مال، وكل مال له حِرْزُ مثلِه؛ يعني له الموطن الذي يحرز فيه مثله، فالذهب له حِرزُ مثله، والفضة لها حِرزُ مثلها، وهكذا.. فهذه السبي عندما تأخذها إلى دار الإسلام الممكّنة عندها يقع تمام الْمُلك؛ أي صارت تحت مُلكك بصورة تامة، أما أنك أنت مشرد ولا تجد أين تجلس، واليوم تكون عندك وفي الصباح تجدها في السفارة وتقول: هذه سبية! فهذا غير صحيح، وتضيع كثير من الأحكام الشرعية التي ذكرها العلماء في هذا الفصل؛ فلذلك قال: وتؤخر قسمة الإماء حتى يقوم إمام؛ يعني وتكون له دولة، ويكون ممكنًا، احتياطًا للفروج.
أحد الحضور: الأصل ألا تؤسر أم تؤسر وتتركها؟
الشيخ: إما أن تأسرها وتتركها، وإما لا تأسرها، لا أتكلم عن الجنديات الأمريكيات، هؤلاء يقتلن، فهنَّ مقاتلات.
أحد الحضور: فهل يجوز أن يأخذها الأمير لنفسه ويمنع من الرعية حتى لا تحصل مفسدة بينهم؟
الشيخ: هذا الباب مغلق على الأمير وعلى الرعية؛ فالمفسدة التي تقع بسببه لا تتعلق بكونها مرتبطة بالرعية.
قال: «العمل إذا قُتل الأمير: فإن بَعث الإمام جيشًا وأمّر عليهم أميرًا فقُتل أو مات فللجيش أن يؤمّروا أحدهم فإن لم يقبل أحد منهم أن يتأمر عليهم دافعوا عن أنفسهم ولا يقيمون في أرض العدو إلا مع أمير»
هذه صورة أخرى وهي أيضًا مما يستدل بها على أن الجهاد يستمر ولو مع فقْد الإمام.
أحد الحضور: إن لم يكن له نائب يعني؟
الشيخ: نعم، إذا كان له نائب فهذا تأمير من الأمير، ودليله ما حصل في غزوة مؤتة، فالنبي ﷺ قال: (أميركم زيد فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة)٢٬٥٠١[صحيح البخاري: (٤٢٦١)]. رضي الله عنهم، وقُتل ثلاثتهم وبقي المسلمون بغير أمير، وأَمَّروا عليهم خالد بن الوليد الذي هو سيف من سيوف الله ﷻ؛ فالمقصود هنا: إذا أمَّر الإمام على جيش أو على سرية أميرًا فقتل هذا الأمير أو مات؛ فعليهم هنا أن يؤمروا أحدهم، فإن لم يجدوا؛ كأن يكون الذي اختاروه أبى أن يتأمَّر، ولم يجدوا من يقوم مقامه، ومن يكون أميرًا عليهم، فقال: يقاتلوا ولو بغير أمير دفاعًا عن أنفسهم ولا يكونون في دار العدو إلا مع أمير؛ فما داموا في أثناء المعركة ولم يستطيعوا أن يؤمروا أحدهم، أو لم يجدوا من لم يؤمروه أو لم يقبل أحد منهم التأمير، فليس معنى هذا أن يوقفوا قتالهم، بل عليهم أن يستمروا في الدفع عن أنفسهم وأن يقاتلوا عدوهم حتى إذا هزموه أو توقفت المعركة انسحبوا إلى دار الإسلام ولا يبقون بغير أمير في دار العدو.
وهذا يبيِّنُ لنا أهميةَ الأمير في الجهاد، وهذا شيء واضح مُدرَك؛ فما من مجموعة ولو كانوا ثلاثة إذا كانوا بغير أمير في أي عملية من العمليات إلا وسيقع الاختلاف بينهم في أول المعركة، واحد يقول: ندخل من هنا، والآخر يقول: ندخل من هنا، والآخر يقول: الجيش كثير، وآخر يقول: «البيكا» خربت.. وهكذا؛ ثم في النهاية ماذا؟ سيرجعون بعد تفرقهم.
إذن؛ فالشرع يأمر بالتأمير في أشد الظروف وفي أضيقها؛ أيْ فِي وقت المعركة، فخالد رضي الله عنه أمروه في وقت الاشتباك والمقاتلة، وهذا يدلنا على أن تأمير الأمير من أعظم أو من أهم الأمور في الجهاد.
معنى الرباط وفضله وأحكامه
قال: «ويسن الرباط وهو الإقامة بثغرٍ تقوية للمسلمين».
الآن انتقل إلى الكلام عن الرباط وأولا عرَّفه فقال: «الرباط وهو الإقامة بثغر تقوية للمسلمين».
والثغر قالوا: هو موطن يخيف فيه المسلم العدو ويخاف فيه العدو، وأُخذ الرباط من كون هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم؛ أي هؤلاء ينتظرون هؤلاء أو يتهيؤون لهم، وهؤلاء يتهيؤون لهؤلاء، كما قال الله ﷻ: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: 60].
ويسن الرباط، وأجره عظيم وثوابه كبير وردت فيه أحاديث عن النبي ﷺ، من ذلك أن النبي ﷺ قال وهو حديث في الصحيحين٢٬٥٠٢[صحيح البخاري: (٢٨٩٢)، ولم يرد في صحيح مسلم بهذا اللفظ، وإنما بلفظ: (غدوة أو روحة في سبيل الله...)، برقم: (١٨٨٢)].: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها).
وحديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتَّان)؛ أي لا يُسأل في قبره، هذا حديث في صحيح مسلم٢٬٥٠٣[صحيح مسلم: (١٩١٣)]..
وورد في حديث آخر في سنن أبي داود رحمه الله٢٬٥٠٤[(2500)، وصححه الألباني]. أن النبي ﷺ قال: (كل ميت يُختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه يُنمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من الفتان)، فالإنسان إذا مات أو قتل مرابطًا فإن عمله يتضاعف له في قبره له كل يوم نسخة من أعماله التي كان يعملها في الدنيا إلى أن يلقى الله ﷻ.
وورد في حديث عن عثمان رضي الله عنه وهو حديث حسنه بعض أهل العلم، قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل)٢٬٥٠٥[رواه أحمد: (٤٧٠)، والترمذي: (١٦٦٧)، وقال: «حسن غريب»، وحسنه الألباني]..
وورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عنه قال: «لأن أرابطَ ليلة في سبيل الله خيرٌ أو أحبَّ إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود»، وبعض العلماء يرفع هذا حديثًا إلى النبي ﷺ٢٬٥٠٦[انظر: صحيح ابن حبان: (٣٤٣)، وصحح إسناده الأرنؤوط في: الإحسان تقريب ابن حبان (4603)، وهو مرفوعُ في كل الروايات التي وقفتُ عليها في قصةٍ، عن أبي هريرة، أنه كان في الرباط، ففزعوا إلى الساحل، ثم قيل: لا بأس، فانصرف الناس وبقي أبو هريرة واقفا، فمر به إنسان، فقال: ما يوقفك يا أبا هريرة؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود)]..
إذن الرباط أجره عظيم لأن فيه حماية المسلمين وتأمين بلادهم والذب عن حريمهم.
والرباط غير الحراسة؛ يعني عندما نقول: الرباط فلا يعني هذا أن يكون الإنسان حارسًا؛ لأن الرباط يبقى فيه الإنسان بالأيام، وهذه الأيام ينام فيها وغير ذلك من شؤون حياته، وسيتكلم هنا عن الرباط ثم يتكلم عن الحراسة، فليست الحراسة والرباط متلازمتين أو مترادفتين.
قال: «وأقله ساعة وتمامه أربعون يومًا، وإن زاد فله أجره».
الشيخ: أقل الرباط ساعة، وهذا يُروى عن الإمام أحمد قال: «يومٌ رباط، وليلة رباط، وساعة رباط»٢٬٥٠٧[المغني: (13/19)].؛ فأقله ساعة، وتمامه أربعون يومًا، وفي ذلك حديث عن النبي ﷺ ولكنه حديث ضعيف٢٬٥٠٨[رواه عن أبي هريرة عبد الرزاق في المصنف: (٩٦١٦)، وابن أبي شيبة: (٢٠٦٠٨)، ورواه عن مكحول عن النبي ﷺ مرسلًا: (٢٠٦٠٩)].، ويُروى عن ابن عمر رضي الله عنهما٢٬٥٠٩[نقله عنه وعن أبي هريرة: ابن قدامة، الكافي (4/120) بغير إسناد]..
«وإن زاد فله أجره»؛ أي وإن زاد عن الأربعين فله بكل يوم أجر.
أحد الحضور: ما سبب تحديد الأربعين يا شيخ؟
الشيخ: وردت عندهم هذا من المأثور، حديث عن النبي ﷺ وورد عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.
أحد الحضور: نعتبره من فضائل الأعمال يا شيخ لأنه حديث ضعيف؟
الشيخ: لا، هو الرباط نفسه وردت فيه أحاديث كثيرة، ولكن التحديد في هذا بأربعين يوم عندما نقول إن تمام الرباط ورد بهذا اللفظ: «تمام الرباط أربعون يومًا»، هذا حديث ضعيف عن النبي ﷺ ولكن رُوي عن الصحابة رضي الله عنهم.
قال: «وهو بأشد الثغور خوفًا أفضل، وأفضل من المقام بمكة..».؛ يعني أن يكون المرابط في أشد الثغور خوفًا يكون أجره في هذا الموطن أعظم وأفضل؛ لأن الأجور تتضاعف مع شدة الخوف، ولأن الدفاع عن المسلمين في هذا الموطن أحوج.
قال: «وأفضل من المقام بمكة والصلاة بها أفضل من الصلاة بالثغر»؛ أي أن الإنسان حينما يكون مرابطًا فإن بقاءه في الثغر أفضل من بقائه أو مجاورته للمسجد الحرام، وأما الصلاة في المسجد الحرام؛ أي أجر الصلاة على وجه الخصوص في المسجد الحرام فأجرها أفضل من الصلاة في الثغر.
إذن؛ إذا قارنَّا بين المقام في الثغر والإقامة عند المسجد الحرام؛ فالإقامة في الثغر أجرها أعظم، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الإجماع على هذا٢٬٥١٠[قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (27/40): «المقام في الثغور بنية المرابطة في سبيل الله تعالى؛ أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة باتفاق العلماء»].، وأما الصلاة على وجه الخصوص لورود أحاديث فيها في المسجد الحرام فأجرها أعظم من الصلاة في الثغر.
قال: «ويكره لغير أهل الثغر نقل أهله من الذرية والنساء إليه؛ لا إلى غير مخوف كأهل الثغر».
الشيخ: كانت الثغور من قبل أيام كانت في الدولة الإسلامية يسكنها الناس، فيسكنون في الأطراف؛ فتجد قرية كاملة كلها ثغر، فيها أسواقهم، ومساجدهم، وأعمالهم، ومهامهم، ولكنهم متهيؤون للقتال، ولذلك يأتي العلماء أحيانًا إلى هذه المدينة ويعيش في هذه المدينة بنية الرباط فقط، فقال: «يُكره لغير أهل الثغر»؛ يعني لغير من يسكنون في هذه القرية، فيُكره لهم أن ينقلوا نساءهم وذريتهم إليها إذا كانت مَخوفة، وأما أهل الثغر الذين يسكنون في هذا الموطن فلا يُكره لهم؛ لأنه لا يمكن أن تسير حياتهم إلا بوجود النساء والذرية، فهذا هو مقصدهم.
فالمقصود أن الثغور من قبل كانت حياة طبيعية فيها المساجد وبعضها يُقام فيها الجُمُعات، وفيها الأسواق، ولكنها على الحدود، فالإنسان يأتي إلى هذه القرية أو إلى هذه المدينة أو هذا الطرف بنية الرباط فقط.
أحد الحضور: يا شيخ يقاس على هذا الزواج في الثغور؟
الشيخ: إذا كان الثغر مَخوفًا يُقاس عليه، وسنصدر فتوى إن شاء الله في هذا، فالذي تزوج أدرك ومشي حاله، وأما الذي لم يتزوج فكلا.. خاصة أن أوباما يحشد القوات واشتد الخوف واقترب الخطر، وليس المقصود بالثغر فقط أن يكون على حدود دولة الإسلام، ولا شك أن هذا الموطن الذي نحن فيه الآن هو موطن رباط، لا نشك في ذلك، فليس هناك أدنى شك أن هذا الموطن هو من أعظم مواطن الرباط؛ ولذلك فالأعداء كلهم يتكالبون ويدبرون لهذا الثغر الذي حُفظت به بيضة الإسلام بفضل الله ﷻ، وكان سببًا في الذب عن المسلمين وفي تقويتهم وفي إعادة بنائهم؛ فحصل من الفضائل والأعمال بسبب وجود هذا الثغر ما لا يحصيه إلا الله ﷻ، فمن بقي في هذا الموطن بهذه النية فلا شك أنه في رباط إلى أن يلقى الله ﷻ، فإن قُتل؛ قُتل شهيدًا مرابطًا، وإن مات؛ مات مرابطًا إن شاء الله ﷻ.
ثم قال: «والحرس في سبيل الله ثوابه عظيم»، فلما تكلم عن الرباط، تكلم عن الحراسة، وهو أن يقوم الإنسان حارسًا لإخوانه أو لمن وراءه؛ أي أن يسهر في حراسته، ويقف فاتحًا عينيه وليس نائمًا؛ بل فاتحًا عينيه لحماية مَن وراءَه مِن إخوانه، والنبي ﷺ قال: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)٢٬٥١١[رواه الترمذي: (١٦٣٩)، وقال: «حسن غريب»، وصححه الألباني]..
وورد في حديث آخر عن النبي ﷺ في طريقه إلى حنين قال: (مَن يحرسنا الليلة)؛ فجاء أحد الصحابة وأظنه مرثد بن أبي مرثد الغنوي؛ فقال: «أنا يا رسول الله»؛ فقال: (انطلق إلى هذا الشعب) فذهب هذا الصحابي حتى أصبح، فعندما أذن الفجر قال النبي ﷺ: (هل جاء صاحبكم؟)، قالوا: «لا»، فأُقيمت الصلاة وكبَّر النبي ﷺ فأصبح يصلي ويلتفت؛ أي يبحث عن الحارس هل جاء أم لم يأتِ، فعندما قضى صلاته، خرج الحارس، قال: (هذا صاحبكم)، فعندما جاء هذا الصحابي سأله النبي ﷺ: (هل نزلت الليلة؟)؛ أي هل تركت الموطن الذي وقفت فيه هذه الليلة؟ قال: «لا يا رسول الله، إلا مصليًا أو قاضيًا حاجة»، فقال: (لا عليك ألا تعمل بعدها)٢٬٥١٢[رواه أبو داود: (٢٥٠١)، وصححه الألباني]..
بهذه الليلة فقط -التي سهرها حراسة للنبي ﷺ ومَن بعده- يقول له: إذا أردت أن تكتفي بهذا العمل، أو لو قدرنا أن هذا العمل تريد أن تكتفي به؛ لَكَفاك في دخول الجنة.
فالإنسان قد يسهر ليلة من الليالي وربما ساعة من الساعات؛ مَن يدري بالأجر؛ ففضل الله واسع ﷻ وجُوده لا ينقطع، ومن يدري لعله يُقال له: لا عليك ألا تعمل بعدها وهو لا يدري.
أحد الحضور: يا شيخ، يعتبر هذا قيام ليل هذا أم لا؟
الشيخ: كيف من قيام الليل؟
السائل: يعني كأنه قام الليل، لأنه في طاعة.
الشيخ: هو في طاعة ونحن ذكرنا هذا في حديث: (لا تمسهما النار)، لكن كل عمل له أجره الذي يخصه.
أخ: لكن هل الحراسة أعظم أجرًا؟
الشيخ: طبعًا الحراسة، فإذا كان الإنسان احتيج إليه، ولكن الآن يمكن للإنسان أن يتناوب مع إخوانه؛ فهذا يجمع بين الحراسة وبين قيام الليل، فيجمع بين العملين، ولكن لو أن الإنسان مثلًا ترك إخوانه كلهم متعبين ثم بعد ذلك قام هو لحراستهم فهذا أفضل لا شك من أن يقوم الليل؛ لأن الحراسة هنا نفعها متعدٍ إلى إخوانه، ويمكن للإنسان أن يجمع بينهما ما لم يقع بذلك ضرر؛ أي يمكن للإنسان أن يكون قائمًا يصلي وهو حارس في نفس الوقت، كما قال الصحابي مع أنه أرسله النبي ﷺ للحراسة، قال: «لا يا رسول الله؛ ما نزلت إلا مصليًا أو قاضيًا حاجة»، فيمكن للإنسان أن يجمع بين الأمرين، لكن كما قلنا: بحيث لا يقع ضرر، لا ينشغل الإنسان بالصلاة أو يكون في موطن يحتاج إلى الهدوء والسكينة وعدم رفع الصوت، ثم يبدأ هو يقرأ ويتدبر في آيات الله في ذلك الليل؛ فيؤلِّب العدو عليه وعلى إخوانه.
حكم الهجرة
قال: «وحكم الهجرة باقٍ لا ينقطع إلى يوم القيامة»، الهجرة إذا أُطلقت فالمقصود بها الخروج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فرارًا بالدين أو نصرة للمسلمين؛ أي أن يخرج الإنسان من بلاد الكفار متوجهًا إلى بلاد المسلمين، وكانت الهجرة واجبةً في أول الأمر إعانةً ومساندة وتقويةً للنبي ﷺ وَمَن معه من المسلمين في المدينة؛ فكانت الهجرة واجبة من مكة إلى المدينة، ولهذا عندما تأخر بعض المسلمين وأُخرجوا يوم بدر كُرهًا وقاتلوا إخوانهم وقُتلوا، قال الصحابة رضي الله عنهم: «قتلنا إخواننا»، يعني في هذه المعركة، مع أن أولئك يزعمون أنهم أُخرجوا كرهًا، فالله ﷻ أنزل قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ [النساء: 97]، لماذا ظلموا أنفسهم؟ لأنهم تركوا أمرًا واجبًا عليهم وهو مفارقة الكفار والتوجه إلى المدينة، ﴿قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ﴾ [النساء: 97]؛ أي تقول لهم الملائكة في أي شيء كنتم؟ ﴿قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ﴾ [النساء: 97]؛ يعني: كان يمكنكم أن ترفعوا عن أنفسكم هذا الاستضعاف.
فالمسلم المستضعَف هناك طريقان لرفع هذا الاستضعاف عنه:
1- الطريقة الأولى: أن يجتهد بنفسه في ذلك، وذلك بالانتقال من الموطن الذي يُستضعف فيه إلى موطن يكون فيه أفضل وأقوى؛ كأن يتقوى ببلاد المسلمين، وهذا كالحال التي ذكرها الله ﷻ، وكقوله ﷻ: ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [العنكبوت: 56]؛ فهذا هو الطريق الأول لرفع الاستضعاف عن المسلمين.
2- الطريقة الثانية: هو أن يقاتِل المسلمون من أجل أن يرفعوا الاستضعاف والقهر عن إخوانهم كما قال الله ﷻ: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ﴾ [النساء: 75]، قال ابن عباس رضي الله عنه: «كنت أنا وأمي من المستضعفين في مكة»٢٬٥١٣[صحيح البخاري: (٤٥٨٧)]. رضي الله عنهم.
والهجرة إذا أُطلقت كالجهاد إذا أُطلق، ولكن يدخل في الهجرة إذا قيدت أن يهجر الإنسان ما نهى الله ﷻ عنه، كما قال النبي ﷺ: (والمهاجر من هجر ما نهى الله ﷻ عنه)٢٬٥١٤[صحيح البخاري: (١٠)].، ولكن هذه هجرة مقيدة، ويدخل فيها أن يهجر الإنسان الإقامةَ بين ظهراني المشركين؛ لأن هذا مما نهى الشرع عنه، فالهجرة باقية؛ لأنَّ النبي ﷺ يقول: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها)٢٬٥١٥[رواه أحمد: (١٦٩٠٦)، وأبو داود: (٢٤٧٩)، وصححه الألباني].، والنبي ﷺ قال: (لا تنقطع الهجرة ما بقي الجهاد)٢٬٥١٦[رواه سعيد بن منصور: (٢٣٥٤)، وصححه ابن حجر في الإصابة: (1/608)].، والجهادُ ماضٍ إلى يوم القيامة؛ فما دام الجهاد موجودًا فالهجرة موجودة.
والهجرة قد تكون من بلاد كفر إلى بلاد كفر، كهجرة الصحابة رضي الله عنهم من مكة وكانت دار كفر، إلى الحبشة وهي دار كفر، ولكنَّ الظلمَ في الحبشة منعدم؛ أي يستطيع الصحابة رضي الله عنهم أن يعبدوا الله بما لا يستطيعون أن يفعلوه في مكة، فالهجرة الشرعية هي ما ذكرناها: «الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام»، ولكن للهجرة أقسام أنواع أيضًا؛ لأن المقصود هو أن يعبد الإنسان ربَّه بقدر الإمكان، وأن يأتي من أوامر الله ﷻ الواجبة بحسب مَا في استطاعته، والهجرة إذا كانت لا يمكن أن تُؤدى العبادة التامة أو ما يستطيعه الإنسان إلا عن طريقها؛ فعندها تكون من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، فعبادة الله ﷻ واجبة عليك، وهناك أمور تتعين عليك ولا يمكنك أن تؤديها في هذا الموطن، ويوجد موطن آخر يمكنك أن تعبد الله ﷻ فيه وأن تقوم بهذه الواجبات، فتكون الهجرة من باب ما لا يتم الواجب إلا به وهو العبادة فهو واجب.
فإذن نقول:
- هناك هجرة من دار كفر إلى دار كفر.
- وهناك هجرة من دار كفر إلى دار الإسلام وهذه هي الأصل.
- وهناك هجرة من دار البدعة إلى دار السنة؛ كأن يكون الإنسان في بلد يغلب فيه الرافضة المبتدعة، أو يغلب فيه أهل الاعتزال المعتزلة مثلًا، وتوجد دار سنة للمسلمين؛ فيجب عليه هنا أن ينتقل من دار البدعة إلى دار السنة.
- وكذلك ذكر العلماء: الهجرةَ من دار المعصية إلى دار الطاعة، واختلف العلماء في وجوبها؛ أي أن تكون هناك دار هي دار إسلام ولكن تكثر فيها المعاصي، وهناك دار إسلام أخرى إلا أن هذه المعاصي لا تكثر فيها، فقال بعض العلماء: يجب عليه أن يخرج من دار المعصية إلى دار الطاعة، وبعض العلماء لم يوجب ذلك، قالوا: لأن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره)٢٬٥١٧[تقدم في: (ص 1339)].، فهذا مأمور بأن يغير المنكر؛ أي بأن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر.
قال: «وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة»؛ أي أنَّ حكمها الوجوب.
أما حديث: (لا هجرة بعد الفتح)، فالمقصود به لا هجرة بعد فتح مكة؛ لأن مكة صارت دار إسلام، كانت الهجرة واجبة من مكة إلى المدينة، فالنبي ﷺ بعد فتح مكة قال: (لا هجرة)؛ يعني من مكة إلى المدينة؛ لأن مكة صارت كالمدينة: دار إسلام، (ولكن جهاد ونية)٢٬٥١٨[متفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنه، البخاري: (2783)، ومسلم: (1864)].؛ أي أنَّ الأجر يتحصل عليه الإنسان بجهاده وبنيته.
قال المصنف: «وكل بلد فتح لا تبقى منه هجرة إنما الهجرة إليه».
الشيخ: فهذا كمكة؛ كل بلد فتح لا تجب منه الهجرة وإنما تجب الهجرة إليه.
قال: «وتجب على من يعجز عن إظهار دينه بدار الحرب وهي ما يغلب فيها حكم الكفر»؛ فهنا يذكر الموطن الذي تجب فيه الهجرة، والهجرة إما أن تكون واجبة وإما أن تكون مستحبة.
1- فتكون واجبة: إذا كان المسلم في دار الكفر مع عدم قدرته على إظهار دينه، فهنا يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد المسلمين حتى يظهر دينه.
2- وتستحب إذا كان في بلد كافر، ويستطيع فيه أن يظهر دينه ففي هذه الحالة يستحب له أن يهاجر، لماذا؟
- لأن بقاءه فيه عيش بين الكفار، وهو قد أُمر بمفارقتهم، وفيه تكثير لسوادهم.
- ولأن في هجرته تقويةً للمسلمين، وكذلك فيه تكثير لسواد المسلمين؛ فلذلك كانت مستحبة.
أحد الحضور: كيف من تقول له: اخرج، يقول: أولادي كيف أتركهم؟
الشيخ: هذا ليس عذر كما قال الشيخ أسامة؛ فالمقصود أن يسعى الإنسان ليقيمَ دينه؛ ليعبد الله ﷻ كما أمره، قال الله ﷻ في شأن الجهاد: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ﴾ [التوبة: 24].
والصحابة رضي الله عنهم ما فاقوا، وما ارتفعت درجتهم إلا بعد أن فارقوا أهلهم وأموالهم وديارهم، والنبي ﷺ قد هاجرَ وترك ابنته في مكة.
أحد الحضور: يعني لا تأخذ إثم أبنائك؟
الشيخ: إذا لم تستطع أن تقيم دينك فلن تأخذ إثمهم، ولكن عليك أن تسعى في إخراجهم معك، أو أن تجعل من يعولهم، وهنا لا نتكلم على الجهاد ومسألة الهجرة، والله ﷻ يقول: ﴿۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ﴾ [النساء: 100]، فما رأينا شخصًا ترك الدنيا لله وهاجر فضيع الله مَن وراءه، الله ﷻ هو الذي يتولاهم: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [الأعراف: 196].
السائل: أكثر من لم يهاجر من بلاد الكفار يقول: أنا كيف أهاجر وأترك أبنائي في بلاد الكفار وما أستطيع إنقاذهم من يديهم؟
الشيخ: أصلًا أنت ما أخرجك لبلاد الكفار؟
السائل: يا شيخ هذه ظروف أنت تعرفها، لكن كيف ترد عليه؟
الشيخ: قد يكون هناك بعض بلاد الكفار الأمر فيها أهون من بعض البلاد المنتسبة للإسلام، هذا نعلمه، وهو كلام صحيح، ولكن يُنظر إلى المسألة من جميع جوانبها لا من جهة واحدة؛ فلا نشك الآن أن شخصًا من جهة تربية أبنائه في بلدٍ أهله مسلمون؛ أنَّ تربية أبنائه هنا أسهل وأيسر وأحسن من أن يتربوا في بلد كافر، هذا ما فيه شك، ولكن في جوانب أخرى، في قدرة الإنسان على إظهار كثير من أمور دينه والتصريح بمعتقده هذا يكون في بعض بلاد الكفار أكثر منه من بلادنا هذه، يعني تقارن لي بين سوريا مثلًا وبين بريطانيا؟ في مسألة إظهار الدين أتكلم، هذا لا شك فيه.
لكن من جهة تربية الأبناء وكونهم يسكنون بين المسلمين ويسمعون الأذان في كل وقت ويصلون في المساجد وغير ذلك، ويسمعون «السلام عليكم» في الطريق، ويسمعون في الطريق: عليّ ومحمد وخالد وعبد السلام، وهناك يسمعون جون وأنطون وكذا.. فرق كبير بين هذا وذاك.
ولكن أحيانًا الإنسان يحصر ذهنه بين هذه البلد وبين هذه البلد؛ قد تجد بلدًا فقيرًا في أفريقيا، تستطيع أن تسكن فيه وتربي فيه أبناءك وتقيم فيه شيئًا من دينك، نعم تكون في أمور الدنيا والحياة فيها قسوة، ولكن الدين مقدم؛ لماذا لا يسأل عن هذه الدول الفقيرة كبنجلاديش، ولماذا لا يسأل عليها ويذهب يعبد الله ﷻ هناك، أو لأنها دولة فقيرة؟ وكذلك لماذا يسأل عن باكستان وعن إندونيسيا؟ هناك كثير من بلدان المسلمين يستطيع الإنسان أن يعيش فيها على نفس النمط الذي يعيشه في الدول الغربية.
وأي دين يظهره في الدول الغربية؟ أتكلم في الجملة، نعم هناك من يتكلم ويصدع بكلمة الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو الناس إلى الإسلام، ولكنَّ هناك كثيرًا ممن خرجوا بحجة الفرار بالدين، وهم كانوا صادقين، ولكنهم بعد ذلك صار كعامة الناس، وبعضهم والعياذ بالله انتكس عن دينه، فالإنسان إذن عليه أن يقدم أمر الدين، والله ﷻ قال لنا وخبره لا يتخلف: ﴿۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 100]، ليس في سبيل الدنيا ولا في أي أمر من أمورها، وإنما في سبيل الله ﷻ، قال ﷻ: ﴿يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ﴾ [النساء: 100]، سعة في الرزق، سعة في الدين، سعة في أي أمر من أمور الحياة.
أما من أراد أن يتشبث بالدنيا فالله ﷻ سيَكِله إليها، قال ﷺ: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)٢٬٥١٩[رواه البخاري: (1)، ومسلم: (١٩٠٧)]..
قال المصنف: «وزاد جماعة: أو بلد بغاة أو بدع مضلة كرفض واعتزال».
الشيخ: هنا أولًا عرَّف بلاد الكفار، وقبل ذلك قال: وتجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه إن كان مقيمًا بدار الحرب، ثم عرف دار الحرب فقال: «وهي ما يغلب فيها حكم الكفر».
وجمهور العلماء والفقهاء -مذاهب العلماء الثلاثة: المالكية والشافعية والحنابلة- في تعريف دار الكفر أنها: الدار التي تغلَّب عليها الكفار وأجروا عليها أحكامهم.
وعندنا قسمان هنا: دار الكفر الأصلية، ودار الكفر الطارئة.
1- دار الكفر الأصلية: هي التي لم يدخلها المسلمون أصلًا؛ لم يفتحوها، لم تكن في يوم من الأيام دار إسلام، مثل بريطانيا وغيرها، أو أمريكا.
2- وأما دار الكفر الطارئة: فهي الدار التي كانت يومًا ما دار إسلام؛ أي فتحها المسلمون وحكموها بشرع الله ﷻ، ثم تغلّب عليها الكفار وأجروا على أهلها أحكامهم، وهؤلاء الكفار المتغلبون قد يكونون كفارًا أصليين، وقد يكونون كفارًا مرتدين، لا فرق، فالكفار الأصليون كما هو الحال في الأندلس، التي كانت قلعة من قلاع الإسلام، وخرَّجت الآلاف من العلماء والقادة والعباد والزهاد وغير ذلك، ثم بعد ذلك تغلب عليها النصارى وصار اسمها «إسبانيا» الآن، فصارت تعرف بهذا الاسم، فهي الآن دار كفر.
وأما دار الكفر التي تغلَّب عليها المرتدون؛ كسائر بلاد المسلمين الآن تغلب عليها المرتدون وأجروا عليها أحكامهم، فهنا مسألة عند الفقهاء وهي: هل تنقلب دار الإسلام دار كفر أم لا؟ يعني إذا كانت هناك بلاد حكمها المسلمون وفتحوها وكانت دار إسلام ثم تغلب عليها الكفار، هل تنقلب وتصبح بعد تغلب الكفارِ دارَ كفر؟ أم تبقى دار إسلام مع تغلب الكفار وإجراء أحكام الكفر عليها؟
جمهور العلماء: أن دار الكفر هي ما تغلب عليها الكفار وأجروا عليها أحكامهم؛ فعلى هذا فإنها تنقلب إلى دار كفر، وهذا هو مذهب الحنابلة والشافعية والمالكية، وهو قول الإمامين: محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وأبي يوسف القاضي أيضًا.
وأما الإمام أبو حنيفة رحمه الله فعنده الدار لا تنقلب دار كفر إلا بثلاثة شروط:
أ- الشرط الأول: أن تكون مُتاخِمة لدار الكفر، يعني أن تكون هذه الدار ملاصقة لدار الكفر ليس بينها وبين دار الكفر الأصلية بلاد للمسلمين، أي لا بد أن تكون متصلة ببلاد الكفار، حدودها مع حدود بلاد الكفار.
ب- الشرط الثاني: أن يتغلب عليها الكفار ويجروا عليها أحكامهم.
ج- الشرط الثالث: ألا يبقى فيها مؤمن آمِنٌ بإيمانه، ولا ذمي بأمانه الأول.
أحد الحضور: مثل الأندلس؟
الشيخ: الأندلس وغيرها، حتى هذه الدول تستطيع أن تجري عليها هذه الشروط، فكل دولة هي ملتصقة بالأخرى حتى تصل إلى روسيا، والراجح والله تعالى أعلم هو ما ذهب إليه جمهور العلماء.
أحد الحضور: طيب يا شيخ، القول الثاني الذي ذكره الإمام أبو حنيفة رحمه الله قال: «أن يتغلب عليها الكفار ويجروا عليها أحكامهم»، هذا هو قول الجمهور!
الشيخ: لكن إذا تغلبوا فقط مع فقْد الشرطين الآخرين لا تكون دار كفر عنده؛ فلا بد من ثلاثة شروط، وأن تجتمع هذه الشروط الثلاثة.
أحد الحضور: وهل تُعتبر دار كفر تلك الدار التي تغلّب عليها المرتدين؟
الشيخ: نعم، تُسمى دار كفر؛ إذا تغلب عليها المرتدون وأجروا عليها أحكامهم فتكون دار كفر، وهذا ليس درسنا إنما هي فائدة عابرة. ولكن عندما نقول: هذه الدار دار كفر؛ فالحكم على الدار لا يلزم منه الحكم على أهلها، فليس المقصود إذا صارت الدار دار كفر صار أهلها كفارًا! لا، فالدار تكون دار إسلام ولو كان كل سكانها كفارًا؛ إذا كانت الأحكام التي تجري عليها هي أحكام الإسلام، وتكون الدار دار كفر ولو كان كل سكانها مسلمين؛ إذا كانت الأحكام التي تجري عليها هي أحكام كفر، فإذن نتنبه إلى هذا الأمر، فإنَّ بعض الغلاة عندهم: إذا كفر الإمام كفرت الرعية، والحكم على الدار يستلزم الحكم على الرعية! هذا غير صحيح، وإلا لو كان هذا الحكم؛ فلماذا نقول: الهجرة واجبة عليه؟ فقد صار كافرًا كغيره، فلماذا نوجب عليه الهجرة إذا كان في بلاد الكفار؟ فإذن لا تلازم بين الحكم على الدار وبين الحكم على سكانها.
أحد الحضور: طيب يا شيخ؛ هل تعتبر هذه هي الدار المركبة؟
الشيخ: الدار المركبة هذا قول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولم يسبقه إليه أحد، إنما هو قول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يعني قال شيخ الإسلام رحمه الله عندما سُئل عن ماردين هل هي دار كفر أو دار إسلام وهي صورتها تشبه كثيرًا ما نحن فيه، وقال: «هذه تسمى بالدار المركبة»؛ أي من جهة تغلب الكفار؛ فهي دار كفار، ومن جهة كون سكانها مسلمين وأن كثيرًا من جيشها من المسلمين؛ فهي دار إسلام، فقال: «هي ليست دار كفر خالصة كما هي دار الكفار الأخرى، وليست هي دار إسلام خالصة كما هي دار الإسلام، وإنما هي الدار المركبة»٢٬٥٢٠[مجموع الفتاوى: (28/241)]..
ومِن حيث المعنى: لا فرق، وقد تعقب بعض الحنابلة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال: لا يوجد إلا قسمان فقط، إما أن تكون الدار دار كفر، وإما أن تكون الدار دار إسلام، وأما الدار المركبة فقالوا: هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية.
وكما قلت: هو مجرد اختلاف في الاسم، وأما من حيث التوصيف والحقيقة فالأمر واحد، وفي النهاية: المسلم له حقوق وعليه واجبات؛ سواء في دار الإسلام أو في دار الكفر.
ولهذا الإمام الشوكاني قال: «إن تقسيم الدار إلى دار إسلام ودار كفر لا يترتب عليه كثير من الفائدة»٢٬٥٢١[السيل الجرار: (ص ٩٧٦)].، هذا قوله، ولكن لا يُوافق عليه.
قال: وزاد جماعة من أهل العلم: «أو بلدة بغاة»؛ أي أو كان مقيمًا في بلدة بغاة ولم يمكنه إظهار دينه «أو بدع» أي كان في بلد بدع؛ كبدعة الرفض يعني الرافضة، أو كبدعة الاعتزال إن قَدر عليها، يعني إن كان قادرًا على الهجرة.
قال: «ولو امرأة ولو في عدة بلا راحلة ولا محرم»، انظر إلى أمر الهجرة ليس شيئًا سهلًا! فيقول: الشخص الذي يقيم بدار الكفار ويعجز عن أن يُظهرَ دينه بينهم؛ تجب عليه الهجرة ولو كان هذا الشخص امرأة، حتى ولو كانت في عدتها؛ يعني تقطع العدة، مع أننا نعرفُ أن المرأة في عدتها لا يجوز لها أن تخرج من بيتها، قال ﷻ: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ﴾ [الطلاق: 1]، فتقطع عدتها وتهاجر ولو بلا محرم؛ يعني حتى ولو كان سفرها بغير محرم؛ إنقاذًا وحفاظًا على دينها، بعض أهل العلم قيده بـ «ما لم تخشَ على نفسها الفتنة في سفرها»، وهذا قيد لا بد منه.
قال: «بلا راحلة» فانظروا؛ حتى لو ما عندها سيارة، فالمهم أن تخرج من بلاد الكفار، وهذا يدلك على أن الإقامة في بلاد الكفار الأمر فيه كبير، والأمر فيه عظيم، والنبي ﷺ تبرأ منه؛ فقد تبرأ ممن يقيم بين ظهراني المشركين، نسأل الله العافية.
قال: «وتسن لقادرٍ على إظهاره»، إذن قلنا: إما أن تكون الهجرة واجبة للعاجز عن إظهار الدين، أو تكون مُستحبة لمن كان قادرًا على إظهاره وهو الذي ذكره هنا.
نقف إلى هنا ونكمل غدًا إن شاء الله تعالى
❖ ❖ ❖