الرسالة الأولى: حكم الاستئسار ومعاونة الطواغيت بعد الأسر، وحكم سماع الأناشيد

۞

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...

فإلى المجاهدين الصابرين فوق جبال الجزائر الشامخة وفقهم الله وسدد رأيهم ورميهم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اعلموا -وفقكم الله لسبل الخيرات وأعاذكم من متاهات الضلالات، وثبتكم على جادة الحق وأنار قلوبكم بالإخلاص والصدق- أن الثغر الذي أنتم عليه في ذلك البلد الحبيب يعد من أعظم وأهم وأخطر ثغور الإسلام التي يلزمكم القيام على حفظها والاجتهاد في صونها وحوطها، ومن ثم فإن الأمانة الملقاة على كواهلكم في ذلك تعد ثقيلة جليلة؛ فعليكم أن تكونوا في مستوى حملها قوة وإيمانًا وعلـمًا وفهمًا وتبصرًا وتصبّرًا حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها.

ص 2869

 وساحتكم الجهادية هي أخصب الساحات المعاصرة بالتجارب الكبرى والصغرى وأغناها بالدروس والعبر، فانهلوا من حوادثها وتأملوا في تسلسلاتها وتدارسوا أسبابها واستخلصوا نتائجها فإن ذلك إذا ما رُدَّ إلى قواعد الشرع وأحكم بأصوله كان أكبر عون على ضبط مسيرة جهادكم المباركة، فالسعيد من اتعظ بغيره، قال ﷻ: ﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137].

وإن من تمام توفيق الله لكم وعنايته بكم أن وفقكم لإخراج البلاد من ورطة ظلماء صيَّرت الناس سكارى لفرط وقعها، وعاد الحلماء حيارى لعظم هولها، فها أنتم اليوم -وبفضل الله- ترجعون أكثر الأمور إلى نصابها، وتمسكون بلجامها وخطامها، وتنفون عن الساحة شحوبها، وتبعثون في قلوب الأمة نسائم الآمال بعد أن فتتتها مطارق اليأس، وهي نعمة تُغبطون عليها (فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس)٣٬٦١١[رواه الترمذي: (2630)، وقال: «حديث حسن»، وضعفهُ الألباني في ضعيف الجامع: (1441)، وضعيف الترمذي: (2630)، ولكنه ذكر في سلسلة الهدى والنور شريط (487) سؤال رقم (5) أن الحديث بهذا اللفظ صحيح، ووافقه عليه عبد القادر الأرناؤوط فحسنه، وقال في تحقيقه لجامع الأصول (6974) حيث قال: «وفي سنده كثير بن عبد الله المزني؛ وهو ضعيف، ولأوله وآخره شواهد»]..

فنسأل الله أن يديم عليكم نعمته، وأن يرزقكم ذكرها وشكرها، وأن يعز بكم دينه وشريعته وأن يجعلكم مفاتيح خير مغاليق شر على نهج سيد المرسلين وأصحابه المكرمين، قال ﷻ: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ﴾ [الفتح: 29].

[البحر: السريع]

[البحر: السريع]

إذَا لَمْ يَكُنْ ‌إلَّا ‌الْأَسِنَّةُ ‌مَرْكَبًا

فَمَا حِيلَةُ الْمُضْطَرِّ إلَّا رُكُوبُهَا٣٬٦١٢[قاله: الكميت، انظر: أدب الدنيا والدين (ص 192)].

ص 2870

فما أكتبه من أجوبة هو محض نظر وبحث، لا أدعي فيه قطع الصواب، ولا أزعم أنه الحق الذي ما وراءه إلا الضلال، وأنى لمثلي أن يجرؤ على ذلك في مثل هذه الطَّوامِّ العظام، فهي محل تأمل وتدبر وتفكر، فما وجدتم فيه من خير وسداد فذلك فضل الله وحده يؤتيه من يشاء، وما كان فيها من خطأ فهذا وصفه وأعوذ بالله من الإصرار عليه والتشبث به فاطَّرحوه ولا تبالوا، نسأل الله أن يهدي قلوبنا ويسدد نظرنا ويعفو عنا إنه واسع الرحمة وواسع المغفرة.

السؤال الأول: لعلَّك عشت معنا أيامًا كان الرَّجل يترك المجاهدين ويسلِّم نفسه وسلاحه للطَّاغوت، وبعد إعطاء المعلومات واقتحام معسكرات المجاهدين يُزجُّ بهم في السّجون، هذا صنف، ثمَّ جاءت أيام الهدنة والوئام ونداء الشَّيخ العثيمين -غفر الله له- وسلّم البعض أنفسهم وسلاحهم زرافات ووحدانا، وأعطوا المعلومات للطَّاغوت، وفي الغالب يستعملهم في التَّمشيطات والأكمنة، وكذلك الحال اليوم في مشروع المصالحة -أخزاه الله-، بعد ذلك هناك من يبقى في خدمة الطَّاغوت، ومنهم من يعود إلى حياته العادية، وربَّما يبقى محافظًا على صلاته، وقد يعلن ندمه، وقد يريد التَّعامل مع المجاهدين.

فالمطلوب شيخنا الكريم: ما هو حكم هؤلاء؟ وكيف نتعامل مع النَّازلة؟ وكيف التَّعامل مع من ثبت تورطه في قتل المجاهدين بارك الله فيكم؟

الجواب: لا شك أن الأحوال التي مر عليها الجهاد في الجزائر، والظروف التي تقلب فيها المجاهدون كان لها الأثر الكبير في إنتاج نوازل وإحداث مسائل فرضها ذلك الواقع المتداخل؛ مما يعني لزوم النظر العميق والاعتناء بالتوصيف الدقيق لكل حادثة أو مسألة يُراد التوصل إلى حكم شرعي صائب فيها، وهذا الأمر وإن كان عامًا في الأصل ولازمًا في كل اجتهاد إلا أنه عند تداخل الأمور وتشابك القضايا يكون الناظر فيها أحوج من غيره وإلا بقي يضرب في سبسب من التصورات والتخمينات والافتراضات التي لا تكاد تفيد إلا قليلًا.

ص 2871

 وإنما قدمت بهذه المقدمة؛ لأن تصوري للمراحل التي مر عليها ما يسمى بالهدنة أو المصالحة أو الوئام ربما يكون محدودًا وأكثر ما استفدته في ذلك مما كتبه أخونا الشيخ عطية الله وفقه الله لا سيما في لقائه الأخير مع منتدى الحسبة، فما أكتبه هنا من جواب بناء على تصوري ونظري والذي قد يكون فيه نوع من النقص من جهة توصيف الواقع، ولكن عسى أن يفتح لكم آفاقًا في المسألة تمهد للوصول إلى المطلوب.

وعليه؛ فما تحصل من السؤال أنه تضمن عدة مراحل في التعامل مع النظام نتج عنها ترك بعض المجاهدين للجبال واستسلامهم له ثم ترتب على ذلك مشاركة بعض هؤلاء في الدلالة على مواقع المجاهدين وإعطاء المعلومات للنظام المرتد كانت سببًا في وقوع قتلى وأسرى وتدمير مراكز واكتشاف مخازن... إلخ، وقد لا يكون بين هذه المراحل فواصل بيِّنة، وإنما هي متسلسلة تسلسلًا تلقائيًا مترابطًا تبعًا للظروف المتغيرة التي مر ويمر بها المجاهدون من جهة والنظام المرتد من جهة أخرى.

فالمرحلة الأولى، والتي أشرتم إليها بقولكم: «لعلَّك عشت معنا أياما كان الرّجل يترك المجاهدين ويسلّم نفسه وسلاحه للطّاغوت، وبعد إعطاء المعلومات واقتحام معسكرات المجاهدين يُزجّ بهم في السّجون. هذا صنف»

وبما أن السؤال في الأصل موجه إلى الشيخ عطية -حفظه الله-، فإن الفترة التي كان فيها مع المجاهدين في الجزائر والتي بدأت فيها ظاهرة الاستسلام للنظام وترك الجبال تبرز وتثار، إنما هي عند اشتداد أمر «الجيا» واستفحال شرهم، هذا مع دخول الجيش الإسلامي للإنقاذ في أمر الهدنة ودندنته المستمرة حول ذلك، فاجتمع على كثير من المجاهدين أمران:

الأول: الضغط النفسي الشديد الذي كان يسببه انحراف «الجيا» والفظائع التي ترتكبها وتتفاقم وتتعاظم يومًا بعد يوم، حتى صار الأمر ليس مقتصرًا على استهداف عموم الشعب في المجازر الجماعية المشهورة، بل أصبح التنكيل والتقتيل يشمل كثيرًا من أفرادها المباشرين أو بعض الكتائب الخارجة عليها.

ص 2872

الأمر الثاني: انفتاح نافذة للخروج من هذا المأزق والنجاة من تلك الورطات ألا وهي دعوة النظام للهدنة، ورؤية كثير من المجاهدين الذين كانوا يرابطون على الجبال وقد رجعوا آمنين سالمين لم يمسسهم سوء من النظام، فكان ذلك مغريًا ودافعًا لأولئك الشباب المضطر والحائر لترك الجبال والالتحاق بركب المستسلمين للنظام طلبًا للسلامة وبحثًا عن العافية.

والمسألة بهذا التوصيف -حسب ظني- تندرج ضمن حكم الاستئسار، وهو تسليم المجاهد نفسه للكفار حين لا يجد مناصًا إلا ذلك أو القتال حتى القتل، وهي مسألة معروفة في كتب الحديث، وقد كنت كتبت فيها جوابًا مفصلًا عرضته على بعض العلماء فأقروه وصوبوه وأنا أضعه لكم هنا بنصه اكتفاءً واختصارًا وهو: «حكم الاستئسار: ما حكم الاستئسار؟ وهو أن يضطر المسلم المجاهد لأن يُسلم نفسه للكفار ويستسلم لهم، وإذا كان ذلك جائزًا؛ فهل هو على إطلاقه أم له ضوابط وقيود؟...»٣٬٦١٣[في أصل هذه الرسالة كتب الشيخُ الجوابَ كاملا، وحيثُ تقدم الجواب في هذا المجموع (ص 2848) فحذفناه من هنا مكتفين بهذه الإحالة عليه، منعًا للتكرار، واكتفاءً بوجوده في الأصل المشارِ إليه]..

فالذي يظهر أن دافع هؤلاء إلى الاستسلام «الاستئسار» هو انسداد الأبواب أمامهم بحيث نُزِّلوا منزلة المضطرين وبقوا بين خيارين:

1- إما أن يصبروا مع «الجيا» على شرها المستطير ويتحملوا ظلمها الذي لا يجدون بدًا من التلبس به والذي قد يصل إلى سفك الدماء المحرمة وانتهاك الأعراض المصونة ونهب الأموال المعصومة.

2- وإما أن يسلموا أنفسهم للنظام المرتد مع تظاهره بالعفو عنهم والغض عن سوابقهم مع وجود من يُسبغ على الاستسلام صبغة الهدنة أو الصلح، وهذا حسب الظاهر وقد يكون في هؤلاء المستسلمين من لم يكن لديه ما يضطره لهذا في الحقيقة ونفس الأمر، بل كان في وسعه أن يصبر ويصابر وينحاز عن طائفة الشر ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

ص 2873

إلا أنه ولفداحة الأمر واتساع البلاء وقوة العارض صار من الصعب التمييز بين المحق والمدعي والفصل بين الصادق والكاذب من طوائف هؤلاء المستسلمين فالاحتياط والورع والتثبت يقتضي أن يُعطَوا جميعًا حكمًا واحدًا.

فالذي يظهر لي والله أعلم: أن من قام بتسليم نفسه في تلك الفترة العصيبة وترك الجبال والقتال وآثر الانعزال فإن له عذرًا في ذلك، وهذا بحسب ظاهر الحال كما ذكرت وحسابهم على الله، وإلا ففي الحقيقة منهم المضطر المعذور ومنهم المتجاوز المزور، كلٌ وما اقتضاه دافعه وأوجبه ظرفه، وهذا من حيث أصل الاستسلام والذي هو مجرد إلقاء السلاح والنزول عن الجبال والرجوع إلى الحياة كباقي الشعب، ولكن عن طريق «بوابة» النظام المرتد.

أما من ضم إلى استسلامه بعد ذلك الدلالة على مواقع المجاهدين وإفشاء أسرارهم، والمساعدة في القبض عليهم والوقوف في صف الطاغوت ضدهم فهذا أمر زائد على الاستئسار المجرد، فالذي أراه في هذا الصنف أن ينظر في أحوال وقرائن ودوافع من ارتكب وتلبس بهذه الأمور كلها أو بعضها لا سيما إذا كان اقترافه لها أثناء اختلاط الأمور وتفاقم أمر «الجيا» الذي بلغ حدًا لا يتصوره عقل حينما اختلط الحابل بالنابل والتبس الحق بالباطل، فإن دائرة الإعذار في تلك الفترة -فيما أرى- أوسع بكثير من الحال الآن، ومن ذا الذي يسمي «الجيا» المارقة بعد أن ركبت الصعب والذلول مجاهدين؟! وما هم في الحقيقة إلا شرذمة من قطاع الطرق واللصوصية وعبَّاد الأهواء وغلاظ الأكباد، فمن وقف مع النظام المرتد ضد أمثال هؤلاء للقضاء عليهم وقطع دابر شرهم فلا شك أنه لا تثريب عليه وليس لأحد عليه سبيل سواء كان عونه للنظام اختيارًا أم اضطرارًا وتلك حقبة من حقب الفتن أرى أن يواري إخواني المجاهدون مآسيها ويطووا صفحاتها.

ولا يبعد -عندي- أن يصدق فيها قول الإمام الزهري: «وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر»٣٬٦١٤[السنة للخلال (127)، أحكام القرآن للجصاص (5/283)]..

ص 2874

فمن وقع منه الإعانة في تلك الفترة ثم كف شره عن المجاهدين ولزم بيته واعتزل الجميع أرى أن يكف عنه ويترك وشأنه كغيره من عوام الناس التاركين للجهاد، وقد يستأنس في هذا بما قاله شيخ الإسلام رحمه الله: «قال الزهري: «وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القران فإنه هدر؛ أنزلوهم منزلة الجاهلية»، وذلك أن الله ﷻ بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، فبالهدى يعرف الحق وبدين الحق يقصد الخير ويعمل به، فلا بد من علم بالحق وقصد له وقدرة عليه والفتنة تضاد ذلك فإنها تمنع معرفة الحق أو قصده أو القدرة عليه، فيكون فيها من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل حتى لا يتميز لكثير من الناس أو أكثرهم، ويكون فيها من الأهواء والشهوات ما يمنع قصد الحق وإرادته، ويكون فيها من ظهور قوة الشر ما يضعف القدرة على الخير، ولهذا ينكر الإنسان قلبه عند الفتنة؛ فيرد على القلوب ما يمنعها من معرفة الحق وقصده ولهذا يقال فتنة عمياء صماء، ويقال: «فتن كقطع الليل المظلم» ونحو ذلك من الألفاظ التي يتبين ظهور الجهل فيها وخفاء العلم، فلهذا كان أهلها بمنزلة أهل الجاهلية، ولهذا لا تضمن فيها النفوس والأموال؛ لأن الضمان يكون لمن يعرف أنه أتلف نفس غيره أو ماله بغير حق، فأما من لم يعرف ذلك كأهل الجاهلية من الكفار والمرتدين والبغاة المتأولين فلا يعرفون ذلك فلا ضمان عليهم كما لا يضمن من علم أنه أتلفه بحق وإن كان هذا مثابا مصيبا وذلك من أهل الجاهلية»٣٬٦١٥منهاج السنة النبوية (4/547)..

وأما من لزم طريق الإعانة للطاغوت ضد المجاهدين وداوم عليها وصيَّر نفسه جنديًا محضرًا لهم كلما طلبوه وجدوه، يكلَّف فينفذ، ويؤمر فيطيع، ويستشار فيشير، وهو مع ذلك قادرٌ على الامتناع بالهجرة، أو السفر، أو الصعود للجبال، أو الاختفاء، أو التفلت ولكنه لا يفعله تهاونًا منه ورضى بالدنيا وركونًا إلى الدعة فهذا حكمه حكم غيره من جنود الطاغوت يقتل ولا كرامة، خاصة إذا كان شره عظيمًا وضرره على المجاهدين كبيرًا.

وفي أمثاله يصدق قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97].

 ومن هنا فيلزم إخواني المجاهدين -سددهم الله- التحري الواسع، والتثبت الشديد، والاحتياط المستمر، فيجمعون بين ورع في غير ضعف، وحزم في غير تهور، وأن لا يسترسلوا مع ميول النفوس المجردة المجبولة على حب الانتقام بحق أو بغير حق وأن يتحققوا من دعاوى أعذار من يقع في ورطة مساعدة النظام من هؤلاء المستسلمين، وأن لا يبنوا أحكامهم «التكفير والقتل» على مجرد الظنون والأوهام والحدس والتخمين من غير تحقيق للواقع وتدقيق في الظروف، وأن ينظروا في آحاد المسائل ويعطوا كل صورة حقها.

 ولا يقال: إن مثل هذه الأحوال لا يتصور فيها الإكراه، وهذا الكلام قد يكون صحيحًا على وجه التعميم ولكن بالنظر إلى أعيان الوقائع والظروف التي تحيط بالناس واعتبار أن الغلبة والقهر والتمكين الآن بيد المرتدين والصولة والجولة والدولة لهم فلا يبعد أن يقع ذلك في بعض الحالات كما جاء في الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:

«عَبَثَ رسول الله ﷺ في منامه، فقلنا: يا رسول الله صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله؟ فقال: (العجب! إن ناسًا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم)، فقلنا: يا رسول الله إن الطريق قد يجمع الناس؟ قال: (نعم فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل، يهلكون مهلكًا واحدًا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم)»٣٬٦١٦صحيح مسلم: (2884)..

ص 2875

قال الإمام النووي في شرحه للحديث: «أما المستبصر فهو المستبين لذلك القاصد له عمدًا، وأما المجبور فهو المكره، يقال: أجبرته فهو مجبر هذه اللغة المشهورة، ويقال أيضا جبرته فهو مجبور، حكاها الفراء وغيره وجاء هذا الحديث على هذه اللغة، وأما ابن السبيل فالمراد به سالك الطريق معهم وليس منهم، ويهلكون مهلكًا واحدًا؛ أي يقع الهلاك في الدنيا على جميعهم، ويصدرون يوم القيامة مصادر شتى؛ أي يبعثون مختلفين على قدر نياتهم فيجازون بحسبها، وفي هذا الحديث من الفقه التباعد من أهل الظلم، والتحذير من مجالستهم، ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين لئلا يناله ما يعاقبون به وفيه أن من كثر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا»٣٬٦١٧صحيح مسلم بشرح النووي: (17/10 - 11)..

وكما جاء في كتب السيرة وغيرها بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه: (إني قد عرفت رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد خرجوا كرها لا حاجة لهم في قتالنا؛ فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي منكم أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد؛ فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله؛ فإنه إنما أخرج مستكرها)٣٬٦١٨الطبقات الكبرى (4/11)، وابن أبي شيبة مختصرًا مرسلًا (7/363) [وضعَّف إسنادَه علويّ السقاف، صاحب «تخريج أحاديث وآثار كتاب في ظلال القرآن»: (431)]..

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا

مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى٣٬٦١٩[قاله: المتنبي. انظر: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 48)].

فإن فعلتم ذلك مع دوام مراقبة الله تعالى وخشيته أرجو أن توفقوا للسداد والخير في هذا الباب وغيره: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهـۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ﴾ [محمد: 17].

وخلاصة القول في هذه المسألة: أن من ترك الجبال واستسلم للطاغوت عند اشتداد أمر «الجيا» فإنه -حسب الظاهر- معذور، ولما فعل وجهٌ يلزم اعتباره؛ فبعد ذلك من اعتزل وابتعد عن المجاهدين وعن الطاغوت واشتغل بخاصة نفسه فلا يتعرض له وهو كغيره من عوام المسلمين التاركين للجهاد بعذر أو بغير عذر.

ص 2876

وأما مَن أعان الطاغوت وعاضده على من في الجبال؛ فإن كانت تلك الإعانة إبان استفحال شأن «الجيا» وما قاربها ثم انقطع أمره عند ذلك؛ فلا يؤاخذ أيضًا لاختلاط الأمر على الناس ولعظم ما ارتكبته شرذمة «الجيا»؛ فيعسر على العقلاء فضلا عن الدهماء -في تلك الفترة- التفريق الجلي بين المجاهدين الصادقين وبين العتاة المجرمين، وأما من أصبحت إعانته للطاغوت على المجاهدين مهنة يمارسها وما زال مصرًا عليها ومتلبسًا بها فيكون معهم في مطارداتهم وتمشيطاتهم ومداهماتهم؛ فهذا حكمه حكمهم أثناء المقاتلة، مع ضرورة التثبت والتحقق وعدم بناء الأحكام على التخمين والشكوك، والله تعالى أعلم.

المرحلة الثانية: والتي ذكرتموها في سؤالكم بقولكم: ثمَّ جاءت أيام الهدنة والوئام ونداء الشَّيخ العثيمين -غفر الله له- وسلَّم البعض أنفسهم وسلاحهم زرافات ووحدانا، وأعطوا المعلومات للطَّاغوت، وفي الغالب يستعملهم في التَّمشيطات والأكمنة.

 وأنا لم أطلع على نص الفتوى التي أصدرها الشيخ العثيمين في ترك المجاهدين للجبال، ولكن سمعت مضمونها من بعض العاملين معكم والتي كانت كارثة بالنسبة للشباب المصابر المرابط في الثغور، وقرة عين للطاغوت المقهور، وهي هفوة عظيمة، وزلة مُنكرة، وإنها والله لأحدى الكبر ومن مصائب العصر التي ابتلينا بها؛ حيث إن كثيرًا من علماء الأمة ممن آتاهم الله فقهًا في فروع الشريعة وأصولها يعيشون بمعزل تام وانقطاع كامل عن متابعة ما يجري من أحداث ويحاك من مؤامرات، ويأخذون الأمور كلها على ظواهرها؛ فإذا تكلموا وأفتوا أتوا بالعجائب والغرائب، فما أيسر أن تروج عليهم دسائس الماكرين بكلمات معدودة وعبارات عابرة والتي ربما يكون فيها مصير أمة بكاملها وتضيع بها جهود سنوات كلها تعب ونصب وجهد وبلاء، والمؤمن كيس فطن حذر، ليس بالخب ولا الخب يخدعه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ص 2877

ورحم الله شيخ الإسلام الذي قال حينما سُئل عن حكم قتال التتار: «نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق أئمة المسلمين وهذا مبنى على أصلين: أحدهما: المعرفة بحالهم. والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم»٣٬٦٢٠مجموع الفتاوى (28/510)..

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علـمًا. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله»٣٬٦٢١إعلام الموقعين (1/87-88)..

فالكلام على هذه المرحلة لا يختلف عن التفصيل الذي ذكرته فيما سبق، والفارق فقط في مصدر الشبهة التي قادت الشباب إلى ترك مواقع الرباط والاستسلام للطاغوت؛ فهناك كان الدافع اضطراريا قسريا في العموم الغالب، وهنا الدافع «شبهة شرعية»، والمتمثلة في فتوى من عالم معتبر «بأن على الشباب ترك الجبال والتخلي عن مقاتلة النظام والاجتهاد في المصالحة معه لحقن الدماء» -أظن هذا هو مضمون الفتوى-، فمن نزل بناء على هذه الفتوى ووثوقًا فيها وفي قائلها فوزره على من أفتاه ما دام متجردًا عن الهوى حريصًا على معرفة الحق والذي ظنه فيما ذهب إليه من الاستسلام، فإن توقف أمره عند النزول من الجبال ونأى بنفسه عن الطاغوت وجنده فلا يتعرض له ولا تُشغلوا أنفسكم به؛ فمن كان فيه خير ألحقه الله بكم ومن كان غير ذلك فهو شر نفاه الله عن صفوفكم، قال ﷻ: ﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [التوبة: 47].

وأما من أضاف إلى نزوله واستسلامه معاونة المرتدين والوقوف بجانبهم والدلالة على عورات المجاهدين والمشاركة في التمشيطات والمطاردات والاعتقالات والأكمنة؛ فهذا حكمه حكمهم أثناء القتال فيقتل ولا كرامة.

ص 2878

 فإذا كنا سنعذر أمثال هؤلاء الذين عاشوا مع المجاهدين ويعرفون حقيقتهم ويطلعون على دوافعهم ولا يشكون في صدقهم وأنهم خيرٌ ألف مرة من الطاغوت الذي يعاضدونه؛ فإننا سنعذر كثيرًا من جيوش دول الردة التي تستند في تنكيلها على فتاوى زائغة زائفة يصدرها علماء الضلالة وتجار الدين أو بعض السذج الذين تروج عليهم الأقاويل والأباطيل.

ومن كان من هؤلاء المستسلمين ملبسًا عليه تلبيسًا حقيقيًا بحيث ظن أن ما يفعله هو الحق الحقيق بالاتباع وأن ما سواه باطل وضلال فهذا وإن احتمل أن يكون عذرًا له عند الله تعالى؛ إلا أنه لا يمنع من قتاله لكف شره الذي يصل إلى سفك الدماء ويؤول إلى انتهاك الأعراض ويؤدي إلى تعطيل الجهاد وتشريد المجاهدين واستمرار التمكين للمرتدين؛ فحال المجاهدين معه كحال دفع الصائل على العرض والدين والذي لا ينكف شره إلا بالقتل، وليس لهؤلاء المستسلمين أن يحتجوا لأفعالهم ومشاركاتهم بإكراه ولا بتضييق ولا باضطرار، فإن العلماء متفقون على أن المسلم لو أكره على قتل أخيه المسلم لما جاز له ذلك ولو أدى إلى قتل المكرَه.

كما أن النبي ﷺ قد أمر المؤمن باعتزال قتال الفتنة والامتناع عن ذلك ولو بكسر سيفه فكيف يكون الحال إذا كان هذا القتال هو إعانة للكفرة المرتدين على المجاهدين الصادقين؟ فكيف إذا كان المعين يعلم يقينًا أن ما يقدمه من معلومات يؤدي إلى إزهاق أرواح وانتهاك أعراض وإذهاب جهود؟ لا سيما بعد اعتدال أحوال الجهاد والمجاهدين في الجبال وتحسن أوضاعهم وقدرتهم على إيواء واستقبال المشردين المطاردين المضطهدين؛ فإن العذر بعد ذلك في حق هؤلاء المعاونين للمرتدين على المجاهدين يعد منتفيًا.

ص 2879

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وإذا كان الجهاد واجبًا وإن قتل من المسلمين ما شاء الله فَقتلُ من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا، بل قد أمر النبي ﷺ المكره في قتال الفتنة بكسر سيفه، وليس له أن يقاتل وإن قتل، كما في صحيح مسلم٣٬٦٢٢صحيح مسلم: (2887). عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، ألا ثم تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج أن استطاع النجاة، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، فقال رجل: يا رسول الله أرأيت أن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فيضربني رجل بسيفه أو بسهمه فيقتلني، قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار)؛ ففي هذا الحديث أنه نهى عن القتال في الفتنة، بل أمر بما يتعذر معه القتال من الاعتزال أو إفساد السلاح الذى يقاتل به، وقد دخل في ذلك المكره وغيره، ثم بيَّن أن المكره إذا قتل ظلـمًا كان القاتل قد باء بإثمه وإثم المقتول، كما قال تعالى في قصة ابني آدم عن المظلوم: ﴿إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 29]. ومعلوم أن الإنسان إذا صال صائل على نفسه جاز له الدفع بالسنة والإجماع... والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل بل عليه إفساد سلاحه وأن يصبر حتى يقتل مظلوما؛ فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس»٣٬٦٢٣مجموع الفتاوى (28/537-538)..

ص 2880

المرحلة الثالثة: والتي عبرتم عنها بقولكم في السؤال المذكور: «وكذلك الحال اليوم في مشروع المصالحة -أخزاه الله-، بعد ذلك هناك من يبقى في خدمة الطَّاغوت، ومنهم من يعود إلى حياته العادية، وربَّما يبقى محافظا على صلاته، وقد يعلن ندمه، وقد يريد التّعامل مع المجاهدين».

والحكم فيها لا أرى فيه فرقًا عما ذكرته فيما سبق، وتفصيل القول في هذه الأصناف الثلاثة التي ذكرتموها في السؤال قد اتضح من خلال الكلام على المرحلتين السابقتين:

- فالصنف الأول: وهم الذين يبقون في خدمة الطاغوت، فهؤلاء إن كان المقصود من بقائهم في خدمة الطاغوت هو مساندتهم ومعاضدتهم له ضد المجاهدين بالمطاردات والاعتقالات ونصب الأكمنة والدلالة على العورات وكشف الأسرار المضرة ضررًا حقيقيًا.

فما داموا مصرين على ذلك متلبسين بهذه الأمور؛ فحكمهم حكم من أعانوه، ولا أرى كبير فائدة في البحث عن حكمهم، وهل هم كفارٌ أم لا؛ لأن ما يعنينا هنا هو التعامل معهم في مسألة القتال لكف شرهم وهذا قد تبين الأمر فيه.

وتكفير هؤلاء موضع اجتهاد، لكن ينبغي أن يفصل في أحوالهم ويحكم على كل بما يستحق، والحالات الواضحة واضحة، وما أشكل عليكم واحتملَ فدعوه.

- الصنف الثاني: الذي رجع إلى حياته العادية؛ فهذا كغيره من عوام المسلمين التاركين للجهاد منهم المعذور ومنهم المأزور، فلا تشغلوا أنفسكم بهم إلا على جهة التحريض لهم، وتذكيرهم بأيام عزهم وجهادهم، ودعوتهم للتوبة والمبادرة إليها، وعدم تقنيطهم من رحمة الله، وإعلامهم بأن خير باب لتكفير السيئات ومغفرة الخطايا هو الجهاد في سبيل الله كما قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ١٠ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١ يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [الصف: 10-12].

ص 2881

- الصنف الثالث: وهم النادمون على ما فعلوا والذين يريدون التعامل مع المجاهدين، فهؤلاء بعد التحقق من صدقهم، وخلوهم من تجنيد الطاغوت لهم؛ ينبغي احتواؤهم والاعتناء بهم وعدم تعييرهم بما اقترفوا ولا تذكيرهم بما ارتكبوا فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.

ولتكونوا فرحين بتوبتهم مستبشرين بعودتهم، معينين لهم على الثبات مؤملين لهم في تعويض ما فات، ومن ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط، ولكن ينبغي إن انشرحت صدورهم للرجوع: الاعتناء بترسيخ المفاهيم الجهادية لديهم بل لدى جميع المجاهدين من خلال ذكر فضائل الجهاد وعظيم أجر المجاهدين، وما ينعم الله به عليهم في الدنيا قبل الآخرة من العز وفرح النصر وقوة الإيمان وإذلال الجبابرة وكسر الكياسرة، وكَتْب القبول لهم في قلوب الناس، ثم يوم القيامة هم من المكرمين.

ونسأل الله أن يتولانا ويتولاكم برعايته وعنايته وتوفيقه فهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين

❖ ❖ ❖

السؤال الثاني: أثناء الحرب سلَّح الطَّاغوت أفراد الشَّعب، وهم على صنفين:

الأول: ميليشيات لها نظامها الخاص، وفي إطار مشروع المصالحة نُزع سلاح بعضهم.

الثاني: القرى التي حملت السِّلاح طوعا أثناء فتنة المجازر أو كرها من الطَّاغوت، وبعضهم وضع اليوم السِّلاح.

كلا الصَّنفين منهم من ثبت تورَّطه في قتل الإخوة، نريد أن نسترشد في معرفة حكم هؤلاء وطريقة التَّعامل معهم.

ص 2882

الجواب: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن ما ذكرته من تفصيل في السؤال السابق ينطبق على هؤلاء، وأزيد هنا -نصحًا- وليس حكمًا-، وهو أنه ينبغي على المجاهدين أن يضيقوا دائرة استهدافهم بقدر الإمكان، وذلك لأن إمكاناتهم محدودة وقدراتهم ضيقة؛ ولأن من مصالح الطاغوت بل من مكائده وخططه فتح جبهات جديدة يشغلكم بها وكلما كانت تلك الجبهات أبعد عن مؤسسات الدولة وركائزها ودوائر التأثير فيها؛ كانت أحب إليه وأنسب له وأقرب لنجاحه.

فأرى أن تقسموا المستهدَفين الحاملين للسلاح ضد المجاهدين إلى قسمين:

الأول: هم الذين تتقصدونهم في عقر دارهم وتتعمدون قتلهم وقتالهم؛ فتشنون عليهم الغارات وتنصبون لهم الكمائن وتغتالون رؤوسهم وتفجرون ثكناتهم، وهؤلاء هم الذين تقوم عليهم منظمات الدولة أصالة كالجيش والدرك والاستخبارات وغيرها، مما يعد جهازًا من أجهزة الدولة التي تقوم عليها.

الثاني: وهم الذين يكون استهدافهم على سبيل الدفاع والرد والطرد، بمعنى أن تكفوا عنهم ما كفوا عنكم وأن تدفعوهم بحسب الممكن وقدر الحاجة إن تقصّدوكم، حتى لا يتفاقم أمرهم شيئًا فشيئًا فيتخذهم النظام حصنًا له ودرعًا يتقي به ويحتمي من ورائه ويبقى هو وأجهزته المخذولة في مأمن يدير المعركة ويضع الخطط ويصدر الأوامر من وراء الستور.

وأنا هنا لا أتحدث على حكم قتال هؤلاء «يجوز أو لا يجوز»؛ فإن هذا الأمر بين والحمد لله وهو أن كل من حمل السلاح بقصد إعانة الدولة ومظاهرتها على المسلمين مع مباشرته لذلك فحكمه حكمها يقاتل وإن رغم أنفه، ولكم ما ذكرته للتنبيه حتى لا ننساق وراء برامج خبيثة يضعها دهاقنة المكر في النظام ويستدرجنا إليها لاستهلاك طاقاتنا وإنهاك قوانا وتشتيت جهودنا وسط بحر متلاطم من المعارك الجانبية التي لا تحسم الصراع ولا تنكي في جسم النظام المرتد.

❖ ❖ ❖

ص 2883

ص 2884

السؤال الثالث: بعض المناطق فيها نساء «زوجات المجاهدين» في الجبال وأطفال صغار، ومناطق فيها مرضى من ذوي أمراض مزمنة كالشَّلل والعمى ومرض السُّكر... أمراض تُعيق عن الجهاد، وتسبِّب حرجًا كبيرًا للمجاهدين، بل قد تشلُّ الأداء كلّيًا أو جزئيًا، وقد يُؤسر هذا المريض في «تمشيطات»؛ فهل يجوز لنا اغتنامًا للظَّرف التَّخفيفي للمصالحة إنزالهم لذويهم كي يتولّوا إعالتهم؟ والله الموفِّق للخير.

الجواب: هؤلاء الذين ذكرتم وبهذه الأوصاف لا يجب عليهم الجهاد أصلًا، أما الأطفال فلعدم التكليف، وأما النساء فلحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: (نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)٣٬٦٢٤رواه أحمد [٢٥٣٢٢] وابن ماجه [٢٩٠١] بإسناد صحيح.، وعنها أيضًا أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ فقال: (لكن أفضل الجهاد حج مبرور)٣٬٦٢٥صحيح البخاري: (2784)..

وأما أصحاب الأمراض المزمنة التي تعوق عن الجهاد ويكون أصحابها عبئًا على المجاهدين فلقول الله تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ [الفتح: 17]، وقوله ﷻ: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 91].

 قال في تفسير الجلالين٣٬٦٢٦[ص 256].: «﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ﴾ كالشيوخ ﴿وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ﴾ كالعمي والزَّمنى ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾ في الجهاد ﴿حَرَجٌ﴾ إثم في التخلف عنه ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ﴾ في حال قعودهم بعدم الإرجاف والتثبيط والطاعة ﴿مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ بذلك ﴿مِن سَبِيلٖۚ﴾ طريق بالمؤاخذة ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٞ﴾ لهم ﴿رَّحِيمٞ﴾ بهم في التوسعة في ذلك».

ص 2885

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي ﷺ فقال: (إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا حبسهم العذر)٣٬٦٢٧صحيح البخاري: (2839).، رواه البخاري وأبو داود ولفظه: أن النبي ﷺ قال: (لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم، قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم المرض)٣٬٦٢٨صححهُ الألباني في صحيح أبي داود: (2508)..

فالحاصل أن أصل بقاء هؤلاء على قمم الجهاد لأجل الجهاد ليس متوجبًا عليهم إلا إن كان ذلك لحفظ أنفسهم وأعراضهم من زبانية الطاغوت، فنزولهم عن الجبال وبقاؤهم مع أهليهم ليس عليهم فيه شيء من حيث الأصل ما دام الشرع قد رفع عنهم الحرج والجُناح، فكيف إذا انضاف إلى وجودهم تعويق وتعطيل المجاهدين وإشغالهم بهم عن الأمور الأهم والأعظم فلا شك في جوازه في هذه الحالة إن لم نقل بوجوبه، وإنما ينظر في المَُعارِض وهو ما يترتب على نزولهم من المفاسد والمضار التي يدركها ويقدرها المجاهدون أنفسهم وهم الذين يستطيعون تقويمها، وتلك المفاسد من قبيل اعتقال النساء وتعريضهن للمجرمين، وكاعتقال المرضى وإلزامهم بإعطاء معلومات مضرة بالجهاد والمجاهدين.

فإذا انتفت هذه المفاسد وغيرها مما يظهر لكم في الواقع والتي تكافئ أو تزيد على تحمل تكاليف بقائهم بينكم؛ جاز لكم إنزالهم وربما وجب ذلك، خاصة وأنكم ذكرتم أن هناك من أهليهم من يقوم بإعالتهم والقيام عليهم، وهذا الحكم قد يختلف من شخص إلى آخر ومن امرأة إلى أخرى بحسب حال كل واحد منهم، فلا يلزم أن يأخذ الجميع حكمًا واحدًا، والله تعالى أعلم.

❖ ❖ ❖

ص 2886

السؤال الرابع: كما عرفت وأنت عندنا أنَّ المجاهدين لا يميلون إلى سماع الأناشيد الإسلامية، لكن اليوم بعد انتشار إنتاج الجماعات الجهادية بيننا بدأت المسألة تطرح نفسها، لكن البعض يتحرَّج من جهة بعض الأنغام التي تشبه إلى حدٍّ ما نغم الغناء، ومن جهة اشتغال المجاهد عن القرآن؛ فما توجيهكم حفظكم الله في هذا الموضوع؟

الجواب: أما ما ذكرتم من أن المجاهدين تجاهكم لا يميلون إلى الاستماع إلى الأناشيد، فهذا شيء أراه حسنًا وهو مما يثنى به عليهم.

أما من حيث أصل حكم الأناشيد فهي من قبيل المباح إذا خلت من الموانع، وما هي إلا شعرٌ أُدِّي بطريقة معينة سواء سمي نشيدًا أم شعرًا.

قال الإمام ابن حزم رحمه الله: «الأصل أن رواية الشعر حلال؛ باستنشاد النبي ﷺ للأشعار وسماعه إياها»٣٬٦٢٩الإحكام في أصول الأحكام (7/329).، بل قد قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «وليس في إباحة الشعر خلاف، وقد قاله الصحابة، والعلماء، والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة العربية، والاستشهاد به في التفسير، وتعرف معاني كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ويستدل به أيضا على النسب والتاريخ وأيام العرب ويقال: الشعر ديوان العرب»٣٬٦٣٠المغني (10/176)..

وليست مقاصده ودواعيه محصورة فيما ذكره الإمام ابن قدامة هنا، فكثيرًا ما كان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون الشعر دفاعًا عن رسول الله ﷺ، وذكرًا لفضل الله عليهم بالهداية، وهجاء للمشركين وردًا على أشعارهم الباطلة، وتحضيضًا على الجهاد وشدًا للعزائم، وذكرًا لبطولاتهم وتنويهًا بشجاعتهم، وتمثلًا بما فيه من الحِكَم، وذكر الأمثلة على كل هذا يطول وهو مشهور منثور في كتب الحديث والسير والتاريخ وغيرها.

ص 2887

والشعر كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح؛ كما جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ الشعر فقال رسول الله ﷺ: (هو كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح)٣٬٦٣١رواه الدارقطني [٤٣٠٦]، والبيهقي [٢١١١٣]، وقال الهيثمي [في المجمع: (13317)]: «رواه أبو يعلى وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وثقه دحيم وجماعة وضعفه ابن معين وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح»، وحسنه الشيخ الألباني.، وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: (الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام)٣٬٦٣٢رواه الدارقطني [٤٣٠٨] والطبراني في الأوسط [٧٦٩٦]، والبخاري في الأدب المفرد [٨٦٥] وصححه الألباني [في صحيح الأدب المفرد].، وعن أُبَيّ بن كَعْبٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (إِنَّ من الشِّعْرِ حِكْمَةً)٣٬٦٣٣صححهُ الألباني في صحيح أبي داود: (5010)..

وقال الإمام النووي رحمه الله: «وقال العلماء كافة: هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه، قالوا وهو كلام؛ حسنه حسن وقبيحه قبيح، وهذا هو الصواب فقد سمع النبي ﷺ الشعر، واستنشده، وأمر به حسان في هجاء المشركين، وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار وغيرها، وأنشده الخلفاء وأئمة الصحابة وفضلاء السلف، ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه وانما أنكروا المذموم منه وهو الفحش ونحوه»٣٬٦٣٤صحيح مسلم بشرح النووي: (15/14)..

والمباح حينما يكون وسيلة فإنه يأخذ حكم غايته إذا تعين طريقًا لها.

 ولا شك أن كثيرًا من هذه الأناشيد كان لها دور كبير في التحريض على الجهاد، ورفع الهمم فيه، ودفع النفوس للتوافد على ساحاته، وتحقير شأن الكفار والتهوين من قوتهم، والإشعار بعلو العقيدة وسمو أهلها، وهذه كلها مقاصد شرعية حسنة مطلوبة.

وإنما وقع التوسع المنبوذ في هذه الأناشيد من جهتين:

ص 2888

الأولى: كثرة الاستماع إليها والإدمان على ذلك، حتى ربما أشغلت الكثيرين عن ذكر الله وتلاوة كتابه وتعلم أحكامه، وغدت جارية على ألسنتهم في كل حين، والانسياق وراء ذلك لا شك أنه من استدراج الشيطان واتِّباع خطواته، فالإنسان -إن كان لا بد مستمعًا- فعليه أن يكون مقتصدًا في هذا الباب بحيث لا يجعل ديدنه الاستماع إلى تلك الأناشيد بحاجة وبغير حاجة، فقد قال النبي ﷺ في شأن الشعر: (لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ من أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا)٣٬٦٣٥صحيح البخاري: (6155)، صحيح مسلم: (2258).، وقد ساق الإمام البخاري هذا الحديث تحت: «باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن».

ولهذا فإذا تأملنا في بعض المواطن التي كان الصحابة رضي الله عنهم ينشدون فيها الأشعار نراها في الغالب حيثما تحتاج النفس إلى تنشيط وتصبير وتقوية طردًا للملل عنها وشحذا لهمتها في العمل كما كان حالهم عند حفرهم للخندق.

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا

وَلَا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا

وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إن لَاقَيْنَا

إِنَّ الْأَعْدَاءَ قد بَغَوْا عَلَيْنَا

إذا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

يَرْفَعُ بها صَوْتَهُ٣٬٦٣٦[صحيح البخاري: (2870)، صحيح مسلم: (1803)]..

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

(اللهمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخرة

فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ والمهاجرة)

ص 2889

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا

على الْجِهَادِ ما بَقِينَا أَبَدَا٣٬٦٣٧صحيح البخاري: (3034)، صحيح مسلم: (1802).

وساق البخاري هذا الحديث تحت باب «التحريض على القتال».

وقال البدر العيني رحمه الله في هذا الحديث: «وفيه استعمال الرجز والشعر إذا كانت فيه إقامة النفوس وإثارة الأنفة والمعرة»٣٬٦٣٨عمدة القاري (14/131)..

ومثل هذا كثير مشهور في كتب الحديث لا نحتاج إلى إطالة بذكره.

الثانية: جهة التوسع في كيفية أدائها من حيث التعمد في اختيار ذوي الأصوات الرخيمة لإنشادها والمبالغة في تلحينها حتى صار كثير من تلك الأناشيد تطابق أو تقارب ألحان أهل الفساد وتجري على نسقهم، وأصبح جمٌ غفير من المستمعين لها لا يلتفتون إلى معاني كلماتها أكثر من اعتنائهم بألحانها، وقد يكون في هذا تشبه بأهل الفسق في صنائعهم وسلوكهم، ومثل هذه الأناشيد المتميعة الممطة المائلة المميلة ينبغي للمسلم أن ينأى بنفسه عنها، وهي مميتة للقلب أكثر من كونها محضضة على القتال وجالبة لساحات النزال.

قال ابن قدامة رحمه الله: «وأما الحداء وهو الإنشاد الذي تساق به الإبل فمباح لا بأس به في فعله واستماعه... وكذلك نشيد الأعراب وهو النصب لا بأس به وسائر أنواع الإنشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء»٣٬٦٣٩المغني: (12/44)..

ص 2890

فالذي ينبغي للمجاهد خصوصًا، وللمسلمين عمومًا هو عدم الإغراق في الاستماع لهذه الأناشيد، وعدم تعويد النفس عليها فإن النفس قرينة ما تألف، وأن يتخيروا لها أوقاتها المناسبة وأحوالها الملائمة لدفع السآمة وتقوية العزائم وتثبيت النفس عند مواطن الجلاد كل ذلك بما لا يخرج عن الطور المعتاد، بل عليهم أن يكثروا من ذكر الله تعالى، كما قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 41]، وقوله ﷻ: ﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [الأحزاب: 35]، وأن يجتهدوا في تلاوة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار وأن يجعلوه أنيسهم ورفيقهم في كل موطن، فهو خير الكلام الهادي إلى صراط مستقيم.

هذا ولأمير الجهاد أن يمنع من هم تحته من الاستماع لأناشيد معينة يرى فيها ضررًا عليهم في دينهم أو أخلاقهم إما لاشتمالها على ما لا ينبغي من المعاني أو لمشابهتها لألحان الغناء أو لغير ذلك مما يظهر له من المصالح والمرجحات.

وبهذا يُعرف أيضًا أنه لا بأس إن شاء الله من استعمال الإخوة للأناشيد الخالية من الموانع المشار إليها وغيرها، في أشرطتهم التحريضية التي ينشرونها تعريفا بعملياتهم وجهادهم وإرغاما لأعداء الله تعالى ودعوة إلى الجهاد وإلى التوحيد، وليتحروا الأنقى والأبعد عن تلك المفاسد المشار إليها، وليسددوا وليقاربوا، والله الموفق.

والله تعالى أعلم، والحمد لله أولًا وآخرًا

ملاحظة: اطَّلع عليه وأقرَّه الشيخ أبو الوليد الفلسطيني والشيخ عطية الله

❖ ❖ ❖