خطبة عيد الأضحى «1429»
[ذو الحجة 1429هـ / 12 - 2008م]
۞
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم فاجزه عنا خير ما جزيت نبيًا عن أمته، صلى الله عليه صلاةً دائمة باقية إلى يوم يبعثون، ثم أما بعد...
فيا من رضيتم بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا، اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
اتقوا الله، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، خذوا بوصية الله ﷻ التي وصَّى بها الأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ [النساء: 131].
أيها الإخوة المؤمنون: في زمنٍ تكالبت فيه الشدائد، وتوالت فيه المحن، وأطبقت فيه الخطوب، وتبجح فيه الكفر، واستعلى فيه الظلم، وقُهِر فيه أهل الإيمان والصدق واليقين، في هذا الزمن الذي رفعت فيه الأكف إلى الله ﷻ تجأر إليه وتستغيث به وتسأله نصرًا وفتحًا وفرجًا.
يأتي مثل هذا اليوم ليربطنا بماضٍ سحيق؛ يذكرنا أن أمتنا هي أمة التضحية، وأن أمتنا هي أمة الفداء، وهي أمة الصبر على الشدائد، وهي أمة الفرج بعد الضيق، والسعة بعد العسر.
نعم، هذا اليوم هو اليوم الذي نجَّى فيه الله ﷻ عبده ونبيه إسماعيل من الذبح؛ ليكون سُنة باقية وشريعة مستمرة، من لدن إمام الحنفاء وأبي الأنبياء وأبي الضيفان... إبراهيم عليه السلام.
هذا النبي العظيم الذي أُمر نبينا ﷺ أن يقفو أثره ويسير على سنته ويستمسك بملته، قال الله ﷻ: ﴿ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ﴾ [النحل: 123]، إبراهيم عليه السلام الذي آتاه الله رشده في صغره، إبراهيم عليه السلام الأواه المنيب، إبراهيم عليه السلام الذي جعله الله للناس إمامًا، سيرته هي سيرة التضحية، سيرته هي سيرة الصبر على البلاء والعناء والضنى حتى لقي الله ﷻ.
هذا اليوم الذي جعله الله ﷻ وشرع فيه هذه الشرائع، وقال فيه النبي ﷺ كما في حديث أنس رضي الله عنه، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال رسول الله ﷺ: (ما هذان اليومان؟)، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: (إن الله أبدلكم بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر)٣٬٢٥٦[رواه أحمد: (١٢٠٠٦)، وأبو داود: (١١٣٤)، والحاكم: (١٠٩١)، وقال: «حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»]..
نعم إنه انقطاع عن عالم الجاهلية واستئناف لحياة جديدة، حياة ترتكز على الاستسلام والإذعان والانقياد لله ﷻ في كل صغيرة وكبيرة، حتى في الفرح حتى في الأكل حتى في الحزن، كلها أوامر من عند الله ﷻ، وكلها أحكام من عند الله ﷻ.
وحريٌّ بنا أن نقف وقفات على سيرة هذا النبي العظيم إبراهيم عليه السلام، الذي نسبت كل أمة نفسها إليه، فكلِّ أمة نسبت نفسها إلى إبراهيم عليه السلام، ولذلك قال الله ﷻ: ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67].
إبراهيم عليه السلام بدأ سيرته بدعوة والده كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، قال الله ﷻ: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١ إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا﴾ [مريم: 41-42].
إنها معركة العبادة، معركة الحياة كلها بين الحق والباطل كلها: ﴿يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢﴾؛ حجرٌ تنحته بيديك أو خشب تصنعه بيديك، ثم تخر له ساجدًا أو راكعًا تستغيث به وتدعوه، تطلب منه النفع وأن يدفع عنك الضر وهو لا يسمع ولا يبصر ولا يملك لنفسه شيئًا؟!
أيها الإخوة: هذه هي محك المعركة بين أهل الإيمان وأهل الباطل، هي معركة العبودية لله ﷻ، وهي معركة الكفر بكل طاغوت سواء كان حجرًا أو شجرًا أو بشرًا أو منظمة أو قانونًا أو دستورًا، أو أي أمر من الأمور التي يعظمها ويعبدها ويفخمها أصحابها.
إن العبادة هي العبادة، والطاغوت هو الطاغوت، سواء كان في العصر الحجري، أو كان في القرن الحادي والعشرين؛ هي عبادة لغير الله ﷻ، سواء كانت للأمم المتحدة، أو كانت لمجلس الأمن، أو كانت للمجلس التشريعي، أو كانت لمجلس الشعب، أو كانت لبوش، أو كانت لأوباما، أو لغيرهم، الطاغوت هو الطاغوت، فعلينا أن نسمي الأشياء بأسمائها الشرعية.
﴿يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا﴾ [مريم: 42-43]: إن العلم الذي ينتفع به أهله هو العلم الذي يقود إلى الله ﷻ، هو العلم الذي يهدي إلى الصراط المستقيم، هو العلم الذي يوصلك إلى رضوان ربك وينقذك وينجيك من النار، أما علوم الدنيا فهذه كلها مكملات مهما بلغ فيها الإنسان سواء كان دكتورًا أو بروفيسورًا... أو غير ذلك من تلك الشهادات، فهذه لا قيمة لها ما لم يستعملها الإنسان في طاعة الله ﷻ.
تجد الإنسان قد بلغ من علوم الدنيا مبلغًا لا يتصوره الإنسان، عالم في الذرة، وعالم في التكنولوجيا، وعالم في كذا... وتجده يعبد حجرًا أو يعبد فأرًا أو يعبد نملة، أي عقل هذا وأي علم هذا الذي تتبجح به؟! وأية شهادةٍ هذه التي تفتخر بها؟!! شهادة لم تنقذك من عبادة فأر! شهادة لم تنقذك من عبادة حجر! شهادة لم تهدك ولم ترشدك ولم تخرجك من عبادة شيء من أصنام الدنيا!
إذن العلم الذي ينتفع به صاحبه، والذي عليه أن يحرص عليه وأن يجتهد فيه؛ هو العلم الذي يوصلك إلى الله ﷻ، وهذه الآية تبيِّن لنا أن قيمة الإنسان ليست في عمره، ولا في نسبه، ولا في مكانته في المجتمع، وإنما في عبوديته لله ﷻ، قال له: ﴿يَٰٓأَبَتِ﴾ وإن كنت أبي وأكبر مني وأقدم مني وأخبر مني: ﴿إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣ يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا﴾ [مريم: 43-44]، سبحان الله، أوالد إبراهيم سجد للشيطان؟ ركع للشيطان؟ استغاث بالشيطان؟ كلا، إذن كيف يقول له: لا تعبد الشيطان؟ كل من عبد شيئًا من دون الله ﷻ؛ فهو عابد للشيطان، ولن يكتشفوا هذه الحقيقة إلا يوم القيامة عندما يقول الله ﷻ لهؤلاء الكفرة كلهم: ﴿۞أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠ وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ﴾ [يس: 60-61].. فهؤلاء كانوا عبدة للشيطان.
إذن عبدة الشيطان ليست هي الفرقة التي اشتهرت في هذا العصر، بل كل من عبد غير الله ﷻ؛ فهو عبدٌ للشيطان، كل من قاتل في غير سبيل الله ﷻ؛ فهو مقاتل في سبيل الشيطان، كما قال الله ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76].
يا عبد الله، يا من آتاك الله هذا العقل ليميزك عن بقية السوائم والبهائم: كيف ترضى لنفسك أن تكون عبدًا للشيطان؟! هذا الشيطان الذي سيتبرأ منك أحوج ما تكون إليه ليزيدك كبتًا على كبتٍ، كما قال الله ﷻ: ﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ﴾ [إبراهيم: 22].
انظر كيف يتبرأ من أصحابه وأتباعه، هذه الجيوش الكثيرة التي تتبعه وتقاتل في سبيله وتنافح عن دينه كلهم يتبرأ منهم في ذلك الموقف العصيب وفي تلك النار الحارقة قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ﴾ [إبراهيم: 22]، هل أنا قلت لكم: اتبعوا الأمم المتحدة؛ فقلتم حي هلا!، هل قلت لكم: اركضوا وراء مجلس الأمن؛ قلتم: حي هلا!، هل قلت لكم: ادخلوا إلى المجلس التشريعي أو البرلمان أو مجلس الأمة أو مجلس الشعب، فقلتم: نعم هذه مصالح ومفاسد! إلى غير ذلك من الترهات الشيطانية التي لن تغني عن أصحابها شيئًا يوم القيامة: ﴿۞أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ [يس: 60].
إذن قال إبراهيم عليه السلام: ﴿يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤ يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا﴾ [مريم: 44-45]، فماذا ردَّ عليه أبوه كما هي عادة المستكبرين المتجبرين الذين لا حجة لهم إلا قد وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون؟ ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ﴾ يعني لئن لم تنته عن تسفيه آلهتنا وتقبيحها ﴿لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهـۡجُرۡنِي مَلِيّٗا﴾ [مريم: 46]، قال العلماء: لأرجمنك بالقول يعني: لتسمعن مني سبًا وشتمًا ولعنًا وقذعًا وغير ذلك، وهذا المقصود بالرجم هنا، وهذه هي عادة الكفرة في كل زمان وفي كل مكان: عندما تنقطع حجتهم وليس لديهم قدرة على المحاجة ولا على المناظرة ولا على رد الحق، لجؤوا إلى حجتهم التي توارثوها واحدًا تلو الآخر؛ وهي التهديد والوعيد والسب والشتم والسجن؛ ﴿قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهـًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29]، وقال هنا: ﴿لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهـۡجُرۡنِي مَلِيّٗا﴾ [مريم: 46].
هذا الرجمُ بالقول الذي هو التسفيه والسب والشتم والطعن والتشكيك وغير ذلك هو الذي تمارسه وسائل الإعلام في هذا العصر، التي ما تركت نقيصةً إلا وألصقتها بالإسلام وبالمسلمين وبالصادقين المجاهدين، قالوا عنهم: متطرفون، قالوا عنهم: إرهابيون، قالوا عنهم: متحجرون، قالوا عنهم: رجعيون، قالوا عنهم: سفاكون للدماء، قالوا عنهم: قتلة للأبرياء، وغير ذلك من الألقاب والسب والشتم الذي تبعوا فيه والد إبراهيم عليه السلام.
﴿قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧ وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا﴾ [مريم: 47-48] نعم؛ إن إبراهيم عليه السلام قد تأدب مع والده في الدعوة: يا أبت، يا أبت، يا أبت.. ولكن، هل ميَّع إبراهيم الحق الذي يريد أن يوصله إلى والده؟ كلا.
إن الحق يُبلَّغ كما أمر الله ﷻ: الحكمة التي يزعمها البعض ليست في تمييع الحق، ولا في التلاعب بأحكامه، ولا في تطويعه للأهواء التي تارةً تسمى بالحكمة، وتارةً تسمى بالعقل، وتارةً تسمى بالوسطية، وتارةً بالتوازن... إلى غير ذلك، وإنما هي الأهواء؛ كما قال الله ﷻ: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18]، وقال الله ﷻ: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ﴾ [المؤمنون: 71].
إذن فإنَّ الحكمة في الدعوة لا تعني أن نتلاعب بأحكام الله ﷻ، والحكمة في الدعوة لا تعني أن نطوِّع أحكام الشرع بحسب أهواء بوش وبحسب أهواء غيره من الكفرة، الحكمة تعني أن نبلغ الحق كما هو من غير نقص ومن غير زيادة، وبالأسلوب الحسن، كما قال الله ﷻ: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: 125].
ثم عندما أصر والد إبراهيم على كفره واستمسك بضلاله وتمادى في غيه وهدد وتوعد، قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي﴾ [مريم: 48]، وهكذا ينبغي أن يكون حال المؤمن: يستمسك بالحق ولا يتنازل عنه، لا يربط نفسه بأرض ولا بقوم ولا بوظيفة ولا بمال ولا بزوجة ولا غير ذلك من أمور الدنيا كلها، وإنما يكون همه إرضاء الله ﷻ.
فلو أن الأرض كلها عادتك واضطرتك أن تنبذهم، وأن تهجرهم وتبتعد عنهم، وتقاطعهم في سبيل الله ﷻ؛ فليكن ذلك في سبيل الله ﷻ، قال إبراهيم عليه السلام: ﴿سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧ وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [مريم: 47-48]، ما قال: سأعتزل آلهتكم، قال: سأعتزلكم، فلا بد من اعتزال الكفرة، ولا بد من مقاطعتهم، ولا بد من البراءة منهم، ولا بد أن يعرفوا أننا على سبيل وهم على سبيل، نحن في شق وهم في شق، نحن في طريق وهم في طريق.. أما الاختلاط والامتزاج والتلاعب بأحكام الشرع وألفاظه؛ فهذه ستؤدي إلى ضلال كبير وإلى فساد عريض؛ كما قال الله ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ﴾ [الأنفال: 73].
وهذه سنة إبراهيم عليه السلام التي أُمِرنا باتباعها، قال الله ﷻ: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ﴾ [الممتحنة: 4]؛ هي البراءة من الكفرة قبل أن نتبرأ من معبوداتهم، لأن هذه المعبودات لم تكن آلهة، ولم تصر معبودة، إلا بأفعالهم وتعظيمهم وتفخيمهم ودعوتهم وصبرهم عليها إلى غير ذلك، ﴿إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ﴾.
إذن هؤلاء الذين يريدون أن يخلطوا الأحكام ويقولون لك: «نحن نتبرأ من أحكامهم، ونتبرأ من كفرهم، ونتبرأ من ضلالهم، ولكن هؤلاء مسالمون»، فسواء هم مسالمون أو محاربون أو معاهدون أو مستأمنون؛ كل كافرٍ يجب البراءة منه، قال الله ﷻ: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ﴾ [المجادلة: 22] هؤلاء هم أقرب الأقربين: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [التوبة: 23]، هذه هي سنة إبراهيم عليه السلام التي أُمِر نبينا ﷺ أن يسير عليها وأن يدعو إليها وأن ينسب نفسه إلى ملته عليهم الصلاة والسلام، قال ﷻ: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ﴾ قبل الكفر بآلهتهم، ﴿وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]، هذا هو مدار العلاقات في الدنيا، هو الإيمان بالله ﷻ والاستسلام لأحكامه، وإلا فإن الكافر سيبقى كافرًا، وإن الظالم سيبقى ظالِمًا، والضال سيبقى ضالًا، والمؤمن سيبقى مؤمنًا.
نعم -أيها الإخوة- هذا هو الموقف الأول في مسيرة أبينا إبراهيم عليه السلام؛ فكانت أول خطوة من البلاء يخطوها مع أقرب الأقربين وهو والده، وإبراهيم عليه السلام صبر وصابر واستمسك بالحق واعتزل الكفرة واعتزل آلهتهم؛ فآتاه الله ﷻ ثواب الدنيا وحُسن ثواب الآخرة؛ قال الله ﷻ: ﴿فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا﴾ [مريم: 49]، قال العلماء: لما تبرأ إبراهيم من أبيه واعتزل قومه لله ﷻ؛ أبدله الله بهم من هو خير منهم وجعل في ذريته النبوة والكتاب، فما من نبيٍ مرسل بعد إبراهيم إلا ويرجع نسبه إليه كرامةً له ﷺ.
وهكذا -أيها الإخوة- عاقبة الصبر على الحق والخير.. فالإنسان عندما يصبر على طريق الحق ويثبت عليه ويتحمل في سبيله كل عناء وبلاء؛ فليعلم يقينًا أن عاقبته خير في الدنيا والآخرة كما قال الله ﷻ، وانظروا إلى بني إسرائيل وما لقوه على يد فرعون من التقتيل إذ كان يستحيي نساءهم ويقتل أبناءهم فلما صبروا واحتسبوا قال الله ﷻ: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ﴾ [القصص: 5-6].
فلذلك نقول للإخوة المجاهدين في كل مكان كما قلنا مرارًا ونعيدها حتى يترسخ هذا المعنى في قلب كل من أراد أن يسلك طريق الجهاد؛ ليُمكّن لدين الله ﷻ: إن طريق الجهاد طريق تكرهه النفوس لما علق به من المحن والابتلاءات، من الجوع والفقر، والهجرة والتقتيل والجراحات والأسر وغير ذلك من الأمور التي لا تكاد تنفك عنه، ولكن كلما صبر الإنسان واحتسب وعلم أن الله ﷻ معه في مسيرته؛ فليعلم أن عاقبة أمره خيرًا، أن عاقبة أمره تمكّين لدين الله ﷻ، سواء كان على يديك أو على يدي من يسير على أثرك ويقفو خطاك.
فيا أيها الإخوة -سواء في أفغانستان، أو إخواننا المجاهدون في العراق، أو إخواننا المجاهدون في الصومال، أو في الجزائر أو في فلسطين-: لا تنظروا إلى ما أنتم فيه من الضعف والقلة والذلة وتسلط الكفرة وتكالب الأمم واتفاقها عليكم، لا تنظروا إلى هذا، ولكن انظروا إلى الطريق الذي تسلكونه؛ هل هو طريقٌ حق يوصلكم إلى رضوان الله ﷻ؟ هل هو الطريق الذي أمركم الله ﷻ؟ أليس هو الطريق الذي قال الله ﷻ فيه: ﴿۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ﴾ [النساء: 74]، أليس هو الطريق الذي قال الله ﷻ فيه: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ [التوبة: 41]، أليس هو الطريق الذي قال الله ﷻ فيه: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٌ لَّكُمۡۖ﴾ [البقرة: 216].. وغير ذلك من آيات الجهاد؟
فما دام هو طريق الجهاد، هو طريق هذه العبادة التي سلكها النبي ﷺ وسلكها صحابته في حياته ومن بعده، هو الطريق الذي كُسرت فيه رباعيته ﷺ وشُجَّ فيه رأسه وجُرح فيه وجهه وسقط في الحفرة، ولكنه صبر ﷺ واحتسب وعلم أن الله ﷻ معه وأن وعد الله ﷻ متحقق لا محالة؛ فإذن إذا صبرنا واحتسبنا وعلمنا أن الله ﷻ معنا يُمدنا ويوفقنا ويحفظنا ويعيننا ﷻ؛ فلنكن مطمئنين تمام الاطمئنان أن العاقبة لدين الله ﷻ على رغم أنف هؤلاء الكفرة الذين يمكرون الليل والنهار، ويكيدون سرًّا وعلانية، ووالله لن تغني عنهم جيوشهم شيئًا، ولن يغني عنهم إعلامهم شيئًا، ولن يغني عنهم مكرهم شيئًا؛ لأن الله ﷻ هو الذي تكفل برد مكرهم في نحورهم، قال ﷻ: ﴿وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ﴾ [الأنفال: 30]، فامكر يا بوش! وامكر يا أوباما!
فلتمكروا كما شئتم؛ فإن الله ﷻ هو من يَرُدُّ عنا، وهو من يدافع عنا، وهو من سيجعل كيدكم في نحوركم، وتخرجوا من أرض الإسلام مرغمين مهزومين مقموعين والحسرة تأكل قلوبكم، ولن تستطيعوا أن تفعلوا شيئًا، إنه دين الله ﷻ، تحاربون مَن أيها البُله؟! تحاربون من أيها الحمقى؟! تحاربون من أيها المجانين؟! إنكم تحاربون من تعيشون في ملكه، إنكم تحاربون من يطعمكم ويسقيكم، إنكم تحاربون من يُنعم عليكم بالصحة والعافية، إنكم تحاربون من سخَّر لكم هذه الجيوش.
فلذلك نقف الوقفة الثانية مع سيرة إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام؛ عندما وقف أمام طاغية من الطغاة المتجبرين كما هو دأبهم وحالتهم: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ﴾ انظر إلى هذا الطاغية، قال الله ﷻ: ﴿أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ﴾ يحاجج في من أعطاه ملكه، يحاجج في من مكَّن له في الأرض، يريد أن ينكر ألوهية الله ﷻ، قال ﷻ: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: 258]، الله ﷻ هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا.
فقال هذا الطاغية المتجبر المستعلي: ﴿قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ﴾ كلمات نسمعها مرارًا وما يشاكلها من هؤلاء الطغاة الذين طمس على قلوبهم وهم في غيهم يعمهون، قال العلماء: فأحضر رجلين قد حُكم عليهما بالقتل فقتل أحدهما وعفا عن الآخر؛ فقال: قتلت هذا وأحييت هذا.
فإبراهيم عليه السلام علم سفه هذا الطاغية، ولكن ما أراد أن يحاججه في هذه الأمور، فنقله إلى أمر قطعي لا يمكنه أن يحاجج فيه فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ﴾ إذا كنت ربًا وإلهًا وتدعي أنك المعبود والمتصرف والمحيي والمميت.. فهذه الشمس لها سيرة دائبة مستمرة تخرج من المشرق وتغرب في المغرب؛ فأنت اقلب هذا القانون وأخرجها لنا من المغرب؛ ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 258].
هكذا هي حجج الحق ناصعة واضحة جلية مهما حاول الطغاة طمسها والتمويه عليها والتشويش على أهلها فإنها تقذف في نحورهم، قال ﷻ: ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18]، ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الرعد: 17]، فهذه وقفةٌ ثانية من إمام الحنفاء وأبي الأنبياء الذي سنَّ لنا هذه السُّنة.
يا أيها الإخوة: إن سيرته طويلة، وهذا اليوم -وهو يوم الأضحى- ما صار عيدًا يفرح الناس به وجُعل يوم أكل وذكر وشرب، ما وصل إلى هذا إلا بعد مسيرة العناء والبلاء والشدة والهجرة وهجران الأقارب والأوطان والامتحان في عرض إبراهيم عليه السلام على النار، حتى نجَّى الله ﷻ ابنه إسماعيل عليه السلام بعد أن بلغت المحنة أقصاها، وقد أُمر بأن يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام والقصة مشهورةٌ ومعروفة، وقد ذكرها الله ﷻ في كتابه ثم قال: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ﴾ [الصافات: 106].
إذن فنحن نسير على سيرة إبراهيم عليه السلام، فهذا اليوم لا ينبغي أن نجعله يوم أكل وشرب فقط، وإنما هو يوم يذكرنا بالسالفين الأولين الخيرين المصطفين من الأنبياء والصالحين، أولئك الذين جعلوا هذا اليوم يوم ذكر وجعلوه يوم تذكرةٍ لأمة الإسلام؛ حتى يعلموا أن أباهم الأول قد قدم نفسه لله ﷻ عندما جاءه الأمر من عند الله ﷻ بأن يقدم نفسه للذبح، قال ﷻ: ﴿فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣ وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤ قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ﴾ [الصافات: 103-105].
هذه هي سيرة أبوينا عليهم السلام؛ فلا بد أن نسير على خطاهم، وأن نكون مستعدين لأن نبذل كل ما نملك من أموالنا وأجسادنا ودمائنا في سبيل تحقيق دين الله ﷻ، وطاعة لأوامر الله ﷻ، وإلا فإن انتسابنا إلى إبراهيم عليه السلام سيكون مجرد دعوى لا حقيقة له.
أيها الإخوة.. إبراهيم عليه السلام ألم يُلقَ في النار؟ إبراهيم عليه السلام عندما وقف والأرض كلها كانت كافرة في زمنه إلا هو وزوجته سارة وابن أخيه لوطًا عليهم السلام؛ لم يكن على وجه الأرض أحد على دين الإسلام غيرهم، فإبراهيم عليه السلام قال الله ﷻ في حقه: ﴿۞وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١ إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 51-52]، هي معركة العبادة، معركة التوحيد، معركة الإخلاص لله ﷻ، معركة الدينونة لرب السماوات والأرض.
قال ﷻ: ﴿۞وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١ إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢ قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ﴾ [الأنبياء: 51-53]، وهل وجود آبائكم على ذلك حجة مقنعة أنكم على الحق؟! إذن ما كان عليه الأولون أو ما يتواطأ عليه الأكثرون لا يجعل الحق باطلًا ولا يجعل الباطل حقًا، فإن الحق حقٌ بتنزيل الله ﷻ، وإن الباطل باطلٌ بحكم الله ﷻ، فمهما تواطأ الناس وتواطأت الدول وتواطأت الشعوب على أن يقلبوا حقًا واحدًا ثبت في دين الله ﷻ فلن يستطيعوا ذلك، فسيبقى الحق حقًا مهما كثر المنكرون وغيرهم.
قال ﷻ: ﴿قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ٥٣ قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٥٤ قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ٥٥ قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٦ وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ﴾ [الأنبياء: 53-57].
إبراهيم عليه السلام لم ينظر إلى مسألة المصالح والمفاسد، فليس هناك على وجه الأرض مفسدة أعظم ولا أكبر ولا أقبح من الشرك بالله ﷻ، وإبراهيم كان وحده على وجه الأرض، كان هو الذي يدعو إلى التوحيد بين قوم كلهم كفار، فقال: ﴿وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ﴾ [الأنبياء: 57]؛ فخرج قومه إلى عيدهم وما أكثر أعياد الجاهلية، عندنا العيد الوطني، وعندنا عيد الحرس، وعندنا عيد الاستقلال، وعندنا عيد الأم، وعيد الطفل، وأعياد لا حصر لها حتى انغمر عيد الأضحى وعيد الفطر في هذه الأعياد، وهي كلها أعياد الجاهلية.
فقال إبراهيم عليه السلام بعد أن خرج قومه: ﴿وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ ٥٧ فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 57-58]، هكذا ينبغي أن يُعمل بكل صنمٍ يعبد من دون الله ﷻ، لا بد أن يُجعل جذاذًا؛ يعني لا بد أن ينسف، يعني لا بد أن يُدك، يعني لا بد أن يدمر بمن فيه، أليست هي أصنام تعبد من دون الله ﷻ؟ فهذه سُنة أبينا إبراهيم عليه السلام، لا أحد ينكر علينا، حينما ننسف برلمانًا يُشرع من دون الله ﷻ فنتبع سنة إبراهيم عليه السلام، حينما ندكُّ مبنى الأمم المتحدة فإننا نتبع سنة إبراهيم عليه السلام، حينما ندك مجلس الأمن أو مجلس الخوف أو مجلس الإرهاب فإننا نتبع سنة إبراهيم عليه السلام، ﴿فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ﴾ [الأنبياء: 58]، هذه سُنة إبراهيم عليه السلام التي نسير عليها.
أما من يتبع الشرعية الدولية؛ فلكم دينكم ولي دين، أما من يتبع قوانين مجلس الأمن؛ فلكم دينكم ولي دين، أما من يتبع قرارات الأسرة الدولية صارت أسرة فيها الأب والأم والإخوة والأخوات كلهم أسرة دولية؛ فلكم دينكم ولي دين، أما نحن فعلى سنة إبراهيم عليه السلام.
فهذا الواجب مع كل صنم، وحينما نقول: صنمًا فلا نقصد هذا الحجر أو هذا الشجر أو هذه الشجرة المنحوتة أو هذا القبر الذي بني عليه الضريح، كلا؛ فكل ما يعبد من دون الله ﷻ، وكل ما اتخذ ربًّا من دون الله ﷻ؛ فهو صنم يعبد من دون الله ﷻ، بل كانت أصنام الجاهلية لا تنطق ولا تبصر ولا تسمع، أما أصنام اليوم ففيها المشرعون وفيها المقننون وفيها المحللون وفيها المحرِّمون.. أليست هي هذه أصنام العصر؟
قال الله ﷻ: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهـٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].
يا إخوة: إن الأمر ليس بالسهولة التي يظنها الناس، إنها قضية التوحيد التي خُلق الخلق لأجلها، ما قيمة إنسان يقضي حياته كلها في الضلال والكفر والفسوق والمجون والخلاعة وغير ذلك، ويحارب الله ﷻ سرًا وعلانية ثم يخرج من الدنيا، ماذا استفدت من هذه الحياة؟! في أي شيء قضيتها؟! إن الله ﷻ ما خلق هؤلاء الخلق وما فتح عليهم كنوز السماوات والأرض إلا ليكونوا عبيدًا له، وإلا ليكفروا بما سواه من الآلهة، ألم يقل الله ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ﴾ [النحل: 36]، أليس هذا هو دين الله ﷻ؟ هذه شريعة الله ﷻ التي تعلمناها وقرأناها، والتي نجدها في كتاب الله ﷻ من غير تمويه ولا فلسفة ولا تلاعب في الأحكام ولا غير ذلك.
فقال الله ﷻ: ﴿فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ ٥٨ قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ﴾ [الأنبياء: 58-59]، سبحان الله!
آلهة! يُسأل من فعل هذا بها؟! ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ﴾ [الأنبياء: 59-61]، دائمًا هذه هي سيرة الطغاة؛ الإعدام على شاشات التلفزيون، قبل كم سنة القذافي عندما أراد أن يقتل عددًا من المسلمين أحضرهم وشنقهم في وقت الإفطار في شهر رمضان على شاشات التلفزيون، هي سيرة الطغاة: ﴿قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى﴾ [طه: 59]، ﴿قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١ قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢ قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 61-63]، اسألوا هذا الكبير الذي بقي، فإبراهيم عليه السلام حطم كل الآلهة وأخذ الفأس وعلقه في رقبة الصنم الكبير؛ فقال: إذا سألوني؛ فسأقول لهم: هذا غار من عبادتكم لهذه الآلهة الصغيرة فهشَّمها وكسرها، ﴿قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ﴾ فانظر إلى هذه العقول التافهة.
ونعلم من هذا -أيها الإخوة- أن العقل لا يستقل بمعرفة الحق دائمًا، فلا بد من إرسال الرسل مبشرين ومنذرين لتقوم الحجة على الناس، قال ﷻ: ﴿كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ٨ قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ﴾ [الملك: 8-9].
ثم قال: ﴿فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾؛ يعني تحرك في قلبهم شيء من الفطرة على بعض التفاسير، ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡﵞ؛ يعني رجعوا إلى ضلالهم وإلى كفرهم وعنادهم، قالوا: ﴿لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ﴾؛ كيف ترشدنا إلى أن نسأل حجرًا لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر؟! هذا الذي أراد إبراهيم عليه السلام أن يوصل إليه هؤلاء القوم الكفرة؛ قال ﷻ: ﴿قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦ أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 63-67].
فهذا إبراهيم عليه السلام في كل موطن يتبرأ من الكفرة قبل أن يتبرأ من آلهتهم، فقال: ﴿وَأَعۡتَزِلُكُمۡ﴾ [مريم: 48] أنتم وما تعبدون، ﴿أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ﴾ [الأنبياء: 67]، ﴿إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [الممتحنة: 4]؛ إذن البراءة لا بد أن تكون من الكافرين سواء كانوا يهودًا أو نصارى، لأننا نسمع اليوم أن هناك صنف آخر اسمه «الآخر»! لا أعرف في أي خانة هو الآخر من اليهود أو من النصارى؟ لا نعرفه، سواء كان هذا الكافر يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا أو رافضيًا مشركًا أو غيرهم من أهل الكفر والشرك والضلال، فهؤلاء كلهم يجب البراءة منهم كما تجب البراءة من آلهتهم التي يعبدونها.
قال: ﴿أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ أين عقولكم؟ ماذا كانت حجتهم بعد ذلك؟ انقطعت حجتهم، قال لكم إبراهيم أليس هذا هو إلهكم الذي تعبدونه؟ أليس هو الذي تستجلبون به النفع والضر؟ اسألوه، فعندما حاروا وعلموا يقينًا أن هذا الحجر لا يمكن أن ينطق بكلمتين ولا كلمة واحدة بل ولا حرف، ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 67- 68]، هذه هي سيرة الطغاة: ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهـًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29]، ولكن كما قلنا في كل مرة: فإن الصبر على الحق والصدع بكلمة الحق والاستمساك بالتوحيد لا بد أن تكون عاقبته خيرًا، عندما نقول: لا بد أن تكون عاقبته خيرًا؛ قد تكون عاقبته تمكينًا لدين الله ﷻ، وتحكيمًا لشريعته على يديك، وقد تُقتل ولا ترى هذا، فأنت على كل حالٍ على خير.
ألم يقل النبي ﷺ: (يوم القيامة يأتي النبي وليس معه أحد)٣٬٢٥٧[رواه أحمد: (٢٤٤٨)، والبخاري: (٦٥٤١) بخلاف يسير، ومسلم: (220)].؛ هل قصَّر هذا النبي في دعوته؟ حاشا لله، أدى دعوته وقام بواجبه ودعا الناس إلى الحق وإلى التوحيد، ولكن الهداية بيد الله ﷻ.
﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 68]؛ فهذه الجيوش الجرارة التي داهمت بلاد المسلمين كلها هذا هو شعارها؛ ﴿حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ﴾ ألم يقل بوش: إنما جئنا إلى العراق بعد أن افتضح وظهر كذبه ولا أسلحة نووية ولا بيولوجية ولا شيء، بعد ذلك قال: جئنا لنقرر الديمقراطية، وما الديمقراطية؟ هي واجب علينا لا بد أن نأخذها؟ يعني جرَّ هذه الجيوش وقاد وراءه هذه الأمم، وبوش كفرعون؛ فرعون قال الله ﷻ فيه: ﴿يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ﴾ [هود: 98]، بوش يقدم هذه الجيوش فأوردهم المهالك، ما سار أحد وراء بوش إلا وأرداه إلى مهلكة، الآن الأمم الكافرة كلها تتبرأ منه وتتبرأ من سخافاته، ومع ذلك بوش ما زال مُصرًّا مستمسكًا صابرًا يقول: نحن حققنا إنجازات في العراق، ولا ندري ما هي هذه الإنجازات التي حققها؛ لعلها ما ملأ به مستشفيات المرضى النفسيين في أمريكا! ولعلها التوابيت التي لا تنقطع حتى لم يجدوا لها مكانًا للدفن! ولعلها المشوهين والمعوقين الذين رجعوا إلى آبائهم وإلى أمهاتهم وإلى أزواجهم! هذا إن رجعوا! وبوش ما زال يقول: نحن حققنا انتصارات في العراق، ونحقق تقدمًا في أفغانستان! تقدم إلى الخلف! أيُّ تقدم يحققه بوش؟!
وبوش أسلم دولته إلى أوباما، ونحن لا فرق عندنا بين الحزب الجمهوري ولا الحزب الديمقراطي، هذا نجس وهذا نتن.. فبوش سلم أمريكا إلى أوباما وهي قاعٌ صفصفٌ؛ ما بقي فيها شيء: الاقتصاد منهار، الجيش معنوياته إذا كانت هناك درجات أضعاف أضعاف تحت الصفر؛ فهذه هي حالة الجيش الأمريكي، والدول الأوروبية وغيرها عرفت الآن أن بوش أوردها إلى المهالك، وأنها لم تستفد منه شيئًا، ماذا استفاد بوش من حربه منذ سبع سنوات؟ ما الذي استفاده بوش في هذه الحرب؟ هل قضى على المجاهدين؟ كان المجاهدون طائفة شرذمة قليلون محصورون في أفغانستان بين جبالها، وقال بوش: سنخرجهم من جحورهم، وقد خرجوا من جحورهم إليك.. لا ليفروا.
نعم كانت طائفة صغيرة، لكن الآن ساحات الجهاد كالطائر لها جناحان وقلب وذيل ورأس: الجزائر في الغرب، أفغانستان في الشرق، العراق في القلب، الصومال -ولا نريد إخواننا الصوماليين يزعلوا نقول لهم: في الذيل، لا-، وفلسطين في الرأس.
ساحات الجهاد منتشرة، كان الإنسان حتى يصل إلى ساحة الجهاد يكلف نفسه وعثاء السفر: مخاطرات ومغامرات وخوف وجوازات، الآن لا تحتاج أن تقطع كل هذه المسافات، الذي في دمشق بجانبه العراق، الذي في الكويت بجانبه العراق، الذي في ليبيا أو في تونس أو في موريتانا أو في المغرب بجانبه الجزائر، الذي في اليمن أو في الجزيرة، زأهل الجزيرة دائمًا موسع عليهم عندهم اليمن عندهم الصومال عندهم العراق ويشرفوننا في أفغانستان.
إذن الأمر كما قال الله ﷻ: ﴿وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ﴾ [الأنفال: 30].
فإذن نقول: ما الذي جناه بوش؟ ما هو التقدم الذي حققه؟ ما هي الإنجازات التي حققها في حربه في أفغانستان أو في العراق؟ ما هي؟ قضى على طالبان؟ قضى على أمير المؤمنين؟ اعتقل أسامة بن لادن؟ لا والله، ثم ليعلم بوش وهو قد عرف هذه الحقيقة ولعله صار مستيقنًا بها أكثر منا؛ أن قتل قادة الجهاد، واعتقال قادة الجهاد، وتشريد قادة الجهاد، لا يمكن أن يوقف عجلته، ولا يمكن أن يؤخر مواكبه، بل كلما قُتل قائد؛ أحيا الله ﷻ قائدًا جديدًا، وكلما سقط منا سيدٌ؛ قام ساداتٌ من بعده، هذا دين الله ﷻ فلن يستطيع لا بوش ولا من يسير وراء بوش ممن أوردهم المهالك معه أن يقضوا على هذه الشعلة التي تعبر عن الإسلام حقيقة.
فاستبشروا أيها الإخوة واعلموا يقينًا أن النصر قادمٌ لكم، وهذا وعدٌ من الله ﷻ لا بد أن يتحقق، فمن قُتل منا على هذه الطريق؛ فقد أدى واجبه وعذر نفسه أمام الله ﷻ، وفاز فوزًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ﴾ [آل عمران: 185]، فوالله ما من مجاهد إلا وإنّ أعظم أمنيته أن يتقبله الله ﷻ شهيدًا.
ماذا نريدُ في هذه الدنيا التافهة؟ ماذا نريدُ في هذه الدنيا الحقيرة التي يتكالب الناس على أموالها وعلى متاعها وعلى أراضيها وعلى بترولها؟ لا قيمة لها، لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء.
فمن قُتِل منا في وسط الطريق؛ فقد أدَّى واجبه وأعذر نفسه عند الله ﷻ، ومن أبقاه الله ﷻ؛ سيكون غُصَّةً مرَّةً في حلقِ كل كافر، وسنُورِّث الجهاد لأبنائنا وأبناء أبنائنا؛ حتى يُحِقَّ الله الحقَّ بإذنه، ويمكِّن لشريعتِه، ويَنصُر أولياءه ﷻ، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
نسأل الله ﷻ أن يفتح لعباده المؤمنين المجاهدين، وأن يُمكِّن لهم تمكينًا يُحبه ويرضاه، وأن يُفرج عنهم كل كرب، ويكشِف عنهم كل غم، وأن يسدد رميهم، ويبارك في خطواتهم، ويولي عليهم خيارهم، إنه سميع قريب مجيب.
اللهم انصر عبادك المؤمنين المجاهدين، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم اجعلهم صفًا مُتراصًا كما تُحب وترضى، اللهم مَكِّن لهم تمكينًا تُحبه وترضاه، اللهم انصرهم حيثما كانوا وأينما نزلوا، اللهم تقبل شهداءهم، وداوِ جرحاهم، واشفِ مرضاهم، وعافِ مبتلاهم، وفك أسراهم، واخلفهم في أهليهم وأبنائهم خيرًا يا رب العالمين.. اللهم كُن معهم ولهم، اللهم دافع عنهم يا من يُدافع عن المؤمنين، اللهم افتح عليهم بركات السماوات والأرض، اللهم لا تُحوجهم إلى أحدٍ من خلقك، اللهم لا تُحوجهم إلى أحدٍ من خلقك، اللهم أغنهم بك عمن سواك، إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب.
وصلِّ اللهم على خير خلقك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين..
وعلى من اهتدى بهديه إلى يوم الدين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: خطبة عيد الأضحى «1429»
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا