فتوى حول الهجمة الصليبية الأمريكية على أفغانستان
[رجب 1422 هـ / 11 - 2001م]
۞
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المجاهدين، وقدوة الصابرين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين، وبعد...
قال الله ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣ فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 173-175]، وقال ﷻ: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]، وقال ﷻ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾ [البقرة: 217]، وقال ﷻ: ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ﴾ [آل عمران: 69]، وقال ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ﴾ [الأنفال: 73]؛ فحسبنا الله ونعم والوكيل... حسبنا الله ونعم الوكيل... حسبنا الله ونعم الوكيل.
تتعرض إمارة أفغانستان الإسلامية هذه الأيام إلى هجمة شرسة عبر وسائل الإعلام العالمية المختلفة بغية تمهيد الطريق وتهيئة الأجواء والآراء لما ستقدم عليه قوى الكفر العالمية التي تتزعمها أمريكا من غزو هذه الدولة الإسلامية الناشئة، وذلك بعد أن تعرضت مدينتا «نيويورك وواشنطن» لهجمات قوية ومفاجئة هزت الكيان الأمريكي كله، وزلزلت الهالة الأمنية الضخمة التي ما فتئت تفتخر بها الولايات المتحدة الأمريكية، وزعزعت المكانة التي تسعى بكل جهدها للحفاظ عليها.
فوجدت أمريكا عدوةُ الإسلام والمسلمين الفرصة سانحة، والظرف مهيئًا لاغتنامه في إشعال نار الحرب، وتوجيه ضربات متتالية إلى إمارة أفغانستان الإسلامية، واستخدام كافة الأساليب لتقويضها وإضعافها، وقطع الطريق أمام استمرارها في التكوين والبناء، وذلك بعد أن رأت أن هذه الدولة -حفظها الله- قد خرجت عن الخط العام العالمي، وخالفت بسياساتها ومواقفها ما يسمى بالإرادة الدولية، واصطدمت بسبب استقلال نظامها الإسلامي بالمجتمع الدولي، وقرارات الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، فأسقط في أيدي الكفرة الذين قضوا السنوات الطوال وهم يقفون بالمرصاد وبكل ما أوتوا من قوى أمام أي مسعى لإقامة دولة إسلامية، فما إن وقعت هذه الحوادث -وفي غمرة سكر العالم بسبب صخبها وضجيجها- حتى شمروا عن سواعدهم واجتهدوا في مساعيهم لأجل القضاء التام على هذه الدولة الإسلامية التي يرون فيها عدوهم الأول، وخصمهم الذي تتهدد به مصالحهم.
ولذلك فإن ما تتعرض إليه إمارة أفغانستان الإسلامية اليوم إنما هو هجوم سافر، واعتداء صارخ ومكيدة مدبرة من أجل القضاء على دولة إسلامية قائمة بأحكام الله، ومحكِّمة لشريعته، واستهداف لشعب مسلم أبيٍّ أبى أن يرضى بحكم سوى حكم الله، أو يدين لشريعة إلا شريعة رب الأرباب.
وإن القائمين على هذا العدوان، والمحرضين عليه، والمستهدفين لهذه الدولة، ولشعبها المسلم، إنما هم قوم كفارٌ من ملل شتى ونحل متعددة، من النصارى واليهود والملحدين والمرتدين، وإن كان المتزعم لهم والقائم عليهم هي دولة واحدة وهي الولايات المتحدة الأمريكية؛ إمامة الكفر ورأس العداوة للإسلام والمسلمين، فهي معركة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وحرب بين أهل الحق وأهل الباطل، يرمي فيها الباطل بكبريائه وبطره وغروره إلى استئصال شأفة الإسلام في هذا البلد الإسلامي، ويروم إذلال وإخضاع حكومته وشعبه لتدور في الفلك الأمريكي الكافر، وتنساق بتبعية تامة وراء إرادات الكفر ورغباته وأهوائه.
ومن هنا فالواجب على المسلمين في العالم كافة أن يعلموا حقيقة هذه المعركة معرفة تامةً، وأن يدركوا أبعادها إدراكًا جليًا واضحًا، وأن يفهموا مغازي أصحابها فهمًا صحيحًا منبثقًا عن فهمهم لطبيعة العلاقة بين أهل الكفر وأهل الإيمان، حتى يقفوا الموقف الشرعي الواجب المتحتم عليهم.
وذلك من خلال الأمور التالية:
الأول: من المعلوم أن الجهاد الأفغاني السابق ضد ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي كان من أجل طرد عدو غاصب داهم أراضيهم، وشردهم، وقتلهم، وهدم ديارهم، وأهلك حرثهم، ومن أجل إقامة دولة إسلامية على أنقاض الحكم الشيوعي الإلحادي الذي كان حاكمًا في أفغانستان، وقد يسر الله ﷻ تحقيق ذلك المسعى بعد تضحيات باهظة، وسنوات طويلة من العناء المتواصل والمشاق المتنوعة، حتى قامت إمارة أفغانستان الإسلامية حيث جاءت منحة من الله ﷻ ورحمة بهذا الشعب المسلم الذي تجرع جميع صنوف البلاء والتمحيص، ولقد كان للشباب الإسلامي من أنحاء العالم كافة -لا سيما العربي- موقف مؤيد تأييدًا صريحًا لذلك الجهاد، وكان لهم دور فعال في تلك الحقبة، مما أثبت قولًا وعملًا أن أمة الإسلام أمة واحدة، وإن مصيبة أي شعب مسلم وإن نأى هي مصيبة الأمة كلها.
الثاني: إن العلماء الثقات الأثبات قد ناصروا ذلك الجهاد بفتاواهم ومواقفهم وتحريضهم، وقد أطبقت كلمتهم على أن الجهاد فرض عين في أفغانستان، وكان لفتاواهم صدى كبير واستجابة واسعة في أوساط الشباب لا سيما الفتاوى القوية الصريحة التي كان يصدرها الشيخ عبد الله عزام رحمه الله تعالى وهو يعيش وسط المعمعة، وتحت جمر القذائف، وكان مدار تلك الفتاوى على أن العلماء متفقون على تعين الجهاد إذا داهم العدو أرضًا من أراضي المسلمين كما هو الحال في غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان
الثالث: إن الهجمة التي تتعرض لها أفغانستان اليوم لهي أشد وأشرس وأقوى من تلك الهجمة الإلحادية السابقة، يبين ذلك أن الهجمة الحاضرة قد تآلبت فيها قوى الكفر كلها، وتجمعت جيوشه، وتكالبت قواه، وتحزبت أحزابه، ورمت هذه الدولة المسلمة عن قوس واحدة، فصار الحال كما حدث للمسلمين في غزوة الأحزاب التي وصفها الله ﷻ بقوله: ﴿إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠ هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا﴾ [الأحزاب: 10-11].
كما أن هذه الحرب ليست مقتصرة على نوع واحد من أنواع الحروب، وليست محصورة في المواجهات العسكرية في ساحات النزال، بل استباح فيها الكفرة وسوغوا لأنفسهم استخدام كل الأساليب وسائر الوسائل الأخرى من قصف، واغتيالات، وخطف، وحصار اقتصادي، وإغلاق محكم للحدود من جميع جهاتها، وتشويه إعلامي وبث الكذب والأراجيف، والسعي لإيجاد نظام علماني سافر كافر موال لهم ومرتم في أحضانهم، كل ذلك من أجل القضاء على الإسلام والمسلمين في هذا البلد قضاء تامًا، ومحوه منها محوًا كاملًا، نسأل الله أن يخيب سعيهم.
الرابع: إذا كان الجهاد الأفغاني السابق ضد قوات الإلحاد كان من أجل إخراجها وطردها من البلد وإقامة شريعة الإسلام، فإن الحرب هذه المرة ستكون لأجل حماية هذه البلد، والدفاع عنها بالنفس والنفيس لمنع وقوعها تحت سيطرة الكافرين، وكذلك من أجل الحفاظ على دولة الإسلام القائمة، وصيانة أحكامه الحاكمة، وإبقاء شريعته المهيمنة، والمنع من إعادتها تحت أنظمة الكفر التي قدم الشعب الأفغاني أكثر من مليوني شهيد من أجل إقصائها وإزالتها عن البلاد، فهو جهاد من أجل الإبقاء على أمرٍ شرعي قائم مشاهد لا لبس فيه ولا غبش.
وبناء على كل هذه المقدمات فإن الواجب على المسلمين في هذه الحالة:
أولًا: أن يعلموا أن هذه الحرب التي يُعدُّ لها ليس المقصود بها شخصًا واحدًا، ولا شعبًا واحدًا، ولا طائفة معنية، ولا جماعة من الجماعات، وإنما المقصود بها والمستهدف من ورائها هم المسلمون جميعًا، والذين أصبحت تتكون لهم دولة مستقلة، تعبر عن آرائهم، وتحكم فيها شريعة ربهم، وتحفظ وتأوي المستضعفين والمضطهدين من أبنائهم، ألا وهي إمارة أفغانستان الإسلامية بإمرة أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد حفظه الله، فدين الإسلام ليس دين طالبان وحدها، والدفاع عنه ليس مهمة الأفغان وحدهم، والذود عن أراضي المسلمين ليس مفروضًا عليهم بمفردهم، وتحمل المشاق والتكاليف ليس مقتصرًا عليهم فحسب، وإنما هو مهمة كل مسلم انتمى لهذا الدين، وانتسب لهذه الملة، سواء كان عربيًا، أو أعجميًا، آسيويًا، أم أوربيًا، بعيدًا أم، قريبًا، وهذه الحقيقة الشرعية الثابتة لا بد أن يدركها كل مسلم، وأن يعيها وعيًا تامًا، وأن لا يكون ضحيةً لوسائل الإعلام المغرضة التي تبث أكاذيبها وتنشر أراجيفها بكل تركيز محاولةً الفصل بين حرب الإسلام والمسلمين وبين ما تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية وأتباعها وحلفاؤها.
فالواجب أن نأخذ نحن المسلمين أحكامنا وتصوراتنا وتقويمنا للأمور من منظورنا الإسلامي الخاص المجرد البعيد عن التشويش والتشويه، وأن نتخذ مواقفنا ونصدر آراءنا تبعًا لأحكام الشرع الخالص، فكتاب ربنا يقول: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 38-39]، ويقول ﷻ: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ﴾ [التوبة: 71]، ويقول مبينًا لنا حقيقة الكافرين وكاشفًا عن خبايا نفوسهم: ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ﴾ [البقرة: 109]، وقال ﷻ: ﴿وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ﴾ [النساء: 89]، وقال الله ﷻ: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].
وهذه الحقيقة كما تقررها الأدلة الشرعية فإن أئمة الكفر القائمين على هذه الحملة قد صرحوا في لقاءاتهم أن ما يقصدونه ضد هذه الدولة الإسلامية هو «حرب صليبية»، وهي كلمة تكفي لمن أراد أن يعرف نوايا القوم ويدرك الدافع الحقيقي لحملتهم، فليس بعد هذا التصريح وهذه الكلمة ما يبقي غبشًا أو لبسًا على السبب الحقيقي لإشعال نار الحرب وجلب كل تلك الجيوش.
ثانيًا: اتفق العلماء خلفًا وسلفًا على أن أي بلد إسلامي دهمه العدو فإنه يتعين على أهل تلك البلد أن يقاتلوهم ويدفعوهم ويحفظوا بلدهم بكل ما أوتوا من قوة، فإن عجزوا أو تقاعسوا أو تهاونوا انتقل الواجب إلى من يليهم وهكذا إلى أن يعم الفرضُ الأمةَ كلها، فيجب على كل فرد من أمة الإسلام أن يساهم في دفع ذلك العدو بما يستطيع بالنفس، وبالمال، وبالتحريض على الجهاد، وبتخذيل الكفار، وإلقاء الوهن والرعب في قلوبهم، وبث الفرقة والاختلاف في صفوفهم، وحتى أصحاب الأعذار ممن لا يستطيعون الجهاد أو لا يجدون إليه سبيلًا إنما أسقط الله عنهم الإثم بشرط أن ينصحوا لله ولرسوله، كما قال تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 91].
وأعظم النصح في مثل هذه الحال هو التحريض على الجهاد، ورفع همم المجاهدين، وإنفاق الأموال على الفقراء القادرين على النفير، وحفظ وكفالة أسر وذوي المقاتلين، وتوهين عزائم الكافرين، والدلالة على مواطن ضعفهم ومكامن عجزهم، وغير ذلك من الأعمال التي تدفع المجاهدين وتحمي ظهورهم، وتخذل الكافرين وتربك مساعيهم.
قال الجصاص رحمه الله: «ومن النصح لله تعالى حث المسلمين على الجهاد، وترغيبهم فيه، والسعي في إصلاح ذات بينهم، ونحوه مما يعود بالنفع على الدين، ويكون مع ذلك مخلصًا لعمله من الغش لأن ذلك هو النصح»٣٬٤٦٧أحكام القرآن: (4/352)..
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: «فنفى سبحانه عن هؤلاء الحرج، وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم، غير واجب عليهم، مقيدًا بقوله: ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ﴾... والنصح لله الإيمان به، والعمل بشريعته، وترك ما يخالفها كائنًا ما كان، ويدخل تحته دخولًا أوليًا نصح عباده ومحبة المجاهدين في سبيله، وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد، وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه»٣٬٤٦٨فتح القدير: (2/392)..
ومما يؤكد أمر الجهاد في مثل هذه الحال قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 123]، ومن داهم ديار المسلمين، وهاجم أوطانهم، كان أقرب الأعداء إليهم وأول من يليهم منهم، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 194]، وقال تعالى: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، وقال تعالى: ﴿فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ﴾ [التوبة: 5]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥ وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15-16]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]، وقال تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 12]،... وغير ذلك من الآيات القرآنية.
وهذا هو الذي دلت عليه سنة النبي ﷺ كما في غزو الخندق حينما دهمت الأحزاب المدينة وأحاطوا بها فاستنفر النبي ﷺ أهل المدينة ولم يستثن منهم أحدًا، حتى ذم الله ﷻ الذين يستأذنون النبي ﷺ محتجين بأن بيوتهم مكشوفة للعدو وليس ثمة من يحميها أو يدافع عنها كما قال الله عنهم: ﴿وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا﴾ [الأحزاب: 13]، وقد أبقى النساء والصبيان والضعفة في الحصون، وما أشبه ما يحدث اليوم بتلك الغزوة وما ألصقها بوقائعها.
وها هي مقتطفات مختصرة من أقوال العلماء في هذه المسألة:
أ- مذهب الأحناف: قال الكاساني رحمه الله: «فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد فهو فرض عين، يُفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه، لقوله ﷻ: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ [التوبة: 41]، قيل: نزلت في النفير، وقوله ﷻ: ﴿مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ﴾ [التوبة: 120]، ولأن الوجوب على الكل قبل عموم النفير ثابت، لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض به، فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل، فبقي فرضًا على الكل عينًا بمنزلة الصوم والصلاة، فيخرج العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن زوجها، لأن منافع العبد والمرأة في حق العبادات المفروضة عينًا مستثناة عن ملك المولى والزوج شرعًا، كما في الصوم والصلاة، وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه، لأن حق الوالدين لا يظهر في فروض الأعيان كالصوم والصلاة والله ﷻ أعلم»٣٬٤٦٩البدائع: (7/97)..
ب- مذهب المالكيين: قال المواق رحمه الله: «قال أبو عمر: يتعين على كل أحد إن حل العدو بدار الإسلام محاربًا لهم، فيخرج إليه أهل تلك الدار خفافًا وثقالًا شبانًا وشيوخًا، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكتر، وإن عجز أهل تلك البلاد عن القيام بعدوهم كان على من جاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، وكذلك من علم أيضًا بضعفهم وأمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم «وعلى قربهم إن عجزوا»... وقال ابن بشير: إذا نزل قوم من العدو بأحد من المسلمين، وكانت فيهم قوة على مدافعتهم فإنه يتعين عليهم المدافعة، فإن عجزوا تعين على من قرب منهم نصرتهم، وتقدم نص المازري: إذا عصى الأقرب وجب على الأبعد»٣٬٤٧٠التاج والإكليل: (4/539)..
ج- مذهب الشافعية: قال الرملي رحمه الله: ««الثاني» مِن حال الكفار «يدخلون»؛ أي دخولهم عمران الإسلام ولو جباله أو خرابه، فإن دخلوا «بلدة لنا»، أو صار بينهم وبيننا دون مسافة القصر، كان أمرًا عظيمًا، «فيلزم أهلها الدفع» لهم «بالممكن»؛ أي من أي شيء أطاقوه، وفي ذلك تفصيل «فإن أمكن تأهب لقتال» بأن لم يهجموا بغتة «وجب الممكن» في دفعهم على كل منهم «حتى على» من لا جهاد عليه، من «فقير وولد ومدين وعبد» وامرأة فيها قوة «بلا إذن» ممن مر، ويغتفر ذلك لمثل هذا الخطر العظيم الذي لا سبيل لإهماله»٣٬٤٧١نهاية المحتاج: (8/58)..
د- مذهب الحنابلة: قال ابن قدامة رحمه الله: «مسألة: وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا، المقل منهم، والمكثر، ولا يخرجوا إلى العدو إلا بإذن الأمير، إلا أن يفاجئهم عدو غالب يخافون كَلَبَه، فلا يمكنهم أن يستأذنوه»، قوله: المقل منهم والمكثر؛ يعني به -والله أعلم- الغني والفقير، أي مقل من المال ومكثر منه، ومعناه أن النفير يعم جميع الناس، ممن كان من أهل القتال، حين الحاجة إلى نفيرهم، لمجيء العدو إليهم، ولا يجوز لأحد التخلف، إلا من يحتاج إلى تخلفه لحفظ المكان والأهل والمال، ومن يمنعه الأمير من الخروج، أو من لا قدرة له على الخروج أو القتال، وذلك لقول الله تعالى: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ [التوبة: 41]، وقول النبي ﷺ: (إذا استنفرتم فانفروا)٣٬٤٧٢[رواه البخاري: (١٨٣٤)، ومسلم: (١٣٥٣)].، وقد ذم الله تعالى الذين أرادوا الرجوع إلى منازلهم يوم الأحزاب، فقال تعالى: ﴿وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا﴾ [الأحزاب: 13]، ولأنهم إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين فوجب على الجميع، فلم يجز لأحد التخلف عنه»٣٬٤٧٣المغني: (9/147)..
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ﴾ [الأنفال: 72]، وكما أمر النبي ﷺ بنصر المسلم، وسواء أكان الرجل من المرتزقة للقتال -أي من الجيش الرسمي- أو لم يكن، وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله، مع القلة والكثرة، والمشي والركوب، كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق، ولم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو، الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذم الذين يستأذنون النبي ﷺ ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا﴾ [الأحزاب: 13]، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس، وهو قتال اضطرار، وذلك قتال اختيار، للزيادة في الدين وإعلائه ولإرهاب العدو، كغزاة تبوك ونحوها»٣٬٤٧٤مجموع الفتاوى: (28/358)..
وقال أيضًا: «وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده»٣٬٤٧٥الفتاوى الكبرى: (5/538)..
فعلى ضوء هذه الأقوال الواضحة الصريحة فإن الجهاد في أفغانستان إذا ما دهمها العدو أو حشد قواته لغزوها بأي صورة من صور المداهمة والحشد يصبح فرض عين على كل مسلم مستطيع، ويلزم كل واحد أن يساهم فيه بقدر استطاعته وبما في وسعه، وأن يجد ويجتهد لمناصرة إخوانه بكل ما يتيسر له، وهذا هو مقتضى الموالاة الإيمانية والأخوة الإسلامية، قال تعالى: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ﴾ [التوبة: 71]، وقال تعالى: ﴿وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [الأنفال: 72]، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ﴾ [الأنفال: 73].
وقال النبي ﷺ: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة يوم القيامة، ومن ستر مسلـمًا، ستره الله يوم القيامة)٣٬٤٧٦متفق عليه [البخاري: (٢٤٤٢)، ومسلم: (٢٥٨٠)] عن ابن عمر..
وقال ﷺ: (المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)٣٬٤٧٧رواه أحمد [١٨٤٣3] ومسلم [٢٥٨٦] عن النعمان بن بشير..
ثالثًا: أن الولايات المتحدة الأمريكية بإعلانها الحرب على المسلمين وقصدها لغزو بلادهم وتأليب العالم عليهم قد جعلت كل مصالحها في جميع أنحاء العالم هدفًا مستباحًا شرعًا للمجاهدين، فلهم قصفه وتدميره ونسفه بكل وسيلة ممكنة، سواء كانت تلك المصالح والمراكز عسكرية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو سفارات، أو مراكز ثقافية، أو سياحية، أو أفرادًا في أي بقعة من بقع العالم لا يستثنى من ذلك شيء، وما على المجاهدين في أنحاء العالم إلا عدم قصد وتعمد قتل من نهى الشرع عن قتله من النساء والأطفال والشيوخ.
أما من قتل منهم تبعًا فلا إثم في ذلك ولا دية ولا كفارة، وليس معنى هذا أن يمتنع المجاهدون من تدمير وتفجير مراكز أمريكية بسبب وجود نساء أو أطفال فيها، وإنما المقصود هو عدم القصد والتعيين لهؤلاء في القتل فعليهم أن يقصدوا بعملياتهم الرجال البالغين حيثما وجدوا وبالكيفية المتاحة والمتيسرة لهم فمن هلك مع أولئك الرجال من النساء أو الأطفال أو الشيوخ فهم من قومهم الكفار، كما قال النبي ﷺ في حديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: (سئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟ فقال: هم منهم)٣٬٤٧٨متفق عليه [البخاري: (٣٠١٢)، ومسلم: (١٧٤٥)]..
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «نعم المحرم إنما هو قصد قتلهن، فأما إذا قصدن قصد الرجل بالإغارة أو برمي منجنيق أو فتح شق أو إلقاء نار فتلف بذلك نساء أو صبيان لم نأثم بذلك لحديث الصعب بن جثامة... ولأن النبي ﷺ رمى أهل الطائف بالمنجنيق، مع أنه قد يصيب المرأة والصبي، وبكل حال فالمرأة الحربية غير مضمونة بقود، ولا دية، ولا كفارة، لأن النبي ﷺ لم يأمر مَن قتل المرأة في مغازيه بشيء من ذلك»٣٬٤٧٩الصارم المسلول: (2/258)..
ومن كان في جيشهم من النساء أو الأطفال المراهقين أو الشيوخ، أو مراكز القيادة والقرارات؛ فحكمه حكم الرجال البالغين في استباحة دمه بلا فرق، فيباح قتله قصدًا لقول النبي ﷺ وقد وجد امرأة مقتولة: (ما كانت هذه لتقاتل)٣٬٤٨٠[سبق في: (ص 1896)].؛ فبيَّن ﷺ أن علة عدم قتلها هو عدم قتالها ففهم من ذلك أنها إن قاتلت قُتلت، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وإذا قاتلت المرأة الحربية جاز قتلها بالاتفاق؛ لأن النبي ﷺ علل المنع من قتلها بأنها لم تكن تقاتل، فإذا قاتلت وجد المقتضي لقتلها وانتفى المانع»٣٬٤٨١الصارم المسلول: (2/258)..
رابعًا: أن كل من وقف بجانب الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد المسلمين في أفغانستان أو غيرها وساندها بأي نوع من أنواع المساندة؛ فحكمه ما ذكرنا من تعين قتله ومقاتلته سواء كانت مساندته لها بنفس، أو برأي، أو بمال، أو بنفط، أو بتجسس، أو بفتح معسكرات، أو قواعد جوية، وسواء انتقل معها إلى أرض المعركة أو بقي مقويًا لها في أي مكان من العالم، فيباح لكل مسلم أن يقتله مناصرة لإخوانه المسلمين، ومعونةً لهم على أعدائهم الكافرين، وقيامًا بالدفاع عن هذا الدين ونكاية وإثخانًا في الظالمين.
ومعين هؤلاء الكفرة على حربهم ضد المسلمين إن كان في أصله مسلـمًا فقد ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام وهو مظاهرته للكفار ومعونته لهم ضد المسلمين، وإن كان كافرًا معاهدًا أو مستأمنًا فقد انتقض عهده وأمانه بما فعل، وإن كان كافرًا حربيًا فهو مباح الدم أصلًا سواء -فعل مثل هذا أم لم يفعل- إلا أن مساندته تؤكد أمر حلية دمه وتَعيُّن سفكه، قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩ بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ﴾ [آل عمران: 149-150]، وقال ﷻ: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]، وقال عز شأنه: ﴿تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠ وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 80-81].
وأخيرًا: على المجاهدين أن يكثروا من التضرع والدعاء، وأن يجعلوا كلمتهم متفقة وصفهم واحدًا، وأن يتجنبوا الشقاق والخلاف، وأن يعلموا علم اليقين أن النصر من عند الله، وأن أمريكا مهما امتلكت من قدرات وتقنيات، فإنها لم ولن تخرج عن ملك الله، وأن الذي أهلك الأحزاب وردهم بغيظهم لم ينالوا خيرًا هو الله الذي يسمع ويرى ما يتبجح به الكفرة اليوم وما يكيدون ويمكرون به في الخفاء، فهو الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فلتكن الثقة بالله، والاعتماد والتوكل عليه واستنزال النصر من عنده: ﴿وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧ لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ [الأنفال: 7-8].
فاللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزم أعداءنا وانصرنا عليهم، اللهم فرق جمعهم وشتت كلمتهم، وخالف بين قلوبهم واجعل الدائرة عليهم وأخرج المؤمنين من بينهم سالمين منتصرين ممكنين، آمين... آمين... آمين، والحمد لله رب العالمين.
«السبت 5 / رجب الحرام / 1422هـ»
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا