تقارب الأديان.. خطوة جديدة ضمن الحرب الصليبية
[ذو الحجة 1429هـ / 11 - 2008م]
۞
قال ﷻ: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
الحمد لله القائل: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].
والصلاة والسلام على نبينا الكريم الذي أنزل الله عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢ صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ﴾ [الشورى: 52-53]، والذي قال عن نفسه: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)٣٬٢٣٦[صحيح مسلم: (١٥٣)].، والقائل: (لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي)٣٬٢٣٧[رواه أحمد: (١٥١٥٦)، وحسنه الألباني في الإرواء: (1589)]..
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين عرفوا الحق فاتبعوه فاستنارت به أبصارهم وبصائرهم، واطمأنت أفئدتهم، وطابت به نفوسهم؛ فاعتزوا به واحتقروا ما سواه، ودعوا إليه ونبذوا ما عداه، فحيوا حياتهم الطيبة خالية من أدناس الباطل وأرجاس الأهواء وظلمات الإغواء فكانوا كما وصفهم الله ﷻ: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا﴾ [الفتح: 29].
ثم أما بعد...
هي ذي دعوات الضلال تُطِل علينا بوجهها، وبحار الإلحاد تتدفق نحونا بموجها، وصنوف المكائد تطوِّق الحق بنسجها، فتراها تبدل أثوابها، وتغير أسماءها، وتنوع أساليبها؛ لتروج كفرها، وتنفِّقَ شرها، وتسوغ تلبيسها، وارثةً مسلكًا إبليسيًا لم تزلْ تزِلُّ فيه الأقدام، قال ﷻ: ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ﴾ [طه: 120].
وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها؛ فسموا الخمر: أم الأفراح، وسموا أخاها بلقيمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسمو المكوس بالحقوق السلطانية، وسموا أقبح الظلم وأفحشه: شرع الديوان، وسموا أبلغ الكفر وهو جحد صفات الرب: تنزيها، وسموا مجالس الفسوق: مجالس الطِّيبة»٣٬٢٣٨إغاثة اللهفان (1 / 113)..
أما اليوم -ونحن في زمن الحضارة والتقدم والتقنيات- فما بقيت موبقة من الموبقات، ولا خبيثة من الخبائث، ولا رذيلة من الرذائل، إلا وانتُقِي لها من الأسماء أحسنُها، ومن الأوصاف أجملُها، ومن الكلمات أرقها، ومن العبارات أعذبها، ولئن كانت هذه السنة الإبليسية جارية من قبل مجرى العفوية والبدائية؛ فما هي اليوم كذلك، إذ يقوم عليها أئمة الكفر، وزنادقة الفكر، ومنظمات المكر، وتقدَّم لأجلها الأبحاث والدراسات، وتعقد لها الندوات والمؤتمرات، وقد شمرت وسائل الإعلام عن ساق الجد لتنشر وتبشر، فانهال منها سيلٌ جارفٌ من الاصطلاحات والعبارات والتسميات التي غُلِّف بها الباطل؛ حتى تلقفه الناس أفواجًا إثر أفواج، فانجرف معه من انجرف بالانحراف والاستدراج، فزلت الأقدام، وضلت الأفهام، وتجرأ الطغام، ونبغ النفاق، وتبختر أهل المحادة والشقاق.
فلم يبقَ للإسلام حصنٌ حصينٌ إلا وقصدوه، ولا بابٌ محكمٌ متينٌ إلا وكسروه، ولا حدٌّ فاصلٌ من حدوده إلا وطمسوه وأزالوه، ولا حقٌّ جلي نقي إلا وحرفوه وميعوه؛ فغدت عقائده وأصوله مرتعًا لكل سفيه، وصار الخوض في قواعده وقطعيَّاته عنوان الثقافة والفكر والنظر، وغدا التهجم على أعظم مقدساته والنيل منها بكل نقيصة قولية أو فعلية؛ شعارًا لحرية التعبير وحرية الصحافة، يتم كل ذلك بطرق منظمة، وسبل مدروسة محكمة، ووسائل دقيقة متقنة، وبرامج متسلسلة متواصلة.
فلا يكاد ينطق كافر غوي في بلاد الغرب بشيء من رجس الشيطان، إلا وترددت أصداؤه في بلدان المسلمين، وراح الجهلة والزنادقة والملاحدة يرددون أقاويله، وينصرون أباطيله، وينشرون أكاذيبه؛ فما هي إلا كلمح الطرف لميلاد فكرة خبيثة أو نظرية ساقطة حتى يُحشَر الناسُ لتأييدها وتوطيدها ورعايتها والدعاية لها زرافات ووحدانا؛ فتسخرُ لها الأقلام، وتَستنفر لبثها وتزيينها وسائل الإعلام، ويتهافت السوقة من كل حدب وصوب لمناقشتها وإبراز محاسنها ونفي أي نقيصة عنها، فلا تلبث إلا أيامًا وليالي حتى تغدوَ فكرة رائجة، ونظرة مستحسنة، صار لها هويتها وهواتها، وتصوراتها وأفكارها، وأسسها ومؤسساتها، وأعلامها وإعلامها، وندواتها ومؤتمراتها، وقد صدق رسول الله ﷺ إذ قال: (لتتبعن سَنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قيل يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن)٣٬٢٣٩متفق عليه، [البخاري: (٧٣٢٠)، ومسلم: (٢٦٦٩)]..
نعم أمة الإسلام؛ إنها دعوات هدمت العقائد، وقطعت القطعيات، ودمرت الأخلاق، وأفسدت الآداب، ونسفت الأحكام، ومزقت ملة الإسلام، ومع ذلك كله فما زلنا على قيل وقال، وخلاف وجدال، وتذبذب وحيرة، وتردد واضطراب، ونار الصليب قد نفذت إلى أعماقِ أعماقِ ديننا، ودعاتها ودعائمها يناصرونها سرًا وعلانية، وهم بين أظهرنا وفي عقر دارنا، وقد جعلوا من أنفسهم الذليلة وقفًا منتصبًا في كل حين، وجندًا مخلصين محضرين، يلبون إذا نودوا، ويطيعون إذا أُمِروا، ويسارعون إذا دُعوا، قال ﷻ: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [المائدة: 52].
فلا تنقضي مكيدة إلا وتبعها شرٌّ منها، ولا تموت فكرة إلا وقد أوجدوا بديلها، وهم يمكرون الليل والنهار، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وصدق الله ﷻ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾ [البقرة: 217].
وإن الغِرَّ حقًا من يحسن بهؤلاء ظنًا، أو يترقبُ منهم خيرًا، أو يبغي عندهم فلاحًا ونجاحًا، وهو يسمع قول ربه: ﴿هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ﴾ [آل عمران: 119].
فكان مما قذفته لنا أمتا الرجس والغضب اليهود والنصارى عبر وكلائهما العملاء؛ الفكرة القديمة الجديدة، التي يراد بها أن يكون الإسلام ثالث ثلاثة ليصبح أخًا موادًا، وصديقًا حميمًا، ورفيقًا مساويًا، وخِلًا وفيًا، لدينين يجاهر أهلهما بسب ربهم صباحًا ومساءًا؛ قال ﷻ: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [التوبة: 30].
وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: (قال الله تَعَالَى: يَشْتِمُنِي ابنُ آدَمَ وما يَنْبَغِي له أَنْ يَشْتِمَنِي وَيُكَذِّبُنِي وما يَنْبَغِي له، أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ إِنَّ لي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ ليس يُعِيدُنِي كما بَدَأَنِي)٣٬٢٤٠[رواه البخاري: (٣١٩٣)]..
إنها الدعوة التي نَشِط لها طاغية جزيرة العرب عبد الله بن عبد العزيز؛ بجرأة سافرة، ورِدَّة ظاهرة، غير مكترث بإنكار المنكرين، ولا ملتفت إلى صيحات المخلصين، ليعلن على رؤوس الأشهاد بفصاحته النادرة، وبلاغته الساحرة!، عن ميلاد دين جديد، اكتشفه واستحسنه بعد أن فكر وقدر ثم نظر ثم فكر وقدر ألا وهو «دين التقارب بين الأديان»، فيا ويح جزيرة العرب من تسلط السفهاء، والسنوات الخداعات، وسياسة الصم البكم الذين لا يعقلون، قال رسول الله ﷺ: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة، قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة)٣٬٢٤١[رواه -بألفاظ قريبة- أحمد: (٧٩١٢)، وابن ماجه: (٤٠٣٦)، وصححه الألباني].، وهل قامت سياسة دولة آل سعود إلا على الكذب والخداع والخيانة والعمالة.
فبالأمس القريب استجرَّ طغاة آل سعود قوات الصليب بآلافها المؤلفة، وجيوشها المجيشة، وعَددها وعُدتها وعتادها؛ حتى حلت بعقر دار المسلمين، وأرست فيها قواعدها، ودنست أطهر البقاع، وغدت بواخرها وبوارجها وحاملات طائراتها تصول وتجول في بحارها، وصارت تلك الأرض المباركة التي أشرقت من قِبلها شمس النبوة معقلًا حصينًا لجيوش الرجس والرذيلة والتثليث والتهود، ضاربين بقول النبي ﷺ: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)٣٬٢٤٢[متفق عليه، البخاري: (٣٠٥٣)، ومسلم: (١٦٣٧)]. عُرض الحائط.
واليوم ها هم طغاة آل سعود يكملون مهمتهم، ويسفرون عن عمالتهم، فراحوا يروجون لغزو العقول بعد أن يسروا غزو المعاقل، ويخططون لنسف العقائد الإسلامية، بعد أن أذلوا المسلمين بنشر القواعد الصليبية، ليعلنوها وقفة صريحة ومظاهرة مكشوفة للحملة الصليبية العصرية؛ وذلك بوقوفهم معها ظاهرًا وباطنًا، سرًا وعلنًا، قولًا وفعلًا؛ بفتح أراضيهم، وإنفاق أموالهم، وتسخير جيوشهم، واستنفار استخباراتهم، وتهيئة مؤسساتهم، وفتح أفسح المجالات لنشر عقائدهم وثقافتهم، وبذل أقصى الجهود لمسخ هوية الإسلام، وإذابة شخصيته، وتفتيت خصائصه، وتضييعها في متاهات الأديان المنحرفة المحرفة، وأنفاق الأفكار الظالمة المظلمة، وسخافات العقول الضائعة التائهة؛ ليخرجوا لنا مزيجًا جديدًا، ومخلوطًا عصريًا، يوافق أهواءهم وأهواء سادتهم، ويحققُ مطامعهم ومطامع أربابهم، تحطم به الحواجز، وتذاب معه الفوارق، وتتداخل به العقائد، وتتآخى في ظله الأفكار؛ فلا يعرف معه حق من باطل، ولا مؤمن من كافر، ولا تقي من فاجر، ولا يميز هدى من ضلال، وليقولوا بجرأتهم معارضين قول النبي ﷺ الذي جاء فيه: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)٣٬٢٤٣[رواه مالك في الموطأ: (١٨٦٢)، والبيهقي في الكبرى: (١٨٧٥١)].، بل سنجمع فيها أديانًا وليس دينين، ومللًا شتى لا ملتين.
ولأجل ذلك كله وزيادة؛ أعلن طاغية بلاد الحرمين عن ميلاد هذا الدين الجديد وفي جزيرة العرب ألا وهو «التقارب بين الأديان»، في وقت بدأ فيه مجد الإسلام يرجع شيئًا فشيئًا، ويقظة أهله تزداد يومًا فيومًا، وتضحيات أبنائه تتضاعف من ساحة إلى ساحة، وقد أصاب أعداءه الوهن واليأس من أن ينالوا منه في ساحات القتال والنزال، وفي معامع التضحية والإقدام، فلجأوا عبر عملائهم ووكلائهم وعلى رأسهم طاغية بلاد الحرمين إلى محاولة إطفاء الروح الحماسية التي تتأجج في قلوب أبناء الإسلام، وتذكي في نفوسهم معاني البذل، فما أن سمع هذا الطاغية وأذنابه نداء أربابه إلى دينهم الجديد؛ حتى قال لهم بملء فيه: «لبيك، لبيك»؛ فصفق له المصفقون، وطبل له المبطلون، واصطف وراءه كل من هان عليه دينه، ورخصت عنده عقيدته، فلا ينبِض فيه للحمية عرق، ولا تأخذه أنفة ولا عزة نفس؛ فعندها مُيِّز من بكى ممن تباكى وصدق الله ﷻ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].
فجاءت هذه المحنة لتكشف مَن هم أهل دعوة التوحيد الصادقون، الذين لا يساومون على عقيدتهم، ولا يتنازلون عن مبادئهم، ولا يتقلبون في مواقفهم، ممن تُميلهم ريح الفتن حيث مالت، فكان إيمانهم أهون شيء عندهم، ونعوذ بالله من الفتن؛ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
إن دعوة تقارب الأديان التي أطلقها طاغية بلاد الحرمين، ودعا فيها للتآخي بين الأديان الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلام، بل ومع غيرها من الأديان؛ ليست دعوة عفوية مرتجلة، ولا هي طفرة مرحلية عابرة، ولا فكرة عرضية سائرة، وإنما تولدت عن دراسة مستوعِبة وبحث مستفيض ومكر دفين، اختير لها الوقت المناسب -كما يظنون- والبلد المناسب والطريقة المناسبة؛ لتكون جزءًا محكمًا وحلقة متصلة من الحرب الصليبية المكشوفة على الإسلام والمسلمين، بل هي لُب هذه الحملة وجوهرها وخلاصتها، فأعداء الله لا يريدون منا أكثر من الانسلاخ عن ديننا، والتخلي عن عقيدتنا، وتمييع ولائنا وبرائنا، وتضييع شخصيتنا وهويتنا، رافعين شعار الإصلاح والتآخي والتعايش والسلام؛ فأسلموا راية الدعوة لهذا الدين الجديد لطاغية بلاد الحرمين ليقفو أثر مَن سبقوه ممن قال الله ﷻ فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾ [البقرة: 11]، ولكن...﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 12].
نعم؛ إنه التقارب الذي يجعل التوحيد أخًا للشرك والتنديد، ويشيِّد المسجد جنبًا إلى جنب مع الكنيسة والمعبد، ويصير القرآن الكريم مساويًا للكتب المحرفة كالتوراة والإنجيل، ويكون فيه المسلمون -الذين هم خير أمة أخرجت للناس- كشر البرية، قال ﷻ: ﴿۞مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: 24].
إن اختلاق وتنويعَ الأسماء لهذه الدعوة المفضوحة لا يغير من حقيقتها شيئًا، فهي في واقعها دعوة صريحة إلى التخلي عن الإسلام والتنكر لجملة عظيمة من عقائده وأصوله والبحث عن القواسم المشتركة التي تجمعه مع اليهودية والنصرانية؛ ليكون ما يتفق عليه أهل التجمع الثلاثي هو الدينَ العصري الجديد الذي يسمح بالدعوة إليه، والإنكار على من خالفه، وإلزام الناس باعتناقه وقبوله، وسينتصب دعاة السوء وعلماء الضلالة ليسموا هذه الجريمة بأسماء يلبسون بها على الناس كما هو ديدنهم وعادتهم، كقولهم: إنما هو «حوار الأديان»، أو «المجادلة بالتي هي أحسن»، أو «الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة»، أو «الدعوة إلى الوسطية والاعتدال»، ولن يعجزهم استلال عدد من الآيات القرآنية ليسوقوها تقوية لباطلهم، وترويجًا لضلالهم، وتملقًا وإرضاءً لحكامهم، وتلبيسًا على عباد الله، ولا يعنيهم بعد ذلك لو ضلت الأرض كلها، وتشتت لأمة الإسلام أمرها، وضاع بين الأهواء والهون هديُها ومجدها، فهمهم لا يعدو أن يحظوا برضا حكامهم عنهم، وأن يفتحوا لهم بين الحين والحين أبوابهم، قال رسول الله ﷺ: (من أتى أبواب السلطان افتَتَن وما ازداد أحد من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بعدًا)٣٬٢٤٤[رواه أحمد: (٨٨٣٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: (2240)]..
ويا ويل هؤلاء الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا -إن لم يتوبوا ويرجعوا- يوم يقفون بين يدي ربهم ولن يغني عنهم هنالك مناصب رفيعة، ولا وظائف راقية، ولا أموال جزيلة، ولا ألقاب براقة، ولا مراكب فارهة، ولا قصور شاهقة، ولا تملقٌ زائف، قال ﷻ: ﴿وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥ فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ [القصص: 65-66].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 174-175].
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
وَلَمْ أقْضِ حَقَّ العلـمِ إِنْ كُنتُ كُلَّمَا | بَدَا طَمَعٌ صَيَّرْتُه لِيَ سُلَّمَا | |
ولم أبْتذِلْ في خدمةِ العلـمِ مُهْجَتِي | لأخدُم مَن لاقيْتُ لكنْ لأُخْدَمَا | |
أأشْقَى به غَرْسًا وأجْنِيه ذِلَّةً | إذًا فاتِّباعُ الجهلِ قَدْ كَانَ أَحْزَمَا | |
ولو أنَّ أهلَ العلـمِ صَانُوه صانَهُمْ | وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعُظِّمَا | |
وَلَكِنْ أَهَانُوهُ فَهَانَ وَدَنَّسُوا | مُحَيَّاه بالأطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَا٣٬٢٤٥[قاله: علي بن عبد العزيز الجرجاني. انظر: جامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (/371)]. |
إن الترويج لهذه الجريمة الشنيعة، أو محاولةَ ستر حقيقتها، وتحسين قبحها، وتغطية وجهها الكالح بالفتاوى الزائفة، ولَي الألسن بالخطب الرنانة، وتسويد الأوراق بالبيانات المنمقة، والتهافت على المؤتمرات الخادعة، والندوات المضلِّلة؛ لهو خيانة للإسلام وأهله، ومشاركة مباشرة في تعزيز ودعم وتقوية هذا الدين الجديد، وجعْلِ جزيرة العرب منبعًا للإلحاد ومرتعًا للكفر والإفساد، بعد أن كانت منارًا للإيمان والتوحيد الهدى، ولن يتجاوز القائمون على هذا التلبيس -مهما بذلوا من الجهود التي يبرئون بها أنفسهم- لن يتجاوزا قولَ الله تعالى في أمثالهم: ﴿وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78].
فيا مَن ملأتم الأرض ضجيجًا بوجوب طاعة ولي أمركم: ها قد نطق إمامكم ودعا إلى ما قررتم في فتاواكم وأبحاثِكم أنه كفرٌ بواح، وردة صريحة، وانسلال من الدين؛ فأي عذر لا زلتم تتعلقون به؟! وأية حجة ستتعللون بها لتكون لكم مَلجئًا؛ تعذرون بها أمام الله ﷻ بعد هذا كله؟!
فهذا العلامة بكر أبو زيد رحمه الله كتب كتابًا بعنوان «الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان»، وهو أحد علماء جزيرة العرب، بل من هيئة كبار العلماء؛ فكان مما قاله في مقدمة كتابه: «فإن نازلة الدعوة إلى الخلط بين دين الإسلام وبين غيره من الأديان الباطلة كاليهودية، والنصرانية، التي تعقد لها أمم الكفر المؤتمرات المتتابعة باسم «التقريب بين الأديان»، و«وحدة الأديان»، و«التآخي بين الأديان» و«حوار الحضارات»؛ هي أبشع دعائم «الكهفين المظلمين»: «النظام العالمي الجديد» و«العولمة»، اللذان يهدفان إلى بث الكفر والإلحاد، ونشر الإباحية وطمس معالم الإسلام وتغيير الفطرة»، انتهى كلامه رحمه الله.
وقال أيضًا: «إن دعوة المسلم إلى توحيد دين الإسلام مع غيره من الشرائع والأديان الدائرة بين التحريف والنسخ بشريعة الإسلام؛ ردة ظاهرة، وكفر صريح؛ لما تعلنه من نقض جريء للإسلام أصلًا وفرعًا، واعتقادًا وعملًا، وهذا إجماع لا يجوز أن يكون محل خلاف بين أهل الإسلام، وإنها دخول معركة جديدة مع عُبَّاد الصليب، ومع أشد الناس عداوة للذين آمنوا، فالأمر جد وما هو بالهزل»٣٬٢٤٦[الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان: (ص 45)].، انتهى كلامه رحمه الله.
وقال أيضًا رحمه الله: «إن الدعوة إلى هذه النظرية الثلاثية، تحت أي من هذه الشعارات إلى توحيد دين الإسلام الحق الناسخ لما قبله من الشرائع، مع ما عليه اليهود والنصارى من دين دائر كل منهما بين النسخ والتحريف؛ هي أكبر مكيدة عُرفت لمواجهة الإسلام والمسلمين اجتمعت عليها كلمة اليهود والنصارى بجامع علتهم المشتركة: «بغض الإسلام والمسلمين»، وغلفوها بأطباق من الشعارات اللامعة، وهي كاذبة خادعة، ذات مصير مروع مخوف، فهي في حكم الإسلام: دعوة بدعية، ضالة كفرية، خطة مأثم لهم، ودعوة لهم إلى ردة شاملة عن الإسلام؛ لأنها تصطدم مع بديهيات الاعتقاد، وتنتهك حرمة الرسل والرسالات، وتبطل صدق القرآن، ونسخَه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخَ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع، وتبطل ختم النبوة والرسالة بمحمد ﷺ؛ فهي نظرية مرفوضة شرعًا، محرمة قطعًا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من كتاب وسنة، وإجماع، وما ينطوي تحت ذلك من دليل، وبرهان»٣٬٢٤٧[الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان: (ص 35)].، انتهى كلامه رحمه الله.
فانتصبوا يا علماء الإسلام الصادقين دفاعًا عن دينكم، وحميةً لشريعتكم، وحمايةً لعقيدتكم، وقيامًا بواجبكم، بعيدًا عن التمتمات الخفية، والزمزمات الباهتة، والتعميمات المحيرة، فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب، فاليومَ يومكم، والميدان ميدانكم؛ فطوبى لمن كانت له السابقة في كف عادية المستهزئين بدين الله ﷻ، ليكون من ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾ [الأحزاب: 39]، وليقف موقف الأنبياء الذي وقفه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله يوم أن حلت البدعة، ورفعت السنة؛ فصبر صبر الرجال، وحمل نفسه على أشد البلاء وأعسر الأحوال، حتى استقام الاعوجاج، وانقطع اللَّجاج، وارتفع الحق، وانخفض الباطل، وأعز الله الإيمان وأهله، وأذل الضلال وحزبه، وأبقى الله في العالمين أثره وذكره.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
فَصَبْرًا في مَجالِ الـمَوْتِ صَبْرًا | فَما نَيْلُ الخُلُودِ بِمُسْتَطاعِ | |
ولا ثَوْبُ البقَاءِ بثَوْبِ عِزٍّ | فيُطْوَى عن أَخِي الخَنَعِ اليَراع | |
سَبِيلُ الـمَوْتِ غايَةُ كُلِّ حَيٍّ | فَداعِيهِ لأَهْلِ الأَرْضِ داعِي | |
ومَنْ لا يُعْتَبَطْ يَسْأَمْ ويَهْرَمْ | وتُسْلِـمْهُ الـمَنُونُ إِلى انْقِطاعِ | |
وَمَا للْمرءِ خَيْرٌ في حَياةٍ | إِذَا مَا عُدَّ مِنْ سَقَطِ الْمَتَاعِ٣٬٢٤٨[قاله: قُطري بن الفجاءة. انظر: شرح حماسة أبي تمام للفارسي (2/104)]. |
وحاش للعلماء الربانيين بدور الدجى وأنوار الهدى وورثة الأنبياء أن يكونوا من سقط المتاع.
فليرتفع صوت التوحيد مدويًا: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهُ وَٰحِدٞۚ﴾ [المائدة: 73]، فلا ثَم إمكان للتقارب مع الذين يجعلون لله الصاحبة والولد، وليعلُ نداء التنزيه والتقديس في وجه أمة الغضب والتنجيس: ﴿غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ﴾ [المائدة: 64]، فبعدًا وسحقًا للطاعنين في ربهم المستنقصين لخالقهم.
ولتتزلزل عروش المحرفين للدين المبدلين للشرع المبين: ﴿إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]، فَتَقَارب الأديان أو اتحادها؛ دينكم الذي ارتضيتموه وكفركم الذي أصلتموه، أما نحن فعلى خطى سيد المرسلين نسير: ﴿قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [الأنعام: 161]، ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67].
أما أولئك الذين تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، وجعلوا الناس على دين الملك؛ فتارةً مشرقين، وتارةً مغربين، الذين زادوا الأمة محنة على محنتها، وحيرة فوق حيرتها، فما إياهم نعني، وما نحوهم نلتفت، وهم يحرفون الدين، ويفسدون الملة، وما أجمل قول حذيفة رضي الله عنه: «إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكرَ ما كنت تعرف، فانظر الذي أنت عليه اليوم فتمسك به فإنه لا يضرك فتنة بعد»٣٬٢٤٩[الفتن لنعيم بن حماد: (134)، وغيره]..
[البحر: الخفيف]
[البحر: الخفيف]
أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيُّا سُهَيْلًا | عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ؟ | |
هِيَ شَامِيَّةٌ إِذَا مَا اسْتَقَلَّتْ | وَسُهَيْلٌ إِذَا اسْتَقَلَّ يَمَانِ٣٬٢٥٠[قاله: الأصمعي. انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (1/377)، والثريا وسهيل هنا نجمان أحدهما يطلع شمالا باتجاه الشام، والآخر جنوبا باتجاه اليمن؛ فلذلك جعل أحدهما شاميا والآخر يمانيا]. |
إلى أن يقولوا: فلا يجوز للمسلمين أن يتقاربوا معهم؛ لأن في التقارب معهم إقرارًا لهم على الباطل من ناحية، وتغريرًا بالجهال من ناحية أخرى، والواجب فضح باطلهم كما فضحهم الله في القرآن»٣٬٢٥١[فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الأولى: (2/131)].، انتهى النقل.
فما بال الثريا وسهيل قد اجتمعا أو كادا، ألِئَنَّ وليَّ الأمر هو من جمعهما؟! ومَن الذي يدعو اليوم إلى التقارب بين هذه الأديان؟ وكيف استطاع ولي أمركم أن يجمع بين النقيضين؟! ومَن الذي يغرر بالجهال ويلبس عليهم؟ ومن الذي ألجم الأفواه عن فضح اليهود النصارى؟ أوَ ليس صاحبُ كل هذه الفضائح والقبائح هو وليَ أمركم! أم أن عين الرضى عن كل عيب كَليلَةٌ، ولكن عين السخط تبدي المساويا؟!
وكذلك في فتوى مطوَّلة لِلَّجْنة أيضًا في هذه المسألة، ومن الموقعين عليها المفتي المذكور جاء: «وأمام هذه الأصول الاعتقادية، والحقائق الشرعية، فإن الدعوة إلى «وحدة الأديان» والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد؛ دعوة خبيثة ماكرة، والغرض منها خلط الحق بالباطل، وهدم الإسلام وتقويض دعائمه، وجر أهله إلى ردة شاملة، ومصداق ذلك في قول الله سبحانه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾ [البقرة: 217]، وقوله ﷻ: ﴿وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ﴾ [النساء: 89]... إلى أن يقولوا: إن الدعوة إلى «وحدة الأديان» إن صدرت من مسلم؛ فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام؛ لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد، فترضى بالكفر بالله ﷻ، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الشرائع والأديان، وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعًا، محرمة قطعًا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن وسنة وإجماع.
إلى قولهم: وبناء على ما تقدم؛ فإنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا الدعوة إلى هذه الفكرة الآثمة، والتشجيع عليها، وتسليكها بين المسلمين، فضلًا عن الاستجابة لها، والدخول في مؤتمراتها وندواتها، والانتماء إلى محافلها»٣٬٢٥٢[فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الأولى: (12/279-281)].، انتهى كلامهم.
فأي مصلحة هذه التي عقدت ألسنتكم عن النطق بكلمة الحق، ولا زلتم تزعمون مراعاتها، وطاغية بلاد الحرمين يسوق الناس إلى الكفر والردة السافرة سوقًا حثيثًا بلا رادع ولا دافع، وأي فتنة تلك التي تخافون وقوعها، ودعوات الكفر الصراح تتعالى أصواتها، ويتباهى دعاتها، وتنتشر بين الخلائق أصولها وفروعها، ألم يقل الله تعالى: ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ﴾ [البقرة: 191]، وقال ﷻ: ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ﴾ [البقرة: 217].
فإلى أي مدى وأنتم تركضون وراء هؤلاء الطغاة تسترون كفرهم، وتسوغون تضليلهم، وتخرِّجون شطحاتهم، وتجادلون عنهم، ألا تكفون عن كل ذلك وأنتم تقرأون قوله سبحانه تعالى: ﴿وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧ يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨ هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا﴾ [النساء: 107-109].
فأين أولئك العلماء الذين طالما سلطوا ألسنتهم وأقلامهم على المجاهدين تحت شعار النصح والإرشاد والتوجيه؟ فليبرزوا اليوم إلى ميدان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشجاعتهم، ولينتصبوا بجرأتهم، وليصرحوا بنصحهم، ولتحركهم غيرتهم، وليقولوا لهؤلاء العابثين بدين الله ﷻ، المحرفين لأحكامه، الساعين لنسف أصوله: أوقفوا تيارات الردة الجامحة التي أطلقتم عنانها على المسلمين في جزيرة العرب.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
أَقِلُّوا عليهمْ، لا أَبا لأَبيكُمُ | مِن اللَّوْمِ أَو سُدُّوا الـمَكانَ الذي سَدُّوا٣٬٢٥٣[قاله: الحطيئة؛ الزبرقان بن عمرو. انظر: الكامل في اللغة والأدب (2/137)]. |
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
كَمْ تُظْلَمُونَ وَلَسْتُمْ تَشْتَكُونَ وَكَمْ | تُسْتَغْضَبُونَ فَلَا يَبْدُو لَكُمْ غَضَبُ | |
أَلِفْتُمُ الهُوْنَ حَتَّى صَارَ عِنْدَكُمُ | طَبْعًا وَبَعْضُ طِبَاعِ المَرْءِ مُكْتَسَبُ | |
وَفَارَقَتْكُمْ لِطُولِ الذُّلِّ نَخْوَتُكُمْ | فَلَيْسَ يُؤْلِمُكُمْ خَسْفٌ ولا عَطَبُ | |
لِلَّهِ صَبْرُكُمُ لَوْ أَنَّ صَبْرَكُمُ | فِي مُلْتَقَى الْخَيْلِ حِينَ الْخَيْلُ تَضْطَرِبُ٣٬٢٥٤[قاله: إبراهيم اليازجي. انظر: مجمع الحكم والأمثال في الشعر العربي (7/37)]. |
فحتى الرافضة المشركون الذين كانت بالأمس تصدر الفتاوى تلو الفتاوى في تكفيرهم وفضحهم وبيان شركهم صاروا اليوم شركاء «أصحاب العقيدة السمحة» في تمثيل المسلمين في المؤتمرات التي تعقد للتقارب بين الأديان، فهل اهتدى الرافضة المشركون أم ضللتم يا دعاة التقارب وأنصارَه؟!
فلطالما وقف العلماء الصادقون في وجه دعوات التقريب بين السنة والشيعة؛ مع أنهم ينسبون أنفسهم للإسلام ويزعمون أنهم على شيء، وكتب بعض أصحاب السعي لذلك خلاصة تجرِبته، وأن هذا من أمحل المحال، ومن تضييع الجهود في غير طائل، فانظر كيف قفز طغاة آل سعود هذه القفزة التي صار معها التقريب بين السنة والشيعة من المسلمات التي لا غمز عليها ولا طعن فيها، وغدا البحث فقط بحثًا عن تقارب الأديان، فبئس الدين الذي جمع بين توحيد السنة وشرك الرافضة، وضم تحت قبته المترضين عن الصحابة الكرام والمتقربين بلعنهم وبغضهم، وتآخى فيه المبرؤون لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها والقاذفون لها المفترون عليها.
إن هذه الدعوة الكفرية الصريحة هي مفرق طريق للمسلمين وعلمائهم في جزيرة العرب خصوصًا، وفي العالم عمومًا، فلا مجال للمجاملات، ولا وقت للمساجلات، ولا بقاء للتدليس والتلبيس، وإنما هو شحذ السنان، وإظهار البيان، وموقف التوحيد للملك الديان، فوالله إن التعجيل بقتل هذا الطاغية العابث الذي أعلن نفسه إمامًا من أئمة الكفر؛ لهو من أعظم القربات وأجل الطاعات استجابةً لقوله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 12].
ولن ينكف شره، وينقطع ضره، ويزال كفره، إلا بكتائب محمد بن مسلمة التي أرسى دعائمها رسول الرحمة والملحمة حينما قال: (من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله، فقال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله، قال: نعم)٣٬٢٥٥[متفق عليه، البخاري: (٣٠٣١)، ومسلم: (١٨٠١)].، فمَن لهذا المتجبر فإنه قد عبث بالدين، وظاهر اليهود والنصارى على المسلمين، وملأ سجونه بالخيار الموحدين، وتجرأ على عقيدة التوحيد، وآخى السابّين للنبي الكريم، وعلى رأسهم عابد الصلبان بابا الفاتكان.. فمن له؟ ثم مَن له؟
فطوبى لمن كتب الله ﷻ هذه الحسنة على يديه، وجعل من نفسه فداءً للدين وحصنًا للتوحيد، ليدفع عن المسلمين موجة كفرٍ عاتية تستأصل عقيدتهم وتقتلع جذور إيمانهم، ولن يكون ذلك إلا بردم هذا المنبع المفسد الذي يخرج علينا كل يوم برجسه ونجسه.
قال ﷻ: ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا