أما من حيث أدلة الكتاب والسنة على بطلان شرعية هذا النظام الكافر ووجوب قتاله؛ فكثيرة -والحمد لله-
أولًا: موالاة «نظام كرزاي» وأنصاره للنصارى موالاة ظاهرة علنية في أوضح وأقوى صورها:
فمن المعلوم أن نظام «حكومة كرزاي» إنما أوجده وأقامه ونصبه على المسلمين النصارى الضالون، فهو منهم وهم منه، ولولا موافقته التامة وموالاته الكاملة لهم لما أبقوه يومًا واحدًا بل ولا طرفة عين.
وقد أعلن هذا المرتد مناصرته الصريحة لهؤلاء النصارى ضد إمارة أفغانستان الإسلامية منذ شروعهم في حربها وباشر ذلك بنفسه، ولا تزال قواته واستخباراته تقف جنبًا إلى جنب مع قوات الصليب تعضدهم وتقويهم وتحميهم، بل لا مهمة ولا عمل لها إلا مطاردة المجاهدين أينما كانوا وحماية النصارى بالنفس والسلاح حيثما نزلوا.
فأي مناصرة فوق هذه المناصرة وأية موالاة أعظم من هذه الموالاة، وقد قال الله تعالى: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51].
قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: «يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾، ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم يقول فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمُه؛ حكمَه»٣٬٤٨٢[تفسير الطبري (8/508)]..
وقال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله: «وصح أن قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾، إنما هو على ظاهره، بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين»٣٬٤٨٣المحلى: (11/138)..
وقال ﷻ: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28].
قال الإمام الطبري في هذه الآية: «ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا، توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك؛ فقد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر»٣٬٤٨٤تفسير الطبري: (3/228)..
وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1].
والآيات الدالة على هذا الحكم -وهو كفر الموالي للكفار والمظاهر لهم على المسلمين- كثيرة مشهورة، وهو أمر لا يخالف فيه أحدٌ من المسلمين.
وهو ما تقوم به قوات «حكومة كرزاي» وأجهزتها الأمنية، وهم أول الناس علـمًا قبل غيرهم؛ بأن الذي كوَّنهم وأوجدهم وينفق عليهم ويدربهم هم الكفرة بمختلف مللهم ونحلهم، كما أنهم يعلمون قبل غيرهم بأن مهمتهم الأولى هي محاربة المجاهدين والتنكيل بهم في السجون والتضييق على أسرهم وذويهم، وفقًا لما يأمر به النصارى، وحسب ما يهوون ويريدون.
فهل يبقى لأحدٍ يقوم بمثل هذه الأعمال وغيرها دعوى يتعلل بها لينسب نفسه إلى الإسلام ويحسب نفسه من المسلمين؟!
ثانيًا: إقامته -أي نظام كرزاي- لنظام جاهلي علماني ديمقراطي غربي كافر على أنقاض دولة إسلامية كانت تحكم بأحكام الشرع الإسلامي:
ودخوله التام في طاعة النصارى الكفرة وتلبيته لما يريدون وتنفيذه لما يأمرون من غير تردد أو تفكر، بل برضا ومحبة وفرح وافتخار؛ فما هو إلا منفذ لمطالبهم، ومحقق لأهدافهم ومتبع لقوانينهم وأنظمتهم، يُؤمر من قبلهم فيطيع، ويُنهى فينتهي، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: «ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله -المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعَدَلَ- إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم «جنكيزخان»، الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام، قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بَنِيهِ شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، فمن فعل ذلك؛ فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ﷺ فلا يحكّم سواه في قليلٍ ولا كثير»٣٬٤٨٥تفسير ابن كثير: (2/70)..
فتأمل حال «جنكيز خان» وأتباعه، ثم انظر في حال «كرزاي» وأتباعه وأنصاره ومحاكمه، تراه لا يزيد عليهم في قليل ولا كثير، فهم يجاهرون ويفتخرون بأن نظامهم الذي يحكمون به البلاد ويسوسون العباد هو نظام ديمقراطي غربي.
وما مزجوه به من بعض أحكام الإسلام فقد سبقهم إليه «جنكيز خان» -كما ذكر ابن كثير- حيث جعل بعضًا من كتابه الياسق مأخوذًا منها، فلم ينفعه ذلك شيئًا ولم يدخله في دائرة الإسلام، فكذا حال هذا النظام المرتد وحال أتباعه وأنصاره، ولا ينفعهم أو يغني عنهم دعواهم أن الشريعة الإسلامية هو القانون الأساس أو الأول في أفغانستان، ثم بعد ذلك يتخيرون منها ما يوافق أهواءهم ويلبي رغباتهم وينبذون ما سواه، فلن يكون المسلم مسلـمًا حتى ينقاد إلى حكم الله فلا يحكِّم سواه في صغير ولا كبير، وما وراء ذلك فهو أحكام الطواغيت وشرائعهم التي لا يجتمع الإيمان والرضا بها في قلب مؤمن أبدًا، قال الله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا﴾ [النساء: 60]، وقال ﷻ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65].
وهو أمر متفق عليه بين العلماء.
كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة؛ كفر.. فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدّمها عليه؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين»٣٬٤٨٦البداية والنهاية: (14/119)..
فالآية السابقة تبين أنَّ الحكم حكمان لا ثالث لهما؛ إما حكم الله الشامل لكل خير، وإما حكم الجاهلية الجهلاء العمياء، مهما زينها أهلها ومدحها أصحابها وزخرفوا القول لها، سواء سموها تحضرًا أو تقدمًا أو ديمقراطية أو عدلًا أو مساواة، فكل ذلك ما لم يكن مستندًا إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ قائمًا على الاستسلام والإذعان، فهو ظلمات الكفر ودهاليز الضلال، يُقال لأهلها جميعًا: ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ﴾ [النجم: 23]، وقال ﷻ: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، وقال سبحانه في شأن طاعة الكافرين: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 100]، وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 149]، وقال سبحانه لنبيه ﷺ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ [الأحزاب: 1].
فقد أصبحت المحاكم التي تفصل في شؤون الناس وتبتُّ في قَضاياهم وخلافاتهم؛ محاكم وضعية ذات قوانين ونظم ما أنزل الله بها من سلطان، فبها يُحكَم في أمور الدماء والأعراض والأموال وكافة شؤون الحياة، وما أبقوه من بعض ما يُسمونه بالقوانين الإسلامية؛ فما هو إلا لموافقته لهواهم، ولأجل التدليس والتلبيس، وإلا فليس ذلك انقيادًا لأمر الله ولا استسلامًا لشريعته ولا إذعانًا لحكمه، فمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض؛ فهو كافر بالكتاب كله، كمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض وفرَّق بينهم في ذلك، كحال اليهود والنصارى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا﴾ [النساء: 150-151]، وكما قال سبحانه: ﴿أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]، وقال ﷻ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 36].
ثالثًا: إعطاء هذا النظام نفسه حق تشريع القوانين الوضعية المناقضة لشريعة الإسلام، وذلك من خلال البرلمان الذي أوكلت إليه هذه المهمة.
وهذا أمرٌ مكفِّرٌ زائد على مجرد الحكم بغير ما أنزل الله، إذ أن مهمة هذا البرلمان؛ هي سن القوانين ووضع النُظم بغض النظر عن مخالفتها أو موافقتها لدين الإسلام، وعليه فإن كل قانون يصدر عن هذه الهيئة -حسب نظرهم- يعتبر نظامًا شرعيًا وقانونًا ملزمًا للناس، يعاقبون على مخالفته، سواء كان مناقضًا لدين الإسلام أم موافقًا له.
وهذه طريقة شركية كفرية، قد سبقهم إليها الكفرةُ في الجاهلية الأولى، كما كانوا يحلون الأشهر الحرم ويحرمونها حسب أهوائهم ومصالحهم، فجعل الله سبحانه فعلهم هذا زيادة في الكفر، كما قال ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [التوبة: 37]، وكما قال ﷻ: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [الشورى: 21].
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: «... وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا؛ يظهر غاية الظهور أن الذين يتَّبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على لسان أوليائه، مخالفة لما شرعه الله ﷻ على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلَّا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم... فتحكيم هذا النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم؛ كفر بخالق السماوات والأرض، وتمرُّد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها، وهو أعلم بمصالحها سبحانه، وتعالى عن أن يكون معه مشرعٌ آخر علوًا كبيرا..»٣٬٤٨٧أضواء البيان: (4/83)..
وقد بيَّن الله ﷻ أن من اتخذ أحدًا سوى الله يُحل له الحرام أو يحرم عليه الحلال -كحال البرلمانيين- فقد جعله ربًّا يعبده من دون الله ﷻ، فقال سبحانه: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهـٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، وفي حديث عدي بن حاتم -وهو حديث حسن طويل، رواه أحمد والترمذي وغيرهما- وكان قد قدم على النبي ﷺ وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم!، قال: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟)، قال: فقلت: بلى، قال: (فتلك عبادتهم)٣٬٤٨٨[سبق في: (ص 2546)]..
وقد اتفق العلماء؛ على أن من أحل الحرام المجمع على تحريمه أو حرم الحلال المجمع على تحليله؛ صار كافرًا، فكيف بمن أعطى نفسه هذا الحق مطلقًا؟!
وفي هذا يقول شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله: «والإنسان متى حَلَّل الحرام الـمُجمع عليه، أو حرَّم الحلال المجمع عليه، أو بدَّل الشرع المجمع عليه؛ كان كافرًا باتفاق الفقهاء»٣٬٤٨٩مجموع الفتاوى: (3/267)..
رابعًا: فتح المجال للمؤسسات النصرانية الكافرة لنشر الكفر والفجور والفساد بين عوام الناس:
وذلك بمساندة هذا النظام ورعايته ومباركته، تحت غطاء المساعدات الإنسانية، والمحافظة على الحقوق البشرية.
ولا شك أن إباحة نشر الكفر، والإعانة على بثه بين الناس وتزيينه لهم وترغيبهم فيه؛ يعد كفرًا، فإذا كان الله تعالى قد توعَّد بالعذاب الأليم من أحب شيوع الفاحشة في الذين آمنوا؛ فكيف بمن فتح أبواب الفواحش جميعها على مصارعها ورخص لها وعاقب من أراد إنكارها، ووصفه بأقبح الأوصاف كالتطرف والجمود والإرهاب، كما قال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النور: 19].
وقد أخبرنا ﷻ عن مكنونات صدور أصحاب الشهوات وعُبَّاد النزوات، وما يتمنونه من زيغ المسلمين عن الحق والميل إلى الفساد والوقوع في الكفر، فقال: ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 27]، ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [البقرة: 109]، ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2].
فكم من الأسر التي كانت تدين بدين الإسلام؛ قد تنصَّرت وأعلنت ردتها عنه وتنكرها له جهارًا نهارًا من غير خوف ولا وجل في شمال البلاد ووسطها؟! وذلك تحت غطاء دعاوى حرية الاعتقاد، التي تعتبر أصلًا أصيلًا في النظام الديمقراطي الذي تدين به «حكومة كرزاي».
وفي ذلك إبطال صريح لحد الردة الذي نص عليه رسول الهدى ﷺ واتفق عليه جميع الفقهاء من بعده.
ولعل أبرز وأظهر مثال على ذلك قصة من يسمى بـ «عبد الرحمن»، الذي كفر بدين الإسلام ودان بملة النصرانية وجاهر بها، وأبى أن يرجع عما هو عليه، وأصر على الاستمرار على ملته الجديدة، ومع ذلك فلم تمنعه «حكومة كرزاي»، بل لا يزال حرًّا طليقًا يعيش بين ظهراني المسلمين، وفي كنف «نظام كرزاي» الغربي.
وأمثاله كُثُرٌ، ممن وجدوا تحت غطاء الحرية في نظام الديمقراطية بُغيتهم في إعلان الكفر والردة ومحادة الله ورسوله، دون حساب ولا عقاب.
وبالجملة؛ فإن المفاسد المترتبة على بقاء هذا النظام واستمراره في الحكم لا يخفى على أحد.
ومن رأى أفغانستان وما كانت عليه إبان حكم «إمارة أفغانستان الإسلامية»، وما آلت إليه من شيوع الكفر وانتشار الفحشاء وظهور الخمور وتفلت الناس عن الشرع، وحماية رؤوس الكفر الذين تشربوا أفكار الغرب وجاءوا ليبثوها بين أبناء المسلمين، من رأى ذلك عَلِم عِلْم اليقين خطورة بقاء هذا النظام، وتيقن عظم الفادحة على البلاد والعباد من جراء استمراره، وإن كل يوم يستمر فيه حكمًا للناس فإنه يبعدهم عن دين الله مراحل ومراحل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
❖ ❖ ❖