24- المعركة الفكرية ضد الجهاد

حينما يقرأ المرء حول الهجمة الفكرية الشرسة التي شنها ويشنها الغرب ضد عبادة الجهاد ومحاولة إماتة الروح الجهادية في أبناء الأمة يعلم يقينًا أن خطر الجهاد على هؤلاء المجرمين لا يتوقف فقط عند كونه يسلبهم أملاكهم ويذهب بدولهم وسلطانهم، ولكنه أيضًا لكونه مفتاحًا للدخول إلى إصلاح قلوب وهداية شعوبهم التائهة الضائعة التي تعيش بقلوبٍ غلف وآذانٍ صم وأعينٍ عمي عن الحق والهدى الذي يحجبهم عنه الطواغيت المتسلطون عليهم.

فالشبهات التي يثيرونها ضد عبادة الجهاد على وجه الخصوص والتي استغرق إنتاجها وابتكارها ثم نشرها وتسويقها في بلاد المسلمين أوقاتًا طويلة ووسائل عدة، هي في ذاتها جزء من المواجهة التي يراد بها قتل المحرك الدافع لشباب الأمة ومن ثم سوقهم إلى الانهزام النفسي والتشتت الفكري والاضطراب العقائدي الذي لا تقوم معه حركة ولا يستقيم بوجوده جهاد.

ص 1000

فهؤلاء القائمون على هذه المعركة من المبشرين «التنصيريين»، والمستشرقين، وأذنابهم الذين صنعوهم على أعينهم هم جزء من المعركة، بل هم قسمها الأكبر، وهم أعظم عقبة في طريق هداية الناس وسوقهم إلى نور الإسلام، فإن الشاكّ لا يقنع غيره، والمضطرب لا يسكِّن من سواه، والحائر مشغول بنفسه، فإذا أصاب المسلمين لوثة الشبهات التي يثيرونها؛ فأية هداية يمكن أن يقدموها للناس؟ وإذا دب في قلوبهم الوهن وخالطتها الشكوك؛ فكيف سيقدمون على التضحية لإعلاء كلمة الله؟!

ولو أن الأجيال الماضية التي نبغت فيها نابغة هؤلاء المجرمين تصدت لهم بِحَدِّ السلاح، وتتبعت فلولهم، وقعدت لهم كل مرصد؛ لاختصرت كثيرًا من الجهود الضخمة التي بُذلت فيما بعد لرد شبهاتهم وتفنيدها، ولانحَسَر وانحصر شرهم إلى أقصى حد ممكن، ولما كانت نتائجه هذه الفوضى الفكرية العارمة التي اجتاحت الأمة الإسلامية.

فالله ﷻ قد حدد لنا مجال المجادلة مع الكفرة من أهل الكتاب، إنها الدعوة إلى التوحيد، وهي الكلمة السواء التي بيننا وبينهم، وما سوى ذلك، فليس إلا العبث واللعب، ولهذا اشترط عمر رضي الله عنه على أهل الذمة أن لا يفتنوا مسلـمًا عن دينه، فقد سد الباب رأسًا، ومن فعل ذلك فقد برأت منه الذمة، فكيف بهؤلاء الذين يصرحون في مقالاتهم وكتبهم بخبث أهدافهم، وأنهم لم يكونوا قط باحثين عن الحق، ولا حريصين على بلوغه، ولا جادين في اتباعه، وإنما غرضهم هو فقط التشكيك في الإسلام عمومًا وعبادة الجهاد خصوصًا؛ ليكونوا في حصنٍ حصين وركنٍ ركين بعيدين عن خطر هجمته وفجاءة صولته، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.