الحنين الظامئ

[مجهول، ويُحتمل أنها في شوال 1419هـ / 1 – 1999م]

فهذه أبياتٌ قاصرة جادت بها نفسٌ أصابتها سهام النوائب، وأحاطت بها شرائك الخطوب، خرجت لعلها تخفف شيئًا من نار أجَّجَها فراقُ أخٍ حبيب وخلٍ لبيب وعملاقٍ في زمن الأقزام...

إنه البطل الذي عرفه إخوانه بحسن تدبيره ورشد رأيه ونفاذ بصيرته، وها هو اليوم بعد جولات من المغامرات والمخاطرات والإقدام والاقتحام والغدو والرواح؛ يُقتاد إلى زنزانته بنفسٍ أبية وقلبٍ ثابتٍ راسخ، وكأني به يقول: أديت ما عليَّ فإليكم الراية..

إنه مقدام في ساحات الوغى وليث وراء القضبان فالأُسد هي الأُسد في عرينها أو غابها..

إنه خالد الزبير «مصطفى الصيد الفيتوري»٣٬٧١٠[ينتمي أصلا لقبيلة العلاونه قصر بن غشير، ومقيم بسوق الجمعة في طرابلس، وكان طالبًا بكلية الهندسة جامعة الفاتح، وعضوًا في مجلس الشورى في «سرايا المجاهدين» بليبيا، وكان مكلفاً بالإشراف على نشاط الجماعة المقاتلة في المنطقة الجنوبية، وكان كذلك مسؤول الجماعة الليبية المقاتلة بالسودان، ومنسق أمورها في فترةٍ من الفترات، واعتقل غالبًا في عام 1998م]. فك الله أسره وفرج كربه وإخوانه.

[البحر: البسيط]

تَقَلَّبَ الْقَلْبُ فِي بَحْرِ الْأَسَى وَغَدَا

يَمُدُّهُ الْهَمُّ مِن آلَامِهِ مَدَدَا

يَمُوجُ فِي لُجَّةِ الْأَحْزَانِ تَصْفَعُهُ

أَمْوَاجُهَا فَتُثِيرُ الغَمَّ وَالْكَمَدَا

يَسْعَى حَثِيثًا إِلَى بَرِّ الْأَمَانِ عَسَى

أَن يُجْعَلَ الحُزْنُ فِي أَعْمَاقِهِ بَدَدَا

فَحَيْثُمَا لَاحَ لِي مِنْ نَحْوِهِ أَمَلٌ

أَلْفَيْتُ جَيْشًا مِنَ الْآلَامِ مُحْتَشِدَا

فَيَغْمُرُ الْقَلْبَ ظَلْمَاءٌ يَظَلُّ بِهَا

حَيْرَانَ يَرْقُبُ بَيْنَ الْحَالِكَاتِ هُدَى

آهٍ أَخِي مِنْ سِهَامٍ مَزَّقَتْ كَبِدِي

وَمِنْ جِرَاحَاتِ قَلْبٍ صَارَ مُقْتَعَدَا

فَكُلَّمَا رُمْتُ نَزْعَ السَّهْمِ بَادَرَنِي

سِهَامُ حُزْنٍ فَلَا أُحْصِي لَهَا عَدَدَا

أَلَسْتَ تَدْرِي أَخِي أَنَّ الْهُمُومَ إِذَا

غَزَتْ فُؤَادِي أَحَالَتْ عَزْمَهُ قِدَدًا

فَكَيْفَ كَيْفَ أَصُوغُ الشِّعْرَ مُنتَظِمًا

وَكُلَّمَا قُلْتُ أَقْبَلَ فَرَّ مُبْتَعِدَا

فَبِئْسَ خِلٌّ إِذَا مَا النَّائِبَاتُ دَهَتْ

يَقُولُ: نَفْسِي! وَيُبْقِي خِلَّهُ كَمِدَا

يَا لَوْعَةً فِي فُؤَادِي أَيْنَ أَبْعَثُهَا

وَيَا شُجُونًا أَقَضَّتْ مَضْجَعِي أَبَدَا

يَا حَسْرَةَ الْقَلْبِ مِنْ بَثٍّ يُؤَرِّقُنِي

وَيَا أَسًى فَتَّتَ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا

كَمْ مِنْ حَبِيبٍ حَمِيمٍ كَانَ يَجْمَعُنَا

بِهِ وِدَادٌ وَصَفْوٌ صَارَ مُفْتَقَدَا

فَهَاجَ فِي أَضْلُعِي مِنْ فَقْدِهِ لَهَبٌ

فَلَمْ يَزَلْ فِي فُؤَادِي بَعْدُ مُتَّقِدَا

أَخَالِدٌ يَا أَخًا مَا كُنتُ أَعْرِفُهُ

إِلَّا خَلِيلًا كَرِيمًا صَادِقًا أَسَدَا

إِنْ غِبْتَ عَنَّا وَحَالَتْ بَيْنَنَا حُجُبٌ

فَطَيْفُ ذِكْرَاكَ فِي وُجْدَانِنَا خَلَدَا

لَمْ يَمْنَعِ الرُّوحَ يَوْمًا مِنْ زِيَارَتِكُمْ

سُجُونُ ظُلْمٍ أَقَامُوهَا لَنَا رَصَدَا

جَدَّدْتَ جُرْحًا وَلَـمَّا يَلْتَئِمْ فَمَتَى

سَيَبْرَأُ الْجُرْحُ إِنْ فِي قَلْبِنَا قَعَدَا

قَدْ كُنتُ مِنْ قَبْلُ أُبْقِي الْجُرْحَ مُنْكَتِمًا

لَكِنَّ جُرْحِي بِكُمْ لِلنَّاظِرِينَ بَدَا

تَجْرِي دُمُوعِي إِذَا هَبَّتْ نَسَائِمُكُمْ

وَلَا أَرَى الصَّبْرَ؛ إِنَّ الصَّبْرَ قَدْ نَفَدَا

يَا عَاذِلِي إِذْ رَأَيْتَ الدَّمْعَ مُنْهَمِرًا

أَقْصِرْ وَدَعْنِي أَسُحُّ الدَّمْعَ مُجْتَهِدَا

مَا قِيمَةُ الدَّمْعِ إِنْ لَمْ يَنْهَمِلْ أَسَفًا

عَلَى الرِّجَالِ الْكُمَاةِ البُسَّلِ النُّجَدَا

نَفْسِي فِدَاءٌ لَهُمْ مِنْ كُلِّ بَائِقَةٍ

هُمْ دُرَّةُ الْعَصْرِ لَمْ يَسْتَمْرِئُوا النَّكَدَا

أُولَئِكَ الأُسْدُ مَنْ كَانُوا لِأُمَّتِهِمْ

فِي حِقْبَةِ الذُّلِّ أَنْصَارًا وَمُعْتَضَدَا

قَدْ أَقْفَرَتْ عِنْدِي الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا

حَتَّى كَأَنِّي بَقِيتُ الْيَوْمَ مُنْفَرِدَا

أَرَى بَنِيكَ وَقَد غَشَّتْ مَقَاسِمَهُمْ

كَآبَةٌ تَبْعَثُ الْأَوْجَاعَ وَالسَّهَدَا

أَلْقَيْتَ عِبْئًا ثَقِيلًا فَوْقَ كَاهِلِنَا

مَنْ ذَا يُطِيقُ لَهُ حِمْلًا وَإِن جَلُدَا

ضَاقَتْ وَضَاقَتْ وَكِدْنَا أَنْ نَقُولَ مَتَى

نَصْرُ الْإِلَهِ، وَمَا للنَّصْرِ قَدْ بَعُدَا

لَكِنْ قَطَعْنَا عُهُودًا لَنْ نُقَطِّعَهَا

لَوْ فَارَقَ الرَّأْسَ فِي سَاحَاتِها الْجَسَدَا

إِيهٍ وَرَبِّي لَسُوقُ الْحَرْبِ قَائِمَةٌ

يُذْكِي لَظَاهَا لُيُوثٌ لَا تَهَابُ رَدَى

فَذَا سَبِيلٌ أَبَيْنَا أَنْ نُفَارِقَهُ

حَتَّى تَفُلُّ سُيُوفُ الْحَقِّ مَنْ جَحَدَا

فَاصْبِرْ فَصَبْرُ الْفَتَى عِزٌّ وَمَكْرُمَةٌ

مَا كَانَ لِلْحَقِّ كَلَّا لَنْ يَضِيعَ سُدَى

❖ ❖ ❖

ص 2977

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: الحنين الظامئ

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا