توحيد آل سعود.. وتوحيد الحق
[جمادى الأولى 1428 هـ - 5 – 2007م]
۞
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد..
فبفضل الله ﷻ؛ فإن المجاهدين في جزيرة العرب -سددهم الله- وهم أهل السابقة وحسن الأثر؛ ليسوا في حاجة لمثلي كي يبين لهم حُكمًا، أو يدفع عنهم شبهة، أو يزيل لبسًا، أو يكشف تلبيسًا؛ فما زالت أقلامهم منذ قيامهم في وجه طغاة آل سعود يتدفق حبرها بكلمات حية مفعمة بروح الإيمان، ومُشِعَّةٍ بنور العلم، ومحُكَمَةٍ بلجام الإنصاف والعدل، وقائمةٍ على أساس التوحيد والفهم.
فمذكرات ورسائل وكتب الشيخ المجاهد «يوسف العييري» رحمه الله صاحبت المسيرة الجهادية هناك خطوة خطوة، وكلمات الشيخ «عبد الله الرشود» رحمه الله لم ينقطع أثرها ولا تأثيرها في قلوب الشباب؛ تبعث فيهم الهمم، وتقوي العزم، وتحيي الأمل، وتبدد اليأس والقنوط، وغيرهم من علماء الجهاد وطلبة العلم كثير؛ ممن أثروا المكتبة الجهادية ببحوث، وتحقيقات، وفتاوى، وردود؛ ضبطت المسيرة، وبيَّنت حدودها، ورسَّخت مفاهيمها، وألجمت الطاعنين في صدقها، ودحضت افتراءات أعدائها، ووقفوا مجاهرين بالحق، مستَخْفِين من بطش الباطل ينادون: المناظرةَ، المناظرةَ؛ فالحجة تقارعها الحجة، والبرهان يواجهه البرهان، والبحث يقابله البحث لا رجال «المباحث»، فما كانت حجة الباطل المفلس المتهاوي إلا قفو أثر قائدهم ومعلمهم: ﴿قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهـًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29].
واليوم وقد أعاد طغاة آل سعود الكرَّة، وقبل انعقاد مؤتمر «العهد الدولي» لمناصرة العراق؛ أرادوا أن يقدموا عربونًا يعبر عن جدية توجههم في محاربة ما يسمونه «الإرهاب»، وأنهم لا يزالون على العهد لم يغيروا ولم يبدلوا؛ فشنوا حملتهم العارمة على المجاهدين في جزيرة العرب، واستنهضوا لتعزيز هذه الحملة أجهزة إعلامهم تنفخ وتنفخ؛ حتى خُيِّل للمستمع أن هؤلاء المعتقَلين العزل هم جحافل «جنكيز خان» التي ستلتهم القاصي والداني وتأتي على البشر والشجر.
ثم إن عهدنا بحكومة آل سعود هو التكتيم الإعلامي المطبق، وطمر كل خبر يمكن أن يُفهم منه -ولو تحليلًا- أن هناك معارضة داخلية تؤرق نظام حكمهم، فما بالهم اليوم -والأوضاع في المنطقة ملتهبة- قد خرجوا عن «حِكمتهم» وطقوسهم؛ فراحوا يتبجحون بحملتهم ويضخمونها ويشهرونها حتى أعلن قبلةُ حكمهم «البيت الأبيض» عن ثنائه عليهم، ومَسَحَ أكتافهم تعبيرًا عن رضاه وامتنانه بأفعالهم.
ورغم ذلك؛ فلم يقف طغاة آل سعود عند هذا الحد، ولم يكتفوا بهذا السند، بل يمموا وجهة أخرى يرون فيها قوام مُلكهم، وتقوية ظهرهم، وهي استصدار فتاوى مؤيدة لما يرتكبون ومُناصِرة لهم في أفعالهم التي يقترفون؛ فيزداد النائم بها نومًا، والحائر حيرة، والمجرمُ جرأةً، والمجاهد المكبوت كبتًا وغيظًا، والطاغية المتجبر تماديًا وطغيانًا.
فكان مما وقع بين يدي -أخيرًا- فتوى صادرة عن مفتي مملكتهم بمناسبة الحملة التي شنتها أجهزتهم الأمنية على شباب الجهاد في الجزيرة واعتقلت العشرات منهم حسب وسائل إعلامهم، فلما رأيت ما في هذه الفتوى من المغالطات، والمجازفات، ووضع الأمور في غير موضعها، وإنزال الآيات والأحاديث على غير مستحقيها؛ عنَّ لي أن ألقي هذه الكلمات وذلك كما جاء في الفتوى المذكورة: «إبراء للذمة، وخروجًا من العهدة، وبيانًا للحق، ونصيحة لله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم»، سائلًا المولى ﷻ أن ينفع بها قائلها، ومستمعها، وناشرها.. إنه سميعٌ عليم.
أولًا: ظاهرٌ جدًا من خلال العبارات المتكررة في الفتوى؛ أن الاعتماد الكامل في توصيف حالة «المجموعة» التي صدرت في حقها هذه الفتوى كان على بيان وزارة الداخلية، حيث قال المفتي في مطلع ما كتب: «هذا وإن البيان الصادر يوم الجمعة «10 / 4 / 1428هـ»، عن وزارة الداخلية... إلخ»، كما أنه أعاد عبارة: «مما ظهر في البيان» ثلاث أو أربع مرات، وكفى تهالكًا وتهافتًا لفتوى مستندها في «تحقيق مناطها» على بيانٍ مُلفَّقٍ صادرٍ عن وزارة الداخلية التي يتزعمها إمام أئمة الكفر -عميد وزراء الداخلية العرب-: «نايف بن عبد العزيز»، والذي سخَّر رجال وزارته لإحصاء أنفاس الناس، وتتبع سكناتهم، وانتهاك محارم بيوتهم، والتنكيل بأصحاب الإيمان الصادق، والتوحيد الخالص؛ الذين أبوا أن يكون توحيدهم مسخًا يتقنون الكلام عليه وتنساب ألسنتهم بشرحه انسياب الماء من أفواه القِرَب، حتى إذا التفتوا إلى واقع دولتهم، وعاينوا عظائم أفعالها التي تأتي على التوحيد من أصله؛ أغمضوا أعينهم وجعلوا أصابعهم في آذانهم، وقالوا: لم نرَ ولم نسمع، وأقسموا بالله جهد أيمانهم: إنها لدولة التوحيد، وحامية حمى الشرع!!
فوزارة الداخلية التي يعتمد المفتي على أباطيلها هي التي تقف قولًا وعملًا؛ بعلانية ومفاخرة جنبًا إلى جنب في مناصرة الدول العربية في محاربتها للمسلمين، فمؤتمرات «وزراء الداخلية العرب» لم تزل تنعقد حينًا بعد حين؛ لتعزيز المعاهدات وتقوية الروابط في مكافحة ما يسمونه «الإرهاب»، وما هو في قاموسهم إلا: «الإسلام»، وإن أبى كثير من الناس أن يفهموا هذا أو يعقلوه: ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ﴾ [المائدة: 41].
ووزارة الداخلية التي يستند المفتي إلى أضاليلها هي التي تُطلق وحوشها لتُنشب أظفارها في الأجساد الطاهرة لتمزقها بحقد دفين، وتشفٍّ مستعِر في ظلمات السجون، وألسنة هؤلاء المؤمنين تَلهج بذكر الله، وتعظيمه، والاستغاثة به، والشكوى إليه، وألسنة أولئك الجلادين الجفاة تصرخ بسب الرب، والاستهزاء بالدين، والسخرية بالمؤمنين، وتقيء بكلمات القُبح، وعبارات الخلاعة، وألفاظ السفالة؛ فهذه الحقيقة صارت مقطوعًا بها، متواترة في نقلها، مهما كذَّبتم، أو أعرضتم، أو رددتم، وليس هذا الأمر بجديد كما يظن البعض، وإنما شاع أمره وذاع وظهر أخيرًا بعدما اتسعت رقعة المعركة، وصار الناس في فسطاطين متميزين؛ فرفع كل فريق راية ما يعبد: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾ [البقرة: 165].
يقول الشيخ أبو الليث حفظه الله وهو يحكي لحظات اعتقاله الأولى في سجون «وزارة داخلية آل سعود»: «ابتداءً باشروا بالتعذيب مباشرة بدون أسئلة ومقدمات، وعندما عرفوا هويتي الإسلامية أرادوا أن يسقطوا الوازع الديني الذي قد أظنه فيهم؛ فصار اللواء الذي كان يباشر تعذيبي واسمه «أمين زقزوق» وهو مصري الأصل ويعتبر المدير العام للسجن، فبدأ الكلام معي بسبِّ الدين، فعرفتُ أن المسألة استفزازية فأظهرتُ عدم الاكتراث، ثم اتبع ذلك بسبِّ الجلالة، فأظهرتُ عدم المبالاة، ثم واصل ذلك بأن سبَّ رسول الله ﷺ، فعندما وجد مني اللامبالاة؛ قال لي بالحرف الواحد: «لو كان ابن باز والعثيمين -وسمى عدة مشايخ-؛ لو كانوا هنا لفعلت فيهم»، وذكر ذلك بدون كناية باللفظة السوقية قاصدًا الفاحشة، وبعد ذلك بدأ التعذيب معنا»٣٬٠٨٦في لقاء مع «مجلة الفجر» [الصادرة عن: مركز الإعلام الإسلامي، السنة الرابعة العدد (40) ربيع الأول 1419هـ / يوليو 1998م]..
ولئن شئنا؛ لسطَّرنا لكم من هذه القصص والأهوال والفظائع صفحات وصفحات، لا بالاختلاق والتقوَّل، وإنما بصدق القول وثقة السند وتفاصيل الحوادث؛ فإن أبيتم إلا الإصرار والعناد فما حالكم إلا نظير ما قال الله ﷻ: ﴿وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ﴾ [الأعراف: 146].
وحينما كانت السياط تمزق أجساد شباب الإسلام في ظلمات سجون «وزارة الداخلية»، وأفواه الجلادين تقذف بالكفر المبين والسِّباب المهين، كانت آية الحرابة -كما هي اليوم- تُتلى وتبث وتنشر في وسائل إعلام حكومة آل سعود لتكون سيفًا مُصلتًا مسلولًا تضرب به أعناق الذاكرين الخاشعين.. وممن؟! من أناس كان يُرتجى منهم الصدع بالحق، والأخذ على أيدي الظالمين المجرمين، وإنقاذ المستضعفين المعذبين الذين لا يملكون إلا: ﴿رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [التحريم: 11].
ووزارة الداخلية التي يثق المفتي في أكاذيبها ويصدق أراجيفها؛ هي التي استنفرت كلابها وقامت على قدم وساق يوم أن غضبت أمريكا غضبتها، وهاجت هيجتها، ونطق مغرورها: «من لم يكن معنا فهو ضدنا»؛ فآلت على نفسها أن تكون لها نعم النصير، وحجتها لكم وأمامكم: ﴿نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ﴾ [المائدة: 52]، ولتستيقنوا: ﴿أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 53].
فأدَّت ما طُلب منها وزيادة، فاعتقلت مَن اعتقلت مِن العلماء الناطقين بالعلم الصريح الصادعين بالحق الخالص، ولم يكن هؤلاء ممن استعدَّ بالسلاح، ولا كفَّر المسلمين أو استحل دماءهم، ولا خرج على إمامهم، ولا خطط لاغتيال شخصيات عامة، ولا تواطؤوا مع جهات خارجية ضد البلد!! كما هي التهم الملفقة لضرب الرقاب في كل حين.
فما بال سجون «وزارة الداخلية» تُضَيِّق عليهم، وتكتظ بهم؟!
﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]، ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ﴾ [الأعراف: 126].
كما قامت هذه الوزارة بتسليم عدد من المجاهدين إلى الأمريكان وهم يشيعونهم -عند التسليم- بالسب، والشتم، والهمز، واللمز، والتفاخر بذلك، والتبختر أمام أسيادهم الأمريكان.
والمسلم الأسير: أسيف، كسيف، مهان، مبتذل، عارٍ.. يجر جرًا من مراكب «وزارة الداخلية» إلى طائرات عبدة الصليب وقلبه يتقطع أسى ويتفطر حسرة وهو لا يدري أي السجون ستبتلعه؛ كما أنه لا يعرف أي السجون التي قذفته.
وفي الوقت نفسه فتحت هذه الوزارة أبواب مكاتب تحقيقاتها على مصارعها لبني الأصفر يغدون ويروحون متى شاؤوا، ويُسَائلون من أرادوا أينما أحبوا وكيفما رغبوا، ووالله كثيرًا ما كان محققو «السي. آي. إيه» وال «إف. بي. آي» أرأف على المجاهدين وألين من جُفَاة وزارة الداخلية التي ليس لها همٌّ إلا تقديم معلومة تقر بها أعين عباد الصليب، وإن كانت تعلم في قرارة نفسها أنها أكذب من وحي مسيلمة!
فهذه هي وزارة الداخلية التي يعتمد المفتي على تفاصيل بيانها، ويجعلها حجته فيما يسطر من الأحكام العِظام، ضد شباب هم أطهر وأنقى من ماء المزن.
وإن المرء ليقف حقًا في حيرة وذهول، والتساؤلات تعصف بذهنه المرتبك: هل فعلًا تغيب كل هذه الأمور التي صارت عند عجائز البوادي من الْمُسلَّمات عن هؤلاء؟ وقد تواترت أنباؤها وتواردت قصصها وغدا التحقق منها والوقوف عليها؛ لتصبح عينَ اليقين أيسر ما يكون؛ فلماذا هذا الإصرار على تبرئة هؤلاء المجرمين بالتنقيب عن حججٍ -والله- لم تخطر لهم على بال، ولن يستطيعوا فهمها ولا فقهها، فضلًا عن الاعتماد عليها؟! ولماذا التمادي في إغماض الأعين عن جرائمهم السافرة الظاهرة المتضافرة والتي يكاد يكون إنكارها من قبيل السفسطة في القطعيات؟! فاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
ثانيًا: افتتح المفتي فتواه بما ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مسائل الجاهلية، وأنَّ من صفاتهم تفرقهم في الدين، وهي كلمة حق في غير موطنها، وتهويلٌ لا تعويل عليه في الحادثة التي سيق الكلام لأجلها، ولا تُرهب إلا من تعلق بأطراف الأهداب ولم يستمسك بالعروة الوثقى ويُصبْ لُبَّ الحقيقة، وإلا فإني أحسب أن كثيرًا ممن ابتلعتهم سجون «وزارة الداخلية» يحفظون كتب الإمام عن ظهر قلب وقد فَقِهوا ما فيها من العلم، والأحكام، والعقائد؛ فبها تحركوا، ولنصرتها قاموا، ولمحتواها دعوا، ولأجل تطبيقها أوذوا.
ولهذا لما عَلِم طغاة آل سعود بمدى تأثيرها وأنها ودينهم لا يلتقيان، وأنهم كلما موَّهوا وزيَّفوا فضحتهم شر فضيحة؛ بدأوا بمسخ المناهج الدراسية التي تستقي منها، وتطويعها بما يجاري أهواءهم ويوافق مطالب أسيادهم، وكمَّمُوا أفواه الدعاة الذين يكشفون الحقيقة من خلال هذه الكتب الحية التي طالما تمسحت حكومات آل سعود المتعاقبة بالانتساب إليها، ولبَّست على الناس بدعاوى الاعتناء بها وطباعتها، وما دروا أنهم كمن قال الله فيهم: ﴿يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [الحشر: 2].
فوجدوا أنفسهم أخيرًا على مفرق طريق معها؛ فلم يستطيعوا لَيَّها لتساير هواهم، ولم يطيقوا متابعتها ولو زعمًا وادعاءً؛ فاختاروا أن يكونوا أعداءً لها، ونبذها وراءهم ظهريا، وهكذا الحق الذي دوَّنه أصحابه بالصدق والإخلاص والتجرد؛ لا يمكن أن ينتفع به الباطل في نصرة باطله، ولو فعل لانفضح ولو بعد حين: ﴿وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا﴾ [الفرقان: 33].
فوجهة الكلام الصحيحة هي: هل ما يقوم به هؤلاء هو من التفرق في الدين الذي قصده الإمام محمد بن عبد الوهاب؟ أم هو اتكاء على غير مستند وإلقاء للكلام جزافًا من غير تحقيق ولا روية؟
فما هو الدين الذي أبى هؤلاء أن يجمعهم مع طغاة آل سعود وأن يكونوا تحت مَظِلَّته وداخل قبته؟ أهو دين الإسلام أم دين الأمم المتحدة؟ أهو دين الإذعان للشرع أم دين التحاكم إلى مجلس الأمن؟ أهو دين الأخوة الإيمانية الخالصة أم شريعة المجتمع الدولي، والأسرة الدولية، والشرعية الدولية؟ أهو دين وحدة العقيدة أم دين جامعة الدول العربية؟ أهو دين روابط الولاء للإسلام أم دين دول التعاون الخليجي؟ أهو دين البراءة من الكفرة وإعلان العداوة لهم أم هو دين الإخاء والمودة لكل طاغية جبار عنيد ملحد؟ أهو دين نصرة المستضعفين وإخراج المحتلين أم دين مبادرات الاستسلام ومعاضدة الكفرة على أهل الإسلام؟ أهو دين محاربة الشرك والمشركين أم دين حماية الروافض المجرمين والذب عنهم وهم يسبون أصحاب سيد المرسلين؟
هذه أسئلة نلقيها بين يدي المفتي، ونطالبه بإجابات صريحة، جريئة، وافية، تدليلًا وتفصيلًا، ثم ليقل لنا بعدها -بشجاعة العالم- إن كان هؤلاء ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون، وليستجلب لإجاباته ما شاء مما دونه الإمام محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة رحمهم الله الذين لا تزال كتبهم تنطق بالحق وتقذف به لتبدد شهب الباطل، والتي يود طغاة آل سعود أن لا يبقى منها ورقة تؤرقهم: ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ قُلۡ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [الحج: 72].
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسائل الجاهلية: «إن منها: قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس»٣٬٠٨٧[رسالة: مسائل الجاهلية، ضمن: مجموعة رسائل في التوحيد، للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص 351)، المسألة رقم (110)]، وصدق رحمه الله تعالى، فقد قال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21].
أَوَ ليس هذا هو عين ما يقوم به طغاة آل سعود؛ فكم من دعاة القسط الذين قتلوا، وأئمة الهدى الذين نُكل بهم، والمجاهدين الذين شُردوا، ولم يسلم منهم حتى النساء الطاهرات العفيفات في خسة ودناءة فرعونية لينتظم الجميع في سلك: ﴿مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]، ودليلهم الذي به يستحلون دماءهم وأعراضهم: ﴿إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤ وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ﴾ [الشعراء: 54-56].
ومن مسائل الجاهلية التي عدها الإمام رحمه الله: «مَوَدَّتُهم الكفر والكافرين»٣٬٠٨٨[المصدر السابق (ص 352)، المسألة رقم (122)]، وحال طغاة آل سعود في هذه أجلى من الشمس في كبد النهار، وليس يصح في الأذهان شيء؛ متى احتاج النهار إلى دليل! فلم يقف جرمهم عند المودة القلبية التي سيبرَّؤون منها بالأيمان المغلظة واستخراجِ دقائق الحجج التي لم يحدثوا بها أنفسهم؛ بل صارت موالاتهم ومناصرتهم لجميع أصناف الكفرة ومظاهرتهم لهم على المسلمين مما يتبجحون بها في مؤتمراتهم ولقاءاتهم وصحفهم، ولكثرتها؛ فقد استساغتها نفوس الكثيرين ولم يعودا يدركونها فضلًا عن أن يستشعروا معرتها وبشاعتها.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في نواقض الإسلام: «الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]»، حتى قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله: «فأما معاداة الكفار والمشركين؛ فاعلم أن الله ﷻ قد أوجب ذلك، وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبيَن من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده»٣٬٠٨٩[رسالة: نواقض الإسلام، ضمن: مجموعة رسائل في التوحيد، للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص 386)]، سبيل النجاة (31)..
فترسيخ القواعد العسكرية الغربية في بلاد الحرمين التي تنطلق منها طائراتهم، وهي تحمل أطنان المتفجرات لتَدُكَّ بها بيوت المسلمين في العراق وأفغانستان، فتغدو بطانًا وتعود خماصًا؛ أهو من مظاهرة الكفار على المسلمين أم لا؟
وإخلاء الموانئ والشواطئ التي ترسو فيها السفن وهي تحمل آلاف الجنود وعشرات الطائرات ومئات الصواريخ التي تدك بلاد المسلمين؛ حتى صيرتها يبابًا خرابًا قاعًا صفصفًا.. أهو من مظاهرة الكفار على المسلمين أم لا؟
وترك خزائن البنوك مُشرعة مُترَعة يغترف منها كفرة الغرب متى شاؤوا وكم شاؤوا؛ لتكون زادا ومددا لهم في حربهم التي أذهبت اقتصادهم.. أهو من مظاهرة الكفار على المسلمين أم لا؟
وتدفق ملايين البراميل من البترول -بيعًا كان أم مجانًا- لترتوي به طائراتهم ودباباتهم وبواخرهم وسياراتهم وهي تقتل، وتنكل، وتدمر.. أهو من مظاهرة الكفار على المسلمين أم لا؟
وتزويد الجنود المحتلين بأرقى أنواع الأطعمة والمشروبات؛ ليتفكَّهوا بها أمام السجين الجائع الضائع، ويتقووا بها في حربهم المفتوحة ضد الإسلام وأهله.. أهو من مظاهرة الكفار على المسلمين أم لا؟
فأنتم في هذا بين أمرين لا مخرج لكم منهما:
إما أن تنكروا أن تكون هذه الأمور مما تلبس به طغاة آل سعود؛ فأول من سيكذبكم ويصيح في وجهكم هم أنفسهم، وإما أن تُقروا بها -وليس لكم إلا ذلك-؛ فعليكم أن تظهروا حكمهم وتبيِّنوا حقيقتهم، وتعلنوا البراءة منهم ومن كفرهم وذلك ما نرجوه.
ثالثًا: وبما ذكرناه ينتقض الاستدلال الذي ساق له المفتي عددا من الأدلة التي توجب السمع والطاعة لولاة الأمر، وتحرم الخروج عليهم، وتتوعد من نقض بيعته بعد صفقتها، أو مات وليس في عنقه بيعة؛ لأن أحد الأحاديث التي جلبها قد أجلبت عليه، وبينت أن هذا كله في غير موطنه وهو حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، وفي رواية: وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان)٣٬٠٩٠متفق عليه، [وتقدم في: (ص 956)..
والكفر البواح الصراح الذي تلبست به حكومة آل سعود؛ هو مما جعل المجاهدين ينهضون مشمرين لخلعها طاعة لله ﷻ الذي قال: ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].
وطاعةً لرسول الله ﷺ حيث قال: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان)، واتباعًا للإجماع الذي حكاه غير واحد من أهل العلم على وجوب خلع الحاكم الكافر وتنصيب إمام مسلم يُسمع ويُطَاع له، وتطهيرًا لجزيرة العرب التي غسلها الصحابة رضوان الله عليهم بدمائهم، ودنسها طغاة آل سعود باستجلاب جيوش الكفر والعهر والفساد من كل ملة ونحلة؛ فأرست في تلك الأرض المباركة قواعدها، ونشرت قواتها، وصارت ملجئًا آمنًا تأوي إليه وتتحصن به، بعد ارتكاب أبشع صور الدمار والفتك والتقتيل والتهجير التي تقترفها في حق المسلمين وبلدانهم، وقد لعن النبي ﷺ من آوى محدثًا؛ فكيف بمن حَفَّ الجزارين بالحفاوة، واستقبلهم بالتبجيل، وآواهم لمملكته وأيدهم بنصرته، وأنزل أنكى النكال بمن قصدهم، وصبَّ عليهم العذاب صبًا، إرضاء للمجرمين، وتطييبًا لقلوب السفاحين، وإقرارًا لأعين السفاكين؟!
فما الذي تريدونه من هؤلاء الشباب الغيورين بعد هذا؟!
أيكونون مُخنثي العزائم، متحجري القلوب، ساقطي الهِمَّة، يلغون في أوحال الدنيا، ويتجشؤون من نعيمها، ويتنافسون على حطامها، وأمتهم صريعة جريحة ذبيحة تصرخ بجانبهم وتجأر إلى ربها وهي تَئن وتَئن، وتئن، وهم في مجالس القهقهة والعبث، وقد قال النبي ﷺ في وصف المسلمين: (وهم يد على من سواهم)٣٬٠٩١[سبق في: (ص 1355)].، وقال ﷺ: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)٣٬٠٩٢[متفق عليه، البخاري: (٣٠٥٣)، ومسلم: (١٦٣٧)]..
فما كان لأبطال الإسلام وذوي الغيرة منهم وهم يرون جيرانهم وإخوانهم في العقيدة والدين تدك بيوتهم، وتدمر ديارهم، وييتم أبناؤهم، وتنتهك أعراض نسائهم، ويهان شبابهم وشيوخهم، وتُستأصل شأفة الدين من أرضهم، وتسلب خيرات بلادهم، على أيدي عباد الصليب الذين يقيمون بأسلحتهم الفتاكة وجيوشهم القاتلة بين أظهرهم بجزيرة العرب في قواعد آمنة ساكنة محاطة بجنود طغاة آل سعود الأوغاد.
ما كان لهم أن يقفوا وقوف المحنطين لا يحركون ساكنًا ولا يسكنون متحركًا ولا يقاتلون طاغية معاضدًا مناصرًا مساندًا لهؤلاء القتلة المجرمين، قد فَتح لهم أرضه، وجيش لحمايتهم جيشه، وأنفق لتقويتهم ماله، وسخر لتأمينهم رجال أمنه الذين جعلوا أرواحهم دون أرواح إخوانهم الكفرة مكان جعلها فداء للمسلمين المنكوبين في العراق وأفغانستان وغيرها، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من امرئ يخذل امرأً مسلـمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلـمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته)٣٬٠٩٣رواه أبو داود، [وهو صحيح، تقدم في: (ص 2188)]..
فهذا الحال المزري المهين؛ هو الذي دعاهم للاستعداد بالسلاح الذي استبشعه المفتي وساير في ذلك بيان وزارة الداخلية فقال: «مما ظهر في البيان، استعداد هؤلاء بالسلاح!!»، وما فعلوه ما هو إلا استجابة للنداء الرباني: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60]، وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا أن القوة الرمي)٣٬٠٩٤رواه مسلم [١٩١٧]..
ثم لَفَّق بيان الداخلية ما تبعه عليه المفتي بقوله: «وتخطيطهم، للخروج على المسلمين، بذلك السلاح» وهذه -لعمر الله- فِرية وَجَدت لها في الآونة الأخيرة رواجًا وتسويقًا في سائر الدول التي يتحكم فيها الطغاة الجلادون، وأَبْدوا فيها وأعادوا.. فمَن هؤلاء المسلمون الذين يُتهم المجاهدون بالتخطيط للخروج عليهم؟ فإن كانوا عوامهم؛ فوالله ما خرج المجاهدون إلا دفاعًا عنهم، ورفعًا للظلم والكبت والقهر المسلط عليهم، وانتصارًا للمستضعفين الذين يئِنون تحت وطأة أحكام الكفر التي تحكمهم وتستعبدهم، يحثهم في ذلك قول الله ﷻ: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
وإلا؛ فقتلُ العوام من المسلمين لا يحتاج إلى تخطيط ولا تدبير؛ فالطرقات مزدحمة والأسواق مكتظة، ولكنها افتراءات المفلسين، وشُبهات الذين أعوزتهم الحجج، وأوغرت صدورهم الأحقاد.
فتذكر أيها المفتي أن لك يومًا تقف فيه بين يدي الله ﷻ الذي قال: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ﴾ [ق: 18]، وقال ﷻ: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: 36].
وأما إن كان المقصود بالمسلمين الذين يخطط للخروج عليهم هم طغاةَ الحكم وحماةَ الظلم وطوائفَهم الممتنعة عن كثير من شرائع الإسلام الظاهرة؛ فنِعمَّا التخطيط هو ونِعِمَّا الاستعداد هو، فسعيهم في ذلك مشكور وعملهم بإذن الله مبرور، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان، أو حجِّ البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش، أو الزنا، أو الميسر، أو الخمر، أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك ان امتنعوا عن الحكم في الدماء، والأموال، والأعراض، والأبضاع، ونحوها بحكم الكتاب والسنة... إلخ»٣٬٠٩٥[مجموع الفتاوى (28/510)]..
ويا عجبًا أن توصف حكومة آل سعود بأنها «ولاية عادلة»، ولكن ينقضي العجب إذا تلا المرء قول الله ﷻ: ﴿وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ﴾ [النور: 40].
وأنا لم أرد هنا الخوض في الأبواب المكفرة التي مرق منها طغاة آل سعود عن الإسلام، فجهود العلماء المخلصين المتجردين الصادعين بالحق قد أتت على ذلك وأبانوها ناقضًا، ناقضًا، في مواضع شتى ومناسبات متعددة، ولكن فقط أردت أن أوقفهم على المحكم الجلي الذي يدركه العامي قبل العالم، بل يعرفه الكافر قبل المسلم، بل يتبجح به طغاة آل سعود أنفسهم في كل محفل، وهو قضية المناصرة والمظاهرة والإعانة التي أشرت إليها آنفًا، والتي نطالب كل من ينافح عن هذه الحكومة المرتدة ويعض عليها بالنواجذ؛ أن ينقضها بأي وسيلة طاوعته؛ سواء بالأدلة الشرعية الصريحة القاطعة -وهيهات- أم بِلَيِّ أعناق النصوص بل حتى كسرها؛ فإن عجزوا عن ذلك -وهم لا ريب عاجزون-؛ فليخلعوا ربقة الوهن وعباءة الخور ولينطقوا بالحق، أو ليصمتوا عن نصرة الباطل، فإن له من يفضحه ويزيله ويرغم أنفه من فرسان الإسلام والأئمة الأعلام: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾ [الأحزاب: 39].
فاللهم عليك بطغاة آل سعود، اللهم احصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا، اللهم سلط عليهم جندك وعبادك المؤمنين، واجعلهم آية للمعتبرين، وانصر عبادك المجاهدين واحفظهم في أنفسهم وأهليهم، ودافع عنهم يا من يدافع عن المؤمنين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا