«الملا داد الله»: أرجو أن أطأ بعرجتي الجنة
[جمادى الأولى 1428 هـ / 5 - 2007م]
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
إخوة الإسلام؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
[البحر: الرجز، السريع]
[البحر: الرجز، السريع]
رَكْضًا إِلَى اللهِ بِغَيْرِ زَادِ | إَلَّا التُّقَى وَعَمَلَ الْمَعَادِ | |
والصَّبْرَ فِي اللهِ عَلَى الْجِهَادِ | فَكُلُّ زَادٍ عُرْضَةُ النَّفَادِ | |
غَيْرَ التُّقَى وَالبِرِّ وَالرَّشَادِ٣٬٠٧٧[قاله: عمير بن الحمام رضي الله عنه، انظر: تاريخ الطبري (2/448)، الحاوي الكبير (14/159)].
|
وسيرًا على هذه القاعدة الراسخة، واستيعابا لهذا المفهوم العميق؛ مضت مواكب الحق، وتوالت قوافل حملة الهدى، يعقبُ بعضها بعضا، يسقط شهداؤها فلا تنثني، ويستمسك بالعهد والميثاق أحياؤها فتتقوى، وتنشأ على الائتساء بهم أجيالُها؛ فتواصل مسيرتها: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا﴾ [الأحزاب: 23].
فبالأمس كنا قد ودعنا قادةً أجلاء من صانعي التاريخ ومسطري قصص البطولات؛ تناءت أقطارهم، وتنوعت أجناسهم، ولكن تواطأت سِيرهم، وتطابقت مقاصدهم: أبو مصعب الزرقاوي، أبو عمر السيف، شامل باسييف، أبو محمد التركستاني، أبو الدرداء الكردي، عبد الحنَّان الأفغاني.. وغيرهم من الذين تركوا وراءهم إرثًا حيًّا، وعطاءً متدفقًا من علو الهمة، وصرامة العزم، واستسهال الصعاب، وقوة الإصرار.
تغترف منه أمتهم من بعدهم؛ فيفجر فيها طاقات كامنة ساكنة، فينشأ على ذكرى صنائعهم والتخلق بسيرتهم من يسد ثغرتهم ويقتدي بفعالهم مصداقًا لقول المصطفى ﷺ: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته)٣٬٠٧٨[رواه أحمد: (١٧٧٨7)، وابن ماجه: (8)، وابن حبان: (٤٦١٠)، وحسنه الألباني].، فأمُّتنا هي الأمة الولود.
واليوم ها نحن نودعُ قائدًا فذًّا من هؤلاء القادة النبلاء، الذين صنعتهم العقيدة، وصهرتهم الحادثات، وحركهم الإيمان، وحقّر المخاطر عليهم الشوق إلى الجنان، ليلحق بإذن الله ﷻ بذلك الركب المهيب، وينضم إلى تلك القافلة المباركة: قافلة الشهداء، إنه المقدام المغامر، وليث الحروب، وخوَّاض الغمرات «الملا داد الله» رحمه الله.
فبعد حياة قضاها في ساحات النزال، ومجالدة أهل الكفر والضلال، بلسانه وسِنانه، وعطَّرها بالتحريض الدائم لأبناء أمَّته، وبعْثِ أمل النصر في قلوب البائسين اليائسين، وتصبير ومواساة المصابين المنكوبين، كان مسك الختام لهذه الحياة الحافلة، شهادةً في سبيل الله -نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله-، فأكرِم بها من خاتمه، وأنعِم بها من نهاية، فلئن كان مصابنا بفقده عظيمًا عظيمًا؛ فإنَّ عزاءنا بحسن خاتمته ونيل طلبته أجلُّ وأجلُّ.
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
لَيْسُوا مَفَارِيحَ إنْ نَالَتْ رِمَاحُهُمُ | قَوْمًا وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا إذَا نِيلُوا٣٬٠٧٩[من قصيدة البردة التي ألقاها الصحابي: كعب بن زهير رضي الله عنه. انظر: سيرة ابن هشام (2/513)، وقوله «مفاريح» أي: كثيرو الفرح. و«نالوا»: أَصَابُوا. و«مجازيع»: كثيرو الجزع]. |
[البحر: الخفيف]
[البحر: الخفيف]
إِنَّ آثَارَنَا تَدُلُّ عَلَيْنَا | فَانْظُرُوا بَعْدَنَا إِلَى الْآثَارِ٣٬٠٨٠[لم أقف له على قائل؛ فهو لشاعر مجهول. انظر: اللطائف والظرائف، للثعالبي (ص 80)]. |
حقًّا إن قصة العقيدة واحدة، ومدرستها باقية، وأبوابها مفتَّحة.. فدرجة المرء فيها بحسب اجتهاده وجهاده، وصدقه وإخلاصه، وهمته وصبره، فهذه صفحةٌ مشرقةٌ من الماضي، يخط أحرفها نور اليقين، ويحكي فصولها الشوق للقاء رب العالمين، لا مكان فيها للأحساب والأنساب ولا الأجناس ولا الألوان، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
كان عمرو بن الجموح رضي الله عنه رجلًا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأُسُد، يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، فلـمَّا كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله ﷻ قد عذرك، فأتى رسول الله ﷺ فقال: «إن بنيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة»، فقال رسول الله ﷺ: (أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك)، وقال لبنيه: (ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة)، فخرج معه وقتل يوم أحد شهيدًا!٣٬٠٨١[المغازي للواقدي: (1/264)، والسيرة لابن هشام: (2/90)، والطبقات الكبرى لابن سعد: (694)]..
واليوم.. ونحن في زمن الترف والسرف، والزهو واللهو، والتثاقل إلى الأرض، تُعاد قصة العقيدة بصورتها، وتتجدد بتفاصيلها؛ لأن لها رجالًا يعرفون قدرها، ويأخذون من معينها، ويسيحون في رحابها، تُبتر ساق الملا داد الله رحمه الله في ساحات الوغى وهو يخوض غمرات الشدائد، فكان يمكنه أن ينأى بنفسه جانبًا، ويريح نفسه من مشقةٍ ملازمة، ونصبٍ دائم، ويتلو عذره الذي عذره الله به: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ﴾ [النور: 61].
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
فَمَا غَمَزَتْهُ الْحَرْبُ إِذْ شَمَّرَتْ لَهُ | وَلَا خَارَ إِذْ جَرَّتْ عَلَيْهِ الْجَرَائِرُ٣٬٠٨٢[قاله: الأفوه. انظر: أساس البلاغة (1/269)]. |
فذهبت ساقه وسبقته -إن شاء الله- إلى حيث يحب، وبقي وفيًا لها مستمسكًا بالسبيل الذي ودعها فيه، وأنف أن يكون من المنقبين عن الأعذار، المختلقين للحجج، المموهين لخَوَرهم بأوهى الأسباب، طائفة المخلفين المخذولين الذين قال عنهم العليم الخبير: ﴿إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: 45]، ليعيد لنا برجله الواحدة قصةً مضت، ويقول بفعله الصريح الفصيح: «إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة».
نعم.. إن الملا داد الله رحمه الله لم يتخرج من كلية عسكرية ليبرز إلى أمته بعد سنواتها، وهو عبد للخميصة والقطيفة والدرهم والدينار، لا يتقن إلا قرع النعال ودقَّ الطبول وألحان المزامير وإسداء التحايا، ولكنه تخرج من مدرسة مفتاحها: ﴿۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 74].
ووسامها: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ [التوبة: 20].
وشهادة تخرجها: ﴿وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾ [آل عمران: 157].
وإنَّ الملا داد الله رحمه الله لم ينل شهادته وألقابه من جامعة دبلوماسية ليتخرج منها وقد أتقن تصعير الخدود وفذلكة الكلام، واختراع الأكاذيب، والتمايل والتصنع أمام وسائل الإعلام، وإنما نال ما نال بعزة الإسلام، واستعلاء الإيمان، وبساطة الحق، واحتقاره الباطل.
ولواؤه في ذلك قولةُ عمر رضي الله عنه: «إنَّا كنا أذلَّ قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله»٣٬٠٨٣[المستدرك: (٢٠٧)، وقال الحاكم: «حديث صحيح على شرط الشيخين»]..
وإن الملا داد الله رحمه الله لم يبلغ ما بلغ بالتطواف في عواصم الكفر والإذلال، وإعلان الاحترام والالتزام بالشرعية الدولية، واستجداء الأمم الملحدة، والركض وراء قرارات مجلس الأمن، والوقوف أمام أركان الكفر ليستمتع باستماع التصفيق لكلماته المنمقة.
وإنما تبوأ منزلته السامية بين الأمة فيما نحسب والله حسيبه بصبره ويقينه: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]، فحينما زحفت نحو بلاده جحافل الكفر برًا وجوًا وبحرًا واتفقت كلمة أهله على اقتلاع جذور الإسلام من أفغانستان المسلمة، ومسخ شعبها ليصير إمعةً يقتدي بالغرب ويعتز بحضارة الخلاعة والمجون والفساد، ونبغ النفاق وأطلَّ برأسه وقلَّب لسانه، وقف هذا الأسد يزأر بين تلك الجموع، وبين عينيه: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]، وكلما انتفش الباطل وأرعد وأزبد وهدَّد وتوعد تَعَالَى أمامَه: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].
[البحر: الخفيف]
[البحر: الخفيف]
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا | تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الْأَجْسَامُ٣٬٠٨٤[قاله: المتنبي. انظر: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 37)]. |
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
وَمَا الْفَخْرُ فِي جَمْعِ الجُيُوشِ وَإِنَّمَا | فَخَارُ الْفَتَى تَفْرِيقُ جَمْعِ الْعَسَاكِرِ٣٬٠٨٥[قاله: عنترة بن شداد. انظر: ديوانه (ص 135)]. |
فيا عُبَّاد الصليب وأذنابهم المرتدين: أبشروا بصيفٍ كالسيف؛ تُفلق فيه هامتكم وتُنسف مراكزكم وتتطاير أشلاؤكم؛ فجنود إمارة أفغانستان الإسلامية قد أعدوا للأمر عدته، وطلاب الشهادة وخُطَّاب الحور من الاستشهاديين وغيرهم الذين تخرجوا من جامعة الجهاد على يد «الملا داد الله» وإخوانه قد بدأت جموعهم تتوالى يتنافسون لنيل شرف السبق في موسم الحسم، ولأخذ الثأر من قطعان الخيانة والردة، ولْتُهَيِّئُوا من إعلامكم الكاذب المضلل ما شئتم؛ فما سعيكم لستر الحقيقة وتزييف الواقع إلا كمن يروم تغطية الشمس بالغربال.
فقد عودتنا وسائل إعلام حكومة كرزاي على الكذب الفاضح والتحريف المخزي وصدق من قال: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، فما تكاد تقع عملية استشهادية في قرية نائية أو في طريق يشق بطن الصحراء، إلا وخرج متحدثوهم الكَذَبة ليعلنوا أن القتلى هم مجموعة من النساء والأطفال والعوام، وكلنا يعلم أن هؤلاء الأفَّاكين هم أحرص الناس على إبداء أدنى صورة تصدق دعواهم وتعزز مزاعمهم؛ فما بالهم لا ينقلون صور هؤلاء القتلى والجرحى عبر وسائل إعلامهم وإعلام أسيادهم إن كانوا صادقين؟
ومن هنا فإننا ننبه المسلمين الذين ينساقون وراء ذلك الافتراء، أن ينأوا بأنفسهم عن هذه السفاسف وتصديق هذه الأكاذيب، وليقولوا لهؤلاء المجرمين: ﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111].
ويا أمة الإسلام ويا حملة راية التوحيد: هؤلاء هم قادتكم الذين أقلوا الكلام وأكثروا الفعال، فنافحوا عن الحق وذبوا عن الحرمات وصقلوا مرآة الدين بدمائهم النقية الزكية، فعلى طريقتهم سيروا، وبعهدهم فوفوا: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]، وإلا فقد أبرؤوا ذمتهم، ونالوا بإذن الله بغيتهم، ولن يضرهم خذلان من انخذل، ولا تخلف من تخلف، وخَلْق الله غيرنا كثير ﴿وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [العنكبوت: 6].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: «الملا داد الله»: أرجو أن أطأ بعرجتي الجنة
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا