رسالة إلى الإخوة في ثغر الإعلام الجهادي

[ربيع الآخر 1431 هـ / 3 - 2010م]

۞

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.

وبعد...

إخواني الأحبة أسود إعلام الجهاد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

فلي شرفُ مخاطبتكم والكتابة إليكم، فأنتم الذين اجتباكم ربكم لتقوموا بمهمةٍ شريفةٍ منيفةٍ أوكلها إلى نبيه ﷺ ألا وهي التحريض على القتال فقال سبحانه: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ [النساء: 84]، وقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ﴾ [الأنفال: 65]؛ ومعنى التحريض على القتال كما ذكر العلماء هو الحض عليه، وحث المسلمين على القيام به، وترغيبهم فيه، وبيان ما أعده الله لأهله الصادقين، وتهوين أعدائهم في أعينهم، وتقوية قلوبهم وتجرئتها في مقابلتهم، وغير ذلك من المعاني التي تدور حول الدعوة إلى القيام بعبادة الجهاد في جد واجتهاد ونشاط واندفاع، ونفض الخور والضعف والتردد والتثاقل، كما قال العلامة السعدي رحمه الله: «وهذا يشمل كل أمر يحصل به نشاط المؤمنين وقوة قلوبهم، من تقويتهم والإخبار بضعف الأعداء وفشلهم، وبما أُعد للمقاتلين من الثواب، وما على المتخلفين من العقاب، فهذا وأمثاله كله يدخل في التحريض على القتال»٢٬٩٦٧[تفسير السعدي: (ص 190)]..

ص 2054

وهذا المعنى يبين لنا مدى مشقة هذه العبادة -وهي كذلك بلا شك- وأن الدعوة إليها وتحضيض الناس على القيام بها ينبغي أن لا تنقطع ولا تتوقف، ولا يقال قد حرَّضنا وحرَّضنا فلم نرَ يُستجاب لنا، أو أننا لم نلمس مِن وراء ذلك جدوى، فإن هذا مدخلٌ من مداخل الشيطان وخطوة من خطواته التي يصد بها عن سبيل الله، بل ينبغي أن يسلك في أداء واجب التحريض كل مسلك شرعيٍّ وذلك بتنويع الأساليب، وتلوين الطرق، ومعرفة مداخل ومخارج الناس التي تجتذبهم إلى أداء هذه العبادة وتذليل كل عقبةٍ في طريقهم، وإزالة الحواجز النفسية التي تثبطهم وتقيدهم وتقعدهم، فرُب كلمةٍ، أو مقالٍ، أو قصيدةٍ، أو قصةٍ، أو ذكرِ موقفٍ، أو تفسير آية، أو نحو ذلك يوصله الله إلى قلب من شاء من عباده عن طريقكم وبجهودكم فيحييه به فتشتعل داخله حمية الإيمان وغيرة العقيدة، ويخرجه من تحت ركام الغفلة، فينتفض من سكونه انتفاضة الأسد المغضب فلا يلبث أن تجده في ساحة الجهاد قائدًا محنّكًا، أو جنديًا مضحِّيًا، أو خبيرًا متقنًا، أو وليًّا صالحًا؛ فيكون لك بذلك أجرك وأجره وأنت عاكفٌ بين أهلك وأبنائك، فالدال على الخير كفاعله، ومن هنا جاء قوله تعالى بعد آية التحريض: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا﴾ [النساء: 85].

كما قال ابن عاشور رحمه الله: «ويعلم من عمومها أن التحريض على القتال في سبيل الله من الشفاعة الحسنة، وأن سعي المثبطين للناس من قبيل الشفاعة السيئة»٢٬٩٦٨[التحرير والتنوير: (5/١٤٣)]..

ونحن نعلم أن أمتنا المسلمة قد استمرأت ما هي فيه اليوم من طول الركود والخمود والجمود، بعد أن مارس أعداؤها عليها صنوفًا من التخدير انشل به فكرها، وضعف معه بذلها، وأمات الحمية في قلوب أبنائها، وجنح بهم إلى الميوعة والتخنّث والافتتان بالغرب وحضارته الزائفة، وملأ القلوب خورًا وجبنًا واستخذاءً انفسح معه المجال لأولئك المجرمين أن يفعلوا بالأمة الأفاعيل.

ص 2055

فهذا الركام الثقيل الجاثم على الصدور كالجبال الراسيات يحتاج إلى جهدٍ دؤوب وعطاء متواصلٍ وصبرٍ ومصابرة، وحكمةٍ ومثابرة، وجدٍّ يوصِل الليلَ بالنهار حتى يُنتشَل من أمكن انتشاله من تحت أنقاض عقودٍ طويلة من التضليل والتحريف والتزييف الذي تئِط بسببه أمة الإسلام أطًّا، وأمثالكم من الجنود ذوي الهمة العالية، والحماسة الحية، والغيرة الصادقة المتّقدة هم أحق بها وأهلها.

ومن تأمل مدى تأثير الجهاد في إيقاظ الأمة، وقدرته الخارقة على ضخ ماء الحياة في عروقها، عَلِم أنه من أمثل الطرق لدعوة الناس وإرجاعهم إلى الصراط المستقيم، وأدرك معه أيضًا أن مخزون الخير الكامنَ في أمتنا الإسلامية هو كبيرٌ جدًا، فقط يحتاج إلى من يثيره ويحرّكه ويستخرجه ومن ثم يرتِّبه وينظِّمه ويرشّده ويضعه في موضعه الصحيح الذي ترجع عائدته على هذه الأمة المكلومة، فإن الجهاد حياةٌ والدعوة إليه والتحريض عليه إنما هو دعوة إلى الحياة، وقد قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 24] قال الواحدي رحمه الله: «الجهاد؛ لأنَّ به يحيا أمرهم ويقوى، ولأنَّه سبب الشَّهادة، والشُّهداء أحياءٌ عند ربهم، ولأنَّه سببٌ للحياة الدَّائمة في الجنّة»٢٬٩٦٩[الوجيز: (ص 435)].، وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «قال الواحدي والأكثرون على أن معنى قوله: ﴿لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ هو الجهاد وهو قول ابن إسحاق واختيار أكثر أهل المعاني، قال الفراء: إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم، قلت: الجهاد من أعظم ما يحيهم به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، أما في الدنيا فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد، وأما في البرزخ فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، وأما في الآخرة فإن حظَّ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم، ولهذا قال ابن قتيبة: ﴿لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ يعني الشهادة»٢٬٩٧٠[الفوائد: (1/128)]..

ص 2056

حتى أن الطغاة العتاة إذا أرادوا أن يستميلوا قلوب الأمة نحوهم، ويهيجوا حماستها للوقوف معهم صاحوا فيها صيحة الجهاد؛ ونادوا بشعاراته وموَّهوا براياته؛ لأنهم مدركون أن ذلك خير مدخلٍ للقلوب المقهورة المستضعفة التي تحنِّ إلى العزة وتذوب شوقًا إلى معاني الرفعة والإباء، فلا يكون هؤلاء المجرمون أخبر بأمتنا المسلمة منا، فلئن كانوا يستخدمون عبارات التحريض وإشعال جذوة الحمية في القلوب استغلالًا لسذاجة الشعوب ليستميلوها نحوهم، فإنما تقومون أنتم بهذا الواجب عبادةً لله تعالى، واتباعًا لنبيه ﷺ، وحرصًا صادقًا منكم على هداية هذه الأمة المضطهدة، وإرشادًا لها لما فيه خيرها في الدين والدنيا، ولأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم.

وكم رأينا من الشباب الذين كانوا غارقين في بحور الغفلة، تائهين في أودية الضياع ما كانوا يدرون ما الإيمان ولا الصلاة، ويعيشون وسط أمتهم بقلوب ميتة وأجسادٍ مشلولة بلا هدفٍ ولا همّةٍ ولا فكرةٍ، وكأنهم ليسوا منها، فمنهم من كان ملطخًا بدنس الرذيلة، ومنهم من لا يكاد يفيق من فرط إدمانه على المخدرات، ومنهم الذي يقضي الساعات والأيام وهو يقلب مواقع المجون على شبكة الإنترنت، ومنهم الذين لا يرجون لله وقارًا ولا يعرفون لوالدين حقًا، ولا يراعون لجارٍ أو قريب حرمة، بل منهم من كان حارسًا أمينًا لبعض أئمة الكفر يفديهم بروحه ويقدِّم نحره دون نحرهم.

ص 2057

فما زالوا على ذلك حتى قذف الله في قلوبهم نور الإيمان برؤية وجه شهيدٍ مبتسم، أو إصدارٍ جهاديٍّ متقن، أو سماع كلمة تحريضٍ عابرة، أو جلوسٍ مع مجاهدٍ مختفٍ ناصحٍ، أو بقراءة موقفِ بطولةٍ وشجاعةٍ وإقدام، فإذا به يخرج من الظلمات إلى النور، بل من الموت إلى الحياة ليصير بعد ذلك أسدًا من أسود الإسلام، وبطلًا من أبطال الأمة، وعابدًا من عُبَّادها صوامًا بالنهار قوامًا بالليل بكَّاء من خشية الله لا يفتر لسانه عن ذكره، ولا يكاد المرء يجالسه حتى يودَّ أن لو أسكنه قلبه من محبته له، يزداد إيمانًا بلقياه ورؤيته، ويستحيي من نفسه عند معاشرته ومخالطته، تراه وقد تجسّد فيه الحياء، وكساه حُسن الخلق، ونَضُرَ محياه بنور الإيمان، سيماه في وجهه من أثر السجود، وهو يحملُ همَّ أمّته قولًا وعملًا، فلا يلبث إلا قليلًا حتى تجده قد دوَّن اسمه في قائمة الاستشهاديين أو الانغماسيين الذين يلاقون الموت كفاحًا صِراحًا وفي الصف الأول لا يلفتون عنه وجوههم، وكثيرٌ منهم قد غادروا الدنيا وودعوها من باب الشهادة في سبيل الله، مخلِّفين وراءهم لإخوانهم سيرة حسنة عطرةً لا يزال المجاهدون يحيون بذكرها، وزينوها بفضائل سامية أتعبوا بها مَن وراءهم، فلله درُّهم ودرُّ من كان سببًا في دعوتهم وهدايتهم.

وهذا مما يبين لنا أن الدعوة إلى الجهاد وإتقان التحريض عليه هو من أعظم أبواب «الدعوة إلى الله»، ومن أنفع طرق الهدايةِ وأيسرِها، وليس كما يظنُّ البعض من أن الدعوة لا بد أن تسلك مسالك وتمر عبر درجاتٍ ومراتب على المرء أن يقطعها واحدةً، واحدة، حتى يوصف بعدها بأنه أصبح من «المستقيمين» أو «الملتزمين»، بل قد يكون صاحبها ممن (عَمِل قليلًا وأجر كثيرًا، أسلـمَ ثم قاتل)٢٬٩٧١[رواه البخاري (٢٨٠٨) ومسلم (١٩٠٠) وذكره الشيخ في: الأربعون في فضل الشهادة]..

وكل ما ذكرته لكم أعلاه ليس هو من نسج الخيال، ولا هو خطرات قلبٍ جرَّها القلم على الورق، وإنما هي نماذج حقيقية عرفتهم ساحات الجهاد وتباهت بأمثالهم مواطن الجلاد، وهو خيرٌ مكنون في الأمة الهامدة الراكدة لم يُستثر إلا بصيحات التحريض حتى استطاعت أمتنا أن تُخرِّج خلال ثلاث أو أربع سنوات أكثر من أربعة آلاف استشهادي في العراق وحدها!، ناهيك عن الشهداء الذين قتلوا في المواجهات والاقتحامات وغيرها، فكيف إذا أضفت إليها قائمة الاستشهاديين في أفغانستان، أو الصومال، أو الجزائر، أو الشيشان، أو باكستان؟

ومعظم هؤلاء السادة الأبطال إذا دققت في حياتهم وكيفية رجوعهم إلى طريق الاستقامة وبحثت عن أي الأبواب التي دخلوا منها لوجدت أنه الجهاد، وما دام الأمر كذلك فلِم لا نصب جهودنا ونركز طاقاتنا على فتح هذا الباب على مصراعيه لا ليكون بابًا من أبواب الجهاد فقط بل ليصبح من أعظم أبواب الدعوة وإرجاع الناس إلى دينهم.

ص 2058

وإنما ذكرت لكم هذا حتى تعرفوا ما أنعم الله به عليكم، من الدعوة والتحريض، ولتزيدوا جهدكم، وتُعلوا في سبيل ذلك هِمَّتكم، وتُخلِصوا لله بنياتكم، ولِتعلموا أن ما تقومون به وتصابرون عليه هو من أعظم الطاعات وأجل القربات، فحريٌّ بكم أن تشكروا ربكم على ما أولاكم وأعطاكم، وخير شكرٍ للنعم هو تسخيرها لما هي له من الخير والطاعة.

وحتى يشد بعضنا على يد بعضٍ ولنعطي هذا الأمر حقَّه فهنا بعض الأمور التي أحببت أن أدونها لكم لا لتزيدكم علـمًا لم تكونوا تعلمونه، وإنما مشاركةً لكم في ما أنتم فيه من الخير الجليل وحتى نرتقي بدعوتنا وتحريضنا إلى المستوى الذي تتضاعف معه ثمراته الخيِّرة وتتوالى آثاره النيِّرة ولنواصل المسير في ثباتٍ ورسوخٍ بلا كللٍ ولا مللٍ ولا فتورٍ، لعلنا نكون من المؤمنين المفلحين المتواصين بالحق والمتواصين بالصبر: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ﴾ [العصر: 1-3].

فمعركتنا لا زالت تحتاج إلى مزيد من الجهود المتواصلة، والعطاء المستمر، والطاقات المتضافرة المتظافرة، والتعاون الصادق، ولا مكان فيها إلا لأصحاب العزائم الصارمة والهمم العالية الذين لا ينظرون إلى السفر القاصد ولا ينتظرون العَرَض القريب ولا يُكسِّلهم أو يثبطهم بُعدُ الشُّقة ولا الفجُّ العميق؛ لأنهم يعلمون أن ما عند الله خير وأبقى، وهو سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

ص 2059

الأمر الأول: أيها الجندي الخفي الذي لا يُعرَف له اسمٌ ولا مكانٌ، ولم يشتهر بصورٍ متألِّقة، ولا مظاهر متأنِّقة، ولا ألقابٍ مُفخَّمة، ولا شاراتٍ مزيّنة، ولا يعرف الناس عنه ولا منه إلا ما يرميه إليهم بين الحينِ والحين من الشُهُب التي تقذف بها شياطين الإنس المردة، أو ما يُفيضه من العسل المصفى والماء الزلال الذي يتحف به أمته ليستأصل داءها وتنالَ شفاءها، أقول: عليك -أيها الجندي الخفي- بالإخلاص لله تعالى، الذي عرَّضت نفسك لأشد الأخطار من أجله، وتحمّلتَ أثقل التكاليف طلبًا لرضاه، وعانيت خوفَ التخطُّفِ وقهرِ الأسْر ابتغاء وجهه الكريم، فإنَّ الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وأريد به وجهه، وهو أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عَمل عملًا أشرك فيه معه غيره تركه وشركه، فسواءً كنت جالسًا على كرسيِّك -إن كنت تملكه!- تصمّم إصدارًا، أو تكتب مقالًا، أو تنشر كتابًا، أو تدحض شبهةً، أو تحدِّث موقعًا، أو تجمِّع أخبارًا، أو توصِل رسالةً، أو تنسخُ أقراصًا، استحضر دائمًا أنك إنما تعمل لله، راجيًا بذلك نيلَ رضاه، وأن ما تقوم به جهادٌ في سبيل الله تعالى تبتغي به أن تكون كلمة الله هي العليا، كما قال النبي ﷺ: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)٢٬٩٧٢رواه أحمد، وأبو داود، وابن حِبان [١٤٥٠]، وبوّب عليه بقوله: ذكر الأمر بالحث على الجهاد وقتل أعداء الله الكفرة، [وسبق في: (ص 689)، وهو حديث صحيح]..

ولتعلموا إخواني الأحبة أن الإخلاص لله تعالى يجعل العمل مباركًا، ومن بركاته أن يَفتح الله لك أبوابًا أخرى من الهداية والخير والتوفيق، كما قال ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهـۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ﴾ [محمد: 17]، وقال ﷻ: ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهـۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ﴾ [مريم: 76]، وقال ﷻ: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦ وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧ وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا﴾ [النساء: 66-68]، وقال ﷻ أيضًا: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، وقال ﷻ في حق المجاهدين المقاتلين في سبيله وما تكفّل به من هدايتهم وإصلاح بالهم: ﴿وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤ سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ﴾ [محمد: 4-5]، حيث قرأ الجمهور: ﴿وَٱلَّذِينَ قَٰتَلُواْ﴾، قال ابن جرير رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: سيوفق الله تعالى ذكره للعمل بما يرضى ويحبّ، هؤلاء الذين قاتلوا في سبيله، ﴿وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ﴾ ويصلح أمرهم وحالهم في الدنيا والآخرة»٢٬٩٧٣[تفسير الطبري: (22/١٥٩)، وقراءة حفص: (قُتلوا) وافقه عليها البصريان فقط، بينما بقية العشرة قرأوها: (قاتَلوا)]..

فتذاكروا أمر الإخلاص فيما بينكم، وليوص به بعضكم بعضًا، ولتستحضروا أنكم تقومون بعبادة عظيمة لله تعالى قلَّ من يصبرُ عليها ويتحمّل عناءها، واستعينوا بالله على ذلك وأكثروا من دعاء «اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، وحسن العبادة هو إيقاعها على الوجه المرضي من الكمال والإخلاص، وكل ذلك لا يحصل إلا بمعونة الله لعبده.

ص 2060

الأمر الثاني: كونوا أشداء على الكفار رحماء بينهم، وتلك هي صفة نبينا ﷺ وصفة أصحابه، حيث قال ﷻ: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾ [الفتح: 29]، وقال ﷻ عن صفة القوم الذين يستبدلهم بالمرتدين على أعقابهم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54]، وقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73].

فأما الكفرة الذين يحادون الله ورسوله، ويحاربون دينه ﷻ، وينكِّلون بأوليائه، ويصدون عن سبيله، فشنوا عليهم غارات الهجاء، ببيان عيوبهم وفضح عَوارهم، وإظهار مثالبهم ومعايبهم، وكشف زيف دعاويهم، وإخراج أقذارهم ونَجَسهم للناس في صورٍ مقززة منفِّرة تبيّن انحطاطهم إلى درك البهيمية وانضمامهم إلى مصاف الأنعام بل هم أضل، ولتستقوا هذه المعاني من القرآن الكريم الذي نعتهم بأقبح النعوت، ووصفهم بأشنع الأوصاف، وبيَّن جرائمهم، وفساد عقولهم، وانحراف فِطرهم وغَلَبةَ أهوائهم، وسَفَهَ تفكيرهم، وحذر من الاغترار بهم، وكَشَفَ حقيقة بواطنهم مهما ازَّينوا، وعرَّفنا بضغائنهم وأحقادهم التي تنضح بها صدورهم.

فقال ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ﴾ [التوبة: 28]، وقال ﷻ في حق المنافقين: ﴿فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ﴾ [التوبة: 95]، وقال ﷻ: ﴿۞إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ [الأنفال: 22]، وقال ﷻ: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنفال: 55]، وقال ﷻ: ﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]، وقال سبحانه: ﴿وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 254]، وقال سبحانه: ﴿هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ [الرحمن: 43]، وقال سبحانه: ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 12]، وقال ﷻ: ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 13]، وقال سبحانه: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجۡرِمُونَ﴾ [المرسلات: 46].

ص 2061

والآيات في هذا أكثر من أن تحصر، وكلها تدل على قباحة الكفرة ووقاحتهم ومدى سفالتهم؛ وذلك لعظم الذنب الذي يقترفونه ويتلبسون به ألا وهو الشرك بالله العظيم، فمهما حاولوا التطهر منه بمزاعم السلام والحرية والعدالة والمساواة والسماحة والحضارة والتقدم والرقي وغير ذلك من الهرطقات والسخافات التي نسمعها في هذا العصر مما يريدون به تحسين حالهم، فإنهم رغم ذلك سيبقون أنجاسًا أدناسًا أركاسًا لا يطهرهم إلا توحيد الله ﷻ الذي لا يقبل الله بغيره صرفًا ولا عدلًا: ﴿وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47]، وستبقى وجوههم الكافرة باسرةً مسودة تغشاها ظلمات الكفر وترهقها قترته مهما وضع عليها من الأصباغ والأدهان والمكاييج: ﴿وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [يونس: 27].

فمن مهام الإعلام الجهادي اليوم: إظهار هذا الوجه الكالح القبيح في أبشع صوره وأشنع حالته اهتداءً بمسلك القرآن معهم، والتركيز على انسلاخهم من معاني الإنسانية التي يتشدقون بها وذلك بإظهار اقترافهم لأشنع الجرائم، وسعيهم لتحصيل مصالحهم وتحقيق مآربهم المنحطة بأية وسيلة، وأن ما يدندنون عليه من القِيم وحقوق الإنسان سيكون أول ضحيتهم حينما يتوهمون معارضته لبلوغ أهدافهم.

هذا وملفاتهم حبلى بمثل هذه الجرائم، لا سيما الأمريكان الذين هم الآن في واجهة المعركة، وعلى رأس قائمة الأعداء وبهم محنة أمة الإسلام بل محن أمم الأرض كلها، فلا يحتاج الأمر إلى إرهاق فكرٍ حتى تُستخرج تلك الجرائم من تاريخهم بل ومن واقعهم اليومي في سائر ساحات الجهاد، مع قَرْن ما يرتكبه اليهود المجرمون بالأمريكان وأنهم شركاء في ذلك وهم يعلنون تحالفهم ومناصرتهم لدويلة اليهود ليلًا ونهارًا حتى ينطبع في قلوب الناس جميعًا أن إسرائيل هي أمريكا وأمريكا هي إسرائيل في الجريمة واستحقاق العقاب على حدٍّ سواء، ورسمُ هذه الصورة المقززة لا يحتاج إلى تكلُّف ولا إلى التقوِّل عليهم بما لم يفعلوا أو يقولوا، فما هو ظاهرٌ باد للعيان من أقوالهم وأعمالهم كافٍ لإظهارهم في أقبح الهيئات ولكن الأمر يحتاج إلى الإعلامي البارع الذي يرص تلك الأعمال ويرصفها حتى تخرج مؤثِّرةً مهيّجةً، ومَن ذلك الإعلامي سواكم؟

ص 2062

وليكن لكم في سيدنا شاعر النبي ﷺ قدوة حسنة تحذون حذوه، ولْتَدْلعوا لهؤلاء الكفرة ألسنتكم، وتسلطوا عليهم أقلامكم وأفلامكم، وتنوِّعوا طرق تقديم جرائمهم وتكرروها وتنشروها على أوسع نطاق خاصةً في منتدياتهم هم فإنها أشد عليهم من وقع النّبل، حتى وإن تظاهروا بعدم الاكتراث، فإنكم ستسمعون آثار وقعها بين الحين والحين بفلتات ألسنة ساستهم وقادتهم كما حصل مرارًا، وما سعيهم لإغلاق منتدياتكم المسددة إلا لشدة وقعها عليهم وعظم نكايتها فيهم.

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: (اهجوا قريشًا فإنه أشد عليها من رشق بالنبل، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم فهجاهم فلم يُرضِ، فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه! ثم أدلع لسانه فجعل يحركه فقال والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم...) الحديث٢٬٩٧٤رواه مسلم [٢٤٩٠]..

وقال ﷺ: (اهجوا بالشعر إن المؤمن يجاهد بنفسه وماله والذي نفس محمد بيده كأنما ينضحوهم بالنبل)٢٬٩٧٥رواه أحمد [(١٥٧٩٦)، وحسن إسناده الأرنؤوط].، وعن عمار رضي الله عنه قال: لما هجانا المشركون شكونا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: (قولوا لهم كما يقولون لكم، قال: فلقد رأيتنا نعلمه إماء أهل المدينة)٢٬٩٧٦قال الهيثمي [في المجمع: (١٣٣٣1)]: «رواه أحمد [١٨٣١٤]، والبزار بنحوه، والطبراني، ورجالهم ثقات»، وضعفه الأرناؤوط..

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا، وهي وإن كانت ألفاظها متوجِّهة إلى الشعر إلا أن المعنى الذي تعلّقت به وهو إغاظتهم وشدته عليهم وقوة تأثيره في نفوسهم لا يختص به -والله أعلم- فالمقصد الشرعي الذي يراد الوصول إليه وهو إضعاف همة الكفرة بل تحطيمها، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وقوة وقع ذلك عليهم وحصول هذه المعاني لا ينحصر في الشعر فقط، فكل مسلك شرعيٍّ يؤدي إلى هذا المقصد الحميد داخلٌ عموم المعنى الذي جاءت به هذه الأحاديث، ومنها ما تقومون به من فضح هؤلاء الكفرة، وتهوين شأنهم، فإنه أشدُّ عليهم من وقع النبل.

ص 2063

هذا مع ما في جهدكم من تقوية عزائم المسلمين، ورفع همة المجاهدين، وتحريض الأمة على القيام بعبادة الجهاد، وترغيبهم فيما عند الله، ونزع حب الدنيا وكراهية الموت من قلوبهم، ونفض أسباب اليأس التي تهيمن عليهم، وبعث آمال النصر في النفوس التي أرهقها طول المسيرة، ولكم في ذلك -إن شاء الله- عظيم الأجر وبالغ الثواب، حتى أن بعض العلماء قد ذكر وجهًا في قول النبي ﷺ لعامر بن الأكوع بأن له أجرين٢٬٩٧٧[رواه البخاري (٣٩٦٠)، ومسلم (1802) قال ﷺ: (إن له لأجرين -وجمع بين إصبعيه- إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله)].، أن الأجر الأول بما ناله من القتل، والثاني بما كان يحدو به جيش المسلمين ويقوي قلوبهم كما قال ابن بطال رحمه الله: «ويحتمل أن يكون أحد الأجرين لموته في سبيل الله، والأجر الثاني لما كان يحدو به القوم من شعره ويدعو الله في ثباتهم عند لقاء عدوهم وذلك تحضيض للمسلمين وتقوية لنفوسهم، وقد روي نحو هذا المعنى عن النبي ﷺ... عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال للنبي ﷺ: (إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال: إن المؤمن ليجاهد بنفسه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمون به فيهم نضح النبل)»٢٬٩٧٨[شرح صحيح البخاري: (9/323-324)، والحديث رواه أحمد: (٢١٥٧٤)، وقال الهيثمي في المجمع: (13330): «رواه كله أحمد بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح»]..

ص 2064

ولتكن حملاتكم على هؤلاء الكفرة منظمة منسّقة بين منتدياتكم والمؤسسات الإعلامية والجهود الشخصية، بحيث تضعون في فترة أو مرحلة عنوانًا عامًا تتفقون عليه فيما بينكم وإن لم يكن معلنًا معروفًا مذاعًا، إما لإحياء قضية من القضايا التي يريد الإعلام الكافر وأذنابه إماتتها، أو لإماتة قضية يريدون إحياءها، أو لأي غرض آخر يكون مناسبًا للوقت والظرف، ولتتواطأ على ذلك الأقلام بمقالاتها وأشعارها وتحليلاتها وكذلك الأفلام والصور ونحو ذلك، هذا مع الرصانة والاتزان والعدل والقوة حتى يكون تأثيرها ووقعها شديدًا عليهم، وقبل ذلك كله الإخلاص لله تعالى والاستعانة به والتوكل عليه.

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

لَمَّا جَهِلتَ جَهِلتَ أنك جاهلٌ

جَهْلًا وجَهْلُ الجَهْلِ داءٌ معضلُ!

وأنت إذا رأيت ساحات الجهاد وتأملت في حالة المستجيبين لندائه النافرين لمواطنه من غير كثرة تعلّل وجدتَ أكثرهم من الشباب الذين لم يمسسهم سوء تلك الأفكار، فسهُل على الكثير منهم الخروج عن المعاصي وترك الموبقات والتوبة إلى الله ﷻ والرجوع إلى الحق، وأما مَن أصابته فتنة الأفكار وزينها له الشيطان فرأى ما فيها حسنًا فقلَّما ينفع معه مناقشة أو تحريض أو تذكير، لأنه يعد الإقدام تهورًا، والجبن عقلًا وكياسةً، والقتل في سبيل لله سفاهةً وطيشًا، والقعود والعكوف على ملاذ الدنيا حكمةً واتزانًا، ويرى سفك دماء الكفار والغلظة عليهم انسلاخًا من الرحمة، وموادتهم والتذلل لهم؛ حكمةً وبصيرةً.. وهلم جرا من المفاهيم المعكوسة المنكوسة.

ص 2065

فكلما جئته من بابٍ وجدته قد هيأ لك ما يسده به، فالمقصود أن لا نبذل كل طاقتنا ولا جلها في حق هذا الصنف من الناس فإن نفع الجهاد بهم قليل إلا من شاء الله، وإنما علينا أن نحسن مخاطبة عوام أمتنا وشبابها ونتوجه إليهم بما يحرك عواطفهم ويثير كوامنهم ويهيج حميتهم ويشعل حماستهم وشيئًا فشيئًا سترونهم ملبين للنداء راجعين إلى الله تعالى، فالعاطفة والحماسة مدخلٌ كبيرٌ من مداخل الخير التي ينبغي أن لا تهمل أو تعطَّل، وهو كما أشرت أعلاه داخلٌ في معنى التحريض، كما أنه أسلوبٌ جرى عليه القرآن كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [التوبة: 13].

واستجابة العوام لتأثيرات الأمور العاطفية والحماسية أعظم بكثير من تأثرهم بالحجج العقلية والمناقشات العلمية، وهو ما يستدعي تسهيل الأمر عليهم ومخاطبتهم بالأسلوب الذي يدركونه ويفهمونه، وقضايا المسلمين الكبرى اليوم لا تحتاج لتوصيلها إلى أفهامهم إلى تعقيد لظهورها وجلائها؛ فمثلًا: حينما تجد بعض قادة الجماعات الإسلامية أو بعض العلماء في باكستان يحاولون دفع شرعية قتال الجيش الباكستاني وينقبون في بطون الكتب عن ذلك ويحاولون الإجابة عمّا يرونه إشكالًا واعتراضًا، فإن العاميِّ الأمّي من «سوهات» أو قبيلة «مسعود» أو غيرها، يكفيه أن يرى طائرة «الجت» وهي تستهدف وتتعمد قصف مسجدٍ أو مسجدين ويرى بعدها المصحف الشريف ممزقًا ومتناثرًا ليقول لك بعدها ببساطة وسجية: هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى!

فلِمَ يُجنى على هذا العامي سليم الفطرة ويقحم في مناقشات ومداولات عقيمة يرى نقضها وبُعدَها عن الحقيقة بعيني رأسه، وهكذا ينبغي أن تطرح القضايا الواضحة للناس.

ص 2066

وكما أشرت من قبلُ لا يعني هذا إهمال جانب التأصيل الشرعي ودحض الشبهات ودفع الاعتراضات ولكن المقصود أن الجهد الإعلامي الكبير ينبغي أن يتوجَّه مباشرة إلى مخاطبة عامّة المسلمين ويتنزَّل في الأكثر إلى مستوى أفهامهم، ويحاول بقدر الإمكان تسهيل قضايا المسلمين لتستوعبها مداركهم ويلامس عواطفهم، وقد قال تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا﴾ [الكهف: 28].

وهذا يستدعي معرفة مداخل ومخارج الناس التي تؤثر فيهم وتجتذبهم نحو نور الهداية والاستقامة، وكما أشرت أعلاه فإن أعظم بابٍ -فيما أرى- لإنقاذ الناس من ظلمات الضلالات وأكثرها تأثيرًا في قلوبهم وتحريكًا لها هو الجهاد في سبيل الله لِمَن وفقه الله ﷻ لمعرفة كيفية تقديمه للناس وأتقن التحريض عليه، فهو بابٌ عظيمٌ من أبواب الدعوة والهداية قد أُغْفِل، والقيام به يختصر جهودًا كبيرة تبذل في غيره، ولعل في قول النبي ﷺ في الحديث: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)٢٬٩٧٩رواه أبو داود، [وتقدم في: (ص 664)].، ما يشير إلى هذا المعنى، حيث يفهم من الحديث أن الرجوع إلى الجهاد هو رجوعٌ إلى الدين كما أن تركه تركٌ له.

وكما تعرفون فإن أغلب العوام لا يدركون حقيقة النقاشات العلمية، ولا التحليلات السياسية، ولا الردود والاعتراضات، وإنما يتحرّكون بالعاطفة، فرُب لقطةٍ مؤثرةٍ مدبلجة بنشيد حماسيٍّ يهيج الكثيرين منهم، ورب مشهدٍ مؤثّرٍ لجرحى أو فقراء أو غير ذلك يُحسَن إخراجه وتقديمه يدفع التجار إلى إنفاق نفائس أموالهم في سبيل الله، بينما تُصنَّف الكتب وتطبع في أرقى المطابع وعلى أجود الأوراق فلا يسمعون بها فضلًا عن التأثر بما فيها، وليس المقصود هنا إغفال الجوانب التي أشرت إليها، فلهذه أهلها من الكتاب والقراء على حد سواء، وإنما المقصود أن نجتهد في أن تكون دعوتنا دعوة عامة نخلص بها إلى قلوب الناس ونصل إلى فِطرهم النقية عبر المداخل الميسرة والمناسبة لأحوالهم.

ص 2067

هذا وليست الحماسة أو العاطفة مذمومة على كل حالٍ، بل قد تكون من كمال الرجال وقوة غيرتهم أن تشتعل فيهم الحماسة للدين وأهله عند أدنى ما يثيرها، ومَن لم يتحمّس اليوم ويتهيّج بما يصيب أمة الإسلام من المآسي التي تذيب الصخور الصماء فليراجع قلبه إن كان ما زال حيًا أم لا؟!

وخلاصة هذه الفقرة: أن تصبوا جهودكم وتوجِّهوا أغلب خطاباتكم لعموم أمة الإسلام فإن فيهم خيرًا كبيرًا، ولا تستنفدوا طاقتكم وترهقوا إعلامكم بالتوجه التام لما يسمى بِالنُّخَب، والذين إن دققت في غالبهم لوجدتهم من عوام المسلمين ولكنهم تشبعوا بما لم يعطوا فظنوا في أنفسهم التميّز، هذا وطبقة عوام المسلمين تشمل شرائح شتى ممن ينتفع بهم الجهاد انتفاعًا عظيمًا ففيهم الأطباء، والتجار، والمهندسين، والحرفيين، وغيرهم ممن يجد كل واحدٍ منهم دوره المناسب له الذي يؤديه في ساحة الجهاد.

هذا ما أردت تدوينه في هذا العجالة رجاء مشاركتكم فيما أنتم فيه من الخير والعبادة، ولعل لنا رسالة أخرى لمزيد التواصل، وأسأل الله تعالى أن يعينكم ويسدد آراءكم وجهودكم وينفع بكم دينه وأمة نبيه ﷺ ويجعلكم من المجاهدين المرابطين الذائدين عن شريعته الذابين عن كتابه الغائظين لأعدائه إنه سميع قريب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم / أبو يحيى الليبي «حسن قائد»

«الاثنين 13/ ربيع الآخر/ 1431هـ»

❖ ❖ ❖

ص 2068

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: رسالة إلى الإخوة في ثغر الإعلام الجهادي

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا