خطبة عيد الفطر «1430»
[شوال 1430هـ / 9 - 2009م]
۞
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِل له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأخيار الأطهار الأبرار وعلى من اقتفى أثره وسار على سنته ما تعاقب الليل والنهار، ثم أما بعد...
أيها الإخوة المؤمنون الأحبة: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١﴾ [النساء: 1]، اتقوا الله فتقوى الله ﷻ هي مبدأ الأمر وأوسطه وآخره، بها فاز الفائزون، قال ﷻ: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ [النور: 52]، وَتَزود المُتَزَوِّدون: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: 197]، وبها أمِن الآمنون: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]، فتقوى الله ﷻ هي زاد المؤمن في هذه الرحلة الطويلة إلى أن يلقى الله ﷻ، وتقوى الله ﷻ هي باب الفرج والفتح وباب الرزق والعطاء من الله ﷻ، قال ﷻ: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق: 2-3]، نسأل الله ﷻ أن يجعلنا وإياكم من المتقين الذين يراقبونه في الغيب والشهادة، ويخافونه في السر والعلانية.
أيها الإخوة الأحبة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كلما صام الصائمون، الله أكبر كلما أفطر المفطِرون، الله أكبر كلما هلل المهللون وكبر المكبِّرون، الله أكبر كلما تنافس في رضوان الله المتنافِسون.
انقضى شهر رمضان.. ذهبت أيامه ولياليه، ذهب صيامه وقيامه، فطوبى لمن وفقه الله ﷻ لصيام أيامه حق الصيام، وقيام لياليه حق القيام فإن ذلك هو الفوز العظيم، قال ﷻ: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ [البقرة: 185]، قال ﷻ: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] طوبى لمن قضى لياليه في القيام؛ فسكب هنالك العبرات وناجى ربه في الظلمات: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
أيها الإخوة الأحبة: اليوم عيد، نعم إنه عيد وفرح بانقضاء عبادة من أجلِّ العبادات، عبادة يمسك فيها الإنسان شهوته وأكله وطعامه إرضاء لله ﷻ، قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به)٣٬٣٣٢[متفق عليه، البخاري: (١٩٠٤)، ومسلم: (١١٥١)].، (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه)٣٬٣٣٣[هما حديثان متفق عليهما، الأول رواه البخاري: (٢٠١٤)، ومسلم: (٧٦٠)، والثاني رواه البخاري: (٢٠٠٩)، ومسلم: (٧٥٩)].، فيه ليلة هي أعظم الليالي: ﴿خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ﴾ [القدر: 3]؛ فطوبى لمن وفق لقيامها ويا حسرة ويا خيبة ويا خسارة من ضيَّع شهر رمضان في اللهو واللغو والعبث واللعب، يا حسرة من ضيع شهر رمضان أمام الشاشات وأمام الفضائيات في الضحك واللعب، والله إن ذلك لهو الخسران العظيم! نفحات من الله ﷻ وهبات وعطيات مباركات من رب السماوات والأرض ﷻ رحمةً بعباده ورأفةً بأمة نبيه ﷺ.
اليوم عيد، ولكن عيد من؟ أهو عيد المضطهدين المشردين الذين تسلط عليهم الكفرة المجرمون في مشارق الأرض ومغاربها في أفغانستان وفي باكستان وفي سوهات وفي وزيرستان وفي الصومال وفي غيرها؟
عيد من؟ أهو عيد السجناء المكبلين المكبوتين الذين يجأرون ويشكون إلى الله ﷻ ظلم الطغاة وتجبرهم؟ عيد من؟ أهو عيد المستضعفين الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت والذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا؟ عيد من؟ أهو عيد المحاصرين المخنوقين في فلسطين من الأرامل واليتامى والمساكين والضعفة والعجزة من الرجال والنساء والولدان؟
نعم، إنه عيد هؤلاء كلهم، وهو عيد أمة الإسلام؛ جُعِل عيد الفطر فرحة للمسلمين كما قال النبي ﷺ: (إن لكل قومٍ عيدًا وهذا عيدنا)٣٬٣٣٤[متفق عليه، البخاري: (٩٥٢)، ومسلم: (٨٩٢)].، ونحن نحب أن نفرح في عيد الفطر وفي عيد الأضحى، ولكن أنَّى للفرح أن يأتينا، وأنَّى للفرح أن يدخل قلوبنا ونحن نرى حال أمتنا البائسة التي تسلط عليها الأراذل الكفرة من أحفاد القردة والخنازير وأذنابهم وأتباعهم من النصارى والمرتدين!
أيها الإخوة: إن عيد الفِطر قد مُلئ بالعبر والعظات؛ فلنا معه بعض الوقفات:
أول هذه الوقفات: عيد الفطر شرعه الشارع فرحة بانقضاء شهر رمضان كما قال النبي ﷺ: (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه)٣٬٣٣٥[متفق عليه، البخاري: (١٩٠٤)، ومسلم: (١١٥١)، واللفظ له].، ولكن عيدنا -أيها الإخوة- ليس كأعياد الناس، عيدنا عبادة لله ﷻ يُفتتح بالتكبير وتتخلله صدقة الفِطر ويُختتم بالصلاة، نعم؛ عيدٌ وسع فيه الشارع على المسلمين لهم أن يفرحوا وأن يلعبوا بما لا يدخل فيما حرم الله ﷻ، إلا أن عيدنا هو طاعة وعبودية لله ﷻ ليس كأعياد أهل الدنيا التي تمتلئ بالعبث والمجون والفساد والضلال وزهرة الدنيا وغير ذلك، إنما عيدنا عُبودية لله ﷻ وهذا هو الفارق بيننا وبين أهل الدنيا في أمورنا كلها، نحن عبيد لله ﷻ، ومعركتنا مع أهل الكفر إنما هي معركة العبودية لله ﷻ.
نحن نريد أن نكون عبيدًا لله ﷻ ونريد أن يكون الناس كلهم عبيدًا لله ﷻ طوعًا أو كرهًا، وأما أعداء الله، لا سيما الملأ المتجبرون؛ فهؤلاء شعارهم جميعًا بلسان حالهم أو مقالهم: ﴿مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي﴾ [القصص: 38]، هؤلاء كل منهم ينادي للعبودية لنفسه، أُذِلت الشعوب حتى تعبد هؤلاء الطواغيت، فإذن معركتنا بيننا وبين هؤلاء الكفرة إنما هي معركة العبودية لله ﷻ، العبودية التي ما بُعِث نبيٌّ من الأنبياء ولا رسولٌ من الرسل إلا ليدعو إليها، قال الله ﷻ: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، وقال ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل: 36]، فهذا الأمر لا بد أن نتفطن إليه -أيها الإخوة-.
نحن عبيدٌ لله في كل حركاتنا وسكناتنا: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163]، ليس هناك «دع ما لِقيصر لقيصر ودع ما لله لله»! الخلق كله لله ﷻ، قال الله ﷻ: ﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهـٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83].
إذن معركتنا -أيها الإخوة- هي معركة العُبودية، وكل جماعة إسلامية دعوية كانت أو جهادية لا تضع نصب عينيها أن قيامها ودعوتها وحركتها وسكنتها كله من أجل أن يكون الناس عبيدًا لله ﷻ؛ فهي جماعة ضائعة تائهة، مهما كبرت وتضخمت واشتهرت؛ فإنها جماعة ضائِعة، قال ﷻ: ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الرعد: 17].
فإذن علينا -نحن المجاهدين- أن يكون لواؤنا وأن تكون رايتنا وأن تكون دعوتنا وأن يكون جهادنا وأن تكون تضحياتنا وأن يكون بذلنا كل هذه الأمور من أجل أن تكون العبودية لله ﷻ، نحن لا نرضى أن يكون بعض الدين لله وبعضه لغير الله، بعض الدين لأوباما وبعضه لله ﷻ، بعض الدين للقذافي وبعضه لله ﷻ، بعض الدين لعبد الله وبعضه لله ﷻ -كم عندنا عبد الله؟! كثير-.. لا، بل الدين كله لله ﷻ.
فالنبي ﷺ يقول في الحديث: (بُعِثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له)٣٬٣٣٦[رواه أحمد: (٥١١٤) بدون (بين يدي الساعة)، ورواه تامًّا الطحاوي في شرح مشكل الآثار: (٢٣١)، وابن أبي حاتم في العلل: (٩٥6)، وصححه الألباني في الإرواء: (١٢٦٩)].، فإذن نحن لسنا جماعة من أجل أن تُوجِد الحلول الاقتصادية للأمم، لسنا جماعة من أجل أن تعمر العمارات الشاهقة، لا.. لسنا جماعة من أجل أن نبحث عن حلول المشاكل الاجتماعية للمجتمعات؛ هذه كلها عوارض نتجت وخرجت بعدما ابتعد الناس عن دين الله ﷻ، وبعدما رضي الناس لأنفسهم أن يكونوا عبيدًا لغير الله ﷻ.. إذن عيدنا هو عُبودية لله ﷻ، هذه هي وقفتنا الأولى.
الوقفة الثانية: أن هذا العيد هو إعلانٌ للتمايز بين الإسلام والجاهلية، كما قال أنس رضي الله عنه قال: قدِم النبي ﷺ المدينة وكان لهم يومان يلعبون فيهما فقال ﷺ: (ما هذان اليومان؟)، قالوا: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية؛ فقال النبي ﷺ: (قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر)٣٬٣٣٧[رواه أحمد: (١٢٠٠٦)، وأبو داود: (١١٣٤)، والحاكم: (١٠٩١)، وقال: «حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»].، إذن الجاهلية والإسلام لا يجتمعان في موطن، هناك بدل وهناك مُبدَل منه، إن الله ﷻ قد أبدلكم بهما خيرًا منهما؛ فانبذوا عنكم أعياد الجاهلية وتمسكوا بالعيد الذي هو لأهل الإسلام، لأهل الإسلام عيدان: عيد الفِطر وعيد الأضحى، وأما اليوم فأعياد الجاهلية لا تُحصى! هناك عيد الأم، وهناك عيد الحب، وهناك عيد الزيتون، وهناك عيد المرأة، وهناك عيد الطفل، وهناك العيد الوطني، وهناك عيد التحرير، وعيد الاستقلال.. قائمة لا تنتهي.
فإذن؛ الإسلام جاء ليعلن المفاصلة التامة بينه وبين الجاهلية، ولذلك شُرِعت الهجرة، فالنبي ﷺ بقي يدعو إلى الله ﷻ وإلى عبادة الله وحده لا شريك له في مكة ثلاثة عشر عامًا، فلـمَّا ضاق عليه الأمر وتأذى أصحابه واستأسد أولئك الكفرة؛ أُمِر بالهجرة، وأُمِر بمفاصلة قومه، فالنبي ﷺ من أجل دين الإسلام، ومن أجل عقيدة التوحيد، ومن أجل أن تكون العُبودية لله وحده لا شريك له، من أجل ذلك كله.. ترك أحب البِقاع إليه وإلى الله ﷻ، ترك قومه وداره وماله وأهله وولده ﷺ وهاجر إلى أرض يكون فيها غريبًا، بين قوم يكون بينهم غريبًا؛ إرضاء لله ﷻ.
لذلك شُرِعت الهِجرة.. ولذلك إذا كانت هناك بقعة من الأرض توجد فيها قوتان: قوة لأهل الإسلام بشوكتهم، وقوة لأهل الكفر بشوكتهم؛ فليس هناك سبيل للتعايش الذي يدعو إليه بعض المخذولين المنهزمين المعاصرين، أي تعايش تدعون إليه؟! ليس هناك سبيل للتعايش؛ لأن الذين كفروا من سالف الأزمان قد رفعوا لأنفسهم شعارًا يتوارثونه فيما بينهم، وهو: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ﴾ [إبراهيم: 13]، ليس هناك خيار: إما أن ترجعوا إلى ملتنا، إما أن ترجعوا إلى الكفر.. إما أن تكون ديمقراطيًا، إما أن تكون عصريًا، إما أن تكون غربيًا؛ فعند ذلك سيرضى عنك الناس ويطرونك ويمدحونك ويظهرونك في مظهر المسلم المعتدل المتوسط المتوازن الذي يوازن بين المصالح والمفاسد، وما ذلك إلا لأن الجاهلية قد رضيت عنك! إذا لم يفلحوا في هذا الخيار: ﴿لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ﴾ أو الخروج من الأرض.
فلذلك أنتم تعيشون هذه الغربة، لماذا؟ لأن الجاهلية لم تستطع أن تتعايش معكم، أنتم أناس مشردون مطاردون قد غضبت عليكم الأرض كلها، ولا يضيرنا ذلك والله، لا يضيرنا ذلك إذا كان رب السماوات والأرض يرضى عنا ﷻ، فلذلك شُرعت الهِجرة، وإذا لم يكن هناك هجرة فلا بد من القِتال: (بُعِثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له)٣٬٣٣٨[تقدم في: (ص 2582)]..
إذن النبي ﷺ قد أمر الأنصار أن يتركوا ما كانوا عليه من أعياد الجاهلية، وهذا في عيد وهو أبسط الأمور في داخل دين الإسلام؛ فكيف بمن يدعو إلى التعايش معهم في العقائد؟ كيف بمن يدعو إلى التعايش معهم في السياسات؟ كيف بمن يدعو للتعايش معهم في القوانين والنظم والأحكام؟ إلى غير ذلك.. أي دعوة هذه؟ هل نحن ندعو لدين الله ﷻ حقًا؟ أم أننا ندعو لما تهوى أنفسنا ولما يرضي هؤلاء الكفرة؟ لا بد أن نكون صرحاء مع أنفسنا: ما هذا التعايش الذي عجز النبي ﷺ أن يقيمه بين قومه وأهله وفي داره ووطنه واكتشفناه نحن في القرن والواحد والعشرين؛ فأصبحنا ندعو إلى التعايش وأصبحنا نحن وهؤلاء كالشيء الواحد؟! هذه دعوة مخذولة مرذولة مردودة مخيب صاحبها.
إذن -أيها الإخوة- من دعوات الإسلام: دعوة المفاصلة، ولا أعني بذلك أن يفر الناس إلى رؤوس الجبال، وإلى بطون الأودية، وإلى أدغال الغابات، ليس هذا هو المقصود، ولكن أن يعيش الإنسان المسلم بإسلامه الحقيقي، فنحن نعلم أن الرجل الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، ولكن هذه المخالطة لا تعني الممازجة، لا تعني أن يكون الإنسان هو والكافر شيئًا واحدًا لا تستطيع أن تفرق في السيما والمظهر بين المسلم وبين الكافر، ثم يقول لي: أنا أدعو إلى الله ﷻ.. أية دعوة هذه؟!
دين الإسلام -أيها الإخوة- طريقه واضحٌ جلي لا لبس فيه: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ﴾ [يوسف: 108]، ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ﴾ [هود: 112]، ﴿قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي﴾ [الأنعام: 57]، ﴿فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ﴾ [الشورى: 15]، ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18]، إذن هناك شريعة من عند الله ﷻ أُمرنا بأن نتبعها وأن نسير عليها، وأن لا نركض وراء أهواء الذين لا يعلمون، ومن هم الذين لا يعلمون؟ هو بوش وأوباما وجورج وأنطون وما أعرف من هؤلاء، أي شيء يعرف هؤلاء؟! ما هو الدين الذي يعرفه هؤلاء حتى نصبح نبحث عما يرضيهم؟! هل يمكن للإنسان أن يرضي أوباما ويرضي الله ﷻ؟
ولذلك عندما جاء هذا الغراب الأسود، وألقى خطبته في مصر صفَّق له الناس وكأن الذي يخطب هو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، حتى إن بعض السفهاء الذين ينتسبون إلى العلم كتبوا في الجرائد والمجلات من الإطراء والمدح والثناء ما لم يكتبه أحد من المقربين من هؤلاء الكفرة! أي دعوة هذه وأي دين هذا؟! ألا يتقي الله ﷻ أمثال هؤلاء؟ ألا يخشون أنهم سيقفون بين يدي الله ﷻ وسيُسألون عن كل حرف كتبوه؟ سبحان الله! أوباما صار صاحب شعار التغيير!، صاحب شعار الانفتاح!، نعم.. الانفتاح الذي يُقتل بسببه كل يوم في أفغانستان العشرات الذين لا يسمع بهم أحد، لو أنَّ هؤلاء قُتِلوا في الرياض أو في الكويت أو في الإمارات لقامت الدنيا وضجت، ولكن هؤلاء مساكين ضعفاء فقراء يعيشون في الخيام بين الجبال في الأودية تحت الأشجار فلا يسمع بهم أحد، فلذلك مع ما يفعله هذا المجرم فهو يستحق الإطراء والمدح والثناء إلى غير ذلك.
إننا محتاجون أن تكون دعوتنا لدين الله ﷻ واضحة جلية لا لبس فيها؛ فنحن ندعو الناس لأن يكون الدين كله لله ﷻ، ونحن ندعو الناس لأن يكونوا عُبَّادًا لله ﷻ، نحن ندعو لأن تكون الحاكمية لله ﷻ لا تخضع لشرقٍ ولا لغرب، مللنا من هذه البيوت، مرة البيت الأحمر ومرة البيت الأبيض، دعونا مرة واحدة نحكم بما يريد الله ﷻ، نعم إذن هذا هو الأمر الثاني من الوقفات مع عيد الفطر المبارك، وأقول قولي هذا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
❖ ❖ ❖
[الخطبة الثانية]
إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ثم أما بعد...
أما الوقفة الثالثة أيها الإخوة: فإن هذا العيد يدلنا على أن المسلم يجب أن يكون مستسلـمًا منقادًا مذعنًا لأحكام الله ﷻ، فإن الله ﷻ لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون؛ فبالأمس كان الفِطر محرمًا واليوم صار الصيام محرَّمًا! بالأمس كان الصيام واجبًا، واليوم صار الصيام محرمًا، وغدًا سيكون مُستحبًّا، فهذه أحكام الله ﷻ يشرِّعها كيفما شاء لِحِكَمٍ يعلمها هو ﷻ؛ فإذن على المسلم أن يكون دائمًا موطدًا نفسه وقلبه على الانقياد والاتباع لأحكام الله ﷻ من غير اعتراض على ذلك بعقل ولا عُرف ولا عادة ولا قانون ولا سياسة ولا غير ذلك، قال ﷻ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [النور: 51]، وقال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ [المجادلة: 22].
قال الله ﷻ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65]، ذكر بعض أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حق رجلين اختصما ثم تحاكما إلى النبي ﷺ؛ فحكم لأحدهما على الآخر، فلم يرضَ المحكوم عليه فقال: نتحاكم إلى أبي بكر؛ فذهبا إلى أبي بكر فقصّا عليه القصة؛ فقال: أنتما على ما حكم رسول الله ﷺ، فلم يرض الرجل؛ فقال نذهب إلى عمر رضي الله عنه، فذهبا إلى عمر، فعمر عندما سمع أن هذا الرجل لم يرض بحكم النبي ﷺ سأل صاحبه أكان ذلك -يعني ما يقوله صاحبك حق؟- فقال له: نعم؛ فقال انتظرا فسأحكم بينكما فدخل عمر رضي الله عنه وأخذ سيفه ثم قطع رأس الذي لم يرض بحكم النبي ﷺ وفر الآخر، فقال النبي ﷺ: (ما كنت أحسب -أو أظن- أن عمر يقتل مؤمنا)، فأنزل الله ﷻ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65]٣٬٣٣٩[تفسير ابن كثير: (2/351)]..
انظر -أيها الأخ المؤمن-؛ في قضية واحدة.. مسألة واحدة تخاصم فيها رجلان، ثم انتقلا إلى من؟ إلى أبي بكر وهو خير أهل الأرض بعد النبي ﷺ، ثم إلى عمر وهو خير أهل الأرض بعد أبي بكر رضي الله عنه، ومع ذلك أنزل الله ﷻ هذه الآية في حق هَذين الرجلين؛ فكيف بمن ينبذ شريعة الله ﷻ كاملة؟ كيف بمن يرد أحكام الله ﷻ كلها؟ كيف بمن يصرِّح بلسان حاله ومقاله على رؤوس الأشهاد أن شريعة الله لا يصلح تحكيمها في هذا العصر؟ ومع ذلك تجد من يدافع عن هؤلاء! ألا يستحق هؤلاء سيف عمر وألف سيف عمر؟
نعم والله -أيها الإخوة-؛ فالصحابة رضي الله عنهم عندما امتنع قوم من أداء الزكاة متأولين، في زمن أبي بكر بعد أن توفي النبي ﷺ، فطائفة قالوا: كنا نؤدي زكاتنا لمن كانت صلاته سكنًا لنا -يعني رسول الله ﷺ- أما وقد توفي فلن نؤدي زكاتنا لأحد واستدلوا على فعلهم بآية من كتاب الله ﷻ: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ﴾ [التوبة: 103]، ومع ذلك فأبو بكر رضي الله عنه والذي حفظ الله ﷻ به الشرع مرارًا قال: «والله لو منعوني عقالًا -وفي رواية عناقًا- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها»، فقال عمر: «فما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق»٣٬٣٤٠[البخاري: (١٣٩٩)، ومسلم: (٢٠)].، فهذه الطائفة امتنعت فقط عن أداء الزكاة وبتأويل.. نعم لم يكن تأويلهم سائِغًا، ولكن استدلوا على ما يفعلون بكتاب الله ﷻ.
فماذا نقول في هذه الطوائف المجرمة التي تقاتل صراحةً بلا تأويل ولا حجة ولا التفات إلى كتاب؟ ولا إلى سنة ولا إلى فتوى؟ تقاتل كل من يدعو لتحكيم شريعة الله ﷻ؟ ماذا نقول عن الجيش الباكستاني المجرم الذي دمَّر سوهات وقتَّل الأطفال والنساء وهدَّم الديار على أهلها.. فقط من أجل ماذا؟ ما هي دعوة هؤلاء الناس؟ ما هي دعوة المسلمين في سوهات؟ ألا يقولون: إما الشريعة وإما الشهادة؟ إذن لماذا يقاتلهم هؤلاء؟ ألا يقاتلونهم اعتراضًا على شريعة الله ﷻ؟ ومع ذلك ما زلنا نجد من يدافع عن هؤلاء المجرمين ويعدهم من المسلمين ويرد عنهم ويذب عنهم بكل ما أوتي من حجة وقوة.
أيها الإخوة: إن زماننا هذا لا يصلح له إلا هذان السيفان؛ سيف عمر الذي ضرب به هذا الرجل المعترض على حكم الله ﷻ، وسيف أبي بكر رضي الله عنه الذي قاد به الصحابة في قتال مانعي الزكاة؛ هذه الطوائف الممتنعة عن أحكام الله ﷻ والله لن يجدي معها الاستجداء، ولن يجدي معها التذلل، ولن يجدي معها الهوان، لن يجدي معها إلا القتال والصبر والمصابرة حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، هذا هو الذي علينا أن نخوضه أيها الإخوة.
فلذلك في ختام خطبتي هذه لي وصايا لإخواني المجاهدين؛ فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا:
أولها: عليكم بالإخلاص لله ﷻ؛ فوالله إن الإخلاص هو مفتاح النصر ومفتاح التمكين ومفتاح الظفر والغنيمة، قال الله ﷻ: ﴿۞لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٩ وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الفتح: 18-20].. إلى آخر الآيات، فهؤلاء الصحابة الذين بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة فعلم الله ما في قلوبهم من العزم والصدق والإخلاص لله ﷻ؛ أثابهم هذا الفتح القريب، فعليكم أيها المجاهدون أن تكون نيتكم في جهادكم وقتالكم لله ﷻ لا يكون قتالكم عصبية جاهلية، ولا وطنية مقيتة، ولا حزبية مذمومة، ولا انتصارًا لجماعة ولا لفرد ولا لأمير ولا لرأي، وإنما انتصارًا لدين الله ﷻ الذي بيده النصر، قال ﷻ: ﴿إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ﴾ [محمد: 7].
وأعظم النصر هو أن نكون مخلصين لله ﷻ، فالنبي ﷺ جاءه رجل فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل حمية ويقاتل للذكر ويقاتل ليُرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ قال ﷺ: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)٣٬٣٤١[سبق في: (ص 1069)].، والله إن كان قتالنا لله ﷻ؛ فلا يضرنا أن نُقتل عن بكرة أبينا، وما ضر أصحاب الأخدود أنهم قتلوا جميعًا؟ أصحاب الأخدود شعب أبيد عن بكرة أبيه، لماذا؟ قال ﷻ: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]، ولكن الخسارة كل الخسارة والحسرة كل الحسرة أن تكون نيَّاتنا لغير الله ﷻ، ثم بعد ذلك نُقتل أو نهزم؛ فنجمع بين خسارتي الدنيا والآخرة ونعوذ بالله من ذلك؛ فعليكم بالإخلاص، أوصوا به أنفسكم وتواصوا به فيما بينكم وليذكر به بعضكم بعضًا و(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)٣٬٣٤٢[رواه البخاري: (1)، ومسلم: (١٩٠٧)]..
الأمر الثاني الذي أوصي به إخواني المجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها: عليكم بالجماعة والائتلاف، وعليكم بالاتفاق، كونوا صفًّا واحدًا كما يحب ربنا ويرضى، قال الله ﷻ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف: 4]، هذا هو القتال وهؤلاء هم المقاتلون الذين يحبهم الله ﷻ؛ فلا نكون شيعًا متفرقين كل حزب بما لديهم فرحون، ألسنا دعاة للتوحيد؟ ألسنا دعاة لما كان عليه سلفنا الصالح؟ وهل التوحيد إلا موحد للمؤمنين وليس بمفرق لهم؟ وهل كان السلف إلا كلمة واحدة مجتمعة مؤتلفة قلوبهم، فلم لا نكون على نهجهم في هذا؟
فإذن أيها الإخوة خذوا بأمر الله ﷻ، ولا أقول بوصية الله: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ [آل عمران: 103]، هذه نعمة من الله ﷻ: التأليف بين القلوب، فلذلك فَلْتحرص كل جماعة أن تكون صفًّا واحدًا مع الجماعات الأخرى، وأقول لكم من واقع تجربتنا ومعرفتنا أنه لا يمكن أن يكون هناك اتفاق واجتماع إلا بأن يتنازل بعض الجماعات عن حقوقهم، وأما إذا تشبَّثت كل جماعة بحقها وتشبَّثت الجماعة الأخرى بحقِّها -أو بما تدَّعيه من حقها-؛ فأي اجتماع سيكون بعد ذلك؟
فالنبي ﷺ عندما أرسل معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري k إلى اليمن قال: (تطاوعا ولا تختلفا)٣٬٣٤٣[رواه البخاري: (٣٠٣٨)، ومسلم: (١٧٣٣)].، فلا بد من المطاوعة، لا بد من المياسرة، قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة: 54]، لا بد أن يكون هناك الذلة فيما بين المؤمن والمؤمن، وبين المجاهد والمجاهد.
وفي هذا الموطن فإنني أدعو إخواني المجاهدين في العراق وأخص منهم دولة العراق الإسلامية سددها الله ﷻ وإخواني بجماعة أنصار الإسلام؛ أدعوهم لأن يكونوا جماعة واحدة وصفًّا واحدًا، وأن يتنازل بعضهم لبعض وأن يتذلّل بعضهم لبعض، فإن عدوكم قد جمع جمعه، وجيَّش جيشه، وجنَّد جنوده، ليكون حربًا لكم جميعًا، لا ليفرق بين هذه الجماعة وبين تلك الجماعة، ونسأل الله ﷻ أن نرى اليوم الذي يُسعدنا فيه بسماع خبر اجتماعكم.
كما أنني أدعو إخواني المجاهدين الصادقين من جماعات المجاهدين السلفيين في فلسطين، لأن يجمعوا كلمتهم، وأن يوحدوا صفهم، وأن يوحدوا رايتهم، وأن يوحدوا قيادتهم، وأن ينبذوا عنهم أسباب الفرقة والاختلاف والتنازع، لا بد أن يكون هناك تنازل حتى تحصل الوحدة والاتفاق، لا بد أن يكون هناك تنازل حتى تأتلف القلوب، وإلا سنبقى في تشرذم واختلاف وتنازع وتمزق وعدونا ينظر إلينا من بعيد، نعم هذه هي وصيتي الثانية لإخواني المجاهدين.
أما الوصية الثالثة: فيا أيها المجاهدون؛ اعلموا أن طريق الجهاد طريق طويل وشاق، وهي ليست كلمة نرددها، هذا واقع يعيشه كل مجاهد وطئت قدماه أرض الجهاد، قال الله ﷻ لنا: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ﴾ [البقرة: 216]، وما كان مكروهًا للنفوس فإنها محتاجة إلى الصبر عليه، فلا بد من الصبر على طول الطريق، ولا بد من الصبر على طول عناء الطريق، قال سبحانه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، ولذلك فنحن نجد كثيرًا اقتران الجهاد بالصبر في كتاب الله ﷻ: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]، ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ﴾ [محمد: 31]، إذن لا ننتظر النصر أن يأتينا بين عشية وضحاها ولا في معركة عابرة، وإنما علينا بتوطيد النفس على الصبر؛ الصبر على مشاق الجهاد ومتاعبه حتى نبلغ هدفنا أو نهلك دونه.
نسأل الله ﷻ أن ينفعنا بما سمعنا، نسأل الله ﷻ أن ينصر عباده المؤمنين المجاهدين في كل مكان.
اللهم سدد رمي عبادك المجاهدين وسدد آراءهم وثبت أقدامهم واربط على قلوبهم وألف بينهم واجمع كلمتهم وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم ولي عليهم خيارهم وأتقاهم وأعقلهم وأحبهم إليك يا رب العالمين، اللهم إنا نجعلك في نحور أعدائنا ونعوذ بك من شرورهم، الله مزق ملكهم ودمر دولهم وفرق جموعهم ويتم أطفالهم ورمل نساءهم، الله اجعلهم عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين وشفاء لصدور قومٍ مؤمنين، اللهم مكَّن لعبادك المؤمنين تمكينًا تحبه وترضاه تعز فيه أولياءك وتذل فيه أعداءك وتنصر فيه شريعتك وتحكم فيه كتابك يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في باكستان، اللهم انصر المجاهدين في العراق، الله انصر المجاهدين في الصومال، وانصر المجاهدين في الجزائر، وانصر المجاهدين في الشيشان وفي بيت المقدس وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم فرِّج عن إخواننا المأسورين، اللهم اجعل لهم من كل ضيق فرجًا ومن كل هم مخرجًا وارزقهم من حيث لا يحتسبون اللهم لا تدع بينهم خائفًا إلا أمّنته ولا حائِرًا إلا أرشدته ولا مضطربًا إلا سكّنته ولا جائعًا إلا أطعمته ولا عاريًا إلا كسوته وسترته ولا مستوحشًا إلا آنسته، اللهم اخلفهم في أهليهم وأبنائهم خيرًا يا رب العالمين.
اللهم واخلف كل شهيد ومهاجرٍ ومجاهدٍ في أهله خيرًا يا رب العالمين.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم..
إنك حميد مجيد
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: خطبة عيد الفطر «1430»
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا