تقديم الجامع
۞
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عُدوان إلا على الظالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
فهذا مجموع فضيلة الشيخ البليغ، المجاهد القائد، الشهيد المِقدام: «حسن محمد قائد» المعروف بكنيته: «أبي يحيى الليبي» تقبله الله في الشهداء، وجمعنا بصحبته مع سيد الأنبياء ﷺ، وجعل في علمه القَبول.
وقد كان في الذهنِ المباشرةُ فيه من سنواتٍ مضت؛ إلا أن ظروفًا ألمَّت بالعبدِ الفقيرِ أشغلتهُ عن الكتبِ ومطالعتها، والتفرغ لجمع شتات المؤلفات ونظمها في سياقٍ واحد، ولكن اليومَ -ومع شيء من فسحة الزمان، وأقدارِ الله الخيِّرة ببعض البلاءات التي حلَّت بالساحة الشامية كلها-؛ أعان الله على العودِ لهذا الثغر العظيم في خدمةِ الجهاد وأهله، والعناية بالكتاب الإسلامي المُرشِّد للجيل، والمحفِّز للمسير، والدالِّ على الطريق.
وإنَّ من حقِّ إخواننا الذين قضوا في طريقِ الجهاد شهداءَ باذلين أنفسهم في سبيل الله؛ أن نحفظ إرثَهم، ونعتنيَ بكلماتهم ورسائلهم؛ فلئن ذهبت أنفسهم فقد بقيت كلماتهم تُنير الطريق، وتُرشد الحيارى، وتضبط المسيرة، حتى يأتي من يحملُ الرايةَ على هدى وبصيرة؛ بلا إرجاء أو غلو، ولا إفراط أو تفريط؛ فبهذا الانضباطِ السُني القائم على الإخلاص والعلم؛ تمضي الأجيالُ المسلمة في نصرةِ الأمة؛ يحمل الراية فيها من كل خلفٍ عُدولُه؛ حتى تبلغَ النصر والعز والسؤدد، وكما بلغته في أفغانستان؛ فستبلغه في كافة بلاد الإسلام؛ كفلسطين والشام ومغرب الإسلام ومالي والنيجر وباكستان والهند والصومال واليمن والسودان.. وعسى أن يكون ذلك قريبًا بحول الله وقوِّته.
ومع تعاظمِ أمل الأمة بتحرر أقطارها المختلفة، وتعاظم قوى الجهادِ على أراضيها؛ حتى باتت عصية على العدو المتربص بها = تشتدُّ الحاجة لكتب أهل العلم المجاهدين الذين عبَّدوا الطريق بدمائهم، وأناروا مشاعل الهُدى بمواقفهم، وأثاروا قضية الجهاد بتضحياتهم العظيمة -في سبيل الله كما نحسبهم-، ولا شك أنَّ الشيخ «أبا يحيى الليبي؛ حسن قائد» من هؤلاء العلماء الأخيار البررة؛ الذين كانت طليعة الأمة المجاهدة ترقبُ كلماتهم وتستنير بإرشاداتهم.
فلذلك تأتي هذه «الأعمال الكاملة للشيخ أبي يحيى الليبي» لتردَّ الجميلَ لأهله، وتعرف الفضل لأصحابه؛ فللشيخ «أبي يحيى» مِنَّةٌ على جيلنا اليافعِ من المجاهدين، أعني جيل ما بعد غزوة الحادي عشر من سبتمبر؛ ذلك الفضل الذي يعرفه كل مبصر.
والعبد الفقير كاتب هذه الكلمات قد تفتحت عيناهُ في هذا الطريق على إصداراتِ الشيخ في مؤسسة «لبيك»، ولا أنسى إصدار «شهداء العيد وعيد الشهداء» الذي كان الشيخُ فيه كالنجم في الثُّريَّا، يرثي الزبير الليبي وإخوانه، ويحكي من أخبارهم ومآثرهم ما كان نبراسًا لسالكي طريق الجهاد؛ حتى إن لَقِبي «الزبير الغزي» قد نَحَتُّه يومها أسوةً بالشهيد «الزبير الليبي» رحمه الله، ثم تتابع تأثر شباب الجهادِ بالشيخ أبي يحيى؛ خاصةً بعد أن منَّ الله عليه بالخروج من الأسر مِن سجن باجرام الأمريكي في أفغانستان؛ فحكى قصته وما فيها كرامات؛ كأنَّ الله يهيئُ فيها الشيخ ليقودَ الأمة في مرحلةٍ جهادية كانت أحوجُ ما تكون لأمثاله، وهو ما كان؛ فقد تعاقبت بعد ذلك كلمات الشيخ الحماسية، وتحريراته العلمية، وكتاباته الحركية، وأبحاثه الفقهية.. وهي التي يأتي هذا العملُ ليجمع شتاتها، ويضمها في إطارٍ واحدٍ يليقُ بها.
وقد رأيتُ أنَّ كثيرًا من كتابات الشيخ وكلماته؛ لا تتوافرُ بين يدي الشباب الجهادي الصاعد، مما يُنذر بشرِّ حدوثِ قطيعة بين السابقين واللاحقين؛ فتتكرر الأخطاء، وتُعاد تجارب الغلو أو التراجعات، مما يوجب علينا إزالة تلك الفجوة، وإرجاع تلك اللُّحمة العلمية من جديد.
ولا أحسنَ في تعزيز الصلاتِ بين السابقين واللاحقين من إنتاج هذا «المجموع» الذي يُعتبر بدايةَ الطريقِ للدارسين والمهتمين بإرث الشيخ «أبي يحيى»، واقتفاء أثرِه.
ولأنَّ هذا العملَ قد استوفى شروط التحقيق العلمي؛ فقد آثرتُ أن لا يكونَ هذا الكتاب إلكترونيا وحسبُ، بل جهزناه ليكونَ مطبوعًا، حيثُ تأتي طبعته الأولى في ألف نسخةٍ تُطبع في تركيا ضمن منشورات «دار الكتاب العالمي» الذين كان لهم بصمةُ الخيرِ الكبيرة في الحثَّ على إنجاز هذا «المجموع» ومتابعة طباعته ودعمه في كافة مراحله بارك الله فيهم، وقد كان مقررًا أن يُطبع الكتاب خمس مئة نسخة وحسبُ لولا استعداد الأخ الحبيب الشيخ «أبي صلاح» بطباعة تتمة الألف، وهو ما كانَ بفضل الله تعالى؛ ليكونَ الكتاب بين يدي طلابِ العلم والمجاهدين في سبيل الله؛ فيصحبونه في ثكناتهم ومقارِّهم ورباطاتهم ومعسكراتهم ومعاهدهم.
وبعد؛ فيسرني أن أزفَّ للمسلمين عامة، وإخواني المجاهدين في سبيل الله خاصةً: هذا الجمع الكامل لتراثِ الشيخِ «أبي يحيى الليبي»، والذي ضمَّ بين جنباته سائرَ ما صدر للشيخ في بوتقةٍ واحدة، بعضُه يُنشر هنا لأول مرة؛ مع ما أكرمنا الله به ومنَّ علينا من خدمته خدمةً تليقُ به، كتخريج أحاديثه، وعزو أشعاره، وضبط ألفاظه، وإصلاح أخطائه الإملائية، وفهرسة مسائله، وإخراجه إخراجًا فنيا يليق بدم الشيخ المسفوك في سبيل الله، وجعلتُ بين الفينةِ والأخرى بعض التعليقاتِ العلمية التي دعت إليها الحاجة من تعريفٍ بعلمٍ، أو شرح لكلمة غريبة، أو بثِّ فائدةٍ علمية.
سائلًا الله تعالى أن يُباركَ في هذا الكتاب الذي طالت صفحاته حتى زادت على ثلاثة آلاف صفحة، مع ضغط الخط، وتقليل ما بين الأسطر، ولو شئنا أن نكبِّر الخط ونزيد في الحواشي؛ لبلغت صفحاته نحوَ أربعة آلاف؛ لكنَّ لما كانت الفئة المستهدفة منه: تلك الفئة المجاهدة الفقيرة غالبًا، وهذه الفئة -التي أرجو أن يكون عندهم من الحرص والهمِّ ما يدفعهم لاقتطاع شيءٍ من قليلِ مالهم لشراء هذا الكتاب- بالكاد تحتمل ثمنَ هذا الكتاب بمجلداته الثلاث.
وإني لأنصح -في الله تعالى- أن يُقتنى هذا الكتاب، ولو دُفع فيه شيءٌ من المال -حتى لمن كان عَسِرَ الحال-؛ فإنَّ مثل هذا الكتاب يستحقُّ ثمنًا أكثر من ذلك المبذول في الغذاء والدواء والترفيه والتريض؛ فحاجتنا لإشباع الأرواح والقلوب أكثر من حاجتنا لإشباع غيرها؛ فإنَّ قوتَ الروح أرواح المعاني، وليس بأن طعمتَ ولا شربتَ؛ كما قال الإلبيري في تائيته.