الوقفة السابعة

بدأت معركة هؤلاء الربيين مع أعدائهم بكثرة القتل فيهم وشدة المصائب عليهم، فتوسطوها وقابلوها بقوة قلوبهم وصرامة عزمهم واستمرار صبرهم، وقطعوا مسيرتها بتوبتهم واستغفارهم وإلحاحهم على ربهم بأن يثبت أقدامهم ويحقق نصرهم: ﴿فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران: 148]، قال العلماء: «﴿ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا﴾ [آل عمران: 148]؛ النصر والغنيمة، ﴿وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ﴾ [آل عمران: 148]؛ الجنة ونعيمها»، كما قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «يعني بذلك تعالى ذكره: فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم على ما أبلوا في الله ﴿ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا﴾ [آل عمران: 148]؛ يعني: جزاء في الدنيا، وذلك: النصرُ على عدوهم وعدو الله، والظفرُ، والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد ﴿وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ﴾ [آل عمران: 148]؛ يعني: وخير جزاء الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك: الجنةُ ونعيمُها»١٬٧٧٣تفسير الطبري: (7 / 275)..

وقال العلامة الرازي رحمه الله: «﴿فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 148] يقتضي أنه تعالى أعطاهم الأمرين، أما ثواب الدنيا فهو النصرة والغنيمة وقهر العدو والثناء الجميل، وانشراح الصدر بنور الإيمان وزوال ظلمات الشبهات وكفارة المعاصي والسيئات، وأما ثواب الآخرة فلا شك أنه هو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وأنواع السرور والتعظيم»١٬٧٧٤[تفسير الرازي: (9/٣٨٢)]..

ص 1055

فلما أقبلوا على الله بكليتهم، وفوَّضوا إليه كل أمورهم، وبذلوا في سبيل دينه مهجهم، وثبتوا على طريق من قُتِل من أنبيائهم وإخوانهم، وزهدوا في الدنيا وأخرجوا حبّها من قلوبهم؛ أكرمهم الله سبحانه بأن أعطاهم ثواب الدنيا -ولم يقل من ثواب الدنيا- فجاءتهم بحذافيرها، ثم منَّ عليهم بما هو خيرٌ وأبقى فآتاهم حُسن ثواب الآخرة.

وفي هذا أكبر دليلٍ على أن مَن سلك سبيل الجهاد والتزم أحكامه واستمسك بآدابه ظاهرًا وباطنًا فتحت له أبواب الخيرِ في الدنيا والآخرة ونال سعادتهما، عكسَ ما يظن كثير من الناس من أن الجهاد سببٌ في الحرمان من الدنيا وطريقٌ لضياعها ومسلكٌ مُهلِكٌ.

فمَن جاهد في سبيل الله وابتغاء مرضاة الله غير ملتفت إلى دنيا ولا متعلقٍ بأهداب زينتها جاءته راغمةً، ومن جعل جهاده طلبًا للعلو وبحثًا عن حظوظ الدنيا الفانية وتحمل الشدائد لينال من الناس ثناءً أو ذكرًا أو شهرةً خسر الدنيا والآخرة فضاع منه ما يريد وما لا يريد وكان جهاده وبالًا عليه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20].

ثم تفضَّل الله ﷻ عليهم بمحبته -وهي غاية ما يُطلَب- لإحسانهم كما أحبهم لصبرهم حيث قال: ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران: 148]، والتذييل هنا يدل على دخولهم في هذا الوصف الشريف دخولًا أوليًا كما قال العلامة ابن عاشور: «وموقع التذييل يدل على أن المتحدث عنهم هم من الذين أحسنوا»١٬٧٧٥[التحرير والتنوير: (4/١٢١)].، وفي ذلك إشارة إلى أنهم كانوا أهل يقينٍ راسخ وممن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وسيرتهم وما حكاه الله عنهم وتكرار الثناء عليهم كلها تدل على ذلك.

قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «وهؤلاء الذين لم يطلبوا لأنفسهم شيئًا أعطاهم الله من عنده كل شيء. أعطاهم من عنده كل ما يتمناه طلاب الدنيا وزيادة، وأعطاهم كذلك كل ما يتمناه طلاب الآخرة ويرجونه: ﴿فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ﴾ [آل عمران: 148].. وشهد لهم ﷻ بالإحسان، فقد أحسنوا الأدب، وأحسنوا الجهاد، وأعلن حبه لهم وهو أكبر من النعمة وأكبر من الثواب»١٬٧٧٦في ظلال القرآن: (1 / 463)..

ص 1056

إذن فهذه وقائع أحداث حية قصها علينا ربنا ﷻ تكاد صورتها تتكرر عبر التاريخ تطول مسيرتها أو تقصر، وقد جاءت في غاية البيان والإفصاح عن سبيل بلوغ النصر والتمكين والفتح: ﴿ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا﴾ [آل عمران: 145]، وبيّنت ما يجب أن يكون عليه المجاهدون في سيرة جهادهم ومسيرتهم، وأن نصر الله قريبٌ منهم إن هم سلكوا سنن تحصيله الشرعية منها والكونية، وأن حالهم ليس كحال أعدائهم ممن لا ترى عينه من أسباب النصر إلا الماديات الصرفة فلا يلتفتون إلى ذنب ولا إسرافٍ ولا بغي، ولا يعرفون ضعف إيمان ولا قوته، بل هم يعلمون أن وقع الذنوب والمعاصي على جيوشهم وجماعاتهم أشد وأنكى وأفتك مما تفعله القنابل والصواريخ، ومن لم يدرك هذه الحقيقة فأهملها ولم يرفع بها رأسًا، وذهب يبحث عن نصره -فقط- بين ذخائره وأسلحته وتدريباته وخططه وذكائه وخبرته غير مبالٍ بذنب يقترف ولا مكترثٍ بخطيئة ترتكب ولا ملتفتٍ إلى معاصٍ تُجتَرح؛ فقد هلك وأهلك.

ص 1057

وقد أوصى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمير جنده سعد بن أبي وقَّاص فكان مما جاء في وصيته: «أما بعد فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي من احتراسكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون على عدوهم بمعصية عدوهم لله، ولولا ذاك لم يكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوى، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا، فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل -لما عملوا بالمعاصي- كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا، وسلوا الله العون على أنفسكم، كما تسألون النصر على عدوكم»١٬٧٧٧[العقد الفريد: (1/117)]..

فهذه دعوة خالصة إلى إخواني المجاهدين، وقد اشتد بهم الأمر، وتكالب عليهم الأعداء، وركبتهم أنواع المصائب أن يقفوا جميعًا وقفة صدقٍ يعلمها منهم ربهم يسلكون فيها سبيل هؤلاء الربانيين الذين نالوا ما نالوا من شرف الدنيا والآخرة لما أتوا البيوت من أبوابها، فالله الذي نصرهم وأعزهم وأكرمهم هو ربنا الذي نعبده سبحانه وهو ولينا ومولانا ونصيرنا نعم المولى ونعم النصير، وهو القادر على أن يكرمنا كما أكرمهم ويعزنا كما أعزهم ويعطينا كما أعطاهم، ويذل عدونا كما أذل عدوهم، إذن فلنشمر عن ساعد الجد، ولنعقد العزيمة من أعماق قلوبنا على أمورٍ ليس بعدها إلا الفتح والتمكين وكشف البلاء بإذن الله:

الأول: طرد وهن القلوب وجزعها، وإبعاد ضعف الأجساد وكسلها، وعدم الاستكانة للأعداء مهما بلغ كيدها.

الثاني: إخلاص النية لله تعالى واحتساب الأجر في كل ذلك، وجعْلُ جهادنا «في سبيل الله» ولإعلاء كلمته فتهون علينا مصائبنا وتخِفُّ آلامنا.

الثالث: الصبرُ على لأواء الطريق وشدائدها، وتمكين معنى (أن النصر مع الصبر) في النفوس لتقوى آمالها، مع استحضار ما أعد الله للصابرين وبشَّرهم به من خير الدنيا والآخرة، وما نالوه من معيته ومحبته.

الرابع: إدامة الاستغفار، مع صدق التوبة، والاعتراف أن ما أصابنا فبسبب ذنوبنا، ولنحذَر من المنَّة على الله في أعمالنا، وتهوين أمر ذنوبنا باستحضار حسنة جهادنا، فذلك من تمام الخذلان والعياذ بالله.

ص 1058

الخامس: إظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتبرؤ من الحول والطول، ومن ثَم الحذر من العجب والغرور، والافتتان بالخبرات والفتوحات بل قل: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فاجعله فضلًا من ربك عليك تفلح، ولا تقل -بلسان حالك أو مقالك- إنما أوتيته على علمٍ عندي فتَهلك وتُهلِك!

السادس: الإكثار من دعاء الله تعالى بأن يثبت أقدامنا ويربط على قلوبنا ويقيَنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، سواء أثناء خوض المعارك، أو باعتبار مسيرة الجهاد العامة الكبيرة التي نسلكها.

السابع: التيقن بأن النصر إنما هو من عند الله وحده، فنتضرع إليه ونلح عليه أن يعجل بإنزاله، فيعزّ أولياءه ويذل أعداءه، ويعلي كلمته ويمكِّن لشريعته.

❖ ❖ ❖

ص 1059