أحقا مضيت أبا مسلم؟
[نُشر في موقع الجماعة الليبية المقاتلة: 1422هـ / 2002م٢٬٦١٩[يغلبُ على الظن أنَّ هذه المقالة كُتبت في رثاء الشهيد: عبد الحكيم مسعود العماري «أبي مسلم عوض» رحمه الله، (وُلد: 1967 – بنغازي، والمرتقي شهيدًا في سجن أبي سليم بطرابلس 2001م؛ حيثُ نعته الجماعة)، وكانَ من كبار قيادات الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا].]
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
فقد قال الله سبحانه: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
سَقَى الغَيْثُ غَيْثاً وارَتِ الْأَرْضُ شَخْصَهُ | وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَحابٌ وَلَا قَطْرُ | |
وَكَيْفَ احْتمِالي للِغُيوثِ صَنِيعَةً | بإسْقائِها قَبْرًا وَفي لَحْدِهِ البَحْرُ٢٬٦٢٠[قاله: أبو تمام، انظر: الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري (3/ 511)]. |
ولكن ما كان جهلنا لموضعه ليمنع من أن تحل عليك فيه الرحمات وتؤنسك الأعمال الصالحات، فلئن جهلناه فعلمه عند من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وكفى بالله شهيدًا..
أبا مصعب٢٬٦٢١[كذا ذُكر الاسم في هذه المقالة باسم «أبي مصعب» بينما جاء العنوانُ باسم «أبي مسلم»، ولم أغير العنوان؛ لأن المقال قديم، فلعل للأخ المرثي اسمان، أو ربما كان العنوان سبقَ قلم، ويغلب على الظن أن له كُنيتان؛ فأطلقهما عليه الشيخ في المقال.. والله أعلم]. -رحمك الله يا أبا مصعب - كم كانت الفاجعة عندما دهمنا خبرك، وفاجأنا نبؤك؛ فما أشد وقعه على نفوسنا، وما أثقل وطأه لقلوبنا، وما أعظم الخطب الذي حل بنا، ولكن إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وما نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك وفقدك يا أبا مصعب لمحزونون؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، وزادُنا الصبر عند كل مصيبة فتلك وصية ربنا.
أبا مصعب؛ إن الكلمات لتتعثر وهي تخطو لتخط شيئا عن هذا المصاب، وإن المعاني قد غُلَّت بعدما نسج عليها الحزن شباكه، وألقى الأسى فوقها رداءه، فما عساها أن تقول؟ ويا ترى من أين تبدأ؟
[البحر: الرجز، السريع]
[البحر: الرجز، السريع]
رَكْضًا إِلَى اللهِ بِغَيْرِ زَادِ | إِلَّا التُّقَى وَعَمَلَ الْمَعَادِ | |
وَالصَّبْر في اللهِ عَلَى الجِهَادِ | فَكُلُّ زَادٍ عُرْضَةُ النَّفَادِ | |
غَيْرَ التُّقَى وَالبِرِّ وَالرَّشَادِ٢٬٦٢٢[قاله: عمير بن الحمام رضي الله عنه، انظر: تاريخ الطبري (2/448)، الحاوي الكبير (14/159)، وفي عجز البيت الأول «وَعَمَلَ» ويُعرف هذا في القوافي باسم «المُتَكاوس»، وهو كل قافية توالت بين ساكنيها أربع حركات، وهو من نادر القوافي. انظر: أهدى سبيل (ص 101)].
|
فبادرت إلى سوق خشية أن تنقضي دون أن يكون لك فيها سهم، فوطئت أرض الجهاد واستنشقت فيها نسيم العزة وسرى حب التضحية والفداء في دمك وتغذى بها كل ذرة من جسدك، فإذا الحلم حقيقة، والأمنية واقع، فازددت نشاطا لنشاطك، وقوة إلى قوتك، وصبرا على صبرك، وإصرارا مع إصرارك، وعزيمة إلى عزيمتك، فآليت إلا أن تواكب الركب وتقطع الدرب وتواصل المسير بلا كلل ولا ملل ومن غير ضعف ولا خوف، فالتفت إلى تلك البلاد الباكية الشاكية، وأحدقت في جسمها فإذا هو مثخن بالجراح، ويد الإجرام تفارق طعنة لتبادر إلى أخرى، أرهقها المفسدون بإفسادهم، وأنهكها المجرمون بإجرامهم، تلك البلاد التي طهرها الصحابة من رجس الشرك وخبث الوثنية، وأقاموا عليها دعائم التوحيد، وشادوا فوقها صروحه وأعلوا منابره ورفعوا مناراته.
فغدت كالأعلام الهادية في الفلاة، طالما طرقت أبوابها جيوش الكفر فرجعت مذعورة مدحورة، فكانت قلعة آمنة وحصنا حصينا، يعتز بها الإسلام وتعتز به، حتى دارت عليها الدوائر، واجتمعت عليها كتائب المعضلات، وقرعتها قوارع النائبات، وتشابكت حولها شرائك المؤامرات، فأسدل الستار على حقب نيرة وعصور مضيئة، لتعلوها ظلمات بعضها فوق بعض، واجتمعت عليها مدلهمات ينسي ثانيها أولاها، فها هي اليوم ترفرف فوق سمائها رايات الاشتراكية المارقة، تصول عساكرها وتجول، وتأمر فيها وتنهى، وترفع وتضع.
فمُسخت تلك الربوع إلا من معالم بقيت شاهدة على تاريخ تليد، داعية إلى بعث الحياة وإعادة السالف من جديد، تنتحب فلا يسمع نحيبها، وتشتكي فلا يعبأ بشكواها، وتستجدي فتزجر على استجدائها، وتصرخ فلا يلتفت لصراخها، فهي أسيرة حسيرة كسيرة، لا يرقأ لها جفن ولا ينضب لها جرح، فرأيتها -أبا مصعب- تئن من آلامها، وتتأوه من وقع سياط جلاديها، وتشتكي إلى ربها من تخلي المسلمين عنها وتناسيها.
فهي ترتقب فارس الإنقاذ، وتنتظر ساعات النجاة والملاذ، بعدما تعاضدت النكاية بأختها، وبلغت الحسرة ذروتها، والخجل أمام ماضيها أسقط فروتها، فسرى في خلدك ما يسري في خلد من ذاق طعم الجهاد، وارتبط قلبه بحب الاستشهاد، وألف ساحات النزال، واطمأنت نفسه في مواطن القتال، فكانت البيعة على منازلة المرتدين، وقض مضاجعهم في بيوتهم، وقرع أبوابهم وزلزلة الأرض تحت أقدامهم، ليذوقوا وبال أمرهم، وتُنغص عليهم ملذاتهم، فوفيت ببيعتك وكنت أحق بها وأهلها، وسرت على الطريق صابرًا محتسبًا تتقدم وترتقي، وتبذل وتعطي، حتى إذا حانت الساعة التي طالما حلمت بها، ومنيت النفس بنيلها، فدخلت البلاد من جديد، وودعت أهلك وأبناءك في دار هجرتهم، كما كنت فارقت أمك وأباك وأسرتك يوم خرجت مهاجرًا مجاهدًا.
نعم -أبا مصعب- دخلت تلك البلاد لا لتعيش آمنا مطمئنا فأنى للسكون والركود أن يجد إلى قلبك مسلكا، ولا لتتنعم بزهرات الدنيا وملذاتها فهيهات هيهات أن تخدعك أو تميلك نحوها بعد أن طلقتها، ولا منكبا على عتبات الطاغوت تستجدي رضاءه وتطلب عفوه وصفحه، بل ولجت بعزة المؤمن المجاهد، كما هاجرت بعزيمة المؤمن المجاهد، ورجعت إليها بروح التضحية والفداء وطلب الشهادة، كما ودعتها قاطعا الأمصار والبحار تبتغي الموت مظانَّهُ.
وها أنت اليوم وبعد ست سنوات من الأسر تودع الدنيا وتفارق أهلها وقد أعذرت نفسك وأديت واجبك؛ فحق لمن يعرف قدر الرجال، ويعلم منازل الأبطال أن يذرف على فقدك دما، فوالله إن المصاب لعظيم، وإن الجرح لعميق، والعبء ثقيل، والمواسون قليل فإلى الله المشتكى فإلى الله المشتكى، فويح أمة تسح دموعها على كل عات مارد، وتنحب على كل ماجن ساقط، وتنوح على كل دعي تافه، ولكن يُزال أمامها جبال -وأي جبال- وتهد رواسي؛ فما تذرف منها دمعة، ولا يهتز لها قلب، ولا يرتج فيها ضلع، وهل هذه إلا أخت الفاجعة ووقود الأسى وزاد الحزن.
عزاؤنا فيك -أبا مصعب- أنا سلكنا هذا الطريق والكل يعلم أن المخاطر سياجه، والنوائب مظلته، غير أن الجنة وحسن الثواب والمغفرة والرضوان هي المآل وأكرم بها من غاية: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦ وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧ فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران: 146-148].
فنسأل الله أن يرفع مقامك في عليين، وأن يجعلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وجمعنا الله وإياكم في تلك المنازل، وما ذلك على الله بعزيز.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: أحقا مضيت أبا مسلم؟
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا