🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

الدرس الخامس: التترس - أحكام الأسرى

الدرس الخامس: التترس - أحكام الأسرى

۞

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين.

فبالأمس كنا قد تكلمنا على أصناف الكفار من جهة علاقتهم بالمسلمين، وجرنا إلى هذا: الكلام على من نهى الشرع عن قتلهم، الذين حرم الشرع دماءهم وذكرنا من ذلك:

أنَّ النساء والصبيان متفق على حرمة دمائهم، وهناك بعض العلماء خالف، ولكن لم يُعتد بهذا الخلاف، فهناك مِن علماء الشافعية مَن قال: إن النهي عن قتل النساء والصبيان منسوخ، ولكنه قول لم يُعتد به ولم يُلتفت إليه، ولكن أمانة العلماء أن ينقلوا كل قول وَرَدَ عن عالم من العلماء، ولذلك ما زلنا ننقل الاتفاق فلم يُعتد بهذا القول.

وقلنا: هناك بعض المواطن التي جوز فيها الشرع قتلهم، الموطن الأول: التبييت؛ ومعناه الإغارة على العدو ليلًا، فهنا القتل إذا جاء تبعًا لا قصدًا؛ بمعنى أنه لا يتعمد قتلهم، ولكن بسبب اختلاطهم وبسبب الظُّلمة فقد لا يميز بين المقاتل وبين من حرم الشرع دمه فيُقتل تبعًا فلا شيء في ذلك؛ لأن النبي ﷺ عندما سُئل عنهم قال: (هم منهم)٢٬٥٤١[متفق عليه، البخاري: (٣٠١٢)، ومسلم: (١٧٤٥)]..

ص 1589

والحالة الثانية: القتل بما يعم به القتل، أي استخدام السلاح الذي يعم به القتل، فقتلهم تبعًا؛ لأن المقصود هو كسر شوكة المقاتلة وإجبارهم على الاستسلام.

والحالة الثالثة: إذا قاتل بقول أو فعل، فهنا يقتل قصدًا، وهذا أيضًا متفق عليه بين العلماء: فالمرأة إذا قاتلت قُتلت، والدليل على جواز قتل المرأة إذا قاتلت قولُه ﷺ: (ما كانت هذه لتقاتِل)٢٬٥٤٢[سبق في: (ص 1896)].، فقال العلماء: أي أنها إن قاتلت؛ قُتلت.

أحكام التترس

الموضع الرابع: التترس، وهو أن يتخذ الكفار المقاتِلون مَن لا يجوز قتله منهم -من النساء والصبيان والشيوخ ونحوه- درعًا يتقون به قتل المسلمين لهم، فيُرمى الكفار المقاتلون ويُقصدون؛ فمن قُتل من هؤلاء المتترَّس بهم تبعًا لا قصدًا فلا شيء على المسلمين فيه.

وقلنا: إن صور التترس على نوعين: الحالة الأولى: هو أن يجعلوهم أمامهم، فيتقون بهم قتال المسلمين ويتقون بهم رمي المسلمين لهم.

والحالة الثانية: أن يكونوا مختلطين بهم داخل حصن أو قلعة بحيث يُرمى بما يعم به القتل، وهذه كما قلنا عدها بعض علماء الأحناف صورة من صور التترس.

وإذا تترس الكفار بأسرى المسلمين فهنا أيضًا ذكر العلماء صورتين:

ص 1590

الصورة الأولى: إذا كان في ترك رمي الكفار بسبب وجود الترس ضررٌ على المسلمين، أي إذا كان تركُنا لرمي الكفار بسبب وجود المسلمين المتترس بهم يؤدي إلى وقوع الضرر على المتترَّس بهم وعلى غيرهم من المسلمين من المقاتلين وغيرهم، وإن كان بعض العلماء نصَّ على أن المقصود بالمسلمين الذين يُخاف عليهم الضرر هم: المقاتلون؛ يعني المجاهدين، ففي هذه الحالة نقول: هذه حالة اضطرار فيُرمى الكفار ويُقصدون؛ فإذا قتل بعض المسلمين تبعًا في مثل هذه الحالة؛ فيجوز الرمي في مثل هذه الحالة، ثم اختلف العلماء في مسألة الضمان؛ أي في مسألة الدية، واختلفوا أيضًا في مسألة الكفارة، وأما رميهم فهو جائز عند الاضطرار؛ أي عند الخوف من وقوع الضرر على المسلمين فهو جائز باتفاق العلماء، كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

قال المصنف: «وأما إذا لم يُخف على المسلمين..».؛ يعني ليس هناك خوف على المسلمين، ولكن تركهم يؤدي إلى تعطيل الجهاد؛ أي كلما أردنا أن نقاتلهم اتخذوا المسلمين من الأسرى والتجار دروعًا يتقون بهم قتال المسلمين؛ فهذا يؤدي إلى تعطيل الجهاد، ولا تنسوا أن العلماء هنا يتكلمون عن جهاد الطلب، فقال شيخ الإسلام: «فللعلماء في هذه الصورة قولان»٢٬٥٤٣[مجموع الفتاوى: (28/547)].، وهو مال إلى جواز الرمي أيضًا.

والخلاصة في مثل هذه المسألة الشائكة يمكن تلخيصها في عدة نقاط٢٬٥٤٤[أشار الشيخ إلى أنه يقرأ هذه الخلاصة من بحثه في التترس، وانظره في مَطلع المجموع (ص 172)].:

النقطة الأولى: أنه يصعب تحديد صور التترس المعاصرة وحصرها في حالات معينة محدودة كالتي ذكرها الفقهاء قديمًا، لا سيما مع وجود العدو وسكناهم بين المسلمين وإقامتهم لمعسكراتهم ومراكزهم وقواعدهم في أحيائهم، وتنقلهم في طرقاتهم وتعاملهم معهم، واختلاطهم بهم اختلاطًا شبه متكامل، وغدت المدن والقرى والأسواق المأهولة بالسكان هي أهم ساحات معاركهم ضد المجاهدين قصفًا واشتباكات وكمائن، وأصبحت مطارداتهم للمجاهدين واعتقالهم لأهليهم ومناصريهم لا يكاد ينفك عنه مكان ولا ينقطع زمان، مع أن أغلب الأسلحة المستخدمة من قِبل المجاهدين ضد أعدائهم هي مما يعم به القتل غالبًا؛ لقلة وضعف أو انعدام تأثير ما سواها في العادة.

وأما صورة الْتحام الصفوف والقتال وجهًا لوجه والاصطفاف لذلك؛ فهذا وإن كان يقع شبيهه بين الحين والحين في الغارات الخاطفة، أو الكمائن التي ينصبها المجاهدون عند توفر الفرص، إلا أنها لم تعد بتلك القوة التأثيرية على الأعداء المحتلين وأعوانهم؛ وذلك لتحصنهم المحكم في أعماق قواعدهم ومراكزهم.

ص 1591

وهذه الصفات والأحوال تعطي تصورًا جديدًا لتنوع حالات التترس الحديثة، ربما لم يفترضها الفقهاء بهيئاتها الطارئة بناءً على ما عاينوه من أنواع الأسلحة المستخدمة في عصورهم وأقصاها المنجنيق وتعميم الحرق بالنيران والإغراق الشامل، كما أن الأسلحة التي كان يستخدمها أعداؤهم تكافئ نوعًا ما الأسلحة التي بأيديهم.

وأما في المعارك الضارية التي تشهدها ساحات الجهاد اليوم، لا سيما في العراق وأفغانستان؛ فهي في وضع مختلف اختلافًا كبيرًا في كثير من صورها وظروفها، هذا مع أن المجاهدين قد فُرض عليهم نوعية المعركة وساحاتها وربما اختيار الوقت المناسب لبعض عملياتهم.

هذا هو التوصيف الصحيح لواقعنا.. أليس كذلك؟

النقطة الثانية: أن الأضرار التي ذكرها الفقهاء عند تجويزهم لرمي الكفار مع من تترسوا بهم من المسلمين تعتبر اليوم أوضح ما تكون في ساحات الجهاد الكبرى، وعلى جميع المستويات، حيث شملت الضروريات الخمس من جميع جوانبها، بل ما جاؤوا بجيوشهم الجرارة إلا من أجل سلخ المسلمين من دينهم سلخًا كاملًا وطمس معالم الشريعة الإسلامية طمسًا تامًا.

وهذه الأضرار بعمومها وشمولها تُعَدُّ في قائمة الأهداف الكبرى التي دخل لأجلها الكفار ديار المسلمين واستولوا على أوطانهم؛ ولهذا فإن الأمر قد انتقل من حالة خوف الضرر إلى بذل الجهد والاستماتة في التضحية لأجل رفعه وتقليله، فالعلماء يقولون: عند خوف الضرر، بينما نحن الآن في عمق الضرر، وفي قلبه، فنحن نسعى لرفع الضرر لا لدفعه، وتحوَّل الأمر من دفعه إلى رفعه ومن اتقائه إلى انتشاله، وهذا كله ليس مجرد افتراضات ذهنية وتحليلات عقلية، بل هل أمور بيّنة جلية لا تخفى إلا على الأعمى، ولا ينكرها إلا جاهل مغمور في جهله أو مكابر مجادل في القطعيات ومنكر للضروريات، وعليه فإن المسلمين مطالبون بتقديم أقصى ما في وسعهم وطاقتهم من الجهد لإزالة تلك الأضرار التي تستفحل وتتفاقم وتتضاعف يومًا بعد يوم، وبه يتبيَّن أن أصل الموجب - من غير نظر إلى تفصيل- الذي جوز بسببه الفقهاء ضرب الترس يُعتبر قائمًا ملموسًا، فيبقى مع ذلك انضمام الضوابط والقيود التي نصوا عليها حتى تكتمل الصورة ويكون الموجب مؤثرًا تأثيرًا مباشرًا في إيجاد الحكم وهو ما يأتي في النقطة اللاحقة.

ص 1592

النقطة الثالثة: ينبغي على المجاهدين النظر في كل عملية عسكرية سيقومون بها، والتي يمكن أن تطال بعض المسلمين؛ نظرًا مستقلًا بها ومتوجهًا إليها، وأن يدرسوها دراسة خاصة بها، تحيطها من جميع جوانبها إحاطة كاملة شاملة، بحيث تشمل عدة أمور:

- منها: أهمية ووزن الهدف المقصود عسكريًا وسياسيًا ونفسيًا واقتصاديًا.

- ومنها: اختيار المكان والزمان المناسبين لتلك العملية بقدر الإمكان، والاجتهاد التام في ذلك، بحيث يتحرى فيه البعد عن أماكن ومرور وحركة العامة من الناس، ويُتجنب أوقات تنقلاتهم وازدحامهم.

- ومنها: الاقتصار على كمية السلاح أو العبوات التي تؤدي الغرض، وتنعدم معها أو تتقلل الإصابات في صفوف المسلمين وهو أمر في غاية الدقة والأهمية.

فمثلًا: أنت فقط تريد أن تفجر لغمًا على سيارة للشرطة، وما عندك لها إلا هذا المكان في السوق، فلا تأتِ وتوقف سيارة مفخخة بالكامل! فيكفي للهدف أن تضع لغمًا فقط، فبدل أن يُقتل عشرة من المسلمين، أنت تحاول أن تقلل لهذا الهدف مع وضع الأمر الأول الذي ذكرته في الاعتبار وهو وزن الهدف؛ فتضع كمية تؤدي الغرض، وتقلل الأضرار في حق المسلمين.

- ومنها: الموازنة الدقيقة الواقعية بين الضرر الخاص المتعلق بذلك الهدف، والذي سيُكف الضرر بقتله، وبين الضرر الذي سيقع على المسلمين الذين قد تشملهم العملية تبعًا، سواء من جهة عدد القتلى؛ فالضرر قد يكون من جهة عدد القتلى في صفوفهم، أو من جهة بقاء تأييدهم وتفهمهم لظرف العملية وأهمية المستهدف فيها، ونحو ذلك؛ فلا بد أن يُنظر أيضًا في هذا الجانب.

- ومنها: أن يكون الوصول لذلك الهدف بغير هذه الطريقة مُتعذرًا تعذرًا كاملًا أو مُتعسرًا؛ بحيث يستحيل معه التوصل إليه إلا عبر الوسيلة التي قد تؤدي إلى مقتل بعض المسلمين؛ يعني ممكن أن تقتل هذا الهدف بكمين.

ص 1593

- ومنها: منع القصد القلبي لقتل المسلمين، بحيث تتوجه النية والمطلب فقط إلى قتل من يُراد قتله من الكفار، ويعزم بقلبه على عدم قصد قتل أحد من المسلمين في تلك العملية بعينها؛ لأنه إن تعذر ذلك بالفعل والعمل فهو ممكنٌ بالقلب والنية، وجِماع هذه الأمور كلها في قول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16].

وبهذا يظهر أنه لا بد من التحري والحيطة في كل عملية على حِدَتِها، واعتبار هذه الأمور وغيرها مما يضيّق من دائرة إصابة المسلمين وهو أمر مقصود ومطلوب شرعًا، ولا يكفي أو يغني إدراج تلك العملية ضمن دفع الضرر العام الواقع من جراء الاحتلال، ومن ثم إقحامها في حكم التترس بغير ضرورة خاصة جزئية متعلقة بها.

يعني لا نقول: الآن أرض المسلمين محتلة وهكذا؛ فنصبح نفجر في كل مكان من أجل دفع الضرر! لا، ننظر إلى كل عملية بعينها بهذه الشروط؛ أي الضرر يُدفع مع تقليلها أو انعدام هذه الأضرار التي يمكن أن تقع على المسلمين،

فما من موطن أمكن فيه صيانة دم المسلم وتأتَّى فيه حفظه بطريقة أو بأخرى مع قيام الجهاد واستمراره على الوجه المطلوب المؤدي للغرض إلا كان سفكه محرمًا.

ومن هنا فإنني أعيد وأذكِّر بما ذكرته آنفًا من أن مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء: إنما هي حالة استثنائية عارضة خارجة عن الأصل؛ ولذا فإن لها ظروفها وأحوالها وأحكامها الخاصة بها، وما ندَّ عن الأصل يُقتصر فيه على حدوده وضوابطه من غير توسّع ولا استرسال؛ حتى لا ينقلب أصلًا، ومتى انقضت صورة الشذوذ وأمكن الرجوع إلى الأصل والاستمساك به؛ وجب ذلك، وهي داخلة في عموم القاعدة الفقهية المعروفة: «الضرورة تقدر بقدرها».

فمتى التُزم بهذه الضوابط وما شاكلها من كل ما يحفظ دماء المسلمين، ويقلل من إصاباتهم واستُفرغ الوسع فيها؛ فنرجو ألا يكون هناك بأس بالقيام بعمليات عسكرية، ولو قُتل فيها بعض المسلمين تبعًا لا قصدًا، كما نرجو أن يكون هؤلاء المسلمون المقتولون شهداء عند الله؛ لأنهم إنما قُتلوا لأجل الجهاد ودفع الضرر العام عن الأمة.

ص 1594

كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتَلوا؛ فإنهم يقاتَلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يُخَف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء.. وهؤلاء المسلمون إذا قُتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل مَن يُقتل شهيدًا؛ فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قُتل من المسلمين يكون شهيدًا، ومن قُتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام؛ كان شهيدًا»٢٬٥٤٥[مجموع الفتاوى: (28/546-547)].، هذا كلام شيخ الإسلام وهو مكرر في عدة مواطن.

وكنت قد أرسلت سؤالًا إلى العلامة عبد الله بن قعود رحمه الله قبل تسع سنوات، حول بعض الصور المعاصرة، وعما إذا كانت داخلة في صور التترس التي يذكرها الفقهاء أم لا، فأرى أن أنقل السؤال وجوابه لتكميل الفائدة.

السؤال: إذا أنشأ العدو معسكراته بين مساكن الناس، واضطر المجاهدون إلى تفجيرها بحيث يؤدي قطعًا أو بغلبة الظن إلى إصابة وقتل بعض المقيمين حول تلك المعسكرات؛ فهل هي من صور التترس التي ذكرها الفقهاء، علـمًا أن تلك المعسكرات تكون غالبًا بين الأحياء السكنية؛ لتفادي ضربات المجاهدين؟

فأجاب الشيخ بن قعود بقوله: الذي أراه -والله تعالى أعلم- أنها صورة من صور التترس، حتى لو لم يجبرهم على البقاء حوله؛ يعني حتى ولو لم يجبر العدو الناس على البقاء، وقد تكون المصلحة في ترك هذا؛ حتى لا يؤدي الضرر بالمسلمين، أو هناك طريقة حتى يخرج الأعداء من مكانهم، لكن يجوز أن يقصد بالقتل العدو فقط ويحتاط في عدم إصابة مسلم، والله أعلم.

وقد نُشرت هذه الفتوى من قَبلُ في مجلة «الفجر» وعلى موقع «الجماعة الإسلامية المقاتلة»، وحينها كان الشيخ رحمه الله قد طلب عدم نشر اسمه؛ حفاظًا على نفسه من جلادي آل سعود.

ص 1595

والفقهاء في مسألة التترس لم يذكروا التترس بأسرى المسلمين فقط، بل ذكروا حتى لو كان الحصن الذي يرمى بما يعم به القتل يكون فيه أسرى للمسلمين أو تجارٌ للمسلمين؛ فالأسير يكون مجبورًا وملزمًا بالبقاء بينهم، وقد لا يريدون به اتقاء الرمي؛ يعني موضوع في السجن فقط، وقد يكون في داخل هذه القرية أو في داخل هذا الحصن تجار للمسلمين يبيعون ويشترون وأنت تقصف؛ فقد يؤدي ذلك إلى قتل بعض التجار، فهذا ذكره العلماء في هذه المسألة، وممكن تراجعوا هذا البحث كله فقد نقل فيه هذا الكلام، والحمد لله رب العالمين.

قال المصنف: «أحكام التترس: فإن تترسوا بهم جاز رميهم ويقصد المقاتلة، ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم فشتمت المسلمين أو تكشفت لهم جاز رميها والنظر إلى فرجها للحاجة إلى رميها، وكذلك يجوز لهم رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم الماء، وإن تترسوا بمسلمين لم يجز رميهم..»..

إذن كلامه الأول إذا تترسوا بمن لا يجوز قتله منهم، والآن سيتكلم على تترسهم بالمسلمين.

قال: «وإن تترسوا بمسلمين لم يجز رميهم فإن رماهم فأصاب مسلـمًا فعليه ضمانه إلا أن يُخاف علينا فيرميهم ويقصد الكفار».

قوله «إلا أن يُخاف علينا»؛ هذه هي الصورة التي نقل فيها شيخ الإسلام الاتفاق؛ أي إلا أن يُخاف إن تركنا رميهم أن يستأصلنا العدو وأن يتغلب علينا، ففي هذه الحالة جاز رميهم ولو أدى إلى قتل المسلمين، فيرميهم ويقصد الكفار، يقصدهم برميه، ويقصدهم بقلبه؛ يعني يتحرى ألا يقصد المسلمين بقلبه.

أحكام الأسرى

قال: «ومن أسر أسيرًا لم يجز قتله حتى يأتي به الإمام إلا أن يمتنع من المسير معه، ولا يمكنه إكراهه بضرب أو غيره أو يهرب منه أو يخاف هربه..»..

ص 1596

بعض الناس يظن أن الأسير هو فقط الكافر الذي يقع في أيدي المسلمين أثناء الحرب والمقاتلة، وليس هذا هو تعريف الأسير، وإنما: كل كافر وقع في أيدي المسلمين ممن ليس له واحد من العقود التي ذكرناها؛ لا عقد ذمة، أو عقد أمان، أو عقد مصالحة، فيُعد أسيرًا تجري عليه أحكام الأسير.

إذن لا يُختص الأسر في حق الكافر الذي يؤخذ في ساحة المعركة، وإن كان الفقهاء يذكرون هذا؛ لأن هذه هي الحالة التي يكثر عن طريقها الأسر، وإلا فيذكرون في بعض الصور التي لا تدخل في هذا، كأن يقولوا: وإذا جاء بعض الكفار فألقت الريح سفينتهم عند شواطئ المسلمين فمسكهم بعض المسلمين؛ صاروا أسرى، حتى لو كانوا ماشين في البحر، والشراع أخذهم حتى أوصلهم عند المسلمين وجدوهم عند الشاطئ مسكوهم وصاروا أسرى، هؤلاء تجري عليهم أحكام الأسرى التي سنذكرها إن شاء الله؛ إذن الأسر ليس خاصًا لما هو موافق لاتفاقيات جنيف.

فقال هنا: «ومن أسر أسيرًا لم يجز قتله حتى يأتي به إلى الإمام»؛ يعني إذا كان المسلم القاتل أسر أسيرًا وتمكن منه؛ أي صار في قبضته وفي تمكنه يتصرف فيه كيفما شاء، فهذا لا يجوز له أن يقتله إلا أن يأتيَ به الإمام؛ يعني إلا أن يوصله إلى الإمام، فالإمام بعد ذلك ينظر في حاله بحسب الأحكام التي سنذكرها بعد قليل إن شاء الله.

ولكن ذكر بعض الاستثناءات، وبعض الحالات التي يجوز فيها للمسلم الآسر أن يقتل أسيره فقال: «إلا أن يمتنع من المسير معه»؛ أي أنت تريد أن تجره وهو يتعنت ولا يريد أن يمشي، فهذا: واحدةٌ في رأسه وتتركه.

«ولا يمكنه إكراهه بضرب أو غيره»؛ أي بالضرب وبالدفع؛ يعني تكلم شخص تقول: تعال خذه معي، ما تستطيع تفعل هذا، إما أن الموطن لا يسمح، أو أنك ليس عندك القدرة على هذا، ففي هذه الحالة تقتله وتمشي.

«أو يهرب منه»؛ أي أن الأسير يفلت من صاحبه ويهرب ففي هذه الحالة هرِّب وراءه طلقة.

«أو يخاف هربه»، في الحالة الأولى هرَب، وهنا يخاف هربه؛ أي يعرف أنه ليس عنده القدرة على مسكه وهذا يمكن أن يفلت منه، يعني غلب على ظنه أنه يستطيع أن يفلت منه؛ ففي هذه الحالة كأنك لم تتمكن منه، أي كأنه ما زال في حالة الممانعة؛ فيجوز قتله.

ص 1597

«أو يخاف منه»؛ يعني هو -ما شاء الله- واحد مفتول قوي وأنت ضعيف؛ ففي هذه الحالة اقتله.

«أو يقاتله»؛ يعني هو بدأ يقاتلك سواء بالمصارعة أو بغيرها، طبعًا ما فيه مقاتلة بغيرها؛ إما أن تقتله وإما أن يقتلك؛ ففي هذه الحالة يجوز لك أن تقتله.

«أو كان مريضًا»؛ يعني عندما أسرْته كان مريضًا لا يستطيع أن يمشي فتحتاج أن تجره! فاقتله.

«أو مرض معه»؛ يعني أَسَرته وهو صحيح ولكن في وسط الطريق مرض ولم تستطع أن تأخذه معك ففي هذه الحالة تقتله.

«ويحرم عليه قتل أسيرِ غيره»، طبعًا من باب أولى؛ فإذا لم يجز له أن يقتل أسير نفسه فمن باب أولى ألا يقتل أسير غيره قبل أن يأتي الإمام؛ أي قبل أن يأتي بهذا الأسير إلى الإمام؛ ليرى فيه رأيه لأنه افتيات على الإمام.

«إلا أن يصير الأسير الذي عند غيره في حالة يجوز فيها قتلُه لمن أسره»؛ أي إلا إذا صار واحدًا ممن ذكرنا أنه يجوز قتله، ولا يمكنه إكراهه بضرب وغير ذلك.

قال: «فإن قتل أسيره أو أسير غيره قبل ذلك» يعني قبل أن يصل بهذا الأسير إلى الإمام «وكان المقتول رجلًا» يعني ليست امرأة حرم قتلها «فقد أساء» لافتياته على الإمام؛ لأن هذا من تصرفاته، ومرجع الأمر فيها إليه «ولا شيء عليه» يعني ليس عليه ضمان «وإنما أساء» يعني أذنب فعليه أن يستغفر.

وليس عليه شيء؛ لأن عبد الرحمن بن عوف أسر أمية بن خلف وابنه عليًا يوم بدر؛ فرآهما بلال فاستصرخ الأنصار عليهما، حتى قتلوهما ولم يغرَّموا شيئًا، ولأنه أتلف ما ليس بمال، وما عنده قيمة أصلًا هذا الذي قتله.

أحد الحضور: يا شيخ؛ لكن لماذا قال: أساء؟

ص 1598

الشيخ: لأن التصرف في الأسرى في الأصل يكون إلى الإمام كما سيأتينا أن هناك عدة أحكام تتعلق بالأسير؛ فقد تقتله أنت بغير حاجة والمصلحة في ذلك؛ فأنت قد تقتله والمصلحة في أن يفادي به الإمام أسرى المسلمين، فلذلك يرجع للإمام، ولكن بالشروط التي ذكرناها.

أحد الحضور: في حالة عدم وجود الإمام، أي أمير هنا؟

الشيخ: المقصود به أمير المعركة، لكن نحن أين الآن؟ ما سمعت أن شخصًا أسر أمريكيًا وصار في قبضته!

أحد الحضور: الصيف هذا إن شاء الله.

قال: «وإن كان صغيرًا»؛ يعني وإن كان الأسير صغيرًا، قال: «أو امرأة ولو راهبة عاقبهُ..».؛ أي القاتل، يعني الأمير يعاقب القاتل.

قال: «عاقبه الأمير لافتياته وغرمه قيمة غنيمة؛ لأنه صار رقيقًا بنفس السبي»؛ يعني يضمنه قيمة المرأة أو الصبي الذي قتله؛ يعني وإذا كان الأسير الذي وقع في يده امرأة أو كان صبيًا ففي هذه الحالة إذا قتله هنا افتأت على الإمام، وفي نفس الوقت ضيَّع مالًا؛ لأن المرأة مال، وقد صارت مالًا بنفس السبي؛ أي بمجرد أنها وقعت في أيديهم وصارت تحت قبضتهم صارت من أموال المسلمين؛ يعني صارت غنيمة؛ ولذلك تقوَّم هذه المرأة، كم قيمتها؟ لو كانت أمة بكم تباع؟ ما هي قيمتها؟ ثم هذا الإنسان الذي قتلها يدفع من جيبه مالًا ويضعه في الغنيمة فيقسم بين الغانمين؛ لأنه ضيع شيئًا من حقوقهم، بخلاف الحر المقاتل لأنه ليس بمال.

قال: «ومن أُسر فادَّعى أنه كان مسلـمًا لم يقبل قوله إلا ببينة فإن شهد له واحد وحلف معه خُلي سبيله»، ولا تنسوا هنا أننا نتكلم عن قتال الكفار الأصليين من يهود أو نصارى أو مجوس أو مشركين؛ ففي هذه الحالة إذا أُسر واحد من هؤلاء الكفار فبَعد أن وقع في الأسر ووصل به إلى الإمام قال: إني كنت مسلـمًا؛ يعني ادعى أنه كان مسلـمًا، وما قال: أسلمت الآن، ادعى أنه كان مسلـمًا، يزعم أنه دخل في الإسلام من قبل، فقال هنا: «لا يقبل قوله»؛ أي فيما ادعاه من الإسلام إلا بشاهد من المسلمين؛ فيشهد له رجل أنه كان مسلـمًا، ويضيف إلى شهادة المسلم أن يحلف هذا الأسير؛ فيجمع بين حَلِف الأسير وبين شهادة المسلم، وأما إذا لم يُوجد شاهد له لم يقبل قوله، فيُجرى عليه أحكام الأسرى التي سنذكرها إن شاء الله تعالى.

ص 1599

ولكن هنا لا يفصلون، بل يقولون: لا يقبل قوله، ولكن هل يجوز قتله في مثل هذه الحالة؟ الظاهر حسب كلامهم أنه يجوز؛ لأن هذا معنى أن قوله لا يُقبل، أي يكون إذا فادى الإمام جعله ممن يفادي به، سواء فادى بأسرى للمسلمين عند الكفار أو فادى بمال؛ وذلك لأن العباس عم النبي ﷺ يوم بدر قال: «إني كنت مسلـمًا»٢٬٥٤٦[رواه الحاكم: (٥٤٠٩)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»].، فادعى أنه كان مسلـمًا، فالنبي ﷺ لم يقبل قوله وعامله تمامًا كما عامل باقي الأسرى الكفار فأخذ منه الفداء ولأخيه أيضًا.

والحنابلة استدلوا على أن قول من ادعى الإسلام لا يقبل إلا ببيِّنة وهي شهادة مسلم بأن النبي ﷺ قال يوم بدر في حق الأسرى: (لا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق)؛ يعني هؤلاء الأسرى لن يطلق سراح واحد منهم إلا بأن يَدفع فداءً عن نفسه أو أن تضرب عنقه، فقال عبد الله بن مسعود: «إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر إسلامًا»؛ يعني سمعته في مكة يذكر أنه دخل في الإسلام، فقال النبي ﷺ: (إلا سهيل بن بيضاء)، ثم أطلق سراحه، فهؤلاء العلماء عدوا قول عبد الله بن مسعود: «إلا سهيل بن بيضاء»٢٬٥٤٧[رواه أحمد: (٣٦٣٢)، والترمذي: (٣٠٨٤)، وضعفه الألباني].، شهادة له بأنه كان مسلـمًا، ولكن الإشكال أين الحلف الذي اشترطوه؟ وهذا أيضًا استشكال ذكره الشارح هنا ولم يجب عليه.

أحد الحضور: يا شيخ، إذا تم أسر أحد الأمريكان وقال: أنه كان مسلـمًا؟

الشيخ: نحن لمن نقرأ هذه الأحكام؟!

السائل: أنت قلت تريد بينة، إذا أخرج هويته وقال: إن اسمه محمد؟

الشيخ: الهوية لا تكفي، نحن قلنا إنَّ البيِّنة هي الشهادة؛ أن يشهد له مسلم أنه كان مسلـمًا.

أحد الحضور: طيب كيف مسلم هذا، قد قاتل، حتى لو كان مسلم يعتبر مرتد، ليس بمسلم، وهذا الجيش الأفغاني كلهم يقولون من المسلمين؟!

ص 1600

الشيخ: انتبهوا معي، أنا نبهت أولًا وقلت: هذه الأحكام متعلقة بالكفار الأصليين، وأنا أعرف أن أذهانكم ستذهب هناك، فقلت: هذه الأحكام متعلقة بالكفار الأصليين، ولكن من أُسر من الأمريكان وادعى الإسلام، فالذي أراه أن يُنظر في حاله، إذا ثبت عندك بالبيّنة أنه كان مُلبسًا عليه لا يعرف الحقيقة، جاء قال لك: أنا الآن معك، وارتحت من هؤلاء، فهذا ظهر منه الإسلام، الذي أراه أن يقبل قوله في مثل هذه الحالة، يقبل قوله، لكن هل على سبيل الوجوب؟ الله تعالى أعلم، لكن يقبل قوله، أصلًا إذا قبلنا قول الكافر الأصلي فمن باب أولى أن نقبل قول من ظهرت قوة الشبهة في حقه؛ يعني أنا لو أسرت محمد الذي كان معنا في «باجرام»؛ الله أعلم هل أقتله أو لا!

أحد الحضور: يا شيخ، تعذره بالجهل؟

الشيخ: انظر الشبهة التي عنده ما هي، وتُبحث هذه الشبهة في حاله.

وليس هذا ببعيد، فالإكراه في الجيش قد ثبت بحديث النبي ﷺ؛ فلا تعدون أن هذا شيئًا افتراضيًا بعيدًا؛ فالنبي ﷺ عندما تكلم على الجيش الذي يغزو الكعبة قال: (فإن فيهم المستبصر والمجبور)٢٬٥٤٨[رواه مسلم: (٢٨٨٤)]. هذا حديث في صحيح مسلم، (المستبصر)؛ أي الذي خرج يقاتل وهو يعرف لماذا يقاتل، و(والمجبور)؛ أي المكره، أُخرج كرهًا، وكلهم عوقبوا بعقاب واحد، خُسف بأولهم وآخرهم؛ ولذلك عائشة رضي الله عنها قالت: «هذا المستبصر»؛ يعني استحق العقوبة؛ لأنه يقاتل عن علم وقناعة، «فما بال المجبور؟»، وفي رواية أخرى: «وهم فيهم من ليس منهم»، قال النبي ﷺ: (يهلكون مهلكًا واحدًا ثم يبعثون يوم القيامة على نياتهم)٢٬٥٤٩[نفس رقم الحديث السابق].؛ فهذا يدل على أنهم كانوا مسلمين في الحقيقة، وإلا لم ينفعهم دعوى الإجبار.

ص 1601

لكن هذا الحديث الذي ذكرناه نحن أيضًا استدل به شيخ الإسلام على أن من وقف في صف الكفار من المسلمين يُقاتَل ولو ادعى إكراهًا، لماذا؟ وهذا من دقائق استنباطات شيخ الإسلام رحمه الله، قال: «إذا كان الله ﷻ وهو الذي يعرف المجبور والمستبصر عاقبهم عقوبة واحدة؛ خسف بهم جميعًا، فكيف نُكلَّف نحن؟ ونحن لا نستطيع أن نميز بين المكره وبين المستبصر، فكيف نطالَب بأن نميز بينهم؛ فلذلك نقاتلهم جميعًا وإن كان فيهم مكره على الحقيقة فإنه يبعث يوم القيامة على نيته»٢٬٥٥٠[ذكره الشيخ بالمعنى، وهو في مجموع الفتاوى: (28/547)].، ولكن هذا في حال المقاتَلة، وأما هنا فنحن نتكلم في حال الأسر؛ يعني عندما وصل في يدك، فهذا هو الذي ذكره الفقهاء أن يطالَب بالبيّنة ويحلف مع ذلك، ونحن إذا لم نجد قولًا يخالفه فلا بأس أن نأخذ بقول أصحاب المذهب، هذا خير من أن نقول بآرائنا.

فقال هنا: «تطالبه بالبينة»، والجندي الأمريكي من أين يأتي لك بواحد يشهد لك أنه كان مسلـمًا؟ وتحلِّفه، طبعًا يحلف لك الأيمان المغلظة هو أنه كان مسلـمًا، ثم بعد ذلك إذا لم يثبت عليه قال: «لا يُقبل قوله»؛ فمعنى هذا أنه يعامل كغيره من الأسرى، إلا إذا تبيّنتَ واستفصلت من حاله وظهر لك أنه كان مُعذورًا شرعًا؛ فهنا الذي يظهر أنه يُعفى عنه، والله تعالى أعلم.

أحد الحضور: مثل ماذا يا شيخ عذر شرعي عند الأمريكان؟

الشيخ: مكره، متى وجدته مكرهًا، أنا أضرب لك الحكم الشرعي العام، أنت المهم أمسكت بأسير وجلست معه ثم بعد ذلك تناقشت معه وتكلمت معه وجدت الرجل هو في وادٍ غارق، مُلبس عليه، أو كان مُكرهًا، أو كان غير ذلك، فبعد ذلك تقول: هذا أعفو عنه، والله تعالى أعلم.

أحد الحضور: أنا رأيت يا شيخ المسؤول الإسلامي في الجيش الأمريكي يقول: أنا كنت أبحث عن بيِّنة كيف أقاتل مع الأمريكان، أريد دليلًا كيف أقاتل صدامًا، فلما قرأت في السيرة فوجدت أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قاتل المرتدين فاطمأن قلبي أن أقاتلهم!

أحد الحضور: القرضاوي أفتى لهم: تكونون في الصفوف الخلفية تعالجون الجرحى.

أحد الحضور: يا شيخ إذا عفيتُ عن أسير، هل القائد يلزمه...

الشيخ: نعم، ليس لك أن تقتله ولا أن تعفو عنه حتى تصل به إلى الأمير؛ لأن الأمير ليس مُلزمًا بقتله، العفو أيضًا هذا من خصائص الأمير، ويأتينا إن شاء الله الآن نتكلم عن أحكام الأسرى.

أحد الحضور: إلا إذا فعل بعض الأمور هذه...

ص 1602

الشيخ: طبعًا إذا هرب وتركته... وسيذكر لك أن بعض الحالات القتل أولى، إذا اشتبه عليك الأمر هل الأولى إطلاق سراحه...

أحد الحضور: على حسب نفسك.

الشيخ: ليس على حسب نفسك، على حسب حال الأسير.

أحد الحضور: يعني إذا حسيت أنه يهرب.

الشيخ: قلنا: أو تخاف هربه، هذه ذكرها.

قال: «قال جماعة: ويقتل المسلم أباه وابنه ونحوهما من ذوي قرابته في المعترك»، إذا كان في أثناء المعركة يجوز للمسلم أن يقتل أباه المشرك الكافر الذي هو في صف الكفار، ويجوز له أن يقتل ابنه، أما قتل المسلم لأبيه؛ فكما حصل من أبي عبيدة رضي الله عنه عندما قتل أباه يوم بدر٢٬٥٥١[المعجم الكبير للطبراني (360)، معرفة الصحابي لأبي نعيم (558)، بإسناد جيد مرسل عن عبد الله بن شوذب].، فأنزل الله ﷻ: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ [المجادلة: 22]، وأما قتل المسلم لابنه فكما أن أبا بكر قال لابنه: «كنت أتقيك»، قال له: «لو رأيتك لقتلتك»٢٬٥٥٢[لم أجده إلا في: منهاج السنة لابن تيمية: (8/540)، ولا أدري هل هو في المصادر المسندة أم لا. والله أعلم]..

وبعض العلماء ذهب إلى كراهة أن يقتل المسلم أباه في المعترك، يُكره هذا، ولكن لا يحرم؛ لأن الله ﷻ قال: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ﴾ [لقمان: 15]، نسأل الله العافية.

قال: «ويخير الأمير تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة في الأسرى الأحرار المقاتلين والجاسوس».

الآن هنا سيذكر لنا أحكام الأسير، وعندما تكلمنا على أقسام الغنيمة، قلنا: منها المنقولات، والعقارات، والثالثة هي: الأسرى؛ فإذن الأسرى من أقسام الغنائم، ولهم أحكامٌ تخصهم.

فالإمام إذا وقع في يديه أسرى للكفار؛ فهو مخير بين عدة أمور، ونتكلم هنا على الأسير من الكفار الأصليين.

ص 1603

1- الخيار الأول: المنُّ؛ أي أن يطلق الإمام سراح الأسير من غير أي مقابل، هذا الذي نسميه نحن الآن: إطلاق سراح، والدليل على ذلك كتاب الله وسنة النبي ﷺ.

أما كتاب الله ﷻ فقد قال الله ﷻ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ﴾ [محمد: 4]، أي فإما أن تمنوا عليهم منًا بعد أسرهم.

ولأن النبي ﷺ قد أطلق سراح ثمامة بن أثال رضي الله عنه -تعرفون قصته الطويلة-٢٬٥٥٣[رواها البخاري: (٤٣٧٢)، ومسلم: (١٧٦٤)].، هو من سادة بني حنيفة قوم مسيلمة الكذاب عندما أخذه الصحابة وهو في طريقه إلى مكة ليعتمر وجيء به إلى المدينة، ثم رُبط في سارية من سواري المسجد، فعندما خرج عليه النبي ﷺ قال له: (ما معك يا ثمامة؟)، فقال: «يا محمد، إن تَقتُل؛ تَقتُل ذا دم -يعني إذا قتلتني قتلتَ صاحب دم ثقيل- وإن كنت تريد المال فسل تعطَ منه ما شئت، وإن تعفُ؛ تعفُ على شاكر»؛ فتركه النبي ﷺ وخرج، فمر عليه في اليوم الثاني فقال: (ما معك يا ثمامة؟) فقال: «معي ما قلت لك: إن تقتل؛ تقتل ذا دم، وإن تعفُ؛ تعفُ على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت» ثم تركه النبي ﷺ ومضى، في اليوم الثالث نفس الشيء، ثم قال النبي ﷺ: (أطلقوا ثمامة)، أي فكوا أسره؛ فخرج ثمامة إلى ضواحي المدينة فاغتسل ورجع، ثم أعلن إسلامه، وأبى أن يسلم وهو مقيد حتى لا يُظَن أنه أسلم خوفًا من الأسر، وإنما أراد أن يسلم بكامل اختياره وقناعته، ثم قال للنبي ﷺ: «يا رسول الله، إن أصحابك قد أخذوني وكنت أريد العمرة». فقال له: (أتم عمرتك)، فذهب إلى مكة، ذهب إلى كفار قريش، وكانت الميرة تأتي إلى قريش من بني حنيفة؛ يعني الطعام والأكل والحب وغير ذلك، قالوا له: صبأت، فقال لهم: «بل أسلمت، ووالله لن تصلكم حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ»، حصار اقتصادي، فبعد ذلك قطع عليهم القمح حتى اشتد بهم الأمر فأرسلوا إلى النبي ﷺ يناشدونه الله والرحم أن يأذن لهم بأن تأتي الحنطة من طرفه فأذن النبي ﷺ.

فالمنّ قد يكون فيه خير كبير، هذا هو الخيار الأول.

ص 1604

2- الخيار الثاني: المفاداة بالأسرى؛ أن يُفادي الإمام أسرى المسلمين بمن معه من أسرى الكفار، وهو الذي نسميه الآن تبادل الأسرى، وهذا ثبت أيضًا بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ.

قال ﷻ: ﴿فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: 4] يدخل فيه المفاداة بالأسرى، ويدخل فيه المفاداة بالمال.

والنبي ﷺ عندما كان هناك حلف بين ثقيف وبني عقيل فأسرَت ثقيف رجلين من أصحاب النبي ﷺ، فترصد الصحابة في الطريق فأسروا رجلًا من بني عقيل وجيء به إلى المدينة ورُبط في سارية المسجد، فقال: «يا محمد بمَ أخذتني وأخذت سابقة الحاج؟»؛ يعني الناقة التي معه، قال: (أخذتك بجريرة حلفائك من ثقيف)؛ لأنهم أخذوا رجلين من المسلمين، ثم تركه النبي ﷺ وذهب، فناداه: «يا محمد»، قال له: (ما لك؟)، قال: «إني جائع فأطعمني وإني عطشان فاسقني»، قال: (ألهذا دعوتني؟)، ثم تركه وذهب، فناداه: «يا محمد»، وكان النبي ﷺ رجلًا رحيمًا -هكذا جاء في الحديث- فرقَّ له فرجع له مرة أخرى، قال: (ما لك؟)، فقال: «إني مسلم»، قال له: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح)، ففادى به النبي ﷺ الرجلين من ثقيف.

قال العلماء: النبي ﷺ قال له: لو قلتها وأنت تملك أمرك قبل أن تقع في الأسر؛ أفلحت كل الفلاح، أي لما كنت أولًا مقيدًا ولما فادينا بك؛ لأنك كواحد من المسلمين، أما الآن فقد أفلحت بعض الفلاح حيث عصمت دمك عندما قلت: إني مسلم٢٬٥٥٤[صحيح مسلم: (١٦٤١)]..

3- الأمر الثالث: المفاداة بالمال، وهذا أيضًا ثبت بالكتاب والسنة.

أما الكتاب فقول الله ﷻ: ﴿فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: 4]، وكذلك قول الله ﷻ بعد أن أخذ المسلمون المفاداة في أسرى بدر قال الله ﷻ: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ﴾ [الأنفال: 69]، والنبي ﷺ كان قد فادى أسارى بدر بالمال، أخذ مالًا مقابل إطلاق سراحهم، فهذا جائزٌ أيضًا.

ص 1605

4- الأمر الرابع: القتل، فإذا رأى الإمام أن يقتل هؤلاء الأسرى أو أن يقتل بعضهم؛ فيجوز له ذلك، كما قال الله ﷻ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ﴾ [محمد: 4]، ودلَّ عليه عموم قول الله ﷻ: ﴿فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ﴾ [التوبة: 5]، ﴿وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ﴾ [التوبة: 36]، وهذه عمومات تدل عليه، ودماء أهل الشرك والكفر على أصل الإباحة.

وثبت قتل الأسرى على وجه الخصوص؛ فالنبي ﷺ في طريقه إلى المدينة بعد غزوة بدر قتل النضر بن الحارث وقتل عقبة بن أبي معيط٢٬٥٥٥[رواه أبو داود في المراسيل: (٣٣٧)، وغيره].، وقتل يوم قريظة بين الست مئة إلى السبع مئة من أسراهم٢٬٥٥٦[الطبقات الكبرى لابن سعد: (2/71)].؛ يعني من رجالهم، فهذا يجوز؛ ولذلك يجوز قتل الأسرى.

وبعض المعاصرين الذين أصابتهم لوثة الانهزام وحاولوا أن يوفقوا بين أحكام الشرع التي اعتقدوها، وبين الاتفاقيات المعاصرة التي تتكلم على حقوق الأسرى وغير ذلك، قالوا: إن القتل لا يجوز للأسير إلا فيما يسمى في عُرفنا بجرائم الحرب؛ يعني إلا إذا كان الأسير مجرم حرب بحسب التوصيف المعاصر!

فكيف يردون على قتل ست مئة إلى سبع مئة رجل؟ هل كان هؤلاء كلهم مجرمي حرب؟ فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يكشفون عنهم، يكشفون عن الولدان فإذا أنبَت قدّموه إلى السيف، قتلوه، وقتلوا كذلك عبيدهم وفلاحيهم وقتلوا شيوخهم؛ ولذلك ابن حزم قال: «هذا أكبر دليل على جواز قتل جميع المشركين إلا النساء والصبيان»٢٬٥٥٧[المحلى، لابن حزم (5/351)].، وقال: إن النبي ﷺ يوم قريظة لم يستثنِ لا فلاحًا ولا عسيفًا ولا شيخًا ولا عبدًا، ذكر هؤلاء فقال: «هؤلاء كلهم قتلهم النبي ﷺ»، قال: «وهذا إجماع متيقن به»؛ يعني ما أحد يشك في صحة هذه القصة، وهي قصة سعد بن معاذ الذي حكم بأن تُقتل مقاتِلتهم وأن تسبى نساؤهم وذراريهم؛ إذن على كل حال يجوز قتل الأسير.

ص 1606

5- الأمر الخامس: الاسترقاق، وهذه في عصرنا متعذرة، ومعنى الاسترقاق: أن يَضرِب الإمام عليهم الرق، بأن يجعلهم عبيدًا ثم يدخلهم ضمن الغنيمة، أي يصيروا مالًا من جملة أموال الغنيمة فيقسَّمون بين الغانمين، هذا معنى الاسترقاق.

6- الأمر السادس والأخير: قبول الجزية ممن تُقبل منهم الجزية؛ فلو أن هؤلاء الأسرى قالوا للإمام -بعد أن وقعوا في الأسر وصاروا في قبضته-: نحن مستعدون أن ندفع الجزية وأن نكون مع هؤلاء الذين عندكم من أهل الذمة، فهنا يجوز ولا يجب قَبول قولهم، أما في أثناء المقاتلة فإذا دُعي الكفار إلى أن يسلموا؛ فأبوا، ثم دُعوا إلى أن يعطوا الجزية؛ فقبلوا؛ فهنا يجب على الإمام أن يقبل الجزية منهم. أما هنا فلا يرتفع التخيير بعرضهم للجزية، وإنما هو واحد من الأمور التي يرجع فيها النظر إلى الإمام، فإن رأى الإمام أن يقبل منهم الجزية ويجعلهم من ضمن أهل الذمة؛ فعل، وإلا فهو مخير بين هذه الأمور الستة التي ذكرناها.

فهذه هي الأمور التي يخير فيها الأمير أو الإمام في حق الأسرى.

ولكن هذا التخيير في هذه ليس تخيير تَشَهٍّ وهوى، وإنما هو تخيير نظر واجتهاد، على الإمام أن يتحرى وأن يبحث؛ ليعرف ما هو المصلحة للمسلمين في حق هؤلاء الأسرى، فحيث ظهرت له المصلحة في واحدة من هذه الأمور تعين عليه أن يأخذ بها؛ أي وجب عليه أن يأخذ بها.

إذن هو مخير بين هذه الأمور، مخير في النظر والاجتهاد فيها، وليس مخيرًا في أن يختار منها ما شاء من غير نظر ولا تقييد ولا اجتهاد، وهذه هي قاعدة الشرع في كل ما أُوكل إلى الإمام مما يتعلق بالنظر والتخيير؛ لأنه ناظر للمسلمين، هو موكّل من طرف المسلمين بأن يختار لهم الأصلح، وأن يجتهد لهم في الوصول إلى الأنفع؛ فعلى الإمام أن يجتهد فيبحث: ما هو الأفضل، هل الأوْلى والأنفع للمسلمين وللإسلام أن يمنَّ على هذا الأسير كما حصل في ثمامة؟ أم أن الأولى هو أن يفاديهم بأسرى المسلمين أو بمال أو بقتل أو بغير ذلك؟ فهذا النظر هو نظر تخيير ونظر اجتهاد وبحث وتحري؛ ليعرف ما هو الأجدى والأنفع للمسلمين.

أحد الحضور: يا شيخ، أنت أشرت في النقطة الأولى للمنّ، هل يرجح للمصلحة؟

الشيخ: نعم؛ المنّ وغيره، كل شيء منها يَنظر فيها نظر اجتهاد وتحري.

ص 1607

أحد الحضور: هل النظر للإمام؟ أو أمير الداخل فقط؟

الشيخ: الأمير أو الإمام طبعًا، فإذا وجد الإمام فهو الذي ينظر، وإذا لم يوجد فهو للأمير الذي يكون في نفس المعركة التي حصل فيها القتال؛ فلذلك نجد أنَّ الصحابة ما كانوا يأخذون الأسرى إلى المدينة لينظر فيهم النبي ﷺ كما فعل خالد رضي الله عنه، وإن كان قد أخطأ في قتلهم، ولكن النبي ﷺ ما أنكر عليه أنه قتلهم من غير أن يرجع إليه، ولكن أنكر عليه؛ لأنهم لم يكونوا مستحقين للقتل أصلًا، الذين قالوا: صبأنا، صبأنا، وهذه هي سيرة الصحابة رضي الله عنهم.

أحد الحضور: يا شيخ، هل هذا يشمل الجاسوس؟

الشيخ: هذا يدخل فيه الجاسوس الكافر، ونحن قلنا ابتداءً في تعريف الأسير أنه: هو كل من وقع في أيدي المسلمين ممن ليس بينهم وبينه عهد صلح ولا ذمة ولا أمان.

قال: «ويجب عليه اختيار الأصلح للمسلمين فمتى رأى المصلحة في خصلة لم يجز اختيار غيرها»

آخر شيء قلناه، قلنا: ويخير الأمير تخيير مصلحة واجتهاد في الأصلح لا تخيير شهوة في الأسرى الأحرار المقاتلين والجاسوس، وكذلك مخير في الأحرار المقاتلين وفي الجاسوس؛ لأن الجاسوس أسير، لو قبض على جاسوس كافر... نتكلم عن الجاسوس الكافر كفرًا أصليًا.

الآن بدأ يذكر لك الأمور التي يخير فيها، قال: «يخير بين قتله لعموم قوله تعالى: ﴿فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [التوبة: 5]، ولأن النبي قتل رجال قريظة وهم بين الست مئة والسبع مئة، وقتل يوم بدر عقبة ابن أبي معيط والنضر بن الحارث»٢٬٥٥٨[تقدم ذلك قبل قليل]..

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

ص 1608

أَمُحَمّدٌ يَا خَيْرَ ضَنْءِ كَرِيمَةٍ

فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعَرّقُ

مَا كَانَ ضَرّك لَوْ عفوت وَرُبّمَا

يعفو الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ

وهي قصيدة مؤثرة، حتى يُقال إن النبي ﷺ عندما بلغته قال: (لو بلغتني قبل أن أقتله لعفوت عنه)٢٬٥٥٩[سيرة ابن هشام: (2/285) وفيه القصيدة بتمامها].، يذكرها أهل السير، فقال النبي ﷺ: (لو سمعته ما قتلته).

قال: «واسترقاق»، لقول أبي هريرة -يعني وهو مخير، ما ذكر بنفس الترتيب، ذكر القتل أولًا والاسترقاق ثانيًا- قال لقول أبي هريرة: لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاثٍ سمعتهن من رسول الله ﷺ يقول: (هم أشد أمتي على الدجال)، وجاءت صدقاتهم فقال النبي ﷺ: (هذه صدقات قومنا)، وكانت سبية منهم عند عائشة -هذا هو الحديث ساقه لهذا الأمر-، وهو أنه كانت سبية لهم يعني أمَة من بني تميم عند عائشة يعني يجوز الاسترقاق-، وكانت سبية عند عائشة فقال النبي ﷺ: (أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل)، الحديث في البخاري ومسلم، متفق عليه٢٬٥٦٠[صحيح البخاري: (٢٥٤٣)، وصحيح مسلم: (٢٥٢٥)]..

قال الشارح: «ولأنه يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية، فبالرق أولى؛ لأنه أبلغ في صَغارهم»، فجعل من المرجحات زيادة وقوع الصغار عليهم، فإذا جاز أن تُقبل منهم الجزية ولهم نوع من الحرية ولهم نوع من الحقوق وهو صغار، كما قال ﷻ: ﴿حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، فكذل يجوز استرقاقهم؛ لأنه أشد صغارًا عليهم، يجوز من باب أولى.

ص 1609

قال: «ومنٍّ»: وهو مخير أيضًا في مسألة المن لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ﴾ [محمد: 4]، ولأن النبي ﷺ منَّ على أبي عزة الشاعر يوم بدر، وهذا الشاعر كان يهجو المسلمين فأُسر يوم بدر، ثم بعد ذلك طلب من النبي ﷺ أن يعفو عنه، وشرط عليه ألا يعود لقتاله فقَبل، ثم رجع يوم أُحد فأسر مرة أخرى فطلب من النبي ﷺ أن يمن عليه؛ فقال: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)؛ فأمر بضرب عنقه، والحديث ضعيف٢٬٥٦١[حديث: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) متفق عليه، رواه البخاري: (٦١٣٣)، ومسلم: (٢٩٩٨)، لكن تتمة القصة رواها البيهقي: (١٢٨٣٩)، وضعّف إسنادها]..

ومنَّ على أبي العاص بن الربيع وعلى ثمامة بن أثال٢٬٥٦٢[تقدمت قصة ثمامة، وأما العاص بن الربيع فانظر خبره في: مغازي الواقدي (1/131)، سيرة ابن هشام (1/659)]..

قال: «وفداء بمسلم» أي هو مخير أيضًا بمفاداته بمسلم؛ للآية التي ذكرناها: ﴿فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: 4]، ولِما روى عمران بن حصين أن النبي ﷺ فدى رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل، القصة التي ذكرتها قبل قليل، وهذا في صحيح مسلم، وذكر في الشرح أنه رواه أحمد والترمذي وصححه٢٬٥٦٣[تقدم تخريجه قبل قليل]..

«أو فداء بمال»؛ أي ويجوز له أن يفاديهم بمال، أن يأخذ مالًا مقابل إطلاق سراحهم؛ ولأن النبي ﷺ فادى أهل بدر بالمال.

«فما فعله الأمير من هذه الأربعة تعين»، فإذا اختار الأمير -بعد أن اجتهد وتحرى- واحدة من هذه؛ وجب أن يُعمل به، صار رأي الأمير هو الماضي في هذه المسألة.

قال: «ولم يكن لأحد نقضه، ويجب عليه اختيار الأصلح للمسلمين» الأمير يجب عليه أن يختار الأصلح للمسلمين؛ «لأنه يتصرف لهم على سبيل النظر»، فهو كالوكيل كما أخذنا في السياسة الشرعية «فلم يجز له ما فيه الحظ كوليّ اليتيم؛ لأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى، فإن منهم من له نخوة ونكاية في المسلمين فقتله أصلح، ومنهم الضعيف ذو المال الكثير ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأي في المسلمين يُرجى إسلامه فالمن عليه أوْلى، ومن ينتفع بخدمته ويؤمن شره، فاسترقاقه أصلح».

ص 1610

فأحيانًا يقع في يد المجاهدين بعض الصحفيين أسيرًا، فبعض المجاهدين ما عنده إلا أن يذبح ويقتل! ولكن هذا الصحفي ربما لو أكرمته بعد أسره وأحسنت معاملته وأطلقت سراحه بعد ذلك معزَّزًا؛ لكان جبهةَ دفاع عنك في بلاده، وهذا ينبغي أن يُعتبر.

وأنتم تعرفون قصة المرأة البريطانية التي أُسرت عند الطلبة قبل السقوط، وعندما كانت الأمور في أشد حالاتها، والكفار كانوا يحشدون لدولة طالبان؛ فوقعت امرأة بريطانية أسيرة في يد الطالبان وأخذوها إلى السجن، وبقيت عندهم هناك وحققوا معها، ثم بعد ذلك أطلقوا سراحها، هذا عجيب! طبعًا كما تعرفون الأفغان عندهم من العيب أن يقتلوا امرأة، وإلى الآن في تاريخ الطالبان لم يثبت عليهم أنهم قتلوا امرأة أسيرة، فما مسكوا امرأة كافرة أصلية وقتلوها إلا ممكن فرنسية، الفرنسيين هؤلاء لم يكونوا أسرى إنما هو في أثناء القتال، وأنتم تعرفون قصة الكوريات اللاتي أُسرن في «غزني».

فالشاهد: هذه المرأة البريطانية، ذهبت وأُطلق سراحها فرجعت إلى بريطانيا، فبعد ذلك دخلت في الإسلام، وأصبحت من الداعيات المشهورات، أسلم على يديها الآن مئات إن لم يكن آلاف من المسلمين، حتى قرأت في بعض المقالات أنه كان هناك مؤتمر لرؤساء المنظمات واللجان والمشهورين في مصر، فذهبت هذه المرأة البريطانية التي أسلمت، غيرت اسمها، وكان اسمها «إيفون ردلي»، فذهبت إلى مصر؛ ففي ختام المؤتمر جاء وزير الإعلام المصري يصافح الوفود، فعندما جاء دورها أبت هذه المرأة البريطانية أن تسلم عليه! فقال لها: أنتِ مُتطرفة، فقالت له: بل أنت الذي لا تعرف دينك!

فانظر حال هذه المرأة، ما هي المصلحة التي ستكون من خلال قتلها؟

امرأة قتلتَها ما هي المصلحة التي ستكون من ورائها؟ فأُطلق سراحها وحسن إسلامها، والآن عندها منظمة في بريطانيا معروفة يدخل بسببها الكثير في الإسلام.

أحد الحضور: يا شيخ، لو كان هذا الصحفي عميل للاستخبارات؟

الشيخ: أنا ما قلت: يجب تركه! أنا قلت لك: انظر في حاله، ثم بعد ذلك نحن ذكرنا الجاسوس، عميل استخبارات؛ يعني جاسوس، فالجاسوس حكمه حكم الأسير، فأنت تنظر في حاله وتتحرى ما هو الأصلح والأنفع للمسلمين وللإسلام أيضًا، ثم تطلق سراحه أو تقتله أو غير ذلك.

ص 1611

قال هنا: «فمتى رأى المصلحة في خصلة لم يجز اختيار غيرها»، فإن ظهر لك المصلحة في هذه الخصلة فلا تتركها وتذهب لغيرها؛ لأنك مكلف بأن تنظر للمسلمين ما هو الأنفع لهم، لما سبق.

قال: «ومتى رأى قتله ضرب عنقه بالسيف، لقوله تعالى: ﴿فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ﴾ [محمد: 4]، ولا يجوز التمثيل ولا التعذيب»؛ يعني إذا رأى أن يقتله فعليه أن يقتله قتلةً حسنة، فلا يحرقه بالنار أو نحو ذلك، ولا يجوز له أن يمثل به.

«والتمثيل: هو قطع بعض أعضاء الإنسان، إما أن يكون حيًا أو ميتًا»؛ كأن يقطع يده أو يقطع أنفه أو يقطع أذنه أو نحو ذلك؛ تمثيلًا وتنكيلًا، فهذا لا يجوز، ولا يجوز تعذيبه لمجرد التعذيب، وقد ذكرنا أنه إن أبى أن يمشي معه؛ أن يضربه، وهنا ليس المقصود هو نفس الضرب، ولكن ليُتوصل به إلى قيادة هذا الأسير حتى يصل إلى الأمير.

كذلك إذا كان هذا كاتمًا لمعلومات تريد أن تستخرجها منه، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يضربون الرجلين اللذَيْن أُخذا يوم بدر، حين كان النبي ﷺ يصلي؛ فكان الصحابة رضي الله عنهم لا يريدون القتال مع قريش، بل يريدون عِير أبي سفيان، فكانوا يريدون من هذين الاثنين أن يقولا: نحن من القافلة لسنا من الجيش، فيضربونهما فإذا ضربوهما قالوا: نعم، نحن مع أبي سفيان، فإذا تركوهما قالوا: نحن من الجيش، والنبي ﷺ يصلي، فعندما سلَّم قال: (إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، والذين نفسي بيده...)٢٬٥٦٤[سيرة ابن هشام: (2/189)، وتاريخ الطبري: (2/٤٣٦)، وأخرجه بنحوه مسلم: (١٧٧٩)].، المهم أقسم لهم أن العير أو أن النفير وراء هذا الجبل، كما قال النبي ﷺ.

ص 1612

فالمقصود أن التعذيب لمجرد التعذيب ككيِّه بالنار أو ضربه أو نحو ذلك لمجرد التشفي؛ هذا هو الذي لا يجوز، وإنما إذا كان وسيلة لتحصيل أمر شرعي ينتفع به المسلمون، لقول النبي ﷺ في حديث بُريدة: (ولا تعذبوا ولا تمثلوا)، ولا أعرف أنه موجود في حديث بريدة «لا تعذبوا»، نعم موجود لفظ (لا تمثلوا)٢٬٥٦٥[رواه مسلم: (١٧٣١)، وأما لفظ (لا تعذبوا) فمن زيادات الفقهاء، كما في: شرح المقنع للبهاء المقدسي (3/35) والعجب أن محقق الكتاب نضيف العصفور عزاها لمسلم في الصحيح، وكذلك عزاها د. التركي للصحيح بهذا اللفظ في تحقيقه على: الشرح الكبير على المقنع (10/86)، وتابعهم في الغلط د. دهيش في تحقيقه على: شرح المنتهى لابن النجار (4/ 348)؛ فكلهم غلطوا في ذلك، وهذه الزيادة لم تخرج في أيٍّ من كتب السنة، وقد انتبه لهذا الخطأ محققو كشاف القناع ط. وزارة العدل (7/63)، والله المستعان].، لكن «لا تعذبوا» الله أعلم؛ فنحتاج أن نراجعها.

أحد الحضور: يا شيخ، ما حكم الذبح؟

الشيخ: الذبح جائز وهذا من إحسان القتلة؛ أولًا: لأن الله ﷻ قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ﴾ [محمد: 4]، والمقصود هو قطع الأوداج سواء بضربها أو بحزها، في النهاية: النتيجة واحدة، ولقول النبي ﷺ: (جئتكم بالذبح)٢٬٥٦٦[رواه أحمد: (٧٠٣٦)، وابن حبان: (٧٢٣٤)، وحسّن إسناده الأرنؤوط].، وهذا الحديث تعرفونه.

أحد الحضور: هل الرسول ذبح في قريظة أم ضرب بالسيف؟

الشيخ: بالسيف، كان الذي يضرب الأعناق علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام رضي الله عنهما، خدَّ لهم الأخاديد ثم يقدم لهم وتضرب الأعناق، تصوروا مثل هذا العمل الآن منقول في فضائية على الهواء مباشرة، بأي شيء يوصف؟!

أحد الحضور: بالإجرام وبعدم الرحمة.

أحد الحضور: أبو مصعب ذبح أربعة فقط...!

الشيخ: ليس ذبحًا، أمام العالم كله ينظر على الهواء مباشرة! أحيانًا يخرج لك شيبة، وأحيانًا يخرج لك شاب، أحيانًا يخرج لك ولد لم تخرج لحيته ولكنه بلغ؛ لأنَّ الصحابة إذا خرجت اللحية لا يحتاجون أن يكشفوا عليه، فخروج اللحية يدل على البلوغ، فهم يذهبون ويكشفون عنه؛ معناها لا يميزون أبلغ أم لا، فيُقدم وتضرب عنقه، وقِس على ذلك.

ص 1613

ست مئة أو سبع مئة خُدت لهم الأخاديد، فينقل ويراه العالم كله! تهتز الأرض لا شك! ولكن هذا هو دين الله ﷻ وهذا يدل على بعدنا عن دين الله ﷻ وشدة تأثرنا، حتى نحن المجاهدين ربما نستثقل مثل هذه الأمور؛ وذلك لأننا نعيش في وسط المؤثرات فيه كثيرة، الآن ما نكاد نمر على حكم شرعي إلا ونجد أنفسنا قد لصق فيها شيء من الشبهات، أو شيء مما أثاره الآن الغرب، فنحن بعيدون كل البعد عن حقائق الإسلام.

أحد الحضور: اليهود عملوها بالصحفية الأمريكية، أرادوا هدم بيت فلسطيني فوقفت واعترضت، فقتلوها وسحلوها وما تكلم أحد...!

الشيخ: صحفية أمريكية؟ ما رأيتها هذه!

أحد الحضور: هي كافرة، اعتذروا وقالوا: قتلت بالخطأ.

الشيخ: طيب، نبقى في كلامنا على مسألة التمثيل، وأظن أننا لو فتحنا هذا الموضوع فلن نستطيع أن نكمله؛ لأنه يحتاج إلى شيء من التفصيل، فنكتفي بهذا القدر، ونسأل الله ﷻ أن يتقبل منا ومنكم، جزاكم الله خيرًا.

❖ ❖ ❖

ص 1614