القضية الأولى: في ذكر بعض الأدلة من القرآن والسنة، في التغليظ والتشديد في سفك دم المسلم بغير حق
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 93]، وقال ﷻ: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 29-30]، وقال ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهـًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨ يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 68-69]، وقال ﷻ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ﴾ [النساء: 92].
وأما السنة: فمن ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق... الحديث)١٦٥رواه البخاري [2615]، ومسلم [٨٩]، وأبو داود [٢٨٧٤]، والنسائي [3671].، والموبقات؛ أي المهلكات. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا)، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها؛ سفك الدم الحرام بغير حله»١٦٦رواه البخاري [6862 واللفظ له، وأثر ابن عمر بعده برقم: 6863] والحاكم [8029]، وقال: «صحيح على شرطهما».، والورطات؛ جمع ورْطة بسكون الراء، وهي الهلكة وكل أمر تعسر النجاة منه.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم)١٦٧رواه مسلم [كذا قال الشيخ، وليس في النسخة المطبوعة منه، وقد عزاه إلى مسلم: المنذري في الترغيب والترهيب (3/293)، والشيخ ناقل عنه بالنص فلا يُلام، وقد قال الشيخ الألباني: عزوه لمسلم خطأ من المؤلف، قلده فيه المناوي ثم الشيخ القرضاوي]، والنسائي [3986] والترمذي [1395] مرفوعا وموقوفا ورجح الموقوف، [وصححه الألباني مرفوعًا]..
وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا)١٦٨رواه النسائي [3984، وصححه الألباني]، والحاكم [8031]، وقال: صحيح الإسناد..
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: (من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله، لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا)١٦٩رواه أبو داود [٤٢٧٠، وصححه الألباني].، ثم روى عن خالد بن دهقان: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله: (فاغتبط بقتله)، قال: «الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم، فيرى أحدهم أنه على هدى لا يستغفر الله»١٧٠[رواه أبو داود (4271)، وصححه الألباني مقطوعًا إلى التابعي].. والصرف: النافلة، والعدل: الفريضة، وقيل غير ذلك.
والأحاديث في هذا الباب والتي تشدد في حرمة دم المسلم وتحذر أشد التحذير من انتهاكها والجرأة عليها؛ لا تكاد تحصى، وفيما ذكرنا كفاية وغنية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وهذا أمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وتعظيم هذا في القلوب وتفخيمه في النفوس هو شأن كل مسلم سوي يُراقب الله في كل ما يأتي ويذر.
وللمزيد يراجع في ذلك كتاب «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري رحمه الله، تحت باب: «الترهيب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق»١٧١[الترغيب والترهيب (3/292)، وذكر فيه المنذري (26) حديثًا في الباب].، فقد ساق فيها من الأحاديث الصحيحة الزاجرة ما يملأ قلب المؤمن خشية ورهبة من الإقدام على هتك هذا الستر الغليظ، إلا حيث كان البرهان ساطعًا قاطعًا كالشمس في رابعة النهار ليس دونها حجاب.
فحري بكل مؤمن يخاف على نفسه ويحرص على دينه؛ أن يبحث عن الحق بحثًا حثيثًا، وأن يتحرَّاه تحريًا وافيًا، وأن يطرد عن نفسه وقلبه شوائب الهوى، ويتجنب مسالك الردى، وأن يأوي فيما يقول ويفعل إلى ركن شديد ونهج رشيد من الحق والحجة، تغنيه وتكفيه جوابًا حينما يقف بين يدي الله ﷻ فيسأله -وهو عالم بحاله ودخيلة صدره-؛ «فيم قتلت فلانًا؟».
❖ ❖ ❖