تلخيص لمسائل البحث ونتائجه:
وعَلِم الله أنني حينما شرعت في كتابة هذا البحث لم يدر في ذهني أن يصل إلى هذا الحد، وقد تركت بعض المسائل المتعلقة به لذلك، ولعل الله ييسر لي موطنًا آخر لبيانها وتفصيلها -إن كان في العمر بقية- فنظرًا لطول البحث وتشعب مسائله وتداخلها ألخص أهم ما جاء فيه من مسائل ونتائج جمعًا لشتاته وتسهيلًا على قرائه.
أولًا: الحرب التي يخوضها المجاهدون مع الجواسيس هي أشرس المعارك وأخطرها وأعسرها؛ لكثرة انتشارهم، وشدة تخفيهم، وعظيم نكايتهم، واختلاف صفاتهم وتقلب أحوالهم، وعدم تمايزهم.
ثانيًا: الجاسوس المقصود في هذا البحث: هو الشخص الذي يكون ظاهره الإسلام ويطلع على عورات المسلمين ثم ينقلها إلى أعدائهم، وهو المسمى عند العلماء بالجاسوس المسلم.
ثالثًا: أن أعمال الجواسيس العصريين لا تقتصر على مجرد نقل المعلومات بكتابة أو مراسلة أو اتصال أو تصوير، بل تعدى أمرهم ذلك كله ليشاركوا مشاركة فعلية وعملية باستعمال تقنيات متعددة، منها الشرائح التي تقوم بتوجيه الصواريخ إلى الهدف، ومنها المرافقة في المداهمات والإنزالات وغيرها.
رابعًا: التجسس للكفار على المسلمين يدخل دخولًا مؤكدًا في موالاتهم، كما يدل على ذلك أول سورة «الممتحنة» مع قصة حاطب رضي الله عنه التي كانت سببًا في نزول آياتها، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
خامسًا: مظاهرة الكفار وإعانتهم على المسلمين -بأي نوع من أنواع الإعانة- كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملة باتفاق العلماء، ولا يتوقف التكفير على كون المناصرة مبنية على محبة لدينهم وإرادة علوهم.
سادسًا: من صور التجسس ما يكون داخلًا في معنى المظاهرة المكفرة، وذلك بنقل أخبار المسلمين إلى الكفار ليستعينوا بها في حربهم على الإسلام والمسلمين.
سابعًا: إخبار حاطب رضي الله عنه كفارَ قريش بعزم النبي ﷺ على غزوهم كبيرةٌ من الكبائر ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر المخرج من الملة، وليس في فعله مظاهرة للكفار على المسلمين، وإنما هو محضُ إفشاء سرِّ رسولِ الله ﷺ.
ثامنًا: اختلف العلماء في كفر الجاسوس المنتسب للإسلام، كما اختلفوا في حكم قتله، وليس في واحدٍ من الأمرين إجماعٌ بينهم.
تاسعًا: اختلاف العلماء في تكفير الجاسوس المنتسب للإسلام لا ينقض اتفاقهم على كون مظاهرة الكفار على المسلمين كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، والمسلك الصحيح في المسألة هو التوفيق بين كلامهم ووضع كل حكم موضعه وليس بضرب بعضه ببعض، ولا باتباع المتشابه وترك المحكم.
عاشرًا: الجواسيس الذين ظاهرهم الإسلام على قسمين:
القسم الأول: من كان نوع تجسسه إعانة صريحة للكفار على المسلمين وهو الذي يدخل دخولًا جليًا في مسمى المظاهرة، فهذا مرتدٌ، وحكمه -من جهة القتل وعدمه-حكم الزنديق، إن جاء تائبًا قبل القدرة عليه قُبلت توبته وإلا فيتعين قتله إلا إن كان في تركه مصلحة واضحة راجحة فلا بأس بتركه وإطلاقه مراعاةً لها.
القسم الثاني: مَن لم يكن نوع تجسسه صريحًا في الإعانة، فيُجتَهد في عقوبته بما يناسب جنايته وقد تصل إلى القتل تعزيرًا.
الحادي عشر: وهذا كله في الجاسوس المقدور عليه، والذي يكون تحت قبضة المجاهدين، مع إمكان التحقق من حاله، أما الممتنع بالشوكة ممن لا يمكن دفع شره إلا بالقتل قُتل من أي القسمين كان.
الثاني عشر: الاعتماد على الشاهدين أو الإقرار بالاختيار في إثبات تهمة التجسس غير متأتٍّ -غالبًا- في ساحات الجهاد، وأحوال الحرب، وعليه فالتقيد بها يلزم منه ضرورةً عدم التعرض لهم بحال، ومن ثم استمرار شرهم، وتفاقم ضررهم.
الثالث عشر: ثبت بالشرع في مواضع متعددة الاعتماد على القرائن والشواهد والأمارات في تقوية التهم، وفي إثبات الأحكام بها أحيانًا، فمعنى البينة في الشرع أوسع منه في الاصطلاح.
الرابع عشر: لا بأس بأن يعتمد المجاهدون في حربهم لجيوش الجواسيس على القرائن والأمارات والشواهد والملابسات التي يحصل بها اليقين -غالبًا- في المواطن التي يتعذر معها الإثبات بالشاهدين أو الإقرار، سواء في الجواسيس المقدور عليهم أو الممتنعين.
الخامس عشر: على المجاهدين أن يتقوا الله ﷻ وأن يبذلوا ما في وسعهم، ويحتاطوا أشد الاحتياط، ويشاوروا من يقرب منهم من أهل العلم والخبرة والرأي كي لا يصيبوا بريئًا بغير حق، ولو أمكن تكوين لجنة من أمثال هؤلاء للبت في المسائل العينية لكان أسلم سبيلًا وأقوم قيلا.
هذا والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.
والحمد لله رب العالمين
كتبه: أبو يحيى الليبي «حسن قائد»
«الأحد 18/ذو القعدة/1429هـ»
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: الـمُعلِم في حُكْمِ الجَاسُوسِ الـمُسْلـمِ
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.