معركتنا؛ بين شدة الأمس واحتراز الغد
[جمادى الآخر 1427 هـ / 7 - 2006م]
۞
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه الهداة التقاة وعلى من استمسك بسيرتهم وطلب لنفسه النجاة، وبعد...
فلعل المعركة التي يخوضها المسلمون اليوم مع أعدائهم الصليبيين واليهود والملاحدة وأتباعهم وأنصارهم المرتدين؛ تعد من أشرس المعارك التي عرفها التاريخ الإسلامي، ليس فقط لما يراه المسلمون ويلاقونه في ساحات القتال العسكرية المفتوحة من تدمير، وتهجير، وتنكيل، وتقتيل، وانتهاك للأعراض، وإبادات جماعية، ومجازر فظيعة، وإهلاك لكل كائن حي يدب على وجه الأرض وذلك بأسلحتهم الفتاكة وقنابلهم المدمرة وصواريخهم «الذكية»، ولا لما يذوقونه من أنواع الانتقام والتعذيب في سجون أولئك الكفرة مما يستحيي القلم من ذكره وإن لم يعد سرًا ولا مخفيًا على أحد.
فكل هذا مع عظمه وفداحته يُعدُّ جزءًا من المعركة، وهو وجهها البارز الذي يراه ويسمع به ويستشعره الجميع، إلا أن الحقيقة التي لا بد لكل مسلم يقظ أن يتنبه لها هو إدراكه بأن كل ما يراه مما مر ذكره ونظيره؛ إنما هو في واقعه كالتمهيد والتوطيد لما وراءه مما يسعى أعداء الله بقوتهم العسكرية وتخطيطهم المستمر وعقولهم الماكرة وأموالهم الجزيلة للوصول إليه، ألا وهو محو كل ما له أدنى صلة بدين الإسلام.
وهذا المعنى قد تجذر في قلوبهم الحاقد الحاسدة ومهما موهوا وزيفوا وحيفوا فليس لهم مطلب سواه ولا غاية غيره، ﴿وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ﴾ [النساء: 89]، ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ﴾ [البقرة: 109]، ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72]، ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120]، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾ [البقرة: 217]، ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [التوبة: 32]، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36].
وهذا ما نراه ونلمسه ضمن العاصفة الإعلامية الهائجة التي يراد بها انتزاع جذور الإسلام من قلوب أهله وناشئته كما اقتلعت أحكامه وشرائعه من واقع حياتهم، لينشأ بعد ذلك جيل منسلخ عن الدين، متنكر للأخلاق، متبرئ من العقائد الإسلامية، منكب على المناهج الغربية، مغرم بالأفكار الكفرية، مفتتن بالشعارات الحضارية، وحتى تصبح شعائر الدين وحرمات الله موضع سخرية واستهزاء، لا يبقى في القلب أدنى تعظيم وتوقير وتبجيل لها، وليعيش الناس عيش البهائم والسوائم التي يعيشها الكفرة الغارقون في شهواتهم العاكفون على ملذاتهم، ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ﴾ [محمد: 12]،: ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]، ﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44].
فالأمر إذن جد وليس بالهزل، وحقيقة وليس بالخيال، وما من مسلم في الأرض إلا وسيلحقه شيء من شرارات كيرها الذي ينفخون فيه، فمن كان سويًا في إيمانه حيًا بإدراكه شعر بلذعة إحراقها واجتهد في تجنبها وإطفائها، وأما ميت القلب عديم الإحساس منكوس الفطرة فأحسن حالاته أن يتخيل الشرارة الحارقة ذبابة عابرة تحط وتطير ولن تؤذي أو تضير.
فالمعركة بجميع أبعادها وإمكاناتها وخططها؛ أضخم من أن تحسم في يوم أو يومين، أو تنتهي في ساحة عسكرية واحدة، أو بجهد متواضع محدود، بل هي حرب مفتوحة يمكن لكل جادٍّ صادق أن يضرب فيها بنصيب، ويشارك فيها بسعي قل أو كثر، فعلى كل مسلم أن يوطد نفسه على طول نَفَسها، وتنوع أساليبها، وكثرة عراقيلها، وتعدد ثغورها التي سيحاول أعداء الإسلام الولوج منها، وهم لن ييأسوا ولن يتوقفوا عن ذلك ما دام في الأرض موحِّد، وكلما أعجزتهم طريقة أو سد أمامهم منفذ تحيلوا مبتغين غيره مجتهدين في اقتحام سواه لتنفيذ مآربهم وتحقيق مطالبهم.
فالمعركة في حاجة إلى وقفة الأمة الإسلامية جميعها -علمائها وعوامها، رجالها ونسائها، شبابها وفتياتها، أغنيائها وفقرائها- وقفة واحدة قوية صريحة في وجه هذا الطوفان الكفري الذي تغلغل إلى بيوت الناس واقتحم حصون قلوبهم، ثم هي في حاجة إلى ترتيب وتوظيف طاقات الأمة الكامنة فيها والمبعثرة بين أبنائها وتوجيهها لتصب وتتوجه كلها نحو ساحات الإعداد والجهاد حتى تؤتي أكلها وتظهر قوة تأثيرها.
ومن هنا فإن هناك أمورا يلزم التنبيه عليها والتذكير بها في خضم المعركة الساخنة التي كثيرًا ما تنسي المرء بعض ما يجب عليه:
أولًا: بفضل من الله وحده نحن نشهد تراجعًا ملحوظًا وتقهقرًا بينًا وضعفًا وانكماشًا متواليًا في جيوش الحرب الصليبية وأفراخهم، ومن يقارن بين السنين الأولى من حملتهم العاتية على المجاهدين وتبجحهم وبطرهم وأشرهم وبين ما آل إليه أمرهم في هذه السنة خصوصًا يرى فرقًا جليًا لا يحتاج في إدراكه إلى إرهاق ذهني، وهو أمر تقر به أعين المؤمنين وتطيب نفوسهم وتستبشر قلوبهم، وهذا من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
ولكن علينا أن نفرق بين الفرح والاستبشار والتفاؤل وبين الظن بأن العدو قد وضع السلاح أو أنه انكسر واندحر ويئس واستسلم فنتعامل معه بهذه النفسية، ونحسب أن المعركة قد خف أوارها وانقشع قَتَامها، فنتراخى في أخذ الأهبة، ونتهاون في الحيطة والحذر، ونغفل عن مكائد جديدة يدبرها ومؤامرات مستحدثة يديرها ودسائس خبيثة يبثها أهل المكر والغدر، فربما أدت تلك الغفلة إلى مفاجئات مهولة لم تكن في الحسبان نتيجتها الحتمية تأخر جني الثمرة والاشتغال بقضايا تعطي عدونا سعة يلتقط فيها أنفاسه ويرتب أحواله، وهو أقصى ما يسعى إلى تحصيله في هذه المرحلة، فاليقظة اليقظة ولنضع نصب أعيننا: ﴿وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ﴾ [النساء: 102].
ثانيًا: علينا أن ندرك تمام الإدراك أن الانكسار -بل الهزيمة- ربما تحصل للمجاهد بعد أن يذوق حلاوة النصر ويرى مخايل الظفر، ويحسب أن عدوه قد انقهر واندحر وولى منكبتًا.
فربما وقع ذلك بسبب هفوة أو غفلة أو ذنب يتهاون به أصحابه فيجنون على أنفسهم وعلى من معهم جناية يذوقون مراراتها أبد الآباد، فتكون الكارثة -والعياذ بالله-، ومن لمح النصر ولمس قرب التمكين واستنشق شيئًا من عبيره ثم حرم منه وحيل بينه وبينه ليجدنَّ مرارة ذلك أضعاف أضعاف ما لو مُنع النصر ابتداء واستصحب الضعف والانكسار من أول خطواته.
ولنا في غزوة «أحد» عبرة وعظة ودرس لا يُنسى، حدثنا عنه القرآن بكل تفصيل وإسهاب، ولخص هذه القضية على وجه الخصوص بدروسها وعبرها، كما في قوله ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِمَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152].
وربما حصل ذلك بسبب نشوة عجب أو طفرة اغترار تذهب فيها النفوس مذاهب مهلكة وهي لا تشعر، وما من داء هو أشد فتكًا بدين المرء وأعظم إذهابًا لعمله من داء العجب والفخر والزهو والذي يُنسي الإنسان عيوبه ويعميه عن نقائصه، حتى إذا اعتد بنفسه ورآها قد حوت الخير بحذافيره؛ وكله الله إليها وخلى بينه وبينها، فيجلب عليه الشيطان بخيله ورجله ويأخذه على حين غرة وغفلة، فإذا به يتردى في أودية الضياع ويهيم في مهامه التيه، وهو مهلكٌ نفسه من غير أن يدري.
ولهذا جاء في أدعية الصباح والمساء قول النبي ﷺ: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)٢٬٦٥١[رواه النسائي: (١٠٣٣٠)، والحاكم: (٢٠٠٠)، وقال: « هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»]..
«فمن امتحن بالعجب؛ فليفكر في عيوبه فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه فليعلم أن مصيبته إلى الأبد، وأنه لأتم الناس نقصًا وأعظمهم عيوبًا، وأضعفهم تمييزًا، وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل.
ولا عيب أشد من هذين، لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالبها وسعى في قمعها، والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته وإما لأنه يقدر أن عيوبه خصال وهذا أشد عيب في الأرض»٢٬٦٥٢الأخلاق والسير، لابن حزم [ص 66]..
فعلى المجاهدين في كل مكان أن ينحتوا في أذهانهم أحداث ظلمات السنين العجاف الأولى التي أطبقت عليهم وحارت فيها عقولهم وطاش حلمهم وبلغت القلوب الحناجر وكثرت بالله الظنون -إلا من ثبته الله وقواه- حتى خيل للكثير أن الأمر لا قيام له في عالم الأسباب.
فتذكر تلك الأحوال واستحضارها في كل حين، مع مقارنتها بالانفراج الذي بدأت نسائمه تهب عليهم، تجعل الإنسان بعيدًا عن وساوس الشيطان ونوازع الأهواء وقريبًا من ربه، معترفًا بفضله، مقرًا بعظيم منته، كثير الشكر له، فلا يلتف إلى سواه، فيكون بذلك مخبتًا متواضعًا متذللًا منكسرًا بين يدي من له خزائن كل شيء عز وعلا، ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26].
نعم، نحن لا ننكر أن الخيلاء مما يمدح في الحرب لما فيه من إظهار عزة المؤمن وقوة دينه وتشجيع لمن وراءه ورفع لهممهم.
كما جاء في الحديث: (إن من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، وإن من الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير الريبة، وأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل في القتال واختياله عند الصدقة، وأما الخيلاء التي يبغض الله فاختيال الرجل في البغي والفخر)٢٬٦٥٣رواه أحمد [٢٣٧٥2] وأبو داود [(٢٦٥٩)، وحسنه الألباني] والنسائي [٢٥٥٨]..
ولكن المحذور المؤدي لكسر الظهور هي تلك الآفة التي تبذر بذرة الكبر والبطر ونسيان فضل الله على عبده والعكوف على تعديد المزايا وإحصاء المحاسن والتباهي في غير موطنه، والتي ربما كان أكثرها أوهامًا كاذبة وخصالًا مختلقة، فتنطمس الأنظار عن رؤية النقائص التي يجب سدها، والأخطاء التي يتعين تصحيحها، والأخطار التي لا بد من توقيها.
فالمسلم السوي هو الذي يزداد تواضعًا لله وتذللا لمولاه كلما زاده من فضله وأسبغ عليه من نعمه، لأنه يعلم أن الذي أعطاه قادر على حرمانه متى شاء وكيفما شاء.
وفي الحديث: (من تواضع لله رفعه)٢٬٦٥٤[رواه الطبراني في الأوسط: (٨٣٠٧)، وحسنه الألباني]..
وفي قصة قارون؛ حينما نصحه الناصحون وذكره المذكرون وحثوه على معرفة حق الله وحق عباده فيما آتاه، فقالوا له: ﴿وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [القصص: 77]، طغى وتكبر ونسي ربه وأعمت النعمة قلبه، فرد عليهم بعلوه وعجبه و﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ﴾ [القصص: 78]، فكانت عاقبته: ﴿فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ﴾ [القصص: 81]، ولهذا كانت خاتمة القصة آية جامعة تميز الصالح المصلح المنتفع بعمله عن الضائع المفسد المترفع بنفسه، فقال ﷻ: ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].. فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ثالثًا: ما من مسلم منصف بل ولا عاقل سوي إلا ويدرك أن ما أصاب دول الصليب من الذلة والاضطراب والحيرة هو بفضل الله أولًا، ثم بما من به من توفيق ثلة من عباده المؤمنين لإقامة شعيرة الجهاد والصبر على شدتها واستعذاب كرباتها.
ولم يكن ذلك بمناقشات فكرية ولا مفاوضات تفاهمية ولا دعايات إعلامية ولا ندوات تحاورية ولا بيانات شجب وتنديد واستنكار، ولا بالتطواف في المحافل الدولية ولا استجداء المنظمات العالمية.. فلا محل في هذه المعمعة العقيم لطاولات مستديرة ولا مربعة، ولا مكان لالتقاط صور تذكارية وتوزيع بسمات بائسة، إنما هو الكر الفر، والكد والسهر، والضرب والطعن، والنسف والكمائن، والتضحية والإقدام، والنار والغبار.
فما وصلت الأمة إليه من السعة وانكشاف الضائقة إلا بأنهر جارية من دماء الشهداء الزاكية، وجبال شامخة من أشلاء سامية، وأرواح محمولة على الأكف غيرةً على الدين، وطلبًا للشهادة، وركضًا إلى جنات عرضها السماوات والأرض.
وهذا مصداق قول الحبيب ﷺ الذي بين فيه أن ترك الجهاد هو سبب الذل والهوان والعذاب، وفي المقابل فإن القيام به والاجتهاد في أدائه هو السبيل لرفعها والطريق لكشفها.
فعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب)٢٬٦٥٥رواه الطبراني بإسناد حسن [وقد تقدم في (ص 670)]..
وقال ﷺ: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)٢٬٦٥٦رواه أبو داود [وقد تقدم في (ص 664)]..
فمن صبر وصابر وجالد حينما كان العدو في أوج قوته، وقارعه عندما كان في كامل انتفاشه، فلما انكشف وانكمش راح يدندن حول المفاوضات والوساطات والتفاهم؛ كان كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، وهو كالذي زرع زرعًا وأباده قبل يوم حصاده، ومثل هذا خيرٌ له أن يتنحى جانبًا، فيقال: «تعب فاستراح»، من أن يضيع جهودًا ويفرق صفوفًا، ويحدث شرخًا، فيقال: «طمع فخان».
فما من طريق لبلوغ الغاية وتحصيل المطلوب إلا الجهاد في سبيل الله والصبر على هذه العبادة الجليلة التي هي ذروة سنام الإسلام، وأي التفات إلى سواها أو بحث عما عداها فهو الفشل الذريع والخيبة الكاملة والعودة إلى ما قبل الصفر، ﴿قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤ وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 14-15].
رابعًا: بدأت بعض الدول التي اتخذت من المجاهدين أول الحرب موقفًا مخزيًا؛ تحسب حساباتها وتضع تصورات جديدة للتعامل معهم في الحاضر والمستقبل على أساس نسيان الماضي، فتريد أن تجعل لها يدا عليهم، تكفر بها عن سيئاتها، وتمحو قبائح عمالتها وأعمالها.
فعلى المجاهدين أن يعلموا؛ أن هؤلاء هم أخطر عليهم وأشد عداوة لجهادهم وأحرص على إفشالهم من الصليبيين أنفسهم.
لأن تورط المجاهدين في التعامل مع هذه الدول والجنوح إلى أمانيها والثقة بوعودها؛ يعني إسلام القياد -بطريقة أو بأخرى- لأخبث دهاقنة الدس والكيد والاحتيال والتلون الذين مردوا على النفاق وأتقنوا التقلب مع الأحداث، ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [البقرة: 14].
وإن الانسياق وراء بعض المغريات التي قد تبديها هذه الدول، والاستماع إلى نصائح ساستها استماع الواثق والمصدق؛ يعني -بكل وضوح وجلاء- خيانة لأزكى دماء أهريقت لتطهير الأرض من رجس هؤلاء وأسيادهم، بل هو تضييع مجاني لجهود سنوات قدم فيها المخلصون الغالي والنفيس حتى وصل أمرهم إلى هذه الحال من السعة والسعادة، (ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)٢٬٦٥٧[رواه البخاري: (٦١٣٣)، ومسلم: (٢٩٩٨)]..
ونحن نفرق بين تحييد هذه الدولة وإخراجها مؤقتا من حلبة الصراع، استجماعًا للقوة واعتبارًا للظرف، وبين إفساح المجال لها للتغلغل بين المجاهدين بأفكارها وسياساتها وإملاءاتها وخططها، تحت أية حجة، فيصبح أعداؤنا يعيشون بيننا وبمساعدتنا، ويعيثون فسادًا في جهادنا.
فبالأمس كان حالهم كحال الذين كشف الله أمرهم بقولهم: ﴿نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ﴾ [المائدة: 52]، فلما بدأت شموس النصر تبزغ شيئًا فشيئًا وظهر أمر الله وهم كارهون، جاءوا يحلفون بالله إنهم لمعكم ومنكم، وأن قضيتهم قضيتكم ومصيرهم مصيركم، ﴿يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [التوبة: 96]، ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ﴾ [التوبة: 83].
والحمد لله رب العالمين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: معركتنا؛ بين شدة الأمس واحتراز الغد
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا