الرسالة الثالثة: الحوار في السجون الموريتانية وفقه التعامل مع المرتدين
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وبعد...
إلى إخواني وأحبابي في مغرب الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
فإلى الأبطال الذين بزغت بهم شمس الإسلام في المغرب، ولا عجب لشمسٍ تطل من الغرب فنحن في زمن الغربة والغرباء، إلى أولئك الصابرين الذين بعثوا في الأمة روح الأمل، وأعادوا لها معاني العزة بعد أن كادت تتلاشى وتذوب وسط بحر الهون والدون الذي جهد الطغاة لإغراق أمتنا فيه وقطع أنفساها وسطه، إلى الرجال الذين تطهَّروا من رجس الجاهلية وتبرأوا من نتن العصبيات الردية، وعززوا روابط الأخوّة الإيمانية، فاقتلعوا من أذهان أمتهم أوهام السدود والحدود التي قطعتها إربًا فقطَّعوها بولائهم وأزالوها بوحدتهم، فكشفوا بذلك أمرًا مخبوءًا واستخرجوا كنزًا دفينًا هجرته الأمة في تيه وغفلة: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، فربطوا المشرق بالمغرب والمغرب بالمشرق، حتى شرق أعداء الله بذلك فكانت وطأتها أشد عليهم وقع الحسام المهنَّد، وهو سرٌّ من أسرار القوة لا يعرف قيمته ولا يدرك مكانته إلا من ذاق مرارة الفرقة واصطلى بنيران التمزق حتى منَّ الله عليه برؤية العضو ينضم إلى العضو والطرف يلتصق بالطرف ليقوم جسم الأمة بإذن الله كاملًا عاملًا قد شُدَّ أسره وتناسق خلقه: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)٣٬٦٤٨صحيح البخاري: (6011)، صحيح مسلم: (2586)..
نحمد لله إليكم وهو أهلٌ لكل حمد أن منَّ علينا وعليكم بنعم لا تحصى، ومننٍ لا تُعَد، فأسبغها علينا باطنة وظاهرة، وأفاضها سابغة وافرة، وزادنا من فضله العظيم، وجعلَنا بمحض تفضِّله وتمام عنايته من عباده المؤمنين المجاهدين الذين يستعملهم لدينه، وهو الغني الحميد.
إخواني الأحبة: لقد كنتُ متابعًا بما تيسر «للحوار» الذي يدور بين إخواننا الأسرى في سجون موريتانيا وبينَ بعض المشايخ وعلى رأسهم الشيخ محمد الحسن ولد الددو-أصلح الله حالنا وحاله-، ولا أعرف إن كانت تلك المحاورات قد نقلت عبر وسائل الإعلام أم لا؟ فقد قرأت في بعض التعليقات والتحليلات أنه قد نقل شيء منها، كما أن الأسرى لم يُحاوَروا كلهم -هذا كما قرأت- لرفض بعضهم لذلك، وكنتُ أشعر من خلال متابعتي للتحليلات والتعليقات من هنا وهناك أن الأمر لا يعدو أن يكون بحثًا من طرف الحكومة عن مخرجٍ من ورطة فكِّ الأسرى الغربيين الذين عندكم «مسرحية»، فتريد أن تظهر بصورة تليق بتعامل حكومة مع سجنائها إما في صورة عفوٍ وإما بمحاكمةٍ ثم حكم صوري كما حصل في مالي وهكذا.
وزاد تأكيد هذا المعنى في نفسي بعد قراءتي للقاء الذي أجرته الجزيرة مع الشيخ محمد الحسن ولد الددو، والذي ألمح فيه إلى أن الأمر أصبح متوقفا على ما تقوله قيادة القاعدة في الخارج ولعله يشير إليكم، وأكد مرارًا أن هذا الحوار إنما كان فقط مع مجموعة صغيرة محدودة في السجن، ولو توقّف كلامه إلى هذا الحد لكان الأمر هينًا، إلا أنه قد ملأ كلامه بالأغاليط في مسائل شرعية وبصورة مستهجنة لا تليق بعالمٍ مثله.
لأن بعض المسائل التي طرحها وتكلم فيها واعتبرها من المفحمات ليست هي من خصوصيات اجتهاد القاعدة ولا محصورة فيها، كمسألة المظاهرة التي هوَّن من أمرها وأظهرها بشكل هزيل عليل بغير دليل؛ سوى التحليلات العقلية التي لا تقف طرفة عين أمام الآيات القرآنية المتكاثرة المحكمة في هذه المسألة، وكذلك كلامه على الحكم بغير ما أنزل الله وما أخرجه من استنباطات لا ندري من سبقه إليها، المهم فإن هذه المسائل ليست هي مما اختصت به القاعدة حتى تُعَدُّ من مخالفاتها، فكتب علماء الدعوة النجدية ومَن تبعهم كلها تدور على هذا المعنى، وحواشي وتعليقات ورسائل الشيخ أحمد شاكر ومَن في طبقته أفاضت فيه، وهذا الكلام الذي قاله الشيخ محمد في مسألة المظاهرة لو أن القاعدة تبنته وتكلمت به وأصّلته في أبحاثها وفتاويها لاستنفر للاستهتار بهم والاستخفاف بعلمهم والإزراء بتأصيلاتهم القريب والبعيد، ولكن لما جاء هذا الأمر الغريب من رجلٍ مثل الشيخ محمد؛ فلم نرَ حتى الآن منكرًا ولا رادًّا من خارج المجاهدين، وقد استطردت في الكلام قبل أوانه وليس هذا هو مقصود الرسالة الأول، ولكن سأذكر بعض النقاط هنا للفائدة وفي مسائل متعددة نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد والعون:
أولًا: مسألة الحوار الذي جرى في موريتانيا مع السجناء كما تعلمون ليس هو أمرًا جديدًا، وإنما الآن أصبح ساريًا وجاريًا حتى عند أعتى الطغاة وأقسى الفراعنة العتاة كالقذافي الذي يرفع شعار «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد» وقبله سجون فرعون مصر، ومثله ما حصل في جزيرة العرب، وبغض النظر عن تصنيف قناعات مَن نسبت إليهم التراجعات، وهل هو قناعات جديدة طرأت أم طلبٌ للمخرج والنجاة من السجن، فإن المقصود الأول والأخير هو تخفيف الوطأة التي حلَّت بأنظمة الردة، ومِن ورائها سيدتهم وحاميتهم أمريكا، فهؤلاء الطغاة الذين لم يكونوا يلتفتون إلى صارخ ولا يستمعون إلى منادٍ ولا يعبئون بناصحٍ أصبحوا -وبعد شدة الوقعة عليهم وتزلزل العروش- حريصين!!! على هداية هؤلاء السجناء المساكين «الضالين المنحرفين!!!» حتى يردوهم إلى طريق الحق «وسبيل الرشاد»: ﴿ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ﴾ [العنكبوت: 12].
ويكفي هذا لبيان السخف في دوافع هذه الحوارات، فهنا سؤال وجيهٌ ولا بد منه، فنحن نعلم أن هذه الحكومات كانت إلى أمدٍ قريبٍ -بل وإلى يومنا هذا- صمَّاء عمياء بكماء عن كلِ نقدٍ أو نصحٍ أو محاورةٍ أو مناقشةٍ، وكانت سجونها مسالخ ومجازر تقطع فيها الأطراف، وتسلخ الجلود، وتهشم الجماجم، وتكسر العظام، وهي تأبى إباءً صارخًا الحديث عن تطبيق الشريعة أو حتى التلميح بذلك، فحينما تستنفر مَن تستنفر من العلماء وتفتح لهم أبواب التسهيلات دخولًا وخروجًا إلى تلك القبور المطبقة «السجون»، وتهيئ لهم وسائل الإعلام ليتحدثوا في «حرية وصراحة» عن جهودهم في الحوارات، فَمِن حق كل عاقل يحترم عقله أن يسأل: ما الذي دفع هذه الحكومات إلى هذا التغير المفاجئ وفي الاتجاه المعاكس؟، فمن الفرعنة والعتو إلى التسامح والانفتاح!، هل هو الحرص على هداية هؤلاء الشباب «الأغرار المضلَّلين!» الطائشين حتى تردهم إلى جادّة الحقِّ وتنقذهم من ظلمات الضلال؟!
وإذا كانت تلك الحكومات المجرمة قد فتحت أبواب الإضلال والإفساد والإجرام على مصارعها في سجنها العام «الدولة»، فما الذي جعل حرصها واهتمامها وعنايتها يتوجه فقط إلى أولئك الشرذمة القليلين المحصورين في زنازن مغلقة مطبقة لا يضرها فيها ضلالهم ولا ينفعها معها هدايتهم؟!! ولماذا تحرص على نقل وقائع تلك «التوبات» والتراجعات ونشرها في وسائل الإعلام على رؤوس الأشهاد، هل هو الفرح بتوبته هؤلاء المساكين «الضالين» والغبطة برجوعهم إلى الحق؟!! أم هو دعوة غيرهم للائتساء بهم وقفو آثارهم في طريق الصلاح الذي رجعوا إليه وعلى أيدي حكومات الهداية والإرشاد؟!! أم أنَّ الأمر جزءٌ من مشروع متكاملٍ متقنٍ محكمٍ وسياسة مرسومة متَّبعة ترمي إلى زعزعة الأصول التي يقوم عليها الجهاد في هذا العصر وخلخلتها من الداخل وإحداث اضطرابٍ فكريٍ يجعل المجاهدين في أمرٍ مريج لا يعرفون لأنفسهم مدخلًا ولا مخرجًا ولا يرفعون بما يعتقدونه رأسًا؟
ومِن ثم فإن ذلك يعطي لتلك الحكومات نَفَسًا جديدًا تستعيد به شيئا من قوتها وترتيب أوضاعها وترميم مبناها المتصدع المتزعزع، وهذا لا يعني أن بعض أولئك المناقِشين للسجناء لا يكون دافعه حسن النية واحتساب الأجر!، وربما محاولة إنقاذ من يستطيع إنقاذه من الأسرى دون أن يدرك أنه مُستغَلٌّ ومستغفَلٌ ومُسخَّرٌ ومستجهَلٌ من قِبل تلك الحكومات لجني ثمار سعيه، فالموضوع -فيما أرى- أكبر من التنقيب فيه عن النيات والبحث عن الدوافع في حقِّ أولئك المحاوِرين مهما بلغوا من الطيبة والإخلاص والصدق، ولا تعلق للأمر بهذه الناحية، وليُنظر إليه من نافذة الحكومات المرتدة، ولتُقرأ أسطر «الخطة» باعتبار أن الذي كتبها ودوَّنها عصابة من المجرمين الذين لا يزالون متلبسين بأنواعٍ من الإجرام يراها الأعمى قبل البصير، فَما لهذه الحكومات الكافرة الزائغة الضالة وهداية الناس، وما لِهذه الأنظمة المجرمة سفَّاكة الدماء ومكسِّرة العظام والحديث عن الرحمة والوئام والتصالح والحرص على «مصلحة الوطن المشتركة»، وما لِهذه الحكومات التي تنسف أصول الإسلام وتقتلع قواعده من الواقع ومن قلوب الناس وتواجه كلياته القطعية كِفاحًا ما لها وللحديث عن تفاصيل الكلام عن الحكم بغير ما أنزل الله ودقائق خلاف العلماء فيها؟
فما ينبغي أن ننظر إليه في هذه المسألة ليس هو فقط مناقشة الجزئيات الفقهية التي يثيرها بعض المحاورين من هنا وهناك -وإن كان هذا مهمًا- ولكن علينا أن ننظر إلى هذه السياسة الجديدة والمنهج الحديث الطارئ والغريب على طريقة الطغاة على أنه مسلكٌ اتُخِذَ للاسترواح والتقاط الأنفاس وتخفيف شدة الوطأة ثم لزلزلة أركان الأصول التي تقوم عليها عبادة الجهاد في هذا العصر وخلخلتها في قلوب المجاهدين، وهي في أغلبها أصولٌ متفقٌ عليها.
مثل: كُفر المشرِّعين تشريعًا مناقضًا لأحكام الله وشرعه والتي أدخلها الشيخ محمد الحسن حلبة النقاش ومجلبة الأخذ والرد ولم أرَ أحدًا -فيما اطلعت- سبقه إلى ذلك، وفرقٌ بين الخلاف في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وبين مسألة التشريع من دون الله تعالى وهي قضية تحليل الحرام المجمع عليه وتحريم الحلال المجمع عليه...
وكذلك من الأصول المتفق عليها أيضًا: انعزال الحاكم الكافر بمجرد كفره يعني زوال الشرعية عنه سواء تم الخروج عليه وخلعه أم لم يتم٣٬٦٤٩يراجع في هذا ما كتبته في كتاب: «حد السنان لقتال حكومة وجيش باكستان» [انظره في: هذا المجموع (ص 1988)].، وكذلك من الأصول: وجوب الخروج على الحاكم الكافر سواء كان كفره أصليا أم طارئًا وهذه كلها مسائل مجمع عليها، وكذلك: تعين الجهاد على مَن دهم العدو أرضهم، ثم عدم التفريق بين العدو الخارجي والعدو الداخلي في مسألة وجوب القتال، ومن الأصول المتفق عليها: قتال الطوائف الممتنعة عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، ومنها أيضًا كفر من ظاهر الكفار على المسلمين وأعانهم عليهم، فهذه المسائل هي التي ينبغي التشبث بها وعض النواجذ عليها؛ لأن أدلتها واضحة محكمة لا تقبل التحوير ولا التغير وما يحصل من ذلك فهو أقرب على اللعب بالأحكام منه إلى الاستدلال الصحيح أو الاعتراض الـمَرضي.
تبقى المسائل الأخرى مثل مسائل الأمان وشبهة الأمان والتأشيرة؛ فهذه تحتمل الخلاف والعمدة بعد ذلك على الترجيح وقوة فهم الواقع وإتقان توصيفه والمقارنة بين ما قاله العلماء في أحوالهم وظروفهم وما يلائمه ويقاربه من أحوالنا وظروفنا.
وهذه المسائل وإن كانت تَمَس بعض الأعمال الجهادية –حتى على القول بالخطأ فيها- فإنها لا تنقض أصل القيام بعبادة الجهاد، فلا يمكن أن نختزل واقعًا منكودًا متمردًا على الله وشرعه ويرى تنكبه للحق ومناقضته للدين كُل منصف نختزله في مسائل عملية فرعية جزئية هي من أجزاء عبادة الجهاد وليست هي كلُّه ولا أصله وأساسه، ولا يعني هذا أن نهوِّن من مسائل الأمان ومعرفة أحكامها ولكن فرقٌ بين هذا وبين جعل بعض مسائله هي الجهاد الذي إن أخطأ فيها المخطئ فقد ضيع عبادته وصار من المفسدين في الأرض، والكلام في هذا الأمر يطول.
ثانيًا: قرأت ما كتبه أخونا الشيخ أبو طلحة الشنقيطي في كتابه التبيان لوجوب قتال جيش موريتان، وكذلك الرد على الشيخ الشاعِر لعبد الله بن عبد الرحمن الشنقيطي تحت عنوان «بل أنت من المبطئين» ولا أدري إن كان الكاتب هو نفس الشخص أم لا فالنَّفَس واحدٌ، وجزاهما الله خيرًا كثيرًا، فقد بذلا في ذلك مجهودًا كبيرًا وفي وقتٍ قياسيٍّ بالنسبة لحجم الكتابين ولكن لديَّ تنبيهات هامة ولمحات على بعض المسائل نسأل الله أن ينفع بها:
الأول: أن الأسلوب الذي كُتب به الكتابان يغلب عليه طابع الشدة في الأسلوب والخشونة في العبارة لا سيما الرد على الشاعِر، وهما إن شاء الله معذوران لأن ما كانا يردَّان عليه يثير الحفيظة و«يركِّب الضغط!» حتى تكاد العروق تتفجَّر، ولكنّ الذي أراه وأفضِّله وأميل إليه وأحبِّذه هو الترفق في العبارة قدر الإمكان والترقق في المخاطبة، مع علمي بشناعة ما يرد عليه، ولكن مع ذلك فلا تنسوا -إخواني الأحبة- أن قسوة العبارة وخشونة الكلمات والفظاظة في المخاطبة هو مما نرمى به دائمًا بحقٍ وبغير حقٍّ، مع أن بعض منتقدي المجاهدين والرادين على كتاباتهم وأبحاثهم ممن يتمسح بالسماحة ويتصنِّع بالهدوء والرزانة ويتشبَّع باتساع الصدر للمخالف والانبساط له في المحاورة، تجد أسلوبهم مليئًا بعبارات التهكم والازدراء وربما الشتم الاستخفاف والتضليل والتسرّع في الأحكام وتكاد ترى صفحات مقالاتهم تقطر حقدًا أو حسدًا والله المستعان.
ولكن التهمة في هذه المسألة قد التصقت التصاقًا متينًا بكَتَبةِ المجاهدين، وقد يكون ذلك ناتجًا عن بعض الكتب أو الأبحاث أو الردود أو عناوين المقالات التي تتضمن شيئًا مما يجنح بالقارئ إلى هذا المعنى، فأحيانًا ما تلمس في الكتابات التي تتحدث عن مسائل الجهاد بصورها المتعددة شيئًا من الانفعال الذي إن كان لائقًا في موضعٍ من المواضع أو موضوع من المواضيع أو في كتابٍ من الكتب لكن لا ينبغي أن يكون هو الأسلوب السائد والطريقة الجارية -وأنا هنا أتكلم على العموم لا على خصوص ما كتبه الشيخان-، بل إن الهدوء ورقة العبارة مع الرصانة وقوة الحجة وإحكام العبارة والابتعاد عن الإزراء وما يقاربه كل ذلك أدعى إلى قبول الكلام وفرض الاحترام وسرعة الإلجام، والعكس بالعكس.
فمثلًا لا أرى من اللائق أن توصف جمعية الشاعر بأنها: «جمعية الجبن والفجور والهوى»، إذ لا شك ونحن نناصح رجلًا مثل الشاعر ونريد بيان الحق له أو لمن وراءه نصدُّه بمثل هذه الأوصاف، فالمقصود إجمالًا هنا: هو أنني أحبذ لإخواني المشايخ والكتَّاب أن يُحكِموا أقلامهم ويرتقوا بها إلى أعلى درجات الرفق واللين وينأوا عن التجريح اللاذع وإن كان ولا بد فلا يكون سمةً بارزةً في مقالاتهم وكتاباتهم وإنما هي شذرات تحصل بين الحين والحينِ بحسب ما يقتضيه المقام، وليكن همنا الأول ومقصدنا الأساسي هو هداية الخلق وإرشادهم وكشف الشبهات التي تعترضهم وتعتريهم.
مع استحضار حال مَن نرد عليه والنظر أيضًا لِمن وراءه ويتبع آراءه، ولا نعامل الجميع معاملةً واحدةً ونجريهم على نفس النسق، وهذا تنبيهٌ عامٌ وليس متعلقًا بكتابي الأخوين حفظهما الله ففيهما خيرٌ كبير وقد أفدت منهما كثيرًا، وغالبًا ما أذكر في هذا المقام ما رواه البخاري ومسلم عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ، فقالوا: السام عليك، قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله ﷺ: (مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله)، فقلت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ: (قد قلت: وعليكم)»٣٬٦٥٠صحيح البخاري: (6024).، وقد بوب البخاري على هذا الحديث: «باب الرفق في الأمر كله».
فمع بذاءة ما قاله اليهود وشناعته وبخستهم المعهودة إلا أن النبي ﷺ -وفي هذا الموطن- يرشد عائشة رضي الله عنها إلى الرفق والبعد عن الفحش والتفحش، ويعطيها قاعدة عامة وهي أن الله يحب الرفق في الأمر كله، والأحاديث في ذلك لا تخفى على الأفاضل الأماثل أمثالكم، ولكن للتنبيه فقط.
ولا يعني هذا أن الشدة لا مكان لها في الوعظ والتذكير والرد والإرشاد، ولكن كما أشرت أثناء الكلام نحاول جهدنا أن لا نجعل ذلك هو الطابع العام لمقالاتنا وكتاباتنا ولا حتى إصداراتنا، لا سيما لِمن كان وراءه أتباعٌ يرجعون إليه ويعتمدون على أقاويله، فإن إبداء الاحترام له والترفق في مخاطبته هو من دواعي استجابته أو حتى استجابة مَن يكون وراءه، أو على الأقل كفِّ ألسنتهم وأقلامهم وعدم استثارتهم واستنفارهم وتهييجهم ضد الجهاد والمجاهدين، والحجة تقابلها الحجة، والدعاوى تدمغها البينات، وهي التي عليها الاعتماد وإليها المرجع، فلنقدِّمها إلى الناس بأحسن الأساليب وأنسبها لكل مقام ومع كل مخاطب: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: 159].
وأرجو أن أكون وُفقت في إيصال ما أرومه من معنى.
الثاني: أقترح على هؤلاء الإخوة المشايخ الأفاضل الاستمرار في تأصيل المسائل الشرعية وإثراء المكتبة الإسلامية عمومًا والجهادية خصوصًا كما فعل إخواننا في جزيرة العرب الذين تصدوا لمسائل عديدة وقضايا جديدة خاصة في أوساط مجتمعهم العلمي وأدخلوها إلى دائرة البحث والمدارسة حتى صارت جزءًا من أدبيات الجهاد، فهم إن ذهبوا وقتلوا -نسأل الله أن يتقبلهم- فقد تركوا وراءهم صدقة جارية ومجهودًا علميًا كبيرًا ما زال المجاهدون ينتفعون بكثيرٍ منه.
وهكذا ما كتبه إخواننا في جماعة الجهاد في مصر وغيرهم، ولكن مع التأني في بحث وترجيح مسائل النوازل بحيث ينظر إليها الكاتب من جميع نواحيها، ويحاول جهده جمع ما يمسها من الأدلة وكلام العلماء باستيفاء وتقصِّي وتجردٍ، «وليس من شرط الترجيح في مسائل الجهاد النازلة أن يكون جميع المجاهدين في ساحات الجهاد متفقين على خلاصتها ونتيجتها»، ولهذا ينبغي للكاتب أو المصنف والباحث أن يحصر نتيجة ما توصَّل إليه على نظره واجتهاده وبحثه ويحذر أن يعمم ذلك ليجعله نظرة المجاهدين عمومًا ومن المسلَّمات عندهم، فقد يكون هناك من المجاهدين مَن يبحث المسألة ويصل إلى خلاف ما توصل إليه هو فيقع الحرج وتدخل أقلام النقد والنقض والضرب في الطول والعرض، واختلاف الاجتهاد في مسائل الجهاد ليس فيها أدنى حرج ولا طعن في طريق الجهاد ولا هو دليلٌ على التنازع والاختلاف، بل أرى ذلك من أكبر دواعي اتِّساع الصدور، وهو أمرٌ تربويٌّ ينبغي أن يغرس في نفوس المجاهدين بحيث توضع كل مسألة موضعها ويدخل عليها من بابها، سواء كانت تلك المسائل إجماعية، أو خلافية، أو اجتهادية.
بل أرى أحيانًا أنه من المناسب أن يذكر في المسألة أن للمجاهدين قولًا آخر ذهب إليه بعض علمائهم وفضلائهم، وأن اختياراتهم في ذلك تعددت، وذلك حتى لا تنقلب بعض المسائل الفرعية الاجتهادية إلى مسائل عقدية قطعية في أذهان كثير من المجاهدين بحيث يعدون من خالف فيها القول الذي يعرفونه ولا يعرفون غيره قد خالف قطعيًا من القطعيات أو أنه وبسبب الرأي الذي ترجح عنده لم يعد على «منهج الجهاد»، فإن هذا تضييق لما وسّع فيه الشرع والله أعلم.
هذا ولا يمكن حمل المجاهدين -من جهة القناعة القلبية- في جميع المسائل على رأيٍ واحدٍ ولا قولٍ متفقٍ متطابقٍ، ولكن هذا شيءٌ وإجراء سياسة الجماعة على ما اختارته «ترجيحًا» في مسائل الاجتهاد شيءٌ آخر، فيقول العالم أو المجتهد بما ترجح عنده وظهر له إلا أنه يتَّبع أمراءه فيما ترجح لهم واختاروه في مواطن الاجتهاد حتى لا يقع التنازع ولا يحصل الاختلاف والتدافع، وكل هذا في مسائل الاجتهاد كما قال العلامة ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: «وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة - يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية. ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض. والصواب المقطوع به صحة صلاة بعض هؤلاء خلف بعض. ويروى عن أبي يوسف: أنه لما حج مع هارون الرشيد، فاحتجم الخليفة، وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ، وصلى بالناس، فقيل لأبي يوسف: أصليت خلفه؟ قال: سبحان الله! أمير المؤمنين. يريد بذلك أن ترك الصلاة خلف ولاة الأمور من فعل أهل البدع»٣٬٦٥١شرح العقيدة الطحاوية: (1/246)..
والأمر عندكم واضحٌ إن شاء الله ولكن هذه الأمور كلها للتنبيه، وحتى لا نضيِّق على أنفسنا فيما وسعه الشرع علينا، فلم يزل علماء المذاهب يقاتل بعضهم وراء بعض ومع بعضٍ في المعركة الواحدة والجيش الواحد مع ما بين تلك المذاهب من الاختلاف في كثير من مسائل الجهاد كما يعرف ذلك من كتبهم، ولم يكن ذلك من دواعي تنازعهم أو خروجهم عن وصف «المجاهدين».
وأثناء بحث المسائل المتعلقة بأمور الجهاد ينبغي التركيز على القضايا العملية والنوازل العلمية التي تمس حياة المجاهدين وتتعلق تعلقا مباشرا بمسيرتهم وما أكثرها مع أنها لم تنضج ولم تقتل بحثًا، وكلما تقدمت قافلة الجهاد ووجدت نفسها تتعامل مع واقع جديد ومعطيات طارئة احتاجت إلى بحث مسائل جديدة، وهذا من طبيعة ديننا لأنه دين عمل وتعلق بالواقع وليس دين افتراضات وتوقعات وتخيلات.
وهذا كما يكون في حق الجماعة المجاهدة يكون أيضا في حق الأمة عمومًا فالنوازل أيام أبي بكر تزيد عن النوازل أيام النبي ﷺ، وزمن عمر اتسعت عما كان أيام أبي بكر وهكذا، فحال الجماعة المجاهدة في مهدها وأول تكوينها يختلف مع تقدم عمرها واتساع رقعة عملها وتعدد الجبهات التي تعمل فيها وزيادة الأعباء التي تتحملها وستجد نفسها تتعامل مع واقع لم تفترضه أو ربما لم تتوقعه وهو واقع بحاجة ماسة إلى معرفة أحكامة الشرعية لتسير على هدى وبصيرة فيكون السيف تابعًا للكتاب كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ودين الإسلام: أن يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعًا لذلك كان أمر الإسلام قائما... وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير وكان السيف تارة يوافق الكتاب وتارة يخالفه كان دين من هو كذلك بحسب ذلك»٣٬٦٥٢مجموع الفتاوى: (20 /393)..
وهذا مما يبين حقيقةً حاجةَ الجهاد إلى العلم والعلماء لضبط مسيرته وإحكام خطواته وإجرائها على سنن الحق ومهيع الهدى، فليُدلِ كل من بسط الله له في العلم بدلوه، ويشاور من يقاربه ممن يثق بدينه وعلمه، ويبذل ما في وسعه لسد هذه الخلة، وإن شاء الله بينكم من هؤلاء الأفاضل مَن آتاه الله بصيرةً في دينه فليشحذ همته ويخُض غمار النوازل من الساحل إلى العمق، وإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق!
ثالثًا: في مسألة الصلح مع المرتدين: عندما قرأت ميثاقكم الأول «ميثاق الجماعة السلفية للدعوة والقتال»، وبعد الانضمام المبارك للقاعدة ثم طلبكم التعليق على الميثاق كتبت ما عندي وأرسلته إليكم ولكن لا أدري أوصلكم أم لا، ولم يعد عندي نسخة من ذلك التعليق، ولكن مما أذكر معناه مما كتبته لكم في مسألة الصلح مع المرتدين حيث نصصتم في الميثاق على أنه لا صلح مع المرتدين... إلخ، قلت:
«لا ينبغي إدخال هذه المسألة في الميثاق الذي يتكلم على أصول وقضايا كلية، لأن مسألة الصلح مع المرتدين مسألة فقهية «اختلف فيها العلماء» وقد تأتيكم ظروفٌ تجدون أنفسكم ملجئين إلى المصالحة معهم لا سيما في هذه الأحوال التي نعيشها حيث التغلب لهم والدولة لهم وسعة انتشارهم».
هذا هو المعنى الذي كنت أشرت إليه.
وهنا أقول: لا ينبغي أن نتحرَّج من الرجوع إلى ما يترجح عندنا في مسائل الاجتهاد حتى ولو كنا نقول بغيره، بشرط أن يكون الرجوع مبنيًا على ترجيح شرعيٍّ منضبط وليس على مجرد الاشتهاء وتقدير المصالح غير المضبوطة، فإن هذا يخشى أن يُدخِل في تتبع الرخص.
فمسألة الصلح مع المرتدين في القتال ليست هي من مسائل العقائد، ولا هي من مسائل الولاء والبراء، ولا هي من مسائل تمييع الدين، ولا هي من المسائل المجمع عليها لا إجماعًا قطعيًا ولا ظنيًا، فالخلاف فيها معروف وكتب السادة الأحناف طافحة بالكلام عليها، فالدخول إلى بحث هذه المسألة وطلب الراجح فيها ينبغي أن يكون عبر اعتبارها مسألة فقهية جزئية مختلف فيها بين العلماء بطلب الترجيح في الحكم الشرعي مجرَّدًا، ثم النظر إلى الواقع الذي دون فيه علماؤنا الكرام تلك الأحكام «جوازًا أو منعًا» والبحث عن الفوارق التي طرأت على واقعنا مما قد يكون له دخلٌ في تغيِّر الحكم المرتبط به، وهذا هو الفرق بين تأصيل الحكم الشرعي العام وبين معرفة الحكم الشرعي المتعلق بهذه الجزئية أو في هذه النازلة وهو الذي يصول فيه نظر المجتهد ويجول وتظهر معه قدرة كل واحدٍ منهم في عمق الفهم وقوة الاستنباط، وبالطبع كل ذلك مع التجرد والابتعاد عن الهوى، والانضباط بمسالك الترجيح ونظائر هذه المسألة كثيرٌ في كلام العلماء.
فمما جاء في جواز موادعة المرتدين في بعض كتب الأحناف، ما قاله العلامة الكاساني رحمه الله: «وتجوز موادعة المرتدين إذا غلبوا على دار من دور الإسلام، وخيف منهم، ولم تؤمن غائلتهم لما فيه من مصلحة دفع الشر للحال، ورجاء رجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم، ولا يؤخذ منهم على ذلك مال؛ لأن ذلك في معنى الجزية، ولا يجوز أخذ الجزية من المرتدين، فإن أخذ منهم شيئا لا يرد؛ لأنه مال غير معصوم، ألا ترى أن أموالهم محل للاستيلاء كأموال أهل الحرب؟»٣٬٦٥٣بدائع الصنائع (15/316)..
وقال ابن الهمام رحمه الله: «وأما المرتدون فلا بأس بموادعتهم، ومعلوم أن ذلك إذا غلبوا على بلدة وصارت دارهم دار الحرب وإلا فلا؛ لأن فيه تقرير المرتد على الردة، وذلك لا يجوز، ولهذا قيده الفقيه أبو الليث في شرح الجامع الصغير بما ذكرنا، قال: يدل عليه وضع المسألة في مختصر الكرخي بقوله: غلب المرتدون على دار من دور الإسلام فلا بأس بموادعتهم عند الخوف، فلو وادعهم على المال لا يجوز لأنه في معنى الجزية ولا تقبل من المرتد جزية»٣٬٦٥٤فتح القدير لكمال بن الهمام (12/429)..
وجاء في شرح السير الكبير للسرخسي: «ولا بأس في هذه الحالة بموادعة المرتدين الذين غلبوا على دارهم؛ لأنه لا قوة للمسلمين على قتالهم، فكانت الموادعة خيرا لهم، ولكن يكره أخذ الجعل منهم على الموادعة بخلاف أهل الحرب؛ لأن ما يؤخذ من الموادعة من المال بمنزلة الخراج، ولا يجوز أخذ الخراج من المرتدين بعقد الذمة فكذلك بالموادعة بخلاف أهل الحرب.
- وإن أخذ الإمام ذلك منهم لم يرده عليهم.
لأنه لا أمان لهم من المسلمين في نفوسهم ولا في أموالهم، وبعد ما غلبوا على دارهم، فقد صارت دارهم دار الحرب حتى إذا وقع الظهور عليهم يكون مالهم غنيمة للمسلمين.
- فكذلك ما يؤخذ منهم بالموادعة يكون سالما للمسلمين، لا يرد عليهم وإن أسلموا»٣٬٦٥٥شرح السير الكبير (4/411)..
وقال السرخسي رحمه الله: «وإن طلبوا -أي المرتدون- الموادعة مدةً لينظروا في أمورهم فلا بأس بذلك إن كان ذلك خيرا للمسلمين، ولم يكن للمسلمين بهم طاقة؛ لأنهم لما ارتدوا دخلت عليهم الشبهة، ويزول ذلك إذا نظروا في أمرهم، وقد بينا أن المرتد إذا طلب التأجيل يؤجل إلا أن هناك لا يزاد على ثلاثة أيام لتمكن المسلمين من قتله، وههنا لا طاقة بهم للمسلمين فلا بأس بأن يمهلوهم مقدار ما طلبوا من المدة لحفظ قوة أنفسهم ولعجزهم عن مقاومتهم، وإن كانوا يطيقونهم، وكان الحرب خيرا لهم من الموادعة حاربوهم؛ لأن القتال معهم فرض إلى أن يسلموا قال الله تعالى: ﴿تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ﴾ [الفتح: 16]، ولا يجوز تأخير إقامة الفرض مع التمكن من إقامته، فإذا وادعوهم لم يأخذ الإمام منهم في الموادعة خراجا؛ لأن ذلك حينئذ يشبه عقد الذمة، وقد بينا أنه لا تقبل منهم الذمة فكذلك لا يؤخذ منهم على الموادعة خراج بخلاف أهل الحرب»٣٬٦٥٦المبسوط: (12/269)..
وكلامهم رحمهم الله في هذا كثير يرجع إليه في مظانه من كتبهم وليس مقصدي في نقل ما نقلت هو الترجيح «الآن» في هذه المسألة.
ولكن حتى نعلم أن الخلاف في المسألة مشهور معروفٌ، وبعيدٌ جدًا أن يغيب مثل هذا عن شيخ الإسلام رحمه الله، ولهذا فقوله: «... وطائفة كانت مسلمة فارتدت عن الإسلام وانقلبت على عقبيها: من العرب والفرس والروم وغيرهم. وهؤلاء أعظم جرما عند الله وعند رسوله والمؤمنين من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة، فإن هؤلاء يجب قتلهم حتمًا ما لم يرجعوا إلى ما خرجوا عنه، ولا يجوز أن يعقد لهم ذمة، ولا هدنة ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمالٍ ولا رجالٍ، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون؛ مع بقائهم على الردة بالاتفاق»٣٬٦٥٧مجموع الفتاوى (28/414).، فينظر ما هو الذي يتجه إليه الاتفاق الذي ذكره من الممنوعات تجاه المرتدين.
وواضحٌ من كلام علماء الأحناف أن الأصل عندهم هو عدم جواز عقد الهدنة معهم لتحتم قتالهم كما عبرَّ عن ذلك السرخسي بقوله: «كانوا يطيقونهم، وكان الحرب خيرا لهم من الموادعة حاربوهم؛ لأن القتال معهم فرض»، بل إن كلامه هنا يمكن أن يُفهِم بأن الموادعة جائزةٌ لهم حتى مع إطاقتهم للقتال إن كانت الموادعة خيرًا لهم من الحرب، هذا وإنما خرجوا «الأحناف» عن هذا الأصل وهو جواز الموادعة مع المرتدين للأسباب التي ذكروها، إما رجاء إسلامهم والطمع في ذلك، وإما لضعف المجاهدين وعدم قدرتهم على قتالهم، وكل ذلك واضحٌ فيما نقلته أعلاه وفي غيره مما يمكن أن يرجع إليه ويُتقصَّى.
فما أقصده هنا هو أن تنظروا إلى هذه المسألة من الجهة الفقهية أولًا وتُبحث بحثًا مستفيضًا، ثم تتأملوا في الواقع تأملًا عميقًا مع تمام المشاورة في ذلك بصورة منفتحة وتقليب الأمر من جميع نواحيه وقبل ذلك كله الاستعانة بالله واللجوء إليه بأن يهديكم لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
أما في طرفنا فإن الأمر الجاري مراتٍ ومراتٍ هو موادعة هؤلاء مع أنها تكاد تكون منقوضة في الحقيقة من أول يومٍ تعقد فيه، ونحن كما تعلمون مع قوم ينتحلون مذهب الإمام أبي حنيفةرحمه الله وليس في الأمر مشكلة عندهم، ونحن في هذا الأمر تبعًا لهم، ومع ذلك فقد لمسنا فيها مفاسد كثيرة، ولكن واقعنا يختلف عن واقعكم، والصورة التي تطرحونها أنتم تختلف تماما عن الصورة التي نعيشها، فأنتم إنما تبحثون عن مهادنة دولةٍ مرتدةٍ ليست في الأصل من صميم معركتكم «الآن» وما يقع فيها إنما يقع تبعًا وتكميلًا لأصلكم وجبهتكم، فهو كما لو أخرتم قتالها وأجلتم فتح الجبهة معها كالحال مع المغرب الآن، أما نحن فإنها مهادنة مع المرتدين الذين نعيش على نفس الأرض التي نصاولهم فيها وندافعهم عنها، فلا بد من وضع هذا في الاعتبار.
وعندما كتبتُ البحث في مسألة الاستعانة بالكفار في الحرب «المورد العذب» أشرت في آخره إلى مسألة شبيهة بهذه، وهي الاستعانة بالمرتدين فكان مما كتبته:
«تنبيه: المقصود بالكفار الذين تحدثنا عنهم في هذا البحث هم الأصليون من أي نحلة كانوا وليسوا المرتدين منهم، فكل ما ذكرناه من الاختلاف في هذه المسألة، واشتراط ما اشتُرط لها عند القائلين بالجواز إنما هو في الكفار الأصليين من يهود أو نصارى أو مجوس أو مشركين أو غيرهم، أما في الكفار المرتدين فلم أطلع على قول بالجواز -فيما قرأت-؛ وذلك لأن الاستعانة بهم تقتضي بعض الأمور: منها إقرارهم على ما هم عليه من الكفر، والمرتد لا يقر على كفره، لقول النبي ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)٣٬٦٥٨صحيح البخاري: (3017).، ومنها أن الاستعانة بالكافر تعني بالضرورة تأمينه حال الاستعانة به، والأمان -كما هو معلوم- يُحرِّم الدم والمال، والمرتد لا يجوز تأمينه ولا يقع موقعه إن حصل، لأن حده القتل تعيينًا والأمان يناقض ذلك.
ومع القول بأن هذا هو الحكم الأصلي المقطوع به في حقهم إلا أني لا أجزم بعدم جواز الاستعانة بالمرتدين في هذا العصر الذي صارت لهم فيه الصولة والجولة والدولة، وبسطوا أيديهم على أغلب بلاد المسلمين وصار التعامل معهم والاحتكاك بهم لا يكاد ينفك عنه أحد، ولكن للضرورات أحكامها وهي تقدر بقدرها والله تعالى أعلم.
وربما كان عدم تطرق الفقهاء الأوائل لمسألة الاستعانة بالمرتدين في القتال سببه أن الدولة والسلطان كانت للمسلمين، وغالبا ما تكون طوائف الردة وجماعاتهم محصورة داخل دولة الإسلام تحيط بهم جيوشها وتطوقهم جنودها، فأية حاجة تدعوا إلى الاستعانة بأمثالهم؟ كما قال الشيخ محماس جلعود: «ولم يتطرق الفقهاء إلى معاملة المرتدين في جوانب كثيرة، مثل الاستعانة بهم أو مصاحبتهم، أو صلتهم، أو التعامل معهم، لأنه أساسًا كان يجب ألا يعيش بين المسلمين مرتد، فإما الإسلام، وإما الموت، ولذلك لا نستطيع أن نوجد صيغة في التعامل مع أناس كان يجب أن لا يعيشوا بدار المسلمين أصلًا»٣٬٦٥٩الموالاة والمعاداة (2/38)..
كما أنهم -فيما احسب- لم يكونوا يظنون أن الاستعانة بالكفار تصل إلى هذه الدرجة التي يطرحها بعض المعاصرين من استجرار جيوش كاملة بقياداتها وعتادها وراياتها ونظمها، وإنما كان تصورهم لها مقصورا على الاستعانة بأعداد محدودة تابعة لجيش الإسلام لا يكاد وجودها يذكر.
وقد حدثني الشيخ أبو الليث رحمه الله أنه كان قد اتصل ببعض العلماء المعاصرين الأجلاء الذين هم الآن في سجون طغاة آل سعود ممن لا أستطيع البوح باسمه لما لا يخفى وسأله عن حكم الاستعانة بأجهزة بعض الدول المرتدة في بعض الحالات الجزئية، فجوز له ذلك بثلاثة شروط، ثم عثرت على ورقة في أرشيف أبي الليث رحمه الله يذكر فيها تلك الشروط -كما سمعتها منه- ونص الفتوى كما هو في ورقته وبخطه: «لا حرج في التعامل معهم لتحصيل المصالح، لا سيما في هذا الوقت الذي قل فيه الناصر، وتنامى فيه المخذلون، وذلك بشروط:
الأول: أن تأمنوا غدرهم، أو تكونوا على حذر بحيث لو صارت خيانة لا تتجاوز موقعها.
الثاني: أن تكون المصلحة راجحة على المفسدة.
الثالث: أن تنتهي بانتهاء مصالحهم».
والمقصود بالشرط الثالث أن تنتهي الاستعانة بهم بمجرد انتهاء المصلحة التي اقتضت ذلك، بمعنى أن لا يكون أمر التعامل والاستعانة مفتوحًا انفتاحا كليًا، وإنما ينظر في كل حالة جزئية بعينها وتدرس ظروفها وما يتعلق بها من المصالح والمفاسد، فإذا كانت الشروط التي ذكرناها عن العلماء من قبلُ يلزم تحققها في الكفار الأصليين، فوجوب تحققها والتأكيد عليها في حق المرتدين الذين هم أغلظ كفرًا وأعظم مكرًا أولى وأحرى، وهذا كله على قول من يقول بجواز الاستعانة بهم في هذا العصر لانتشار شرهم، وتوسع دولهم، فحتى على هذا القول ينبغي التقيد في الاستعانة بهم على الحالات الجزئية المؤقتة التي لا تتعدى محلها، أما انكباب بعض الجماعات الإسلامية على أجهزة استخبارات بعض الدول المرتدة، وارتمائها في أحضانها والاعتماد عليها اعتمادًا تامًا بحيث ترسخ في أذهان قادتها وأتباعها أنهم لا يمكن أن يقدموا أو يؤخروا بدونها، فهذا لا يمكن أن يكون من باب الاستعانة مهما ادعى أصحابها الاضطرار بله الحاجة.
ومثل هذا التعامل هو الذي يقود إلى العمالة والخيانة وتحريف مسار الجهاد وتضييع ثمراته، فضرر هذا التعامل فادحٌ وخطير، ونهايته تنازل عن المبادئ وتساهل في إحسان الظن بالكفرة، وهو خطوة نحو موالاة أعداء الله، والتفلت من ضوابط الشرع الجزئية تحت دعاوى المصلحة والسياسة والموازنات، وكم رأينا من الجماعات التي قضت دهورًا وعصورًا وهي تحاول أن تقدم شيئا ملموسًا وتغييرًا يذكر في ساحات جهادها دون جدوى بعدما ربطت مصيرها بأجهزة استخبارات دولٍ مرتدة وأصبحت تتعامل معها بانفتاح وعلى أعلى المستويات وفي سائر المجالات حتى صار حالها وحال تلك الأجهزة كالطفل الرضيع الذي يهيم وهو يرتشف من لبن أمه ولا يتصور أنه يعيش بغيره، ولا ريب أن مثل هذا الشعور إذا تمكن في القلوب واستسلمت له الأنفس وصيغت على وفقه السياسات ووضعت الخطط لهو من أعظم أسباب الخذلان والابتعاد عن نصرة الرحمن ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق: 3] والله تعالى أعلم»٣٬٦٦٠المورد العذب لبيان حكم الاستعانة بالكفار في الحرب (ص58/59) [وانظره في: هذا المجموع (ص 637)]..
والعالم الذي استفتاه الشيخ أبو الليث رحمه الله هو الشيخ سليمان العلوان -فك الله أسره-.
وأما مبادلة أسرى المجاهدين بمن يقع في أيديهم أحيانًا من أسرى المرتدين، فالمجاهدون في سائر الساحات يفعلونه سواء في العراق، أو أفغانستان أو باكستان، وهناك من العلماء الفضلاء المعاصرين مَن يفتي بجوازه ولا يرى في ذلك أي حرجِ ولعل الشيخ عطية-حفظه الله- يطلعكم على أسماء بعضهم، كل ذلك بناءً على الواقع الذي يعيشه المسلمون عمومًا والمجاهدون خصوصًا، وقد كنتُ إلى أمدٍ ليس ببعيد أرى عدم جواز ذلك من غير أن أقطع به، ولكن بعد التأمل والتباحث مع بعض المشايخ بدا لي فيه وجهٌ وهو باختصار:
أن هناك أمرًا بقتل المرتد، وهو قول النبي ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)٣٬٦٦١[صحيح البخاري: (3017)].، وهناك أيضًا أمرٌ بفك الأسير المسلم وهو في قوله ﷺ: (فكوا العاني)٣٬٦٦٢صحيح البخاري: (7173).، بل تنفق الأموال ويضحي المسلمون بأرواحهم من أجل التوصل إلى فك أسرى أهل الذمة فكيف بالمسلمين، فعندما تكون المبادلة طريقًا متعينةً لإطلاق سراح الأسير المسلم، بحيث لا يمكن أن يُتوصل إلى ذلك إلى بإطلاق هذا الأسير المرتد، فإننا نصبح في هذه الحالة بين أمرين كلٌ منها يقتضي النهي عن ضده: الأول: أمرٌ بقتل هذا المرتد الذي بأيدينا، والنهي عن تركه حيًا. والثاني: الأمر بفك هذا الأسير المسلم، والنهي عن تركه في أيدي الكفار. فيُلجأ بعد ذلك في الترجيح بين الحالتين إلى النظر فيما تعضده عمومات الشرع، وكذلك ما ينبني عليه من المصالح وما يدرأ بها من المفاسد، ولا شك أن إنقاذ مسلمٍ من أسر الكفار وفتنتهم خيرٌ مرّاتٍ من قتل كافرٍ أو كفَّارٍ، ولا سيما في هذا الزمان الذي بلغ فيه الكفرة من الظلم والطغيان والتفنن في صور فتنة المسلم عن دينه والتسلط على نفسه وعرضه ما لا يوصف، ولهذا لم أعد أرى حرجًا في جواز مبادلة أسرى المسلمين بأسرى النتنى المرتدين إذا تعيَّن ذلك طريقًا لإنقاذهم، أو كانت الطرق الأخرى تؤدي إلى طول مكثهم في أيدي الكفرة الفجرة، ولا يبعد أن يكون أخذ الفدية من المرتدين لهذا لأجل هذا الأمر جائزًا أيضًا، وقد أفتى بعض العلماء المعاصرين بجواز أخذ الفداء في مقابل أسرى المرتدين بسبب حاجة الجهاد إلى المال، وسائر المجاهدين في الساحات يمارسونه ولا يترددون فيه، والله تعالى أعلم.
وما أكتبه هنا إنما هو نوافذ لفتح الموضوع وإلماحات لمن أراد التعرض لبحثه ونسأل الله أن يعيننا وإياكم على طاعته ويجنبنا أسباب الزلل والخطل، ويرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتبه: أخوكم المحب «أبو يحيى»
الأحد 28/ ربيع الأول / 1432هـ
❖ ❖ ❖