المقدمات
وقبل الشروع في مناقشة بعض ما جاء في وثيقة «التعبيد والتقييد» نحب أن نقدم بمقدمات نرى أنه لا بد من ذكرها:
المقدمة الأولى: أن مناقشة ما جاء في الوثيقة المذكورة، سواء صحت نسبتها للشيخ عبد القادر بن عبد العزيز أم لم تصح، وسواء كتبها بمحض إرادته أم أكره على ذلك، فإن المناقشة لا تُعنىَ بتجريحه، ولا الحط من مكانته، ولا نسيان سابقته، ولا إغفال جهوده، بل هو فيما نرى عالمٌ من العلماء يصيب ويخطئ، ويَردُّ ويُردُّ عليه، ويُوافَقُ ويُخالَف، وينتقِد ويُنتَقَد، فمهما غلظت عبارة ردنا أثناء المناقشة وخشُنت كلمتنا في موضع من المواضع مما قد يَفهم منه القارئ استنقاصًا للشيخ عبد القادر أو شيئًا من هذا المعنى، فإن الْمُحكَم من القول هو ما ذكرناه في هذه المقدمة، فهو الأصل وبه الاستمساك وإليه المرجع.
المقدمة الثانية: لا شك أن نسبة الوثيقة للشيخ عبد القادر أمر مُحتمل؛ بمعنى أنه قد يكون هو كاتبها حقًا، وأن كل ما فيها هو ما يعتقده ويدين لله ﷻ به، وقد يكون مُكرهًا ومُجبورًا على تسطيره، وقد يكون مُختلطًا ومُمتزجًا من هذا وذاك، ومع هذا فحينما ننسب شيئًا مما جاء في الوثيقة إليه فنقول مثلًا: قال الشيخ عبد القادر، أو هذا مردودٌ عليه، أو قد ناقض قوله في كتابه السابق حينما قال كذا وكذا، ونحو ذلك، فكل هذا لا نعني به الجزم بصحة نسبة الوثيقة وما فيها من الأقوال إليه، وإنما نذكر هذا بناءً على ما اشتهرت وعُرفت به بين الناس، وإلا فمع قيام الاحتمال -لا سيما مع أجهزة المكر والكيد والخبث- فليس من اليسير الجزم والقطع والتيقن من صحة نسبة الأقوال والاختيارات إليه والله تعالى أعلم.
المقدمة الثالثة: المطالع لوثيقة الترشيد سيجد فيها تهمًا شنيعة وأوصافًا وضيعة ألصقت بالمجاهدين كذبًا وإفكًا، وقد حاول كُتَّاب الوثيقة أن يبذلوا جهدهم لترسيخ تلك التهم في أذهان القارئ، وإقناعه بها بكل وسيلة وحيلة، ولذلك فلا يهولن القارئ الكريم، ما قد يجده أحيانًا خلال هذه الأسطر من قسوة في العبارة، وإغلاظ في الأسلوب عند تلك المواطن التي قبُحت فيها النعوت المختلقة التي ألصقوها بالجهاد والمجاهدين، فالأمر فيما نرى لم يعد يتعلق بأشخاص بل ولا بجماعات بحيث يتجاوز عنه ولا يؤاخذ عليه، وإنما هو اقتلاعٌ لهذه العبادة الشريفة المنيفة من قلوب العباد، واستجرارهم إلى حياة الركود والخمود لتمر الدهور والعصور وهم تحت تذليل الطغاة لهم وتعبيدهم لقوانينهم، وليكونوا خُضَعَةً لكل وراد وشارد، وحيث قد بلغت الأذية بالجهاد والمجاهدين هذا المبلغ فإن لصاحب الحق مقالًا.
المقدمة الرابعة: دفعًا لما قد يشغب به بعض ذوي الأغراض من أن المجاهدين كانوا يعظمون الشيخ عبد القادر ويفخِّمونه، ويستدلون بكتبه وأبحاثه وفتاواه، ويتقون بتأصيلاته واستدلالاته، حتى إذا فاجئهم بوثيقة الترشيد وصارحهم فيها مصارحة مكشوفة، قلبوا له ظهر المجن وراحوا يردون عليه وينقضون أدلته ويتنصلون من انتسابه إليهم وغير ذلك، فإننا نقول وبحمد الله تعالى ما كنا يومًا لنعرف الحق بالرجال مهما علا كعبهم وارتفع شأنهم، وإنما مدارنا مع الدليل حيث دار، ولهذا فإن المجاهدين -فيما نعلم- هم أكثر الجماعات نقدًا لذاتهم وتصحيحًا لمسارهم واعترافًا بأخطائهم لا اعتمادًا منهم على توجيهات وإرشادات «أجهزة الأمن» ومؤسسة «راند» وأضرابها، وإنما طلبًا للحق ورجوعًا إليه ومحبة له مهما كلفهم ذلك من تبعة وإحراج.
وبخصوص الشيخ عبد القادر فقد كُتبت تعليقات ومناقشات قديمة لبعض ما خالف فيه الحق من المسائل الشرعية التي قررها في كتبه، فمن ذلك؛ ما كتبه الشيخ أبو محمد المقدسي ثبته الله وفرج عنه في رسالته اللطيفة التي أسماها «النكت اللوامع في تعليقات الجامع».
وكذلك الشيخ أبو قتادة ثبته الله وفرج عنه لديه تعليق مقتضب، في مقال له بعنوان «أهل القبلة والمتأولون» أشار فيه إلى أن كتاب الجامع قد تضمن بعض الأخطاء الشرعية التي تحتاج إلى رد ومناقشة، حيث قال -فرج الله عنه-: «وبهذا تعلم خطأ صاحب «الجامع في طلب العلم الشريف» الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز، حين أوجد قسمًا رابعًا، وجعله محتملًا، وهو الحكم على الرجل بالكفر والردة مع احتمالنا أن يكون مسلـمًا.
قال في حكمه على أنصار الطواغيت: «فحكمنا بكفرهم إنما هو على الظاهر ولا نقطع بكفرهم كممتنعين على الحقيقة لاحتمال قيام مانع من التكفير في حق بعضهم، مع التذكير بأنه لا يجب علينا البحث عن الموانع فالحكم عليهم إنما هو على الظاهر».
والشيخ وقع هنا في خطأ جسيم، لأنه جوز تكفير الرجل مع احتمال أن يكون مسلـمًا في الباطن، وهذا القول قول مبتدع لا يعرف له سلف، وقد وقع في هذا الخطأ لسببين:
أولهما: إعمال القواعد العامة من غير النظر إلى الاستثناء، والقاعدة التي أعملها هنا هي تبعض الأحكام، وقد رأيت أن لهذه القاعدة استثناء.
ثانيهما: خلطه لكلام الأئمة في نوع القتال وبين الحكم على الأعيان والأفراد، فقد يقاتل القوم مقاتلة المرتدين ونسميهم بطائفة ردة مع عدم تسمية أفرادهم وأعيانهم مرتدين لوجود موانع في بعض أفرادهم، فمجرد وجود احتمال المانع يجب إعماله والاهتمام به، وهو ههنا أقر باحتمال وجود الموانع، بل إنها هي الأغلب في واقعنا، فإعمالها هو الواجب.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب: «لا يقال إنه مجرد مجامعة ومساكنة المشرك يكون كافرًا، بل المراد أنه من عجز عن الخروج من بين ظهراني المشركين وأخرجوه معهم كرهًا فحكمه حكمهم في القتل وأخذ المال لا في الكفر».
فما ذكره الشيخ عبد القادر -حفظه الله وهدانا الله وإياه- من كلام الأئمة أن حكم الجاهل هو حكم الطائفة فالمقصود به حكمه في القتل وأخذ المال لا حكمه في الكفر، وقد اهتدى الشيخ لهذه المسألة في رده على كتاب الشيخ عبد المجيد الشاذلي «حد الإسلام وحقيقة الإيمان»، لكن فاتته ههنا، والكمال لله وحده.
وكتاب الشيخ «الجامع في طلب العلم الشريف» فيه غلو في مواطن عدة، أذكر بعضها ذكرًا سريعًا، وإن كان الكتاب يحتاج إلى مناقشة واسعة للكثير من أبحاثه:
1- غلوه في عدم إعذار صاحب «الرسالة الليمانية» في خطأه في فهم الموالاة.
2- غلوه في تسمية الموالاة -موالاة المشركين- قسمًا واحدًا، لا تحتمل إلا الكفر الأكبر.
3- غلوه في تسمية بعض الجماعات الإسلامية العاملة للإسلام؛ أنهم ليسوا من أتباع النبي ﷺ.
4- غلوه في تسمية من خالفه في بعض الحقوق الشخصية؛ بالمنافقين والضالين.
5- حكمه على من خالفوه في بعض الحقوق الشخصية؛ بأنهم يستحقون القتال كما يستحق المرتدون القتال سواء بسواء.
6- غلوه في إطلاق التكفير على عموم البرلمانيين والمنتخبين دون قيود كان ينبغي أن توضع باهتمام.
وهذا ليس تقليلًا من قيمة الكتاب، لكن الله أبى أن يتم إلا كتابه»١٬٢٢٧[أهل القبلة والمتأولون: (ص 10-11)]..
ومن ذلك ما كتبتُه قبل ثمان سنوات في كتاب «نظرات في الإجماع القطعي» وهو لمناقشة الشيخ عبد القادر في ادعائه الإجماع القطعي على كفر أنصار الطواغيت على التعيين وما رتب على ذلك من تكفير مَن لم يكفرهم، وكتاب الإجماع القطعي قد طبع ونشر والحمد لله منذ ذلك الوقت.
وكتاب الجامع في طلب العلم الشريف على ما فيه من فوائد جمة وتحقيقات دقيقة إلا أننا عاينّا أضرارًا بالغة أحدثها في أوساط الشباب المبتدئين ومن دونهم، ولا زال يتولد عنه اضطراب فكري وغلو واندفاع في إصدار الأحكام على الأفراد والجماعات، وقد ذكرت ذلك في مقدمة كتاب الإجماع القطعي فكان مما قلته: «وكذلك دفعنا إلى التعليق على هذا الدليل «دعوى الإجماع القطعي» خصوصًا -زيادة على ما فيه من أخطاء وتجاوزات- ما رأيناه ولمسناه من الآثار السلبية التي أنتجها بين الشباب، وذلك راجع إلى قالب العبارات الجازمة القاطعة التي صيغ بها -وهو أسلوب تكرر كثيرا في الكتاب- مما أدى إلى استغلال المغالين -جماعات وأفرادًا- له، بحيث صار محضنًا يتكاثرون تحته، وملجًأ ومتكًا يعزِّزون به ركنهم، ويقوّون باطلهم وزيفهم، وينمّون وينشرون أفكارهم الضالة ومذاهبهم المنحرفة مع علمنا اليقيني أن المؤلف لم يرد ذلك أو يقصده ولا هو يوافقهم أو يؤيدهم فيما ذهبوا إليه من التعميمات والإطلاقات والمجازفات.
بل وللأسف فقد تعدى أمر هذا الدليل إلى بعض الطيبين وتسرب إليهم فَعَدُّوا هذه المسألة -الحكم على أنصار الحكام المرتدين- مما يوالى ويُعادى عليها، وأن لا مجال لإبداء أي رأي آخر فيها، وصارت عندهم إحدى المحكات التي يعرف بها المرجئ من غيره، وغدا يُلوّح «بدليل الإجماع القطعي المدَّعىَ» في وجه كل من خالفه في ذلك الحكم».
فما نكتبه اليوم من المناقشات والردود ليس نتيجة لمسائل تاريخية، ولا وليد ردات الفعل ولا استجابة للإثارة الإعلامية ولا انفعالا مجردًا مع بعض عبارات التهييج التي قذفتها وثيقة الترشيد، وإنما هو استمرار في الطريق الذي عرفناه وسلكناه قديمًا مع الشيخ عبد القادر ومع غيره وكنا ولا زلنا نسير عليه بكل ثقة واطمئنان وشجاعة مع كل أحد ولو كان أقرب الأقربين.
المقدمة الخامسة: أن المجاهدين كغيرهم من البشر يجتهدون في طلب الحق والقيام به فيُصيبون تارةً ويخطئون تارةً، ولا يدَّعون لأنفسهم عصمةً في قول ولا فعل، بل يعتريهم من العوارض والنقص ما يعتري غيرهم من البشر، وهم ما استرخصوا نفوسهم، وهجروا ديارهم وأوطانهم، وتحملوا العناء والبلاء، وصاحبوا السهر والكد، إلا طلبًا لإرضاء الله تعالى ونصرة لدينه وكبتًا لأعدائه، والأخطاء لا يمكن أن يسلم منها عاملٌ لدين الله ﷻ، وخاصةً الجهاد في هذا العصر حيث تداخل الأمور وتفرعها وتشعبها وصعوبة واقع ساحات الجهاد وغير ذلك من الأسباب المعلومة، فلا ريب أن ذلك يؤدي إلى الوقوع في كثير من الأخطاء تكبر حينًا وتصغر أحيانًا، ولكنها لا تنعدم انعدامًا تامًا.
ومثل هذه الأخطاء لم يسلم منها زمن من الأزمنة حتى في خير القرون وفي غزوات خاضها وقادها الأتقياء الأنقياء، والعلماء الأمناء من الأمراء والمأمورين زمن النبي ﷺ، وكل ذلك لم يوجب تشنيعًا ولا تبشيعًا ولا تشهيرًا ولا تعييرًا ولا ازدراءً ولا انزواءً ولا «دعوة» لإيقاف الجهاد و«منع الصدامات» ولا عزلًا للقادة الذين وقعت تلك الأخطاء على أيديهم، بل قدِّمت لهم النصيحة بما يليق بجهادهم ومكانتهم وبُيِّن لهم الحق الذي خالفوه وبقيت قيادتهم وريادتهم واستمروا في جهادهم ومقاتلة أعدائهم فمن ذلك:
الأول: عن ابن عمر قال بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا؛ فجعل خالد يقتل ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره حتى قدمنا إلى النبي ﷺ فذكرناه فرفع يديه فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) مرتين١٬٢٢٨رواه البخاري، [وقد تقدم في: (ص 314)]..
قال الإمام ابن كثير بعد ذكْره ما وقع بين خالد وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما من مخاصمة في هذه الحادثة واتهام عبد الرحمن بن عوف لخالد بأنه إنما فعل ذلك ثأرًا لأبيه قال رحمه الله: «والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك، وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة، فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الإسلام وأهله، وإن كان قد أخطأ في أمر واعتقد أنهم ينتقصون الإسلام بقولهم: صبأنا، صبأنا، ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا، فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم، وقتل أكثر الأسرى أيضا، ومع هذا لم يعزله رسول الله ﷺ بل استمر به أميرًا، وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك وودى ما كان جناه خطأ من دم أو مال... ولهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك بن نويرة أيام الردة، وتأول عليه ما تأول، حين ضرب عنقه واصطفى امرأته أم تميم، فقال له عمر بن الخطاب: اعزله فإن في سيفه رهقا.
فقال الصديق: «لا أغمد سيفًا سله الله على المشركين»»١٬٢٢٩السيرة النبوية لابن كثير: (3 /594-595)..
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ومع هذا فالنبي ﷺ لم يعزل خالدًا عن الإمارة بل ما زال يؤمره ويقدمه لأن الأمير إذا جرى منه خطأ أو ذنب أمر بالرجوع عن ذلك وأقر على ولايته ولم يكن خالد معاندًا للنبي ﷺ، بل كان مطيعًا له، ولكن لم يكن في الفقه والدين بمنزلة غيره فخفي عليه حكم هذه القضية، ويقال: إنه كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية وكان ذلك مما حركه على قتلهم»١٬٢٣٠منهاج السنة النبوية: (4 / 87).، وقد كرر نظير هذا المعنى عدة مرات في كتبه وهو ظاهر.
الثاني: عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل وقال: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: لا ترايا ناراهما)١٬٢٣١رواه أبو داود [٢٦٤٥]، والترمذي [في العلل: (٤٨٣)]، والنسائي [4780]، والبيهقي [١٨٤١٩] وغيرهم، [وصححه الألباني]، إلا أن بعضهم رواه عن قيس بن أبي حازم عن النبي ﷺ مرسلًا، قال الإمام الترمذي في العلل: «سألت محمدًا عن الحديث فقال الصحيح عن قيس بن أبي حازم مرسل»..
الثالث: وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا المدينة بلغ ذلك النبي ﷺ فقال لي: (يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟)، قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذًا، فقال: (أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟)، فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم»١٬٢٣٢متفق عليه، [البخاري: (6872)، ومسلم: (96)]..
ورغم ما وقع من أسامة رضي الله عنه في هذه الحادثة فإن النبي ﷺ أمَّره على جيش فيه خيار الصحابة، وتوفي ﷺ بعدما عقد له اللواء وأنفذ جيشه من بعده خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
ونظائر هذه القصص التي وقع فيها الخطأ من الصحابة رضي الله عنهم أثناء جهادهم في حوادث متنوعة وعلى درجات متفاوتة وفترات متعددة كثيرةٌ ومعلومةٌ، وليس المقصود إحصاءها ولا استقصاءها، وإنما الإشارة فقط إلى أن الأخطاء في الجهاد لا يمكن أن تسلم منها ساحة ولا أن ينفك عنها زمن، ولا نعني بذلك أيضًا تبرير الأخطاء ولا إقراراها حينما تقع والتهاون في تصحيحها والمناصحة في تلافيها وتفاديها، ولكن لا يُقبَل أن تُجعل متكأ يستند إليه كل من أراد تعطيل الجهاد والفرار من ساحاته والتنصل من تبعاته بحجة أنها مليئة بالأخطاء وأن المجاهدين هم جهلة أغرار.
المقدمة السادسة: صاحب الوثيقة قد نقل عنه الناشرون قوله: «إنه ليس عالِمًا ولا مفتيًا ولا مجتهدًا في الشريعة»، ومع ذلك فقد ملأها بالأحكام الشرعية والتي تنص على «يجوز»، و«لا يجوز»، وهذا حرامٌ وهذا حلال، وقد سفه قادة المجاهدين لا سيما في لقائه مع جريدة الحياة حيث وصف قادتهم بأنهم: «فسقة غدرة»، وغير ذلك من الأوصاف الشنيعة التي لا تليق إلا بالعصابات الدنيئة التي كانت تشرف على «تدوين وإخراج ونشر» وثيقة التعبيد، والتي اعتادت ألسنتها السب والشتم والعبَّ من بِركته الآسنة عبًّا.
إذن فليقل لنا: إن لم يكن عالِمًا ولا مفتيًا ولا مجتهدًا فبأي وجه شرعي سوَّغ لنفسه أن يُطلق تلك الأوصاف على أشخاص معينين وعلى وقائع محددة؟ ومعلومٌ أن التفسيق كالتكفير لا يُنزَّل على المعين إلا بعد تبيّن الشروط وانتفاء الموانع كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وإنما المقصود هنا أن ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة، أو المخالف للكتاب والسنة، إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه، إما لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه، وإما لعدم قدرته كما قد قررته في غير هذا الموضع، وقررته أيضًا في أصل التكفير والتفسيق المبني على أصل الوعيد، فإن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك، لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع، هذا في عذاب الآخرة فإن المستحق للوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه في الدار الآخرة خالد في النار أو غير خالد، وأسماء هذا الضرب من الكفر والفسق يدخل في هذه القاعدة سواء كان بسبب بدعة اعتقادية، أو عبادية، أو بسبب فجور في الدينا وهو الفسق بالأعمال»١٬٢٣٣مجموع الفتاوى: (10 /371)..
فهلا قال لنا: مَن هو؟ ليس بمفتٍ، ولا عالمٍ، ولا مجتهدٍ في الشريعة، كيف استطاع أن يتبيّن الشروط ويستوفي الموانع في حق هؤلاء الذين حكم بتفسيقهم وهو معزولٌ في قعر زنزانته، أم أن إلهامات الأولياء وكشوفات أهل التصوف وملفات تحقيقات أجهزة الأمن صارت حجة شرعية كافية لإطلاق الأحكام بكل جرأة وصراحة حينما تكون سهامها موجهة للمجاهدين وقياداتهم؟!!
ومع ذلك فلو جارينا صاحب الوثيقة ومن ساعده في تدوينها وإخراجها وتسفَّلنا معهم فيما وصفوا به المجاهدين وألصقوه بهم من أبشع النعوت ونسبتهم إلى أقبح الأفعال كالخيانة والغدر والجهل وغير ذلك؛ فإننا نقول: إن كل ذلك لن يوصلكم إلى ما تريدون من تعطيل الجهاد وإيقاف سراياه، ولن يكون ذلك مستندًا شرعيًا تلجئون إليه لإلغاء الجهاد الذي تُرفع راياته ضد المحتلين وأعوانهم المرتدين مهما حاولتم التنفير بتشويه المجاهدين، وابتكار ما شئتم من الأوصاف القبيحة في حقهم، فمن أصول أهل السنة والجماعة المحفوظة والتي يجب التزامها والقول بها ونشرها والدعوة إليها هو «الجهاد مع كل برٍّ وفاجرٍ»، وهي مسألة معلومة محسومة منصوص عليها في كتب عقائدهم لا يماري فيها إلا كل مخترع مبتدع.
إذن فليكن المجاهدون كما وصفتم وزيادة -وحاشاهم- من الفسق والفجور والخيانة، فهل هذا يوجب التبرؤَ منهم والتحريض على عدم الجهاد معهم، والدعوة إلى منع إعانتهم فيما هم عليه من الحق؟! أم أن هذا فهم جديدٌ وعلمٌ دقيق اكتشف في غياهب السجون ليبيّن لنا خطأ ما دوَّنه علماء السلف والخلف في عقائدهم جيلًا بعد جيل؛ فننقضه اليوم من أصوله إرضاء لأصحاب العيون الزرقاء!!
ولا أظن أن هناك حاجة لنقل الأدلة والنصوص التي تقرر هذه القاعدة، وصاحب الوثيقة قد قررها وبينها وفصَّلها في كتابه «العمدة في إعداد العدة» قبل أن يشن حملة التنفير والتشويه على المجاهدين ووصفه لهم بأوصاف لم تجرؤ وسائل الإعلام -على سفاهتها وبذائتها- بأن تلصقها بهم، ولكن سأنقل هنا نصًا طويلًا مفصلًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول هذه المسألة إذ يقول:
«فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته وإقامة دينه وطاعة رسوله، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة، أو يتعدى عليهم في بعض الأمور، وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه: كان الواجب أيضًا قتالهم دفعا لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما؛ فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها، ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر؛ فإن الله ﷻ يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم كما أخبر بذلك النبي ﷺ؛ لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور؛ فإنه لا بد من أحد أمرين:
- إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا.
- وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام؛ وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها؛ بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه، وثبت عن النبي ﷺ: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم)١٬٢٣٤[متفق عليه، البخاري: (٢٨٥٢)، ومسلم: (١٨٧٣)].؛ فهذا الحديث الصحيح يدل على معنى ما رواه أبو داود في سننه من قوله ﷺ: (الغزو ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل)١٬٢٣٥[سنن أبي داود: (٢٥٣٢)، وقال الأرنؤوط: «حسن لغيره»].، وما استفاض عنه ﷺ أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة)١٬٢٣٦[البخاري: (٧٣١١)، ومسلم: (١٩٢٠) بألفاظ قريبة].، إلى غير ذلك من النصوص التي اتفق أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف على العمل بها في جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم؛ بخلاف الرافضة والخوارج الخارجين عن السنة والجماعة، هذا مع إخباره ﷺ بأنه (سيلي أمراء ظلمة خونة فجرة، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض)١٬٢٣٧[هكذا ذكره شيخ الإسلام، وهو مروي بألفاظ قريبة في مسند أحمد: (٢٣٢٦١)، وغيره، وصححه الأرنؤوط على شرط الشيخين].، فإذا أحاط المرء علـمًا بما أمر به النبي ﷺ من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم؛ علم أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض جهاد من يستحق الجهاد كهؤلاء القوم المسؤول عنهم مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله ولا يطيعهم في معصية الله إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا، وهي واجبة على كل مكلف، وهي متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارا»١٬٢٣٨مجموع الفتاوى: (6 / 425)..
ولعل صاحب الترشيد يوافق على أن المجاهدين وقادتهم الذين وصفهم بما وصفهم أحسن حالًا في دينهم وجهادهم ممن سئل عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وأجاب بعلم وفهم وإنصاف لا بانفعال وتعنت ورمي التهم بالجزاف فقد سئل رحمه الله: «عن أقوام يقيمون في الثغور، يغيرون على الأرمن وغيرهم، ويكسبون المال ينفقون على الخمر والزنا: هل يكونون شهداء إذا قتلوا؟».
الجواب؛ فأجاب: «الحمد لله، إن كانوا إنما يغيرون على الكفار المحاربين، فإنما الأعمال بالنيات، وقد قالوا يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية؛ ويقاتل رياء: فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)١٬٢٣٩[متفق عليه، البخاري: (١٢٣)، ومسلم: (١٩٠٤)].، فإن كان أحدهم لا يقصد إلا أخذ المال، وإنفاقه في المعاصي: فهؤلاء فساق مستحقون للوعيد، وإن كان مقصودهم أن تكون كلمة الله هي العليا؛ ويكون الدين لله؛ فهؤلاء مجاهدون، لكن إذا كانت لهم كبائر كان لهم حسنات وسيئات، وأما إن كانوا يغيرون على المسلمين الذين هناك: فهؤلاء مفسدون في الأرض؛ محاربون لله ورسوله؛ مستحقون للعقوبة البليغة في الدنيا والآخرة، والله أعلم»١٬٢٤٠مجموع الفتاوى: (9 / 209)..
ولعل مما يُستشهد به على أن كاتب الوثيقة يجعل المجاهدين أحسن حالًا من هؤلاء المسؤول عنهم عبارته اليتيمة التي تضمنتها وثيقة ترشيده حيث قال في حق المجاهدين: «وهذا كله مع تقديرنا وإقرارنا بأن الإخوة المجاهدين في كل مكان هم في الجملة أصحاب قضية نبيلة وحملة رسالة سامية، وليس صحيحًا أنهم طلاب منافع دنيوية، بل إن كثيرًا منهم يضحون بالنفس والنفيس من أجل إعزاز الإسلام والمسلمين».
ونحن نعتذر لكل المجاهدين أن ساقنا الحديث حتى ولجنا هذا المولج الشنيع، وتنزلنا مع أصحاب الوثيقة هذا التنزل الوضيع، الذي صار فيه المجاهدون الصادقون الباذلون نفوسهم لمليكهم فاسدين مفسدين فسقة فجرة كما جرى بذلك قلم المرشِّد فسايرناه في دعواه إلى أقصى ما يمكن، ليعلم -وهو يعلم ذلك حتمًا- أن ذلك كلَّه ومعه أضعاف مضاعفة من التفسيق والتخوين والتجهيل لا يُسقط فرضية الجهاد، ولا يمنع من مناصرة المجاهدين، والوقوف معهم، بل من أبى ذلك وهو لا يجد غيرهم، وكان فسادهم أقل من فساد أعدائهم الذين يدافعونهم فهو آثمٌ، آثمٌ، تاركٌ لفريضة من فرائض الله، فهل يذهب كاتب الوثيقة إلى أن فساد المجاهدين هو أشد وأعظم من فساد «المشرفين» على تدوين وإخراج الوثيقة، وهل يرى أن الضرر الحاصل من جهادهم ومدافعتهم لأعدائهم هو أعظم من ضرر منبع الخبال والوبال أمريكا التي ما تركت بيت وبر ولا مدر إلا وأصابه شيء من فسادها وإفسادها، من يدري لعله يرى ذلك؟!
المقدمة السابعة: أخبر النبي ﷺ كما جاء في الأحاديث المتواترة بأن هناك طائفة ظاهرة على الحق تقاتل عليه لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى يقاتل أخرهم الدجال، فمن ذلك ما رواه مسلم١٬٢٤١[١٩٢٤]. عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)، وهذا الإخبار متضمنٌ لأمرين:
الأول: هو التصديق الجازم بصدق هذا الخبر وأنه سيكون لا محالة وأن هذه الطائفة تسلك طريق الحق وسبيل الهدى على بصيرة به، وأنها لم تزل باقية إلى الأمد الذي ذكرته الأحاديث، وأن من أهم صفاتها البارزة هو قتالها لأعداء الله تعالى، قال العلامة عليّ القاري رحمه الله في شرحه لقول النبي ﷺ: (لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)١٬٢٤٢رواه مسلم [١٩٢٢].، قال: «والمعنى لا يخلو وجه الأرض من الجهاد، إن لم يكن في ناحية يكون في ناحية أخرى حتى تقوم الساعة أي يقرب قيامها»١٬٢٤٣مرقاة المفاتيح: (11 /441)..
والثاني: أن المقصود بهذا الإخبار ليس مجرد التصديق، وإنما الحث على الكينونة في هذه الطائفة والبحث عنها ومناصرتها ليجمع المرء المسلم بين التصديق بالخبر والالتزام بالأمر، لأن المسلم مأمورٌ بالتزام الحق ومعاضدة أهله، بل جعل بعض العلماء صيغة أحاديث الطائفة المنصور صيغة خبر وحقيقتها الأمر كما قال العلامة عليّ القاري رحمه الله: «وهو لا ينافي أن يكون خبرًا معناه الأمر كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، فإنا مأمورون وجوبًا أن نحفظ القرآن بالقراءات المتواترة على سبيل الكفاية»١٬٢٤٤مرقاة المفاتيح: (11 / 441)..
ونظير هذا في كتاب الله تعالى قوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54].
قال شيخ الإسلام: «فإنه ما ارتد عن الإسلام طائفة إلا أتى الله بقوم يحبهم يجاهدون عنه وهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة»١٬٢٤٥مجموع الفتاوى: (18 / 300)..
وقال أيضًا رحمه الله: «هذه الآية تدل على أنه لا يرتد أحد عن الدين إلى يوم القيامة إلا أقام الله قوما يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون هؤلاء المرتدين، والردة قد تكون عن أصل الإسلام كالغالية من النصيرية والإسماعيلية فهؤلاء مرتدون باتفاق أهل السنة والشيعة وكالعباسية، وقد تكون الردة عن بعض الدين كحال أهل البدع الرافضة وغيرهم، والله تعالى يقيم قوما يحبهم ويحبونه ويجاهدون من ارتد عن الدين أو عن بعضه كما يقيم من يجاهد الرافضة المرتدين عن الدين أو عن بعضه في كل زمان، والله سبحانه المسؤول أن يجعلنا من الذين يحبهم ويحبونه الذين يجاهدون المرتدين واتباع المرتدين ولا يخافون لومة لائم»١٬٢٤٦منهاج السنة النبوية: (7/221)..
فمثل هذه الآية والأحاديث التي جاءت في الطائفة المنصورة وبيان صفتها، تنفي مزاعم الاستضعاف العام الذي يحاول البعض أن ينحت الصخر لإثباته وغرسه في قلوب الأمة وإقناعها به بكل وسيلة وحيلة، وتثبت أن الأمة أمة قتال وجهاد وظهور ومقابلة لأعدائها في جميع الأعصار، وعلى مختلف الظروف، فكان الواجب على وثيقة الترشيد -إن كانت تريده كما تزعم- أن تحث الأمة على البحث عن الطائفة المنصورة، وأن تؤكد لها تأكيدًا قاطعًا بوجودها ووجوب مناصرتها والوقوف معها وتقوية صفوفها، بدلًا عن جذبها إلى هاوية الخور وتعزيز معاني الاستكانة، وتهويل أمر أعدائها في أعينها، فهذا هو الترشيد وهو الرشاد الذي يجب أن يقوم به الناصح «المحرض» إن كان يريد التحريض، والله المستعان.
❖ ❖ ❖