الوقفة الخامسة
لما نزل بأولئك الربيين ما نزل من المصاب، وكابدوا الشدائد وصبروا لها، عَلِموا أن كل ما أصابهم إنما هو بذنوبهم -هذا وهم أصحاب الأنبياء- فبادروا إلى الاستغفار، وأشغلوا ألسنتهم به حتى لكأنهم لم ينطقوا بغيره ولم ينصرفوا لسواه كما أخبر الله ﷻ عنهم بقوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا﴾ [آل عمران: 147]، فجمعوا بذلك بين صلاح الظاهر والباطن سواء في أعمالهم وأقوالهم وقلوبهم، فأما أعمالهم فإنهم ما وهنوا لعدوهم ولا ضعفوا أمامهم ولا استكانوا له ونالوا محبة الله بصبرهم، وأما صلاح أقوالهم فكثرة استغفارهم واعترافهم بذنوبهم واتهامهم لأنفسهم، وهذا دليل على صلاح قلوبهم وما فيها من التواضع والخضوع والانكسار والتوبة لله ﷻ.
فما أحوجنا -حقًا- لأن نأتسيَ بهؤلاء الخيار في هذه الخصال، ونرجع إلى أنفسنا فنتهمها عند الابتلاء بالمصائب -ومنها تسلط الأعداء- فنتوب توبةً نصوحًا ونعلم أن ما أصابنا فبما كسبت أيدينا ويعفو عن كثيرٍ، فنكون أقوياء أشداء جُلَداءَ ثابتين صابرين أمام عدونا، ومتواضعين خاضعين منكسرين بين يدي ربنا تلهج ألسنتنا بالاستغفار، والاعتراف بالتقصير، والإقرار بالذنوب بل والإسراف فيها اقتداءً بهؤلاء الأبرار الذين صحبوا الأنبياء ونالوا من ربهم المدح والثناء، فما اغتروا ولا زهوا ولا بطروا.
قال العلامة ابن عطية رحمه الله: «واستغفار هؤلاء القوم الممدوحين في هذا الموطن ينحو إلى أنهم رأوا ما نزل من مصائب الدنيا إنما هو بذنوب من البشر»١٬٧٦١المحرر الوجيز: (2/ 22)..
قال شيخ الإسلام رحمه الله عن الآية المذكورة: «فجمعوا بين الصبر والاستغفار، وهذا هو المأمور به في المصائب: الصبر عليها والاستغفار من الذنوب التي كانت سببها.
والقتالُ كثيرًا ما يقاتل الإنسان فيه لغير الله كالذي يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء. فهذا كله ذنوب، والذي يقاتل لله قد يسرف فيقتل من لا يستحق القتل، ويعاقب الكفار بأشد مما أمر به»١٬٧٦٢مجموع الفتاوى: (11 / 694)..
وقال أيضًا: «فما وهن المؤمنون لما أصابهم بقتله وما ضعفوا، وما استكانوا، والله يحب الصابرين، ولكن استغفروا لذنوبهم التي بها تحصل المصائب -فما أصابهم من سيئة فمن أنفسهم- وسألوا الله أن يغفر لهم، وأن يثبت أقدامهم، فيثبتهم على الإيمان والجهاد لئلا يرتابوا، ولا ينكلوا عن الجهاد»١٬٧٦٣مجموع الفتاوى: (14 / 374)..
وقال رحمه الله: «وقد أخبر سبحانه أن كثيرًا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير أي ألوف كثيرة وأنهم ما ضعفوا ولا استكانوا لذلك، بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت سبب ظهور العدو»١٬٧٦٤الجواب الصحيح: (6 /415)..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان: تقصير في حق أو تجاوز لحد، وأن النصرة منوطة بالطاعة، قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا..»١٬٧٦٥زاد المعاد: (3 /225)..
وقال العلامة الرازي رحمه الله: «إنما قدموا قولهم: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا﴾ [آل عمران: 147]؛ لأنه تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين، فإذا لم تحصل النصرة وظهر أمارات استيلاء العدو، دل ذلك ظاهرًا على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين؛ فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة، فبين تعالى أنهم بدأوا بالتوبة عن كل المعاصي وهو المراد بقوله: ﴿ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ فدخل فيه كل الذنوب، سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر، ثم إنهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة منها بالذكر بعد ذلك لعظمها وعظم عقابها وهو المراد من قوله: ﴿وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا﴾؛ لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه»١٬٧٦٦تفسير الرازي: (4 / 408)..
وقد ذكرنا من قبل أن من أسباب تحصيل القوة ودفع الهوان والضعف الانكفافَ عن المعاصي، فارتكابها والاستهانة بها والإسراف فيها أيضًا من أعظم أسباب الهزائم والخذلان، فبجانب إعداد القوةِ والتهيؤ لملاقاة العدو والصبر في منازلته يتعيَّن على المجاهدين أن يستغفروا ربهم ويتوبوا إليه، ويتهموا أنفسهم في كل ما يحيق بهم، وليحذروا العجب والغرور، والتكبر، والفخر، وفساد النيات، وليجتنبوا ظلم الناس سواء في دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم، واحتقارَ ضعفائهم، وليكن تفحصهم لأنفسهم أشد من تفحصهم لغيرهم، وليحبِسوا مُكِبَّ الناس في النار على وجوههم «اللسان» إلا بالنطق بما ينفعهم تمامًا كفعل أولئك الربيين الذين لم يكن لهم قولٌ -وهم بين الضرب والطعن- إلا الاشتغال بالاستغفار مع هضمهم لأنفسهم واتهامهم لأعمالهم، وهذا يعني أن التوبة من الذنوب واستغفار الله من اقترافها يجب أن تكون ملاصقة للإنسان في كل أحايينه سواء قبل القتال أو أثناءه أو بعده.
وكذلك ينبغي أن يكون أهل الجهاد جميعًا، فليقدِّموا توبتهم الصادقة وكثرة استغفارهم على طلبهم نصرةَ ربهم وتثبيت أقدامهم فالتخلية قبل التحلية، ثم ليداوموا على ذلك ويجعلوه هِجَّيراهم حتى يلازمهم الصفاء والنقاء والزكاء فينالوا محبة الله بصبرهم في قتالهم وتوبتهم من ذنوبهم فحريٌ بهم آنذاك أن يكونوا أهلًا لتنزل نصرة ربهم، فإن الله يحب الصابرين ويحب التوابين، وعليهم أن لا يحتقروا من الذنوب شيئًا سواء منها الظاهرة كالظلم وسفك الدم بغير حقٍ أو أخذ أموال الناس بالباطل أو التقاطع والتهاجر على أمور الدنيا أو الذنوب الباطنة كالعجب، واحتقار الناس، والترُّفع وغير ذلك.
وقد رأينا ما حلَّ بالصحابة رضوان الله عليهم -وبينهم رسول الله ﷺ- حينما خالفوا أمره، فكانت الهزيمة بعد النصر والغم بعد الفرح كما قال ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِمَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152]، وقال ﷻ: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران: 165]، فهذا في أمرٍ ظاهرٍ قد ارتكبه بعضهم، فكانت المصيبة شاملةً لهم.
وقال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ﴾ [التوبة: 25].
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «وظهور الكفار على المؤمنين أحيانًا هو بسبب ذنوب المسلمين كيوم أحد، فإن تابوا انتصروا على الكفار وكانت العاقبة لهم، كما قد جرى مثل هذا للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار، وهذا من آيات النبوة وأعلامها ودلائلها، فإن النبي إذا قاموا بعهوده ووصاياه، نصرهم الله وأظهرهم على المخالفين له، فإذا ضيعوا عهوده ظهر أولئك عليهم، فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي وجودًا وعدمًا من غير سبب يزاحم ذلك»١٬٧٦٧الجواب الصحيح: (6 / 415)..
وقال أيضًا: «وقد قال ﷻ: ﴿وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٢٢ سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا﴾ [الفتح: 22-23]؛ فأخبر أن سنة الله التي لا تبديل لها نصر المؤمنين على الكافرين، والإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة الله ورسوله، فإذا نقض الإيمان بالمعاصي كان الأمر بحسبه كما جرى يوم أحد»١٬٧٦٨[الجواب الصحيح: (6/419)].، والله تعالى أعلم.
❖ ❖ ❖