حكم الاستئسار للعدو وتسليم النفس له عند عدم القدرة على المقاومة
السؤال: ما حكم الاستئسار، وهو أن يضطر المسلم المُجْهَد لأن يُسلم نفسه للكفار ويستسلم لهم، وإذا كان ذلك جائزًا فهل هو على إطلاقه أم له ضوابط وقيود؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذه المسألة يسميها الفقهاء الاستئسار، وهي أن يُسلم المسلم المجاهد نفسه للكفار ليأسروه حين يضطر لذلك بحيث يعجز عن قتالهم أو الهروب منهم وهي جائزة في المذاهب الأربعة للحديث الذي رواه البخاري٣٬٥٦٨[في صحيحه (٣٠٤٥)]. وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط سرية عينًا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة وهو بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل، يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب؛ فاقتصوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدًا، قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل؛ فقتلوا عاصمًا في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم إن لي في هؤلاء لأسوة يريد القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم؛ فأبى، فقتلوه فانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيرًا»، ولهذا بوَّب الإمام البخاري رحمه الله لهذا الحديث بقوله: «باب: هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر».
وقال المجد بن تيمية في كتابه منتقى الأخبار: «باب من خشي الأسر فله أن يستأسر وله أن يقاتل حتى يقتل»، وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: «وقد استدل المصنف رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أنه يجوز لمن لم يقدر على المدافعة، ولا أمكنه الهرب أن يستأسر، وهكذا ترجم البخاري على هذا الحديث «باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر؛ أي هل يسلم نفسه للأسر أم لا؟» ووجه الاستدلال بذلك أنه لم ينقل أن النبي رضي الله عنه أنكر ما وقع من الثلاثة المذكورين من الدخول تحت أسر الكفار، ولا أنكر ما وقع من السبعة المقتولين من الإصرار على الامتناع من الأسر، ولو كان ما وقع من إحدى الفرقتين ليس بجائز لأخبر رضي الله عنه أصحابه بعدم جوازه وأنكره، فدل ترك الإنكار على أنه يجوز لمن لا طاقة له بعدوه أن يمتنع من الأسر وأن يستأسر»٣٬٥٦٩نيل الأوطار [شرح منتقى الأخبار]: (٨/ ٨٢) [والمصنف المذكور في كلام الشوكاني هو المجد ابن تيمية صاحب «منتقى الأخبار»]..
إلا أن المقاومة والإصرار وعدم الاستسلام والامتناع عن الاستئسار أولى وأفضل وإن أدى إلى القتل لما فيها من حفظ المرء نفسه وعرضه ونيله الدرجة العلية بالشهادة في سبيل الله ولهذا قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «وإذا خشي الأسر فالأولى له أن يقاتل حتى يقتل، ولا يسلم نفسه للأسر، لأنه يفوز بثواب الدرجة الرفيعة، ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب والاستخدام والفتنة، وإن استأسر جاز لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ بعث عشرة عينًا..»٣٬٥٧٠المغني: (٩/ ٢٥٥) [والحديث تقدم ذكره قبل قليل]..
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفوائد المستقاة من الحديث المذكور: «وفي الحديث أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يُمكِّن من نفسه ولو قتل أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة له أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك، وقال سفيان الثوري: أكره ذلك»٣٬٥٧١فتح الباري: (٧/ ٤٨١)..
فالصورة التي وقعت بها حادثة الصحابي خبيب ومن معه رضي الله عنهم، هي وقوعهم في حصار تام وكثرة من أعدائهم، مع تيقنهم أو بغلبة ظنهم أنهم مقتولون جميعًا إن لم يستسلموا، ولهذا فقد قتل كل من أبى الاستئسار منهم أو تراجع عنه فيما بعد، وهذا مع انعدام سبيل الهروب والانسحاب، وهي الصورة التي ينبغي أن يُقتصر فيها على الجواز ويُحصر فيها الحكم، ولهذا فإننا نلاحظ أن بعض الفقهاء الذين نقلنا كلامهم آنفًا قيدوا جواز الاستئسار بقيدين:
الأول: ألا تكون لدى المسلم الطاقة والقدرة على المقاومة، ويدخل في هذا كثرة عدد الكفار، أو فقدان المجاهد للسلاح أصلًا، أو انتهاء ذخيرته.
الثاني: أن يحاصر بحيث لا يجد سبيلًا للهروب والانسحاب.
وقد نص الشافعية على شروطٍ أخرى يلزم توافرها في المسلم حتى يجوز له الاستئسار وهي: «أن يخاف أن يترتَّب على عدم الاستسلام قتله في الحال، وألَّا يكون المستسلم إمامًا، أو عنده من الشجاعة ما يمكنه من الصمود، وأن تأمن المرأة على نفسها الفاحشة»٣٬٥٧٢ويُراجع في ذلك كتاب «مَشارع الأشواق إلى مصارع العشاق»، [وهذا النصُّ عن الشافعية منقول من: الموسوعة الكويتية (4/214)]..
بل قد نقل الشيخ عبد الله عزام رحمه الله الإجماع على أن المرأة إذا خافت على نفسها الفاحشة لا يجوز لها الاستسلام والاستئسار فقال: «فقد أجمع الفقهاء على أن المرأة التي تخاف على عرضها يجب أن تدافع عن نفسها حتى تموت ولا يجوز لها الاستسلام للأسر لحال من الأحوال»٣٬٥٧٣[جهاد] شعب مسلم (ص ٧٣)..
ولا يدخل في صورة الاستئسار التي يتكلم عليها الفقهاء بعض من يضعف حاله ويشتد خوفه ويضيق ذرعًا من كثرة المطاردات والتنقلات وهو بين إخوانه المجاهدين، ثم يذهب طائعًا مختارًا ليُسلم نفسه إلى أعداء الله، لا سيما ونحن نعلم يقينًا أن الكفرة لن يتركوه حتى يأخذوا منه كل ما يحمله من معلومات عن إخوانه المجاهدين.
ولا يخفى ما يترتب على ذلك من المصائب والمفاسد التي لا يحصيها إلا الله، فمثل هذه الحالة لا تجوز قطعًا وصاحبها مرتكب لأمر عظيم وواقع في إثم جسيم، إذ جعل للكافرين على نفسه سبيلًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].
وننصح إخواننا المجاهدين بالثبات والاستبسال أمام أعدائهم، وأن يدفعوا عنهم «قهر الرجال» ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وأن يقدِّموا القتل وطلب الشهادة على الأسر والحياة، فهو أقوى لقلوب إخوانهم، وأحفظ لأسرارهم وخططهم، وأخزى لأعدائهم.
ولتعلموا أن أعداءنا هم أحرص على أسرنا وإبقائنا من قتلنا، لما لهم في ذلك من التشفي والإذلال للأسرى المسلمين أولًا، ولما يجمعونه من معلومات دقيقة ومهمة عن المجاهدين بحيث يبنون خططهم وسياساتهم وتحركاتهم وفقًا لما رصدوه من المعلومات.
نسأل الله أن يوفقكم ويسدد خطاكم ويحفظكم حفظًا تامًا دائمًا وأن يقر أعين المؤمنين بكم وبأعمالكم.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: حكم الاستئسار للعدو وتسليم النفس له عند عدم القدرة على المقاومة
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا