🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

الدرس السابع: ما يلزم الجيش تجاه الأمير - أحكام السلب

الدرس السابع: ما يلزم الجيش تجاه الأمير - أحكام السلب

۞

والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام الحجاوي رحمه الله: «ويلزم الجيش طاعة الأمير، والنصح له والصبر معه في اللقاء وأرض العدو واتباع رأيه والرضا بقسمته للغنيمة وبتعديله لها، وإن خفي عنه صواب عرَّفوه ونصحوه فلو أمرهم بالصلاة جماعة وقت لقاء العدو فأبوا عصوا».

الشيخ: بالأمس نتكلم عما يلزم الأمير تجاه الجيش، واليوم نتكلم عما يلزم الجيش تجاه الأمير، فقال هنا: «ويلزم الجيش طاعة الأمير لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59]، وقوله : (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني)٢٬٥٩٥[متفق عليه، البخاري: (٧١٣٧)، ومسلم: (١٨٣٥)].، الحديث في الصحيحين.

ويلزمهم النصح له لحديث: (الدين النصيحة)٢٬٥٩٦[رواه مسلم: (٥٥)].، ولأن نصحه نصح للمسلمين؛ ولأنه يدفع عنهم فإذا نصحوه كثر دفعه وفي الأثر: إن الله يزَع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»؛ يعني يكف بالسلطان ما لا يكف بالقرآن، فكثير من الناس لا تردعهم الموعظة ولا يكفيهم التذكير، وإنما وجد السلطان والعقاب والقوة فعندها يكفون عما يرتكبون، كالحرامية قطاع الطريق.

ص 1642

قال: «ويلزمهم الصبر معه في اللقاء وأرض العدو»؛ يعني أن يثبتوا معه ويصبروا، «لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: 200]؛ ولأنه من أقوى أسباب النصر والظفر»؛ يعني أن الصبر من أقوى أسباب النصر والظفر، كما قال الله ﷻ: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

قال: «ويلزمهم أيضًا اتباع رأيه والرضا بقسمته للغنيمة وبتعديله لها»، فيلزمهم أيضًا أن يقبلوا وأن يرضوا بما قسم من الغنيمة؛ «لأن ذلك من جملة طاعته»؛ فلا يكون متهمًا في قسمة الغنيمة، كأن لا يقول أحد: لِمَ أعطيتَ هذا سيفًا وأعطيت هذا رمحًا؟ وكذلك يرضون بتعديل الغنيمة يعني التكميل في النقص، مثلًا هذا السيف قيمته ثلاثون ألفًا، وهذا الرمح قيمته عشرون ألفًا، فيعطيه رمحًا ويكمل له بغيرها مما يساوي قيمة السيف، ويكون سهمًا كاملًا.

«وإن خفي عنه صواب عرَّفوه ونصحوه»؛ يعني بالشورى؛ «فلو أمرهم بالصلاة جماعة وقت لقاء العدو فأبوا عصوا»، حتى ولو أمرهم الأمير أن يصلوا الصلاة جماعة في وقت لقاء العدو ليس المقصود به في وقت المسايفة والاشتباك، وإنما عندما يصطف الجيشان فلو أمرهم فأبوا قالوا: لن نصلي جماعة؛ فإنهم قد عصوه بذلك، قال الآجُرِّي: «لا نعلم فيه خلافًا»؛ يعني أنهم قد عصوا بذلك، «ولو قال سيروا وقت كذا دفعوا معه» أي انطلقوا معه وخرجوا معه وأسرعوا في الوقت الذي أمرهم به، «نص عليه»؛ يعني الإمام أحمد.

قال ابن مسعود: «الخلاف شر»٢٬٥٩٧[رواه أبو داود: (١٩٦٠)].، ذكره ابن عبد البر وقال: كان يُقال: «لا خير مع الخلاف ولا شر مع الائتلاف»٢٬٥٩٨[أدب المجالسة وحمد اللسان: (ص 111)].، وهذا معروف من الأمثلة، فالخلاف شر.

قال: «ونقل المروذي: لا يخالفوه يتشعث أمرهم»؛ يعني يتشتت ويتشعث أمرهم أو يتشتت أمرهم، فليس لهم أن يخالفوا أمره فيما لم يكن معصية ومخالفة صريحة لكتاب الله أو لسنة النبي ﷺ.

ص 1643

قال: «ولا يجوز لأحد أن يتعلف» وهو تحصيل العلف للدواب «ولا يتحطَّب» وهو تحصيل الحطب «ولا يبارز علجًا، ولا يخرج من العسكر ولا يحدث حدثًا» يعني أمرًا «إلا بإذنه» أي الأمير؛ فانظر إلى أي مدى ينص الفقهاء على وجوب استئذان الأمير حينما يكونون تحته، حتى مجرد أن يخرج للاعتلاف؛ يعني من أجل أن يجمع العلف للدواب وهذا من مصلحة الجيش مباشرة، أو للاحتطاب؛ يعني ليجمع لهم الحطب وهذا أيضًا من مصلحة الجيش مباشرةً، أو أن يخرج للمبارزة؛ يعني يخرج ويطلب المبارزة من العدو من غير إذن الأمير، أو أن يحدث أمرًا في داخل الجيش، كأن يطلب من جماعة أن يذهبوا معه، أو أن يُغِيروا من هذه الجهة، أو أن يفعلوا شيئًا، قال: لا يجوز لهم أن يفعلوه إلا بإذن الأمير.

ولذلك نحن نقول: إن مَن وصلوا إلى ساحة الجهاد وكانوا تحت سمع وطاعة أمرائهم؛ فليس لهم أن ينتقلوا من الساحة التي وصلوا إليها وكانوا تحت أمرائها إلا بإذنهم، إذا كان هذا الأمر يتعلق بالاحتطاب والتعلف وإحداث بعض الأمور؛ فكيف بمن يترك ساحة الجهاد من غير إذن أمرائه لا لينتقل إلى ساحة أخرى؟! بل ليرجع وعن طريق أعداء الله وسفاراتهم ويقدم ما عنده من معلومات وأسرار وغير ذلك؟!! لا شك أنه أعظم ذنبًا وأكثر إثمًا.

أحد الحضور: يا شيخ، حتى لو كان ليس في عنقه بيعة لهم؟

ص 1644

الشيخ: تكلمنا سابقًا على البيعة، وقلنا: لا فرق، كما قلنا مرارًا: البيعة إنما هي تأكيد للأمر؛ لأن طاعة الأمراء ثبتت بموجب الشرع كالحديث والآية التي افتتحنا بها الدرس اليوم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59]، ولقول النبي ﷺ: (من أطاعني فقد أطاع الله) إلى آخر الحديث٢٬٥٩٩[متفق عليه، البخاري: (٧١٣٧)، ومسلم: (١٨٣٥)].، وكذلك لقول الله ﷻ وهذه الآية يستدل بها العلماء كثيرًا على هذه الجزئيات التي كنا نذكرها: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ﴾ [النور: 62]، قالوا: يُنزَّل النواب عن النبي ﷺ منزلتَه في وجوب الاستئذان عند وجود الأمر الجامع.

فالبيعة إنما هي تأكيد لهذا الواجب، فالإنسان وصل إلى ساحة الجهاد عن طريق ترتيب إخوانه، ليس هذا مِنّة منهم عليه، وإنما هذا مما يؤثر في الحكم الشرعي، فوصل عن طريق ترتيب إخوانه ونزل في مضافات إخوانه، ومشى على برامج إخوانه في التدريب والانتقال إلى الجبهات وغير ذلك، ثم فجأة بدى له أن يترك ساحة الجهاد.. أين هذا الأمر الجامع الذي بينك وبين إخوانك؟ أين هذا؟ كيف تترك هذا الأمر الجامع الذي بينك وبينهم من غير استئذان؟

فهذا يتعامل أصلًا مع إخوانه على أنهم أمراؤه وأولي الأمر له؛ يسمع ويطيع لهم، إذا بايع فقد أكَّد هذا الواجب، وأما وجوب السمع والطاعة فهو ثابت بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ.

ولذلك نرى هنا أن العلماء عندما قالوا: لا يحتطب ولا يتعلف ولا يحدث أمرًا.. ما قالوا: هذا إن كان مبايعًا، فأما إن لم يكن مبايعًا فله ذلك! لا، لماذا؟ لأن ضرر دخوله في مثل هذه الأمور قد يقع على الجيش بكامله؛ فقد يكون العدو قد كمنوا لهذا الجيش فيقع أسيرًا عندهم، أو يكون العدو قد بث عيونه وعرف أن الجيش قد وصل هنا، فهذه كلها من الأسباب التي تؤدي إلى وقوع الأضرار والمفاسد على هذا الجيش، فكيف بمن يذهب تطوعًا من عنده ليقدم هذه الأسرار التي تؤدي حتمًا إلى وقوع المفاسد لا على جيشه فقط، بل على تجمع كامل للمجاهدين، ويؤدي هذا إلى ضياع جهود تعب فيها المجاهدون سنوات، هذا كيف يلاقي الله ﷻ؟!

أما إذا ذهب بإذن أمرائه وبتكليف منهم؛ فإنما أرسلوه لمصلحة تتعلق بالجهاد، فهذا إذا قدر الله وأسر أو قتل فهذا كحال الإنسان الذي يؤسر في ساحة المعركة؛ فلذلك لا أرى فرقًا فيما يظهر والله تعالى أعلم من جهة أصل الأجر بين من يكونوا في ساحة الجهاد التي يحصل فيها القتال، وبين من يكلَّف بأن يكون في ساحة أخرى تتعلق مهامها وأعمالها بساحة الجهاد تلك؛ لأن هذا إنما قعد بتكليف، وذاك أيضًا إنما قعد بتكليف، وحال المجاهد إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، فكما أن هذا يعد مرابطًا وله أجر المرابط؛ فكذلك من رجع بأمر أمرائه إلى مكان لمصلحة تتعلق بالجهاد فهو مرابط وله أجر المرابط.

ص 1645

السائل: هذا يدخل إذا كان في الجبل أو في الطريق استراح في مكان؟

الشيخ: أنا قلت هذا إذا كان مثلًا في عملية أو في طريقه للعملية، لكن مثلًا لو كان المركز ثابتًا مستقرًّا فهذا لا يحتاج إلى الاستئذان في مثل هذه الأمور، لكن أن ينتقل الإنسان في سيره إلى العملية؛ فهذا هنا ينبغي ألا يخرج من هذا الموقع الذي حدده الأمير إلا بإذنه، لماذا؟ أحيانًا لا يقع أسيرًا، ولكن أحيانًا يذهب ويتحرك الجيش فلا يدركهم بعد ذلك أو تضيع عليه الطريق؛ فيقع بعد ذلك إما عند العدو، وإما أن يبقى حائرًا تائهًا.

قال: «لأنه أي الأمير أعرف بحال الناس الذين معه وحال العدو ومكامنهم وقوتهم، فإذا خرج إنسان أو بارز بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كمينًا للعدو فيأخذوه أو يرحل بالمسلمين ويتركه فيهلك، أو يكون ضعيفًا لا يقوى على المبارزة فيظفر به العدو فتنكسر قلوب المسلمين»، أحيانًا واحد عامل نفسه بطل، خرج للمبارزة بغير إذن الأمير فيكون ضعيفًا ليست لديه القدرة على ذلك؛ فيُقتل؛ فيؤدي ذلك إلى كسر قلوب المجاهدين الذين معه، أما الأمير فهو أعرف بمن يتقن المبارزة ويقدر عليها، قال: «بخلاف ما إذا أذن فإنه لا يكون إلا مع انتفاء المفاسد»؛ أي التي عددناها.

ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ﴾ [النور: 62].

قال: «ولا ينبغي أن يأذن أي الأمير في موضع إذا علم أنه مَخُوف»؛ يعني ولا ينبغي للأمير أن يأذن لشخص في موضع إذا علم أن هذا الموضع مخوف، أي يمكن أن يقع في كمين أو يمكن أن يضيع أو يمكن أن يكون العدو قد كمنوا له وهكذا، نصَّ عليه؛ لأنه تغرير بهم، بمن معهم.

قال «وإن دعا كافر للبراز» هذا لا نحتاجه، نحن الآن ليس عندنا المبارزة.

«السلب»

ثم قال: «وإن قتله»؛ أي المسلم المبارز إذا قتل الكافر، «أو أثخنه»؛ يعني جرحه جرحًا بليغًا لا يستطيع معه الحركة، «فصار في حكم المقتول، فله سلبه»؛ يعني فللقاتل سلبه.

ص 1646

«لحديث أنس وسمرة أن النبي قال: (من قتل قتيلًا فله سلبه)، هذا الحديث صحيح، وفي حديث أبي قتادة: (وله عليه بينة)»؛ يعني أن النبي ﷺ قال: (من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه).

والحديث الطويل؛ أي حديث أبي قتادة، وهو أن رجلًا من المشركين علا رجلًا من المسلمين فجاءه أبو قتادة من ورائه فضربه بالسيف على عاتقه فالْتفت المشرك إلى أبي قتادة، قال أبو قتادة: «فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فتركني»؛ أي المشرك ترك أبا قتادة، ثم بعد ذلك نادى منادي رسول الله ﷺ، فاجتمعوا فقال النبي ﷺ: (من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه)، فقام أبو قتادة رضي الله عنه فقال: «من يشهد لي؟»، فلم يشهد له أحد، ثم جلس، ثم قال النبي ﷺ: (من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه)، ثم قام أبو قتادة وقال: «من يشهد لي؟» ثم قعد، ثم قال النبي ﷺ: (من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه)، فقام أبو قتادة فقال: من يشهد لي؟ فقال النبي ﷺ: (ما لك يا أبا قتادة؟)، فحدثه بالقصة، فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلبه عندي فأرضِه مني؛ يعني قل له يعطيه لي، فقال أبو بكر: «لا ها الله، إذن لا يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه»؛ فقال رسول الله ﷺ: (صدق أبو بكر أعطه سلبه)؛ يعني رد عليه سلبه، أبو بكر أقسم قال له: هذا لا يمكن أن يكون، أن يأخذ سلب رجل أسد من أُسْدِ الله فيعطيك سلبه، قال أبو قتادة: «فكان أول مال تأثَّلْته في الإسلام»؛ يعني أخذه٢٬٦٠٠[متفق عليه، البخاري: (٣١٤٢)، ومسلم: (١٧٥١)]..

إذن في هذا الحديث قال: (له عليه بيِّنة)، وسيأتي الكلام على ذلك.

ص 1647

قال: «وعن أنس مرفوعًا: قال النبي يوم حنين: (من قتل قتيلًا فله سلبه)؛ فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم»٢٬٦٠١[رواه أبو داود (٢١٩٢)].، وظاهره، ولو كانت المبارزة بغير إذن..». يعني أنَّ ظاهر كلام المصنف وظاهر حديث النبي ﷺ أن قاتل الكافر المبارز يأخذ سلبه ولو خرج للمبارزة بغير إذن الأمير؛ لأنه يصدق عليه أنه قتل قتيلًا، هنا قال النبي ﷺ: (من قتل قتيلًا)، القتيل لا يقتل لأنه قتل صحيح؟ ولكن المقصود هنا من قتل رجلًا فصار قتيلًا هنا، وإلا الحديث (من قتل قتيلًا فله سلبه).

قال: «لعموم الأدلة وفي الإرشاد وإن بارز بغير إذن الإمام فلا يستحق السلب»؛ أي عقوبةً له.

قال: «غير مخموس»، يأخذه كاملًا ولا يخمس، يعني لا يُخرج منه الخمس ويأخذ هو الأربعة أخماس، كلا، بل يستحق السلب كاملًا؛ إذن هذا قول، وهل يخمس السلب أم لا؟ أقوالٌ للعلماء.

وقد ذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أن السلب إذا كان كثيرًا خُمِّس؛ يعني يأخذ الإمام خمسه وتبقى الأربعة أخماس للغانمين، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس، وذلك أن البراء ابن مالك قتل مرزبان الزَّأْرَة، ثم بعد ذلك أخذ سلبه، فعمر رضي الله عنه وقف وخطب فقال: «ألا إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالًا»؛ يعني كثيرًا، قال: «وإني مُخَمِّسُه»، فكان أول سلب يخمس في الإسلام؛ إذن هذا قول لأمير المؤمنين.

وهنا قالوا: لا يخمس؛ لأن حديث النبي ﷺ أولى بالاتباع، وهو حديث صريح: (من قتل قتيلًا فله سلبه)، فيدخل في ذلك القليل والكثير.

ومن الأدلة على عدم تخميسه؛ قال: «لما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن النبي قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب»٢٬٦٠٢[رواه أبو داود: (٢٧٢١)، وصححه الألباني].، وهذا الحديث له قصة، وذلك في غزوة مؤتة.

ص 1648

حيثُ كان هناك رجل من الروم على فرس له، وهو مُقنع، وقتل كثيرًا من المسلمين؛ يعني ما وقف أمامه شيء إلا قتله، فكان هناك رجل مددي من اليمن من المدد اختفى خلف صخرة حتى إذا اقترب منه هذا الرومي فضرب عرقوب فرسه فسقط؛ فقتله؛ فأخذ سلبه وكان كثيرًا، فعندما جاء خالد رضي الله عنه أخذ منه السلب، فجاء عوف بن مالك مغضبًا فقال له: يا خالد، ألم تعلم أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: نعم، ولكني استكثرته. قال: ردَّ عليه سلبه، فأبى خالد رضي الله عنه. قال: لأذكرنها عند رسول الله ﷺ؛ فعندما رجعوا ذهب عوف بن مالك وأخبر النبي ﷺ، ثم دعا النبي ﷺ خالدًا، فقال له: (يا خالد، لِم لَم تعطِ الرجل سلبه؟)، فقال: «يا رسول الله، استكثرته»؛ يعني رأيته سلبًا كثيرًا، فقال: (أعطه سلبه)؛ فأعطاه خالد سلبه، فخرج خالد من عند رسول الله ﷺ واعترضه عوف بن مالك، فقال: ألم أقل لك لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ؟ فسمعه النبي ﷺ فغضب غضبًا شديدًا وقال: (هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ لا تعطه يا خالد)٢٬٦٠٣[رواه مسلم: (١٧٥٣) بألفاظ مشابهة]..

فمنعه من إعطاء السلب، قال: (لا تعطه يا خالد)، وهذا يبيّن لكم منزلة الأمراء عند النبي ﷺ.

فالعلماء قالوا: إنما منعه النبي ﷺ من السلب عقوبةً له، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على جواز العقوبات المالية في التعزير؛ فالنبي ﷺ إنما أخذ هذا المال عقوبةً لهذا الرجل الذين انتصر له عوف بن مالك رضي الله عنهم أجمعين.

والسلب للرجل؛ فكأنه حضَّ عوفًا أو شيء، فكان له نصيب فيما وقع لخالد بن الوليد رضي الله عنه؛ فحرمه أو منعه النبي ﷺ من سلبه، وهذا الحديث أيضًا كما سيأتينا استدل به من يقول: إن أمر السلب راجع إلى الإمام إن شاء أعطاه وإن شاء منعه.

فنتذكر دائمًا: (هل أنتم تاركون لي أمرائي).

قال: «وهو أي السلب من أصل الغنيمة لا من خمس الخمس»؛ يعني أول ما تجمع الغنائم وقبل أن يخرج الخمس تعطى الأسلاب لأصحابها؛ يعني من أصل الغنيمة، ثم بعد ذلك إذا أخذ كل قاتل سلب قتيله فعند ذلك يبدأ الإمام في تخميس الغنيمة؛ يخرج خمسها ويعطي الأربعة أخماس للغانمين؛ قال: «لأنه لم ينقل عنه أنه احتبسه من الخمس»؛ يعني ما أخرجه من الخمس.

«ولأن سببه لا يفتقر إلى اجتهاد»؛ لأنه بنص حديث النبي ﷺ: (من قتل قتيلًا فله سلبه)، فلا يحتاج إلى نظر ولا يحتاج إلى اجتهاد من الإمام فلم يكن من خمس الخمس كسهم الفارس.

ص 1649

قال: «ولو كان القاتل كافرًا»؛ يعني إذا شارك الكافر في المعركة مع المسلمين، حسبما ذكر هنا يجوز الاستعانة بهم عند الضرورة إذا كان الكافر حسن الرأي؛ فلو أن كافرًا شارك مع المسلمين فقتل كافرًا من جيش الكفار، «أو عبدًا بإذن سيده» يعني خرج بإذن سيده «أو كان القاتل امرأة، أو صبيًا لم يبلغ لعموم ما سبق»؛ يعني يستحقون السلب حتى ولو كانت امرأة، أو عبدًا أذن له سيده، أو كافرًا، أو صبيًا.. لماذا ذكر هؤلاء؟ لأن هؤلاء ليسوا من أهل السهم في الغنيمة، فالكافر لا يستحق سهم الغنيمة، والعبد لا يستحق سهم الغنيمة، وكذلك المرأة لا تستحق سهمًا من الغنيمة، والصبي لا يستحق سهمًا من الغنيمة، وإنما يُرضَخُ لهم.

أحد الحضور: يا شيخ، إذا كانت امرأة وطاعنة في السن وخرجت تعالج الجرحى والمرضى ما يكون لها شيء من الغنيمة؟

الشيخ: لا، بل يرضخ لها، والرضخ: هو أن يعطوا من الغنيمة دون السهم.

السائل: يعني الإمام يعطيها بعد التخميس؟

الشيخ: ليس من التخميس حتى من الأربعة أخماس يعطيهم، ولكنه ليس سهمًا كاملًا، دون السهم، يسمى بالرضخ.

والرضخ اختلف العلماء من أين يؤخذ كما اختلفوا في النفل، النفل قلنا: من الخمس، أو من خمس الخمس، أو من أصل الغنيمة، أو من الأربعة أخماس.

قال: «ولا يستحقه القاتل إن كان مخذلًا ولا مرجفًا ومعينًا على المسلمين وكل عاصٍ بسفره»؛ يعني كل من خرج مع الإمام بغير إذنه أو كان مرجفًا أو مخذلًا أو معينًا، كما ذكرنا أنه لا يخرج معه مرجفًا ولا مخذلًا إلى غير ذلك..

فهؤلاء حتى ولو قتلوا لا يستحقون السلب؛ لأنهم عصاة بخروجهم.

قال: «كمن دخل بغير إذن الإمام، أو منع منه الأمير؛ لأنه ليس من أهل الجهاد»؛ يعني هؤلاء الذين منع الإمام أن يخرجوا معه؛ لم يصيروا من أهل الجهاد لمنع الأمير لهم، فلذلك لا يستحقون السلب ولو قتلوا كافرًا.

ص 1650

«ويستحق السلب القاتل بشرطه»؛ يعني إنما يستحق القاتل سلب قتيله بشرطه، وسيذكر بعض الشروط في ذلك، «ولو كان المقتول صبيًا أو امرأة ونحوهما كالخنثى والشيخ الكبير إذا قاتلوا»؛ أي إذا كان القتيل امرأة أو صبيًا أو شيخًا فانيًا، إلا أنه حينما قُتل أباح الشرع قتله في هذه الحالة؛ كأن تكون امرأة تقاتل أو يكون صبيًا مقاتلًا أو يكون شيخًا فانيًا ذا رأي؛ فمَن قتله فيأخذ سلبه، فلو كانت هذه المرأة مليئة بالذهب فهو لمن قتلها، «للعمومات»؛ أي لعموم قوله ﷺ: (من قتل قتيلًا).

«وكذا كل من قتل قتيلًا أو أثخنه؛ فصار بالإثخان في حكم المقتول»؛ أي في الرمق الأخير أو لا يُرجى له برء، فهذا صار في حكم المقتول فيستحق سلبه.

أحد الحضور: يدخل فيها المشلول يا شيخ؟ إذا شُل مثلًا.

الشيخ: لا، ليس المقصود به مجرد التعطيل عن القتال، وإنما صار مُثخنًا بالجراح، كما صار حال أبي جهل عندما جاءه عبد الله بن مسعود في غزوة بدر.‬

قال: «فله سلبه إذا كان القاتل ممن يستحق السهم، كالرجل الحر، أو الرضخ كالعبد بإذن سيده، والمرأة والكافر بإذن الأمير»، الذين ذكرناهم قبل قليل، «قال ذلك الإمام أو لم يقله»؛ أي أن القاتل يستحق سلب قتيله سواء قال الإمام أو الأمير قبل المعركة أو بعدها: من قتل قتيلًا له عليه بيِّنة فله سلبه، سواء قال هذا أو لم يقل، وهذا مبني على مسألة وهو: هل قول النبي ﷺ في الغزوات -قال هذا في غزوة بدر وقاله في غزوة حنين- كقوله: (من قتل قتيلًا فله سلبه) هو حكم شرعي ثابت مستمر، أم هو نظر تدبير ومصلحة؟ يعني هل قال النبي ﷺ هذا بناءً على أنه تشريع ووحي من الله ﷻ شُرّع به للأمة؟ أم قاله بناءً على أنه إمام؛ نظَرَ نظرَ مصلحة في هذا الموطن؟ اختلف العلماء في ذلك، فهنا ذكر قال: «سواء قال الإمام أو لم يقل»، إذن أي القولين رجح هنا؟

رجَّح أن النبي ﷺ قال هذا بناءً على أنه حكم شرعي ثابت، والأدلة في ذلك تكاد تكون متكافئة، أي الأدلة في هل هذا هل يحتاج إلى قول الإمام أو لا يحتاج؛ تكاد تكون متكافئة؛ فلذلك لم يترجح عندي في هذا شيء والله تعالى أعلم؛ ولهذا فالإمام أحمد رحمه الله عنده روايتان في هذه وقال: «يستحب للأمير أن يقول هذا ليخرج من الخلاف»؛ فيستحب أن يقول: من قتل قتيلًا فله سلبه؛ ليخرج من الخلاف.

أحد الحضور: فيه قصة أن رجلًا أثخن بآخر، وأخذ سلبه؟

الشيخ: نعم، أبو جهل، قال ﷺ: (أيكما قتله؟)، قالا: كلانا قتله، قال ﷺ: (هل مسحتما سيفيكما)، قالا: لا؛ فنظر في سيفيهما فأعطى سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، وهذا مما استدل به العلماء على أن السلب يرجع أمره إلى الإمام، إن شاء أعطاه وإن شاء خص به البعض، فإن النبي ﷺ قال: (كلاكما قتله)٢٬٦٠٤[رواه البخاري: (٣١٤١)، ومسلم: (١٧٥٢)].؛ يعني ثبت استحقاقهما للسلب بشهادة النبي ﷺ، وقال هذا بعدما رأى سيفيهما؛ بمعنى أنه رأى أثر الدم في كل من السيفين، ومع هذا خصَّ به أحدهما دون الآخر.

وكذلك القصة التي ذكرناها قبل قليل، قصة عوف بن مالك أن النبي ﷺ أخذه منه بعدما أعطاه إياه، وغير ذلك.

وقالوا: لأن النبي ﷺ ما قال هذا مرة واحدة، قاله في غزوة بدر، وقاله في غزوة حنين، ثبت أنه قاله أكثر من مرة.

ص 1651

والنبي ﷺ كان مرة يتضحى مع أصحابه فجاء رجل من المشركين ودخل بينهم ثم قام وأطلق عقال ناقته وجرى، فقال النبي ﷺ: (اطلبوه فاقتلوه)، وكان جاسوسًا، ثم انطلق الصحابة وراءه، فانطلق وراءه سلمة بن الأكوع وكان شديد العدو، حتى أنه كان يسابق الخيل رضي الله عنه، فقال: فإَذا أنا وراء ذنبه ثم في وسطها، حتى أخذ بلجام ناقته وضرب عنقه، فقال: جئت بها وعليها رحله ومتاعه، فقال النبي ﷺ: (من قتله؟) قالوا: سلمة بن الأكوع، قال: (له سلبه أجمع)٢٬٦٠٥[رواه مسلم: (١٧٥٤)، وأبو داود: (٢٦٥٣)].؛ فقالوا: لو كان هذا ثابتًا ومستقرًا لما احتاج أن يقول النبي ﷺ في هذا الموطن وكان هذا في غزوة حنين، وكذلك في غزوة بدر قال النبي ﷺ: (من قتل قتيلًا فله سلبه)، فلو كان هذا ثابتًا لما احتاج أن يقول: له سلبه أجمع؛ لأن هذا معروف فيما بينهم، وكذلك بعد انتهاء غزوة حنين في قصة أبي قتادة قال: (من قتل قتيلًا له عليه بيّنة فله سلبه)، إذا كان هذا معروفًا ولا يحتاج إلى أن يُقال لكان الصحابة أخذوه من غير قول النبي ﷺ، فالأدلة في ذلك متكافئة؛ ولهذا بعض أهل العلم رجح هذا القول، وبعضهم رجح هذا القول، والأحوط أن يُقال: إنه ينبغي للأمير أن يقول هذا الكلام خروجًا من الخلاف كما قال الإمام أحمد رحمه الله، والله تعالى أعلم.

والذي يريد أن يراجع هذه المسألة والأدلة فيها في كتاب «أضواء البيان» للشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسير آية الأنفال ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ﴾ [الأنفال: 41]، وهو رجح أنه يشترط فيه أن يقول الإمام هذا٢٬٦٠٦[أضواء البيان (2/458)].، وأما هنا فقال: «قال ذلك الإمام أو لم يقله»؛ فهذا هو قولهم هنا.

قال: «إذا قتله حال الحرب لا قبلها ولا بعدها»، هذا هو الشرط الأول عندهم: «أن يقتله في حال الحرب»؛ أي في حال الاشتباك، «لا قبل الحرب ولا بعدها»؛ لأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ذفف على أبي جهل وقضى النبي ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح؛ لأنه قتله أثناء المعركة مع أنه أثخنه، فإنَّ معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء إنما قتلاه في أثناء المعركة وأثخناه بالجراح، تعرفون قصتهما مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.

فعبد الله بن مسعود هو الذي ذفَّف على أبي جهل، عندما صعد عليه فقال أبو جهل وهو في الرمق الأخير: لمن الدائرة اليوم؟ من الذي انتصر؟ قال: لله ولرسوله، ثم قال لعبد الله بن مسعود: لقد ارتقيتَ مرتقًا صعبًا يا رويعي الغنم؛ لأنه كان يرعى الغنم في مكة، وانظر إلى الكبر حتى في هذا الموطن! ثم قتله عبد الله بن مسعود، ولكن النبي ﷺ قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.

قال: «إذا قتله حال الحرب، لا قبلها ولا بعدها، منهمكًا على القتال أو مجدًا فيه، مقبلًا عليه»؛ أي أن الكافر كان مجدًا في قتاله؛ بمعنى أنه ليس فارًا؛ «كأن بارزه أو كانت الحرب قائمة»، إما أن يكون في حال المبارزة، أو تكون الحرب ملتحمة قائمة ففي هذه الحالة يأخذ سلبه.

قال: «لا إن رماه بسهم من صف المسلمين أو قتله مشتغلًا بأكل ونحوه»؛ يعني قال: لا يستحق سلبه إن رماه بسهم من المسلمين، ولا إن كان الكافر غافلًا؛ يعني جالسًا يأكل أو نائمًا، ثم جاءه أثناء ذلك وضربه فقتله، فقال هنا: إنه لا يستحق سلبه.

ص 1652

وهذا كله إنما أخذوه استنباطًا للمعنى الذي استحق به القاتل سلب قتيله، وإلا فإن عموم قول النبي ﷺ لا يستثني صورة من هذه الصور، أي أنهم قالوا: إنما استحق هذا السلب بتغريره بنفسه وتشجيعًا له لوجود المخاطرة في قتل هذا الكافر؛ فما لم توجد المخاطرة فإنه لا يستحق السلب، وعلى هذا ممكن في هذا العصر لا يستحق أحد السلب إذا كان الرمي بالسهم.. ولكن قال: «من صف المسلمين»؛ يعني ألا يكون فيه خطر عليه، في هذه الحالة لا يكاد أحدًا يستحق السلب في هذا العصر، خاصةً أصحاب القناصات، وإن كان هناك مواطن يكون فيها مغررًا بنفسه.

فالظاهر والله تعالى أعلم أن هذا لا يشترط، أي لا يشترط أن يكون مغرِّرًا بنفسه بالقتال؛ يعني أن يكون في داخل الصف، وإنما إذا قتله استحق سلبه، ولكن لا بد له من البينة.

قال: «وكذا إن أغرى عليه كلبًا عقورًا فقتله»؛ أي إذا أطلق المسلم كلبه العقور على الكافر؛ فقتل الكلبُ الكافرَ ففي هذه الحالة لا يستحق سلبه؛ يعني لا يكون حكمه حكم الصيد.

قال: «وإن عانق رجلٌ رجلًا فقتله آخر، أو كان الكافر مقبلًا على رجل يقاتله؛ فجاء آخر من ورائه فضربه فقتله»؛ يعني فله سلبه، كما ذكرنا قصة أبي قتادة رضي الله عنه.

قال: «أو قتله منهزمًا مثل أن ينهزم الكفار كلهم فيدرك إنسانًا منهزمًا فيقتله»؛ أي فلا سلب له، إذن ماذا يفعلون في قصة سلمة بن الأكوع؟ هذا الكافر الذي كان فارًا على ناقته وقال النبي ﷺ: (له سلبه أجمع)، قالوا: إذا كان هذا الكافر فارًا تاركًا للمعركة؛ ففي هذه الحالة إذا قتله القاتل فليس له سلبه، أما إذا كانت له فئة يتحيز إليها؛ لأن هذا جاء مُتجسِّسًا وقد انطلق إلى طائفته؛ فهذا كأنه في حال الالتحام لوجود المخاطرة والمغامرة، فهذا هو الذي فرقوا به بين الصورتين «لأنه لم يغرر بنفسه» أي لم يخاطر بنفسه في قتله.

قال: «وإن كانت الحرب قائمة فانهزم أحدهم متحيزًا إلى فئة أو متحرفًا لقتال فقتله إنسان فله سلبه»، فقد صار واضحًا الفرق بين الصورتين.

ص 1653

قال: «ويشترط في استحقاق سلبه أن يكون غير مثخن»؛ أي مُوهنٍ بالجراح كما ذكرنا في قصة عبد الله بن مسعود، «وإن قطع أربعة إنسان»، الظاهر أنه قطع يديه ورجليه هذا هو المقصود، «ثم قتله آخر أو ضربه اثنان وكانت ضربة أحدهما أبلغ فسلبه للقاطع»، لأنه في حكم القاتل، «صار معطلًا»؛ فقد صار هذا الإنسان معطلًا.

قال: «وللذي ضربته أبلغ»؛ يعني إذا ضربه اثنان يكون سلبه للذي ضربته أبلغ، «وإذا قطع أربعته ثم جاء إنسان وذفف عليه فسلبه للأول، لأنه كفى المسلمين شره».

وقال: «وإن قتله اثنان فأكثر؛ فسلبه غنيمة»، فإذا اشترك اثنان في قتله، وكان ضربهما متساويًا؛ أي كل واحد منهما كانت ضربته مؤثرة في قتله؛ فهذا لا يكون سلبه لهما إنما يُجعل في الغنيمة، لأنه ﷺ لم يُشَرِّك بين اثنين في السلب، ولأنه إنما يستحق بالتغرير في قتله ولا يحصل بالاشتراك.

قال: «وإن أسره فقتله الإمام أو استحياه -أي أبقاه حيًا رقيقًا- أو بفداء أو مَنٍّ؛ فسلبه ورِقِّهُ إن رُق وفداؤه إن فُدي: غنيمة»؛ يعني إذا مسك أحد المسلمين أسيرًا من الكفار، ثم أحضره إلى الإمام ثم رأى الإمام أن يقتل هذا الأسير؛ فلا يكون سلب هذا الأسير القتيل للذي أسره، وإنما يكون ما عليه في الغنيمة؛ لأن الذي أسره لم يقتله، ولأنه قد أسر المسلمون يوم بدر أسرى فقتل النبي ﷺ منهم، واستبقى منهم، ولم يُنقل أنه أعطى أحدًا ممن أسرهم سلبًا ولا فداءً.

قال: «وإن قطع يده أو رجله وقتله آخر فسلبه للقاتل؛ لأنه لم يعطله تعطيلًا كاملًا؛ لأن الأول لم يثخنه، وإن قطع واحد يده ورجله، أو قطع يديه أو رجليه ثم قتله آخر فسلبه غنيمة -لماذا؟- لأن الأول عطل نصفه، والآخر قتله، فكل منهما كان مشاركًا في قتله، أحدهما نصف تعطيل والآخر قتل؛ لأنه لم ينفرد أحدهما بقتله ولم يستحقه القاتل لأنه مثخنٌ بالجراح.

قال: «ولا تُقبل دعوى القتل لأخذ السلب إلا بشهادة رجلين نصًا»؛ يعني لا يستحق القاتل سلب قتليه إلا ببيِّنة، كما قال النبي ﷺ: (من قتل قتيلًا له عليه بيّنة فله سلبه)، واختلف العلماء في البيّنة، فبعض العلماء قال: «إن البيّنة رجلان؛ لأنها إذا أطلقت صرفت إلى أقل البينات وهي رجلان».

وبعض العلماء قال: «إن البيّنة هي شهادة رجل وقَسم الرجل الذي يدعي»؛ يعني أن يحلف أنه قتله ثم يشهد له رجل بأنه قتله؛ لأنها دعوى تتعلق بالمال؛ فيكتفى فيها باليمين والشاهد.

وذهب بعض العلماء إلى أنه يكفي فيه شهادة رجلٍ واحد.

ص 1654

وهنا ذكر المصنف شهادة رجلين.

وفي قصة أبي قتادة أنه شاهدٌ واحد، والظاهر أنَّ هذا هو الراجح؛ فيكفي فيه شهادة رجل واحد؛ لأن أبا قتادة شهد له رجل واحد وأعطاه النبي ﷺ سلب القتيل.

أحد الحضور: يا شيخ، هل يدخل في البينة الآن مثلًا نوع الطلقة التي أطلق بها على الرجل؟

الشيخ: لا، لا بد له من البينة.. قد تكون نوع الطلقة هذه عند غيره.

السائل: إذا كان ليس عند غيره؟

الشيخ: قد تكون خطأً من العدو، لا بد له من البيّنة.

أحد الحضور: كيف البيّنة يا شيخ؟

الشيخ: يشهد رجل أن هذا هو الذي قتل هذا، هذا سلب تظن أنه شيء سهل؟!

أحد الحضور: إذا كان لا يوجد في المكان إلا هو؟

الشيخ: لا بد له من بيّنة.

السائل: إذا كان في عملية قنص فقط؟

الشيخ: وحده يعني؟

أحد الحضور: الكاميرا تعتبر بيّنة يا شيخ؟

الشيخ: لا، لا تعتبر بيِّنة، لا تكفي الكاميرا؛ فأنتم ترون الأفلام كلها مقطعة تقطيع، وظاهر الحديث لا بد له من بيِّنة، فإذا أراد أن يذهب إلى القنص فيأخذ معه رجل يشهد له!

أحد الحضور: يا شيخ، في المعركة قد يكون ما فيها غنيمة إذا كان كلها سلب، إذا كان فيها اثنين من المرتدين أو ثلاثة مثلًا كل أخ قتل واحد.

الشيخ: يأخذان سلبه على شروط المغامرة التي ذكرناها نحن؛ أي أن يكون فيه تغرير ومخاطرة.

ص 1655

قال: «والسلب»؛ الآن يعرف السلب، وهو: «ما كان عليه» أي على الكافر «من ثياب وحلي وعمامة وقلنسوة ومِنطقة» يعني الحزام «ولو مُذهبة» يعني حتى ولو كانت مرصعة بالذهب أو مصبوغة بالذهب «ودرع» واقي الرصاص «ومغفر» أي الخوذة «وبيضة وتاج وأسورة» يعني ما يكون في يديه أو رجليه من الذهب أو الفضة «ورأنٍ٢٬٦٠٧[في التسجيل ذكر الشيخ أنه نسي معناها، والرأن كما في الشروح: كالخف، إلا أنه لا قدم له، وهو أطول من الخف]. وخُف بما في ذلك من حلية»؛ إذن اللباس الذي عليه والأسورة من رأسه إلى رجليه فهذا يدخل في السلب، «وما كان عليه من سلاح من سيف ورمح ولُتٍّ» هذا نوع من الأسلحة القديمة لا نعرف الآن ما هو «وقوس ونَشَّاب ونحوه»؛ يعني السلاح الذي عليه، وليس الذي معه؛ فمثلًا: إنسان عنده فَرَسان، فهذا الفرس يقاتل عليه ومعه سلاحه، وعنده هناك فرس آخر فيه ذخيرته وسلاحه؛ فذاك الفرس لا يعد من السلب.

أحد الحضور: إذا أنت رميت فقتلتَ صاحبك؟!

الشيخ: لا، لا هذا لا يكون سلبًا. [وضحك الشيخ]!

قال: «لأنه يستعين به في حربه؛ فهو أولى بالأخذ من الثياب يقصد الأسلحة، وسواء قلَّ السلب أو كثر لما تقدم من أخذ البراء بن مالك سلب مرزبان الدارة، وأنه بلغ الثلاثين ألفًا والذي خمسه عمر بن الخطاب، ودابته التي يقاتل عليها بآلتها من السلب إذا قتل وهو عليها»؛ يعني الدابة التي يستقلها إذا قتل وهو فوقها «فهذه هي التي تكون من السلب»، وهل يدخل في ذلك السيارات مثلًا؟ الظاهر أنها تدخل، والله تعالى أعلم.

أحد الحضور: يعني «الكونتينر» ما تدخل؟

الشيخ: لا، «الكونتينر» و«التريلة» التي تحملها لا تدخل، فقد قال: «ودابته التي قاتل عليها»، فأما «الكونتينرات» فإنه يقودها ولا يقاتل عليها؛ فتأمل الفرق بينهما.

ص 1656

قال: «لحديث عوف بن مالك رواه الأثرم؛ ولأن الدابة يستعان بها في الحرب كالسلاح، وآلتها كالسرج واللجام تبع لها، ونفقته ورحله وخيمته وجنيبته غنيمة وليست من السلب»؛ أي إذا وجدت عنده دولارات؛ فعليك أن تسلمها إلى الأمير، فأمواله تُخرج وتوضع في الغنيمة، وكذلك جنيبته إذا كان يقاتل على فرسين، يقاتل على هذه مرة ويريح الأخرى؛ فالتي يريحها تسمى الجنيبة، فهذه إذا قتل إنما تكون الدابة التي يستقلها هي التي من السلب، والخلاف موجود بين العلماء: هل الدابة تعد من السلب أم لا؟

أحد الحضور: نفقته هل هي الفلوس التي في جيبه؟

الشيخ: نعم، الفلوس التي معه، الدولارات قلت لكم.

ورحله؛ يعني الذي يكون على ظهر الدابة، كما قال سلمة بن الأكوع: يقودها برحلها؛ يعني وما عليها، أما السرج واللجام فهذه مما يستعان بها في القتل، أما الرحل فالذي يكون على ظهرها.

أحد الحضور: يسلمه إلى الأمير؟

الشيخ: نعم يسلمه إلى الأمير.

السائل: والحديث يا شيخ قال: كله!

الشيخ: طيب لذلك قلنا نحن: هل هو يستحقها أو لا يستحقها بقول الأمير.

السائل: يستطيع الأمير يقول: خذها يا فلان لك كلها؟

الشيخ: مثل النفل، قلنا في النفل: الأمير يستطيع أن ينفل من قبل، فهل للأمير يعطيه كل ما عليه الدابة؟ قلنا: هذا إذا كان من باب النفَل؛ فيجوز للأمير أن يعطيه له: من فعل كذا فله كذا، أو من باب المكافئة.

قال: «لأن ذلك ليس من اللبوس ولا مما يستعان به في الحرب أشبه بقية الأموال، ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة غير مستوري العورة؛ لأنهم غير معصومين، وكرهه الثوري وغيره لما فيه من كشف عوراتهم».

ص 1657

قال: «ويحرم السفر بالمصحف إلى أرض العدو كما جاء في الحديث الصحيح، ولكن جاء الحديث مُعللًا؛ خشية أن ينالوه»، نهى رسول الله ﷺ عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو٢٬٦٠٨[والحديث رواه البخاري: (٢٩٩٠)، ومسلم: (١٨٦٩)].؛ خشية أن يناله العدو، أو كما قاله النبي ﷺ؛ فلذلك قالوا: في هذا الزمن يجوز السفر بالمصحف إلى أرض العدو؛ لأن الأمن واقع عليه، ولأن هناك كثير من المسلمين الذين يقيمون في بلدانهم سواء ممن أسلم منهم أو ممن ذهب إلى ديارهم ويحتاجون إلى المصاحف، قالوا: لأن الحديث مُعلل، والعلة الآن منتفية، على الأقل في بعض البلدان.

وأما في المعركة فالأَوْلى ألا يذهب بالمصحف؛ خشية أن يناله العدو، وهذا حصل، فثمة إخوة قتلوا ثم جاء العدو بعد ذلك من المرتدين وأخذوا ما عندهم ومن ذلك المصاحف، كالإخوة الذين في شنكاي وفي غيرها.

نقف هنا، ونسأل الله ﷻ أن يتقبل منا ومنكم، وأن يكتب لنا ولكم الأجر، وأن ينفعنا بما قرأنا وتعلمنا إنه سميع قريب.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

❖ ❖ ❖

ص 1658

ص 1660

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: شرح مختارات من «كتاب الجهاد» في متن «الإقناع» في الفقه الحنبلي، للإمام الحِجَّاوي (ت 986 هـ)

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب كـ PDF