باب الشهداء لا يفتنون في قبورهم

الحديث الحادي عشر: عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟»، قَالَ: (كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً)١٬٨٢١رواه النسائي [٢٠٥٣]، وأبو نعيم في معرفة الصحابة [٧٢١١]، وابن أبي عاصم في الجهاد [٢٣٠]، والديلمي [ولم أجده عنده، ولكن عزاه له المتقي في: كنز العمال (١١٧٤٢)]، وصححه الشيخ الألباني [في صحيح الترغيب والترهيب: (1380)]..

بعض معاني الكلمات:

بارقة السيوف: لمعانها. الفتنة: الاختبار والامتحان، والمراد بها هنا -والله أعلم- سؤال القبر.

بعض فوائد الحديث:

الأولى: حرص الصحابة رضي الله عنهم على التفقُّه في الدين ومعرفة ما ينفعهم.

الثانية: إثبات سؤال القبر وفتنته.

الثالثة: أن الشهداء لا يفتنون في قبورهم، وسيأتي في حديث: (ويجار من عذاب القبر).

الرابعة: فضل الشهادة في سبيل الله تعالى.

الخامسة: أن ملازمة الجهاد والصبرَ على شدائده علامةُ براءةٍ من النفاق، قال السندي رحمه الله: «أي ثباتهم عند السيوف وبذلهم أرواحهم لله تعالى دليل إيمانهم فلا حاجة إلى السؤال»١٬٨٢٢[حاشية السندي على سنن النسائي: (4/99)]..

السادسة: حاجة المجاهد إلى الصبرِ ويقينِ القلبِ وقوة الإيمان.

السابعة: أن الجهاد ابتلاء يُمحِّص الصادق من المنافق ويميِّز الخبيث من الطيب.

متفرّقات:

ص 1089

أولًا: قال القرطبي رحمه الله: «معناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاقٌ كان إذا التقى الزحفان وبرقت السيوف فروا؛ لأنه من شأن المنافق الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل والتسليم لله نفسا، وهيجانُ حميةِ الله والتعصب له لإعلاء كلمته، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره حيث برز للحرب والقتل فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟»١٬٨٢٣التذكرة: (167)..

ثانيًا: وصاغ ابن القيم رحمه الله هذا المعنى بقوله: «معناه -والله أعلم- قد امتحن نفاقه من إيمانه ببارقة السيف على رأسه، فلم يفر، فلو كان منافقا لما صبر ببارقة السيف على رأسه، فدل على أن إيمانه هو الذي حمله على بذل نفسه لله وتسليمها له، وهاج من قلبه حمية الغضب لله ورسوله وإظهار دينه وإعزاز كلمته، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره حيث برز للقتل فاستغنى بذلك عن الامتحان في قبره»١٬٨٢٤الروح: (81)..

ثالثًا: قال العلامة ابن النحاس رحمه الله: «ومعنى قوله: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة): أن الفتنة في القبر بسؤال الملكين إنما هي لاختبار ما عند المرء من حقيقة الإيمان والتصديق، ولا شك بأن من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع، والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق وتمرق، والرؤوس تندر، والدماء تثعب، والأعضاء تتطاير، والناس بين قتيل وجريح وطريح، فثبت على ذلك، ولم يول الدبر، ولم ينهزم وجاد بنفسه لله تعالى إيمانا به وتصديقا بوعده ووعيده، كما وصف الله المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا﴾ [الأحزاب: 22]، فيكفيه هذا امتحانا لإيمانه واختبارا له وفتنة، إذ لو كان عنده شك أو ارتياب لولى الدبر، وذهل عما هو واجب عليه من الثبات، وداخله الشك والارتياب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا﴾ [الأحزاب: 12]، فيكفي الشهيد هذا الامتحان من سؤال الفتان، والله أعلم»١٬٨٢٥مشارع الأشواق: (735)..

رابعًا: قال المناوي رحمه الله: «وظاهره اختصاص ذلك بشهيد المعركة لكن أخبار الرباط تؤذن بالتعميم»١٬٨٢٦[فيض القدير: (5/4)]..

❖ ❖ ❖

ص 1090