خطبة عيد الأضحى «1432هـ»
[ذو الحجة 1432هـ / 11 - 2011م]
۞
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله وصفيُّه من خلقه وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد...
فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي شرح صدورنا لدينه القويم، وهدانا ووفَّقنا لسلوك صراطه المستقيم، وجعلنا من أتباع سيد الأنبياء وخاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة الأحباب: لقد منَّ الله ﷻ علينا بهذا الدين العظيم وبهذه الشريعة الجليلة الكاملة، ومنَّ الله ﷻ وأكرمنا بأن نكون من أتباع خاتم الأنبياء محمد ﷺ؛ فيسَّر لنا أن نسير على طريقته، وأن نهتديَ بسُنَّته، وأن نتمسَّك بشريعته، وأن نعتزَّ بدينه الذي أوحاه الله ﷻ إليه؛ فنطقنا بهذه الكلمة العظيمة منشرحةً لها صدورنا، طيِّبةً بها قلوبنا: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله».. هذه الكلمة الجليلة التي عليها ميزان الحساب يوم القيامة، من وفَّقه الله ﷻ للقيام بحقِّها والإتيان بلوازمها والتمسك بها والإخلاص فيها فهو الناجي الموفَّق يوم القيامة، ومن ضيَّعها فلم يرفع بها رأسًا ولم يعرف لها قدرًا؛ فأشرك بالله ﷻ واتخذ معه آلهةً أخرى؛ أيَّ آلهةٍ كانت فإنه هو الخاسر، وذلك هو الخسران المبين.
هذه الكلمة كلمة الشهادة: «لا إله إلا الله» ما أرسل الله ﷻ نبيًّا من الأنبياء، ولا رسولًا من الرسل إلا ليدعوَ إليها.. كلمة التوحيد: توحيد الله ﷻ في ذاته وفي أفعاله وفي أسمائه وفي صفاته وفي ربوبيته وفي ألوهيته ﷻ؛ فدعا الأنبياءُ إلى عبادته ونبذِ ما سواه من الآلهة والطواغيت، كما قال الله ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل: 36]، وقال الله ﷻ: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
هذه الكلمة التي نَطَقتها كثيرٌ من الألسن، ولكن لم تعرف حقيقتها، ولم تؤدِّ واجباتها، وذلك لا فائدة منه.. ولن ينتفع بها صاحبها يوم القيامة إلا مَن أخلص فيها.
فدعوة الأنبياء جميعًا وعلى رأسهم خاتَمُهم وسيِّدهم محمدٌ ﷺ هي الدعوة إلى عبادة الله ﷻ ونبذ ما سواه من الآلهة، قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].. هي دعوة العبودية لله ﷻ، عبوديةٌ بمحبةٍ وخضوعٍ واستسلامٍ وانشراح صدرٍ وتسليمٍ لأحكامه ﷻ.
وعبادة الله ﷻ هي الغاية الشريفة والمقصد النبيل الذي خُلِق لأجله الخلق: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ﴾ [الذاريات: 56-57]، فما خلق الله ﷻ الإنس والجن إلا ليعبدوه ﷻ.. إلا ليوحدوه.. إلا ليطيعوه ﷻ.
ومما شرعه الله ﷻ لنا من العبادات: هذا اليوم المبارك «عيد الأضحى»؛ هذا اليوم الذي نجَّى الله ﷻ فيه عبده ورسوله ونبيَّه إسماعيل من الذبح، فبقيت سنةً إلى يومنا هذا.
هذا اليوم -يوم عيد الأضحى- نستقبله في هذه السنة ليس كغيرها من السنوات.. نستقبله وأمة الإسلام قد بدأت تلوح لها في الأفق وتظهر لها في الآفاق علامات التمكين والنصر والفتح المبين بإذن الله.
هذا اليوم -يوم الأضحى المبارك- نستقبله وقد بدأت أُمَم الكفر تتهاوى وتترنَّح وتتساقط واحدةً تلو الأخرى، بعد أن وفَّق الله ﷻ ويسَّر لعباده المجاهدين أن يصبروا في هذه المعركة الطويلة المريرة، وأن يدفعوا فيها كل ما يستطيعون من أنفسهم وأشلائهم وأموالهم؛ فكانت هذه النتيجة التي أوصلنا الله إليها بفضله ومنَّته وكرمه وتوفيقه ﷻ.
إذن؛ هذه السنة قد وقعت فيها أحداثٌ عظام، نقف عليها وقفات مختصرات، بما يقتضيه هذا المقام.
فأول هذه العلامات أو أول هذه الإرهاصات أو أول هذه الأحداث العظام التي يحاول الكفر أن يغطِّيها وعلى رأسهم أمريكا المتهاوية: هي هزيمة أمريكا التي عليها أن تعلنها صراحةً بعد أن أعلنتها في الخفاء وبتدجيل إعلامها الكاذب.
نعم هُزِمت أمريكا بفضل الله ﷻ، أمريكا التي ما زالت تتبجَّح، وما زالت تصرخ، وما زالت تظن نفسها هي شرطي العالم كما كانت.. لقد ولَّى ذلك الزمن يا أمريكا، إنه زمن الإسلام القادم، إنه زمن التمكين، إنه زمن راية «لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله».
نعم، هُزِمت أمريكا فها هي تسحب وتجرُّ أذيال الهزيمة في خزيٍ وهوانٍ وذلٍّ وخذلان من العراق، ويقول كذَّابهم الأشر: «سترجع قواتنا من العراق وهي مرفوعة الرأس!» أي رأسٍ سترفعه قواتك أيها الأبله بعد أن مُزِّقت أجساد جنودك وصارت مطعمًا لكلاب العراق؟! مرفوعة الرأس؟! أي رأسٍ هذا؟! إلا أن يكون رأس الذهول لما رأوه على أيدي عباد الله المجاهدين وعلى أيدي جنده المخلصين هناك.
نعم؛ ستنسحب أمريكا من العراق في ذلٍّ وهوانٍ وخزيٍ بعد أن لُقِّنت درسًا في بلاد الإسلام لن تنساه أبدًا، درس سيبقى عبرةً تذكره أجيالها جيلًا بعد جيل، وها هي أمريكا تترنَّح في أفغانستان بعد أن غرقت في هذا الوحل الذي حُذِّرت من الدخول إليه، حذَّرها العقلاء ممن جرَّبوا ورأوا في الاتحاد السوفيتي، ولكنها ركبت رأسها واستكبرت وتمادت ليقضي الله ﷻ أمرًا كان مفعولًا.
فأمريكا اليوم تترنَّح في أفغانستان، وفي هذه السنة قد ذاقت من العمليات باعترافهم هم وإقرارهم، ما لم تره من قبل وما لم تذقه طوال عشر سنوات، في ميدان «وردك» حيث حصلت عليهم من المجازر ما لم ينسوه أبدًا بإذن الله ﷻ.
وهذه الهزيمة التي ذاقت مرارتها أمريكا لم تحصل بين عشيَّةٍ وضحاها، ولم تقع بعصا سحرية، وإنما حصلت بجهدٍ لا يعلمه إلا الله ﷻ، والمنَّة لله ﷻ وحده، حصلت بعد صبرٍ وطول عناءٍ، وشدة تحمل، وتوالي كروب، وتتابع شدائد، ولكن صبر لها الرجال صَبْرَ الجبال حتى انهزمت أمريكا.
نعم أيها المسلمون؛ نبشركم أنَّ أمريكا التي كانت قبل عشر سنوات تتبجَّح وتأمر وتنهى وترفع وتضع؛ قد انتهى أمرها بإذن الله ﷻ، وليس لها بإذن الله مُقام في بلاد المسلمين، وإنما مُقامها وراء المحيطات هناك حيث لا يسمع صوتها أحد بإذن الله ﷻ.
هذا الحدث «هزيمة أمريكا» تحاول وسائل الإعلام أن تغطِّيَها وأن تزيِّنها وأن تلوِّنها وتزوِّقها، ولكن ذلك لا ينفع.. كل ذلك لا ينفع، قال ﷻ: ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الرعد: 17].
هذا هو الحدث العظيم الكبير في هذه السنة، وما زالت المعركة معها؛ فإنَّ أمريكا المتجبرة لا زالت تحاول أن تحشد ما استطاعت من عملائها ليقاتلوا عنها بالوكالة.. فها هي كينيا تدخل في حماقةٍ وغباءٍ لا يعلمه إلا الله ﷻ وإلى أين؟ إلى أرض الصومال!!
يا كينيا، يا أيتها الدولة التي ما دخلت حربًا من قبل، على عقلائك أن يراجعوا أنفسهم؛ فما زالت أثيوبيا النصرانية تنزف من جرَّاء عامين من القتال في أرض الصومال، وبإذن الله ﷻ لا يزال في جعبة المجاهدين «نيروبي» و«دار السلام»؛ فعلى كينيا أن تفهم الدرس، وعلى كينيا أن تتعظ قبل أن تغرق في ذلك الوحل الذي لا يرحم فتسحب قواتها من الصومال.
فإذن قلنا: إنَّ أمريكا الآن تريد أن تستخدم نوعًا جديدًا من الحروب وهي حرب الوكلاء، تأمر الجيش الباكستاني ليقاتل المجاهدين من إخواننا في «تحريك طالبان» وغيرهم في باكستان، وتأمر الجيش اليمني ليقاتل إخواننا في «أنصار الشريعة» في اليمن، تأمر الجيش الكيني ليقاتل إخواننا من «الشباب المجاهدين» في الصومال... وهكذا، ولكن النتيجة واحدة؛ فإذا كانت أمريكا قد دخلت بجيوشها ورجالها فمُزِّقت أجسادهم، فإنَّ نفقاتها على هذه الجيوش التي لا تشبع ستُنهِك اقتصادها.. وهو مُنهك.
وأما الحدث الثاني في هذه السنة؛ فهو الثورات الكبيرة والانتفاضات العارمة التي قامت بها شعوبنا المسلمة في الدول العربية، وهذا بتوفيق الله ﷻ، وبعد أن عرفت شعوبنا مكمن الداء الذي وصفه لنا النبي ﷺ حينما قال: (يوشك الأمم أن تتداعى عليكم أو أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)٣٬٤٥٣[رواه أحمد: (٢٢٣٩٧)، وأبو داود: (4297) وصححه الألباني].؛ أي عن قريبٍ ستتداعى عليكم الأمم، يعني سيدعو بعضها بعضًا ويتجمَّعوا ويتهافتوا عليكم ليحتلوا أرضكم ويأخذوا أموالكم ويستعيدوا الأراضي التي أُخِذت منهم، قالوا: «أَوَ مِنْ قلةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله؟»؛ يعني أيكون هذا بسبب قلتنا؟ قال ﷺ: (لا، أنتم يومئذٍ كثير)؛ أعدادكم كثيرة.
والآن نقول: إنَّ عدد المسلمين مليار ونصف المليار مسلم، ولكن الأمم قد تداعت عليهم، حلف الناتو، هذه أمم من الكفار قد اجتمعوا على المسلمين في أفغانستان، والاتحاد الأفريقي قد اجتمع على المسلمين في الصومال... وهكذا، هي اسمها الأمم المتحدة، كما وصفها النبي ﷺ، وكل هذه الجيوش إنما جاءت تحت غطاء الأمم المتحدة، فقد تداعت علينا الأمم، ومَرَدُّ ذلك ليس إلى قلة أعدادنا فنحن مليار ونصف المليار مسلم، قال ﷺ: (بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل)؛ كزبد السيل؛ يعني له انتفاشة ولا وزن له، تراه كبيرًا منتفخًا منتفشًا إلا أنه عبارة عن أكوامٍ من الأوساخ والزبد الذي لا قيمة له ولا وزن له. قال ﷺ: (ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن)، قالوا: «وما الوهن؟»، قال ﷺ: (حب الدنيا وكراهية الموت) أو (حب الدنيا وكراهيتكم القتال)، قال النبي ﷺ: إنَّ الله ﷻ ينزع من صدور عدوكم المهابة منكم، والنبي ﷺ يقول: (نُصرت بالرعب مسيرة شهر)٣٬٤٥٤[رواه البخاري: (328)، ومسلم: (521)]، هذا الرعب الذي خُصَّت به هذه الأمة وخُصَّ به نبيُّها ﷺ يُنزَع من قلوب أعدائنا؛ أي يصبح أعداؤنا لا يبالون بنا لا يخافوننا، لماذا؟ لأننا غثاء كغثاء السيل، لا عقيدة ولا توحيد ولا إيمانٌ راسخ ولا إعدادٌ في سبيل الله ﷻ ولا اتفاقٌ واجتماع، وإنما هو التفرُّق والتشرذم والاختلاف والانكبابُ على الدنيا والتشبُّث بزهرتها.. فمن أين سيَرهبنا أعداؤنا؟
قال الله ﷻ: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ﴾ [الأنفال: 60].
(وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن) يعني: يجعل الله ﷻ في قلوبكم أيها المؤمنون، أيها الغثاء الوهن، قالوا: «وما الوهن؟»، قال ﷺ: (حب الدنيا وكراهية الموت)، قال العلماء: هما داءان متلازمان؛ حب الدنيا وكراهية الموت لا ينفكان عن بعضهما؛ فمن أحب الدنيا كره الموت، لأن حرصه على الدنيا وتمسكه بها يجعله يخاف من الموت، لا يريد أن يخرج من الدنيا.
فعندما تفطَّنت أمة الإسلام إلى هذا الداء، وألقته من قلوب أبنائها، وانتفضت في وجه الطغاة، ورفعت شعاراتٍ تدل على هذا المعنى: «الموت ولا المذلة»، عند ذلك استطاعت أن تقلب الأمور رأسًا على عقب؛ فأزاحت أوتاد الكفر وأركان الطغيان وفراعنة العصر في أيامٍ معدودات.
فهذا «زين العابدين» الذي عُرِف بمجاهرته لحرب الله ورسوله وبتدخله في كل شيء مما يخص أمة الإسلام.. حُرِمت النساء من الحجاب، أصبحت المساجد بالبطاقات؛ تريد أن تدخل إلى المسجد تصلي لا بد أن يكون لك بطاقة إِذْن من «زين العابدين؛ شين الشياطين» ولا بد أن يأذن لك، ممنوع أن تربِّي لحيتك! مالك ومال اللحية؟! مالك ومال منظري؟! ولكنها العداوة لله ولرسوله، قال ﷻ: ﴿يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ﴾ [الحج: 72].
فعندما تجبَّر وطغى وعتا عتوًّا كبيرًا؛ سلَّط الله ﷻ عليه ذلك الشعب الذي لا يزال يمسخه ويطمس هويته عقدين من الزمان، وقد سبقه «بو رقيبة» قبله؛ فأصبح مشرَّدًا تائهًا في الأرض وكان جزاؤه من جنس عمله، فما أكثر إخواننا التونسيون الذين تشرَّدوا في الأرض؛ في أوروبا، في إيطاليا وفي إسبانيا وفي فرنسا، يبحثون عن لقمة العيش.. فها هو هذا الخبيث المفسد المحارب لله ولرسوله يعيش لاجئًا خائفًا مشرَّدًا، لا يجد له ملجأً في الأرض إلا عند أعداء الله ورسوله من آل سعود المجرمين.
ثم جاء الدور على فرعون هذا الزمان «حسني مبارك»، هذا العُتُل الجوَّاظ المتكبر، الذي قتل من المسلمين ما قتل، وسجن ما سجن، والذي جعل شعبًا كاملًا في غزة محاصَرًا في سِجن مغلق مطبق من فوق الأرض ومن تحت الأرض، وُعِظ؛ فلم يتَّعظ، ذُكِّر؛ فلم يتذكر، قُوتِل؛ فقاتل.. أصرَّ على حرب الله وعلى حرب رسوله وعلى حرب أولياء الله ﷻ، وظنَّ أنه قادرٌ عليها، مُكِّن، وصار يهيِّئ الأمر ليستمر الطغيان والتجبر والظلم والبغي على أيدي أبنائه، ولكن الله ﷻ يمهل ولا يهمل، كما قال النبي ﷺ: (إنَّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]٣٬٤٥٥[رواه البخاري: (٤٦٨٦)، ومسلم: (٢٥٨٣)]، ﴿وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 183]، فجاء دوره فانتفض عليه ذلك الشعب الأبي الصابر وتحمَّل في سبيل قلعه وإزالته كل عناء، وكانت معركته معركةً حامية: معركة أعصاب، معركة إرادة، معركة تحمل، معركة اتحاد، حتى أزال هذا الطاغية المتجبِّر وأراح المسلمين من شره، وها هو الآن قابعٌ وراء القضبان كما كان هناك أكثر من ستين ألف مسلم مجاهد موحد خلف قضبان هذا الطاغية المتفرعن؛ فكان جزاؤه من جنس عمله.
ثم جاء الدور على مسيلمة العصر القذافي، والذي يلقى الآن جزاءه عند ربه، ذلك الطاغية الذي كان يتصرَّف في شعبه كأنه ملكٌ له، كل يوم يخرج بقرار، ينام ثم يستيقظ ويقرر ما شاء، يأمر ما شاء، يغيِّر ما شاء، يشرِّع ما شاء، وكأنَّ الأرض ليس فيها أحد، لا يجد أحدًا يقول له: لا؛ لا تفعل، إلا قلة من الموحدين الذين صبروا وتحمَّلوا أشد أنواع العناء والبلاء خلف السجون، قُتِل في ثلاث ساعات في ليبيا على جنود هذا الطاغية أكثر من ألف ومائتي موحد في ثلاث ساعات، ولا كأنه فعل شيء، كأنه ذبح دجاجًا لا قيمة له، والله ﷻ يملي له لعله يتوب، لعله يرجع، لعله يتَّعظ، ولكن كما قال الله ﷻ في بعض الناس: ﴿ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ﴾ [البقرة: 74]؛ هناك قلوب كالحجارة لا تتَّعظ، ولا تتذكَّر، ولا تلين، ولا ترحم، ولا ترأف، فعندما جاء يومه انتفض عليه الجيل الذي تربَّى في زمنه.
فالقذافي حكم أكثر من اثنين وأربعين سنة، وأنا خرجت إلى الدنيا ووجدت القذافي أمامي، ولكن الحمد لله لم أخرج من الدنيا حتى ودَّعها هو، اثنان وأربعون سنة وهو يحكم يتسلَّط، أما شبعت من السلطة! أما شبعت من الحكم! ثم بعد ذلك انتفض عليه شباب ليبيا الذين ظنَّ أنَّه ربَّاهم على عينه على المعسكرات العقائدية التافهة، فجُنَّ جنونه وما كان يتصور أنَّ رجلًا يقول له: لا! فكيف تعترض عليه وتخرج وتقاتل وتهدِّم «كتابه الأخضر» وكتاباته وغير ذلك؟!
وبعد ذلك؛ صبر ذلك الشعب صبرًا شديدًا، وقُتِل في هذه المعركة؛ معركة الكرامة والتضحية والحرية، أكثر من خمسين ألف ليبي، ولكنه ثمنٌ يجب أن ندفعه حتى نتحرَّر من هؤلاء الطغاة.
فهؤلاء ثلاثة من أوتاد الكفر وأركان الطغيان وعناوين التجبُّر في هذا الزمان قد أُزيلت بفضل الله ﷻ، وليس هذا بالحدث الهيِّن، ولكن ما زال أمام شعوبنا الإسلامية الكثير والكثير..
إنَّ الغاية من هذه الانتفاضات والمقصد من هذه الثورات لا يتوقف عند إزالة هذه الأركان الطاغية، وإنما يجب أن تكون همَّتنا أعلى ومقصدنا أشد وأكبر؛ وهو تحكيم شريعة الله ﷻ.
إنَّ شعبًا دفع ثمنًا أكثر من خمسين ألف شهيد؛ لا ينبغي أن يرضى إلا بحكمٍ من عند الله العلي الكبير، يكون عنوانه: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ﴾ [الأنعام: 57]، ولا يرضى بأي حكمٍ جاهلي تحت أي اسمٍ كان، تحت أي لافتة كانت، تحت أي عنوانٍ كان، إنَّه دين الله ﷻ، حكم الله ﷻ.. ليس هناك في هذه الدنيا إلا حكمان؛ فعلينا أن نختار أيَّهما شئنا؛ إما أن نُحكَم بحكم الله ﷻ حكم العدل والرحمة الإحسان، وإما أن نُحكم بأحكام الجاهلية أحكام الضنك والشقاء والتعب... إلى غير ذلك.
قال الله ﷻ: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
إذن يا شعوبنا المسلمة، لقد انتفضتم على هؤلاء الطغاة، وحطَّمتم حاجز الخوف بفضل الله ﷻ، ونبذتم عنكم الوهن؛ وهو حب الدنيا وكراهية الموت؛ فعليكم الآن أن تُواصلوا مسيركم، وأن تستمروا في طريقكم؛ طريق الإصلاح، طريقِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي خُصَّت به هذه الأمة، وتميَّزت به عن سائر الأمم: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾ [آل عمران: 110]، فما زالت الطريق طويلةً أمامكم، فلا ترضوا إلا بحكم الله ﷻ، ولا تصغوا إلى أهل الدجل والتزييف الذين يُمُنُّونكم بحياة الرغد في ظل الديمقراطية والتعددية وحرية التعبير وحرية الأفكار... إلى غير ذلك من التفاهات التي بدأ الغرب ينبذها ونتلقفها نحن!، أفي كل مرة نكون تبعًا لغيرنا! لماذا لا نكون أهل استقلال في إرادتنا وحكمنا؟ وفي حكم أوطاننا؟! ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
إنَّ دين الله ﷻ دين الوحدة لهذه الأمة، قال ﷻ: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، ودين الديمقراطية دين التمزيق لأمة الإسلام باسم التعددية، وهذه «تونس» الآن بعد الثورة؛ فيها أكثر من واحد وثمانين حزبًا.. فأيُّ أفكارٍ هذه التي تنوَّعت وتعدَّدت حتى تفرَّق الشعب فيها على هذه الأقسام؟! وهي قابلة للزيادة، وكل هذا باسم الحرية وباسم التعددية وباسم حرية الفكر، أو ما أدري ماذا؟!
ديننا دين الوحدة، دين الاجتماع، قال ﷻ: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ [آل عمران: 103]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 46].
ديننا دين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ديننا دين النصيحة لكل أحدٍ من عباد الله ﷻ.
فهذا هو الحدث الثاني؛ وهو حدثٌ عظيم، ويستحق كثيرًا من الوقفات، وفيه كثيرٌ من العظات والعبر لمن أراد أن يتَّعظ، قال الله ﷻ: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران: 26].. هم أولاء الطغاة الذين كانوا بالأمس أعزَّة؛ يأمرون وينهون، ويقتلون ويسجنون، ويعطون ويمنعون، ويرفعون ويضعون.. ها هم الآن أذلة لا يملكون من أمرهم شيئًا، بعد أن نزع الله ﷻ منهم الملك وأعطاه لغيرهم، وهو قادرٌ على أن ينزعه من غيرهم ليعطيه إلى غيرهم؛ فلنتق الله ﷻ ولا نغترَّ.
وأما الحدث الثالث في هذه السنة والذي اهتزت له أمة الإسلام؛ هو استشهاد الشيخ البطل المجاهد المرابط المهاجر الصابر «أسامة بن لادن» تقبله الله، هذا الحدث الذي ظنَّت أمريكا بوقوعه أنها انتصرت وارتفعت وقد انتقمت وأعادت لنفسها هيبتها، ولكن في خلال أشهر ذهب كل ذلك هباءً؛ بعد أن ذاقت على أيدي المجاهدين في أفغانستان وأقرَّت بأنها تلقَّت من الضربات ما لم تذقه منذ عشر سنوات.. هذا حتى تعلم أمريكا أنَّ ديننا لا يتعلَّق بالأشخاص، دين الله ﷻ وبقاءُ دين الله ﷻ واستمرارُ عِباد الله في الجهاد والبذل والعطاء والتضحية والفداء لا يتعلق ولا يرتبط بشخصٍ من الأشخاص، ولو كان دين الله ﷻ مرتبطًا بشخصٍ ما؛ لكان ذلك رسولَ الله ﷺ، والذي أخبرنا الله ﷻ أنَّ الانقلاب على الأعقاب بوفاته لا يضرُّ الله ﷻ شيئًا، قال الله ﷻ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144].
تُوفِّي رسول الله ﷺ ولم تُفتح فارس ولا الروم، بل انقلبت كثيرٌ من القبائل -التي كانت على دين الإسلام- على أعقابها وحملت السلاح وقاتلت المسلمين، هل انتهى الإسلام؟ هل ذهب الإسلام؟ هل غابت شمس الإسلام؟ كلا، ما حال الحول إلا وقد رجعت الأمور في زمن أبي بكر إلى مجراها، ثم بدأت جيوش الإسلام تفتح الأرض؛ بلاد الروم وفارس وغير ذلك، إذن دين الإسلام دين الله ﷻ لا يتعلق بالأشخاص.
نعم، نحن حَزِنَّا لمقتل الشيخ أسامة رحمه الله وهذا من طبيعة البشر، فرسولنا ﷺ عندما قُتِل عمُّه حمزة يوم أحد وهو يعلم أنه سيد الشهداء وفي الجنة يقينًا حزن عليه حزنًا شديدًا، وهذا من طبيعة البشر، ولكن الحزن شيء والتغيير شيءٌ آخر.. نحن لا نغيِّر طريقنا.
الطريق الذي نسلكه الآن نتقرَّب إلى الله ﷻ به، كل لحظةٍ نقضيها في ساحة الجهاد وفي عبادة الجهاد وفي مراغمة أعداء الله ﷻ؛ فإننا نحتسبها عند الله ﷻ، ونرجو أن يُكتب لنا أجرُها.
فإذن لا يضيرنا بعد ذلك أن نبقى وأن نستمر على طريق الجهاد حتى يمكِّن الله لدينه، ونرى شريعته، ونرى راية الإسلام ترفرف في الأرض، أو أن نُقتل في وسط الطريق أو في آخر الطريق.. المهم أن نستمر على طريق الجهاد، فالله ﷻ قد سوَّى لنا بين الأمرين؛ فقال الله ﷻ: ﴿۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 74]، فهذا الطريق الذي نسلكه طريقٌ نتقرَّب إلى الله ﷻ به.
فمقتل الشيخ أسامة رحمه الله تعالى، وأسكنه الفردوس الأعلى؛ لن يغيِّر من موقف المجاهدين شيئًا، ولن يوهن عزيمتهم، ولن يضعف قوتهم بإذن الله ﷻ.
بل لو قُتِل قادة تنظيم القاعدة كلُّهم فإن هذا لن يضرَّ دين الإسلام شيئًا؛ لأن دين الإسلام ليس مرتبطًا بشخصٍ ولا بتنظيم؛ ليس مرتبطًا بشخصٍ من الأشخاص ولا بجماعةٍ من الجماعات ولا بتنظيمٍ من التنظيمات، فأنا أقول لأمريكا: لا تُمنِّي نفسك: «نحن على وشك أن نهزم تنظيم القاعدة!»، فليُهزَم تنظيم القاعدة، وليُقتَل قادة تنظيم القاعدة، وليُقتَل كل أفراد تنظيم القاعدة، ثم ماذا؟ إنَّ المعركة التي تخوضها أمريكا اليوم هي ليست معركةً مع تنظيم ولا مع جماعة ولا مع طائفة، إنَّها معركةٌ مع أمة الإسلام، وإن أبت أمريكا إلا أن تُنكر هذه الحقيقة.
إنَّها معركةٌ مع أمة الإسلام التي انتفضت واستيقظت وقامت وبذلت وقدَّمت، وما أفراد وأعضاء تنظيم القاعدة إلا أبناء أمة الإسلام، من أين نزلوا؟ من السماء؟! هم أبناء أمة الإسلام من العرب ومن العجم ومن الترك ومن غيرهم، هؤلاء هم تنظيم القاعدة.
فإذن نحن لا نربط جهادنا بتنظيمٍ من التنظيمات، ولا بقائدٍ من القادة، ولا بطائفةٍ من الطوائف، ولا باسمٍ من الأسماء، ولا بأرض أيًّا كانت تلك الأرض ولو كانت الأرض المقدَّسة؛ فإنَّ الأرض لا تقدِّس أحدًا وإنما يقدِّس المرءَ عملُه، وإنما نؤدي هذه العبادة ونراغم أعداء الله ونقاتلهم حيثما تيسَّر لنا ذلك.. في أفغانستان، في باكستان، في الصومال، في العراق، في الجزائر، في سوريا، في ليبيا.. هذا لا يهمنا، وإنما المهم عندنا أن نسير على طريقٍ يرضاه الله ﷻ.
فإذن نقول لأمريكا: لا تُمنِّي نفسك بشيء، قُتِل قادة القاعدة أو بقوا، انتهى تنظيم القاعدة أو لم ينته، فإنَّ المعركة مستمرة وإنَّ الحرب بيننا وبينكم باقية، وقد تربَّى على معاني التضحية والشجاعة والبذل والإقدام شبابٌ يحبُّون الموت كما يحب جنودكم الخمر بفضل الله ﷻ.
فما قُتِل الشيخ أسامة رحمه الله حتى أحيا بكلماته ومواقفه جيلًا من المجاهدين الأبطال الصابرين الثابتين، الذين جرى حب الجهاد في عروقهم، ولا يرضى أحدهم إلا أن ينتصر أو أن يُقتل في سبيل الله ﷻ، يعيشون في الكهوف ليس عندهم في ذلك مشكلة، يعيشون بين الأشجار والأحجار والأودية وفوق الجبال والشِّعَب كل ذلك لا يضيرهم؛ لأنهم طلَّقوا الدنيا ولا يلتفتون إليها ولا قيمة لها عندهم.. فإننا لا ننازعكم في أمرٍ من أمور الدنيا، والله لو كانت المعركة بيننا وبين أمريكا على شيءٍ حقيرٍ تافهٍ من أمور الدنيا لخلَّيناه لكم منذ زمنٍ بعيد، وما أرهقنا أنفسنا وما بذلنا دماءنا وما عشنا هذه الغربة في سبيل الله ﷻ.
ولكن المعركة بيننا وبينكم أكبر من ذلك؛ إنها معركة العبودية لله ﷻ، أنتم تريدون منَّا أن نكون عبيدًا لكم خاضعين لسياساتكم تابعين لحكمكم، وهذا ما لا يمكن أبدًا ولو انطبقت السماء على الأرض، كما قال ربعي بن عامر رضي الله عنه: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام»٣٬٤٥٦[تاريخ الطبري (3/520)].؛ هذا هو عنوان المعركة بيننا وبينكم، ليست معركة أرض ولا معركة نفط، وإن كان هذا داخلٌ تبعًا، ولكن المعركة هي معركة توحيد، معركة عبودية، معركة اتباعٍ لشرع الله ﷻ، معركة خضوعٍ لأحكام الله ﷻ، معركة إيمان، وهذا ما لا نساوم فيه أبدًا، هذا ما لا نساوم فيها أحدًا بإذن الله ﷻ.
نسأل الله ﷻ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يُعزَّ كلمته وعباده المؤمنين.
اللهم انصر عبادك المؤمنين المجاهدين، اللهم انصر عبادك المؤمنين المجاهدين، اللهم مكِّن لهم تمكينًا تحبه وترضاه، اللهم افتح عليهم فتحًا مبينًا من عندك، اللهم اخزِ أعداءك وأعداءهم، اللهم أذلَّهم، اللهم مزِّقهم، اللهم دمِّرهم، اللهم سلِّطهم على بعضهم، اللهم سلِّطهم على بعضهم، اللهم سلِّط عليهم أولياءهم، اللهم سلِّط عليهم جندك وعبادك المؤمنين.
اللهم صلِّ على خير خلقك محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: خطبة عيد الأضحى «1432هـ»
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا