🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

تأملات في سورة الحجرات - الدرس السادس

الدرس السادس

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

۞

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مضلَّ له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، ثم أما بعد..

كنّا قد تكلمنا بالأمس على قول الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].

وقلنا: إن هذه الآية قد نهت عن ثلاثةِ أخلاقٍ ذميمة يجب على المسلم أن يتجنبها:

أولها: السخرية من أخيه المسلم. والأمر الثاني: التنابز بالألقاب. والأمرُ الثالث: هو اللمز.

وقد فصَّلنا الكلام في هذه العيوب الثلاثة، وقلنا: لا يصلحُ للمسلم أن يحتقر أخاه المسلم وهو الذي تجمعه به عقيدة الإسلام وإخوة الإيمان ورابطة التوحيد.

[التحذير من سوء الظن وتتبع عورات المسلمين والتجسس عليهم]

ثمَّ قال الله ﷻ بعد ذلك: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾ [الحجرات: 12].

ص 1471

وقد ذكرنا في أول السورة٢٬٤٢٢[كان هذا في الدرس الأول المفقود، والذي لم يصلنا، فلا نحسن الإحالة عليه للأسف]. أنها سورةٌ تُبيِّن الأسس والقواعد التي يقوم عليها المجتمع المسلم في التعامل وفي العلاقات في ما بينهم؛ فأمرت بأخلاقٍ يجب على المسلمين أن يأخذوا بها، كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ﴾ [الحجرات: 6]، ونهت عن أخلاقٍ وحذَّرت منها وأمرت المسلمين أو المؤمنين أن يجتنبوها.

فمن هذه الأخلاق الذميمة التي يجب على المسلم أن يتورع عنها: سوءُ الظنِّ بإخوانه المسلمين، قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ﴾ [الحجرات: 12]، فحتى لا يقع الإنسان في هذا البعض الذي هو معصيةٌ لله ﷻ، والذي هو أذيةٌ لأخيه المسلم؛ فينبغي له أن يجتنب كثيرًا من الظن، ولهذا قال الله ﷻ: ﴿ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ﴾.

وذكرَ العلماء للظن المذموم ثلاثة أمور [وشروط]:

أولًا: أن يكون هذا الظن في حقِّ المسلم، وليس في حقِّ الكافر، كما قال الله ﷻ هنا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾؛ أي في حقِّ إخوانكم من المسلمين.

الأمر الثاني: أنَّ هذا الظن المنهي عنه هو الذي يستقر في القلبِ ويثبت ويحققه صاحبه حتى يصبح كاليقين؛ فيبني عليه تصرفاته وعلاقاته مع إخوانه، أما الهواجس والخواطر التي تعبُر بنفس الإنسان عبورًا ولا تستقر ولا يبني عليها شيئًا؛ فلا يؤاخذ الإنسان على هذا الأمر.

الأمر الثالث: أن يكون هذا الظن السيء في مَن ظاهره الصلاح والتقوى، وأما المجاهر بالمعصية والذي يُدخل نفسه في مواضع الريبة والشك؛ فهذا هو الذي أوقع نفسه في دائرة التهمة، وقد قال الله ﷻ هنا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ﴾، والنبي ﷺ يقول: (إياكم والظن فإنّ الظن أكذبُ الحديث)٢٬٤٢٣[متفق عليه، البخاري: (٥١٤٣)، ومسلم: (٢٥٦٣)].، وكثيرًا ما يتعامل الإنسان مع ما يقع في نفسهِ من الظنون والأوهام وربما يبني عليها أحكامًا قد يكون هذا الحكم تفسيقًا أو تكفيرًا أو هجرانًا لأخيه المسلم، وربما غيبةً وربما تحذيرًا من أخيه المسلم.. إلى غير ذلك، مما يُبنى على هذا الظن، فإذا تحقق من هذا وبحثَ عنه وتفحصه وجده مجرد وهم ومجرد ظنون لا أصلَ لها في الواقع.

ص 1472

وتأملوا الترتيب الذي سارت عليه هذه الآية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ﴾؛ فأولًا: نهت عن الظن وهي الخواطر التي تقع في قلب المؤمن، ثمَّ إذا أصاب الإنسان ظن السوء بحق أخيه المسلم -أي ظننت بأخيك المسلم ظنًا سيئًا- فإنَّ هذا الظن سيدعوك للتحقق منه؛ فيحاول هذا الإنسان الظان بأخيه أن يتفحص وأن يتحقق من صحةِ هذا الظن؛ فهذا الأمر يدعوه للتجسس، ولهذا فإنَّ الله ﷻ بعد النهي عن الظن؛ نهى عن التجسس، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ﴾ أي: ما دام أخوك المسلم مستورًا فدعه على حالة ستره، وأما البحث والتفحص ومحاولة التنقيب من هنا ومن هنا في أمور ليست لك بها علاقة ولا يتعلق بها حكمٌ شرعي تحتاجه؛ فهذا أمرٌ منهيٌ عنه.

وقد قال النبي ﷺ: (لا تجسسوا ولا تحسسوا)٢٬٤٢٤[صحيح مسلم: (٢٥٦٣)].، وبعض العلماء قال: إن التجسس يكون في أمور الشر، والتحسس يكون في أمور الخير، كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: 87]، وبعض العلماء قال: يُطلق كل منهما على الآخر؛ يعني يطلق على التجسس بأنه تحسس ويطلق على التحسس بأنه كذلك تجسس؛ فالله ﷻ هنا نهى عن التجسسِ، والتجسس المذموم هو الذي يكون في حق المؤمنين، ويكشف فيه عن عورات المسلمين، ويبحث عن عيوب المسلمين، ويحاول أن يطلع على خفايا أخطاء هؤلاء المسلمين.

أما من جاهر فهذا لا تحتاج للتجسس عليه؛ لأنه أعلن بمعصيته ومخالفته لأمر الله ﷻ.

ص 1473

إذن التجسس المنهي عنه هنا هو التجسس الذي يكون بحثًا وتنقيبًا عن عيوبِ المسلمين وعن عورات المسلمين، والنبي ﷺ يقول: (يا معشرَ من آمنَ بلسانهِ ولم يدخُل الإيمان في قلبهِ، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورات المسلمين يفضحهُ الله ولو في عقرِ بيتهِ)٢٬٤٢٥[رواه أحمد: (١٩٧٧٦)، وأبو داود: (٤٨٨٠)، وقال الألباني: «حسن صحيح»].؛ فالإنسان إذن منهي عن تتبع عورات المسلمين، كما نهي أيضًا عن غيبة المسلمين.

[بيان حرمة الغيبة وخطرها]

وقلنا: إن الذي يدعو إلى التجسس هو سوء الظن، فلهذا قال الله ﷻ هنا: ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾، ثمَّ نهى الله ﷻ بعد ذلك عن الغيبة، وهي تكون نتيجة للتجسس، فالإنسان إذا ظنَّ بأخيه ظنَّ السوء، ثمَّ حاولَ أن يطلع أو يتحقق من صحةِ ذلك الظن الذي وقعَ في نفسه؛ فهذا سيدعوهُ ويدفعهُ إلى التحدث عن أخيه المسلم بما يكره، وهذه هي الغيبة.

والنبي ﷺ نهى عن الغيبة، وعندما سُئل عن الغيبة قال: (ذكركَ أخاكَ بما يكرَه)، قيل: «أرأيت إن كان في أخي ما أقول»؛ أي أرأيت إن كان في أخي المسلم ما أقول فيه من العيوب، فيه بعض العيوب التي يمكن أن أتحدث بها، قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيهِ ما تقول فقدْ بهتَّه)٢٬٤٢٦[صحيح مسلم: (٢٥٨٩)].؛ إذن البهتان أشدُّ من الغيبة، والغيبةُ نَقلَ غيرُ واحدٍ من العلماء أنها كبيرةٌ من الكبائر، وهي محرمةٌ باتفاقِ العلماء، وبدلالة الكتاب الصريحة، وبدلالة السنة الصحيحة أيضًا، فقد قال الله ﷻ هنا: ﴿وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾، والأحاديث في النهي عن الغيبة كثيرة.

والغيبة هي أعظم ما يفسد العلاقات بين المسلمين.

والفرق بين الغيبةِ والنميمة؛ أنَّ الغيبة هي أن تذكر أخاكَ في المجالس بما يكرهه، والنميمة هو أن ينقل الإنسان كلام هذا لهذا، وكلام هذا لهذا؛ ليُفسد بينهما: (لا يدخل الجنةَ قتّات)٢٬٤٢٧[متفق عليه، البخاري: (٦٠٥٦)، ومسلم: (١٠٥)].، (ولا يدخل الجنة نمّام)٢٬٤٢٨[صحيح مسلم: (١٠٥)].، كما قال النبي ﷺ.

ص 1474

وفي هذه الآية نهى الله ﷻ نهيًا صريحًا عن الغيبة فقال: ﴿وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ ثم ضربَ لهذه الغيبة مثلًا يُنفِّرُ من هذا العمل القبيح؛ فقال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا﴾، هذه هي حالة المغتاب؛ كحالةِ إنسان جلسَ على جثةِ أخيه وبدأ يُقطع لحمها ويأكلها، وهذا الأخ هو إنسان ميت؛ هل هناك إنسان يمكن أن يقبل مثل هذه الصورة أو يشتهي مثل هذا اللحم، هذا هو حال المسلم الذي يغتابُ أخاه المسلم.

قال العلماء: وجه التشبيه من أين؟

أولًا: هذا الأخ أنت تأكلُ لحمه فكذلك أنت تتحدث عنهُ فهذا الكلام الذي تقوله كأنك تأكل لحم أخيك.

الأمر الثاني: هذا الإنسان هو غائبٌ ليس موجودًا في مجلسكَ، لا يدري بما تقوله أنت عنه، فكذلك هذا الميت لا يدرك ما يقال عنه، فكأن هذا الإنسان الغائبَ هو إنسان ميت وأنت تأكل لحمه وتتفكه به؛ فكما أن الإنسان يكره هذه الصورة وهو أن يأكل لحم أخيه المسلم الميت، فكذلك يجبُ عليه أن يكره هذا الحديث عن أخيه، وأن يكره إعابة وعيب أخيه المسلم الغائب عنه، فقال الله ﷻ هنا: ﴿وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا﴾، نعم لا يحب أحدنا أن يأكل لحم أخيه ميتا، ﴿فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾.

وذكرَ العلماء أن هناك بعض الحالات التي تجوز فيها الغيبة، وذلك إذا كان هناك مقصود شرعي ولا يمكن الوصول إلى هذا المقصود الشرعي إلا بهذه الطريقة.

إذن تجوز الغيبة بضابطين، الضابط الأول: أن يكونَ هذا الذي ستتكلم عنه هذا العيب ستذكره لمقصودٍ شرعيٍ معتبر.

والأمرُ الثاني: أنك لا تستطيع أن تتوصل إلى هذا المقصود إلا عبرَ ذكركَ أخاكَ بما يكره.

وذكر العلماء ستة صور لهذه الحالات التي تجوز فيها الغيبة، نذكر بعضها٢٬٤٢٩[ذكرها النووي في: رياض الصالحين، ت. الفحل (ص 425)، وهي: (1) التظلم، (2) الاستعانة على تغيير المنكر، (3) الاستفتاء، (4) تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، (5) أن يغتاب المجاهر بفسقه او بدعته، (6) التعريف كالأعمش والأبرص].:

ص 1475

الحالة الأولى: حالة التظلم، قالوا: لو أن إنسانًا ظلـمَ إنسانًا؛ فأخذَ ماله أو ضربه ظلـمًا، أو ظلمه بأيِّ نوع من أنواع الظلم؛ فلهذا الإنسان أن يتكلم عمن ظلمه في الموضع الذي يحتاج فيه لبيان الظلم، مثلًا: يذهب إلى القاضي ويقول: إن فلانًا ظلمني، خانني، أكل مالي.. إلى غير ذلك من الأشياء التي يحتاج فيها لبيانه، فالمقصد الشرعي هنا هو: استرجاع حقه. والأمر الآخر: أنك تريد أن تبيِّن حقيقة هذا الظلم حتى يحكم القاضي أو من أرادَ أن يحكم لك بما تستحقه.

وقد قال النبي ﷺ: (مَطْلُ الغني ظلمٌ يحل عرضه وعقوبته)٢٬٤٣٠[حديث: (مطل الغني ظلم) متفق عليه، رواه البخاري: (٢٢٨٧)، ومسلم: (١٥٦٤)، وحديث: (ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته) رواه أحمد: (١٧٩٤٦)، وابن ماجه: (٢٤٢٧)، وأبو داود: (٣٦٢٨)، وحسنه الألباني]. أي: الإنسان إذا كان غنيًا يستطيع أن يقضي دينه، ثمَّ بدأ يماطلُ في هذا الدين، يطلبهُ الدائن ولكنَّ الغني يماطل، يعني يتأخر ويتقاعس في قضاءِ هذا الدين؛ فلهذا الإنسان أن يتكلم على هذا الغني ويقول: هو ظلمني وأكل مالي وما ردَّ ديني.. وإلى غير ذلك؛ إذن هذه هي الحالة الأولى وهي حالة التظلُّم. 

الحالة الثانية: حالة الاستفتاء؛ يعني لو أن إنسانًا عنده نازلة وجاءَ إلى أحدِ العلماء يستفتيه فيقول مثلًا: ضربني فلان أو خانني فلان أو ظلمني فلان في كذا وكذا، فما الحكمُ؟ هذا ليس قضاءً، ولكن هذا في الاستفتاء؛ يعني يبحث عن الحكم الشرعي الذي يتعلق بهذا الشخص، ففي هذه الحالة لا تعد هذه غيبة، واستدل العلماء لهذه الحالة بأن هند رضي الله عنها وهي زوجة أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: «يا رسول الله إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، لا يعطيني وأبنائي ما يكفيني أفآخذُ من ماله؟» قال ﷺ: (خُذي ما يكفيك وأبناءكِ)٢٬٤٣١[صحيح البخاري: (٧١٨٠) وفي آخره زيادة (بالمعروف) لم يذكرها الشيخ، والعلماء مختلفون هل هذا الحديث دليل للفتيا أم للقضاء على الغائب؟ وكلٌّ ينزع به على ما هو الأقوى عنده، والله أعلم]..

إذن هنا جاءت ووصفت زوجها بأنهُ شحيح يعني بخيل، ومع ذلك لم ينكر عليها النبي ﷺ.

ص 1476

الحالة الثالثة: التعريف، إذا كان هناكَ شخصٌ صاحب بدعة، أو صاحب فسق، أو صاحب فجور، أو جاءك شخصٌ يستنصحك في حق رجل لمعاملةٍ ستكون بينهما وأنت تعلم صفةً ذميمةً في هذا الشخص؛ فهنا يجبُ عليك أن تذكر ما تعتقده في هذا الشخص، وأن تبيِّن ما فيه من العيب ما دام يُبنى عليه مصلحة شرعية، وفي هذا أن النبي ﷺ، جاءته امرأة وقالت: خطبني فلان وفلان؛ يعني تستشيره من تتزوج منهما، الأول هو معاوية بن أبي سفيان، والآخر هو أبو جهم؛ فقال النبي ﷺ: (أما معاوية فرجلٌ صعلوك لا مال له) فذكرهُ النبي ﷺ بما يعرفه من حاله، وأما أبو جهمٍ فقال النبي ﷺ: (إنه رجلٌ لا يضع العصا عن عاتقه)، وفي رواية أخرى (إنه ضرَّاب للنساء)، فذكر النبي ﷺ الصفتين اللتين تتعلقان بهذين الصحابيين، حتى قال لها: (انكحي فلانًا)٢٬٤٣٢[صحيح مسلم: (١٤٨٠) من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها].؛ يعني أسامة رضي الله عنه.

كذلك من هذا الباب: تجريح الشهود والرواة؛ فالشاهد إذا جاءَ القاضي، وأرادَ أن يعدِّله فسألَك عنه: ماذا تعرف عنه؟ وأنت تعرفُ أنه فاسق؛ فتقول: يفعل كذا، ويفعل كذا؛ فهذا جائز، لأن شهادتك سيُبنى عليها حكمٌ شرعي.

ومن هذا الباب أيضًا: ما يفعله علماءُ الحديث عندما يقولون مثلًا: هذا الراوي كذاب، وهذا متهم، وهذا كذا، ويذكرون بعض الصفات في بعض الرواة؛ لأن ذكرَ هذه الأشياء يترتبُ عليها مصلحة شرعية؛ وهي المحافظة على السنة، إذن هذا هو الموطن الثالث الذي تجوزُ فيه الغيبة.

الحالة الرابعة -كما قالَ العلماء-: إذا احتاجَ الإنسان أن يستعينَ بشخصٍ في إنكار منكر؛ أي لو كان هناك إنسان يفعل منكرًا، وأنت لا تستطيع أن تنكر عليه، ولا أن تمنعه مما هو فيه، وتعلم أنه هناك شخصًا له سلطة وقدرة على منع هذا الإنسان من منكره وإزالته عنه؛ فهنا يجوز لك أن تذهبَ لهذا الشخص وربما يجب عليك، وأن تقول له: إنَّ فلانًا يفعل كذا، ويفعل كذا، هذا من باب الغيبة؛ لأنك تذكره بما يكرههُ، ولكن في هذه الحالة جوَّزت الشريعة للإنسان أن يستعين في إنكار المنكر بشخصٍ ولو ذكر الآخر بما فيه من المنكر.

هذه بعض المواضع التي تجوز فيها الغيبة ونكمل غدًا.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

❖ ❖ ❖

ص 1477