الرسالة الثانية: حكم السمع والطاعة لأمير الجماعة، والمقررات الدراسية في المعسكرات
۞
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا، وبعد...
إلى الإخوة الأحبة... حفظهم الله وسدد خطاهم على الخير والطاعة وزادنا وإياهم هدىً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نسأل الله الرحيم الكريم أن تصلكم هذه الرسالة وأنتم في أحسن أحوالكم الإيمانية والجهادية والصحية والأمنية والمعنوية،، وأن تكونوا من الخير في ازدياد وعلى هداية دائمة وسداد، ثم نسأل الله ﷻ أن يجزيكم خير الجزاء على جهودكم التي تبذلونها لنصرة الإسلام ونصح المسلمين بجهادكم بالقول والعمل وعلى حرصكم التّام على توخي الحق والاجتهاد في تحصيله وبلوغه، ومن كان كذلك فسيكون حاله بإذن الله من صلاح إلى أصلح، ومن نجاح إلى أنجح، ومن هداية إلى أهدى كما قال ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهـۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ﴾ [محمد: 17]، وقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29]، وقال الله ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤ سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ﴾ [محمد: 4-5]، وقال ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، فشكر الله سعيكم، وبارك في جهدكم، وزادكم من فضله العميم، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنةً في دينكم ودنياكم.
ثم إني قد اطلعت على مجمل الرسائل التي راسلتم بها أخانا الشيخ أبا عبد الرحمن٣٬٦٤٠[هو الشيخ المجاهد: أبو عبد الرحمن عطية الله الليبي رحمه الله «جمال إبراهيم اشتيوي المُصراتي»]. حفظه الله، وههنا بعض النقاط التي أردت أن أثيرها وأكتب لكم فيها لعل الله أن يجعل لنا نصيبًا بمشاركتنا لكم في الخير الذي أكرمكم الله به وشرح صدوركم له، فإن الدال على الخير كفاعله.
أولًا: قرأت المحاورة التي كانت بينكم وبين الإخوة الليبيين الذين هم معكم وبينكم، وجزاكم الله خيرًا على اتساع صدوركم وبيان كل الإشكالات التي طرحوها في رسائلهم وإجابتهم عليها بطول نفسٍ وحسن خلق وإحسان ظنٍّ بهم، إلا أن الأمر فيما أرى يحتاج إلى تعمق في علاجه وتتبعٍ لتشعباته لأنه فيما أحسب لن يتوقف عند مطالبة الإخوة الليبيين بما طالبوا به، وإنما سيصبح بعد حينٍ سنةً متبعةً من قبل الوافدين عليكم من المناطق المجاورة، وسنرجع بعدها إلى نقطة الصفر التي كنا نظن أننا تجاوزنها وابتعدنا عنها كثيرًا؛ أعني مسألة التنظيمات القطرية وتبني القضايا المحلية والانكفاف على الذات عمليًا وإن كانت الدعوى النظرية خلاف ذلك.
فالمسألة إذا لم تعالج علاجًا حقيقيًا جذريًا فإنها ستصبح ظاهرةً في جبهتكم ولن تكون قاصرة على الحادثة التي تجتهدون الآن لعلاجها، خاصة إذا فتح الله عليكم ونلتم شيئًا من التمكين وحسن التسليح وسهولة التنقلات والاتصالات والتوسع في التدريب العسكري وغير ذلك فإن مثل هذه الظروف مغرية جدًا لتكوين التنظيمات والجماعات وهو في حقيقته قطفٌ للثمرة ومحاولةٌ للانتفاع بها قبل نضجها، وإلا فلو درى الناس لعلموا أن قيام دولةٍ إسلامية مع تمام تمكنها هو أسرع في تحصيل ما نريد حسمه من قضايا الأمة المتشعبة من الاكتفاء بالاستفادة المحدودة من الساحات المحدودة، والتجارب في ذلك كثيرة، وللأسف فما زلنا نلدغ من الجحر الواحد عشرات المرات وليس مرتين فحسب والله المستعان، فما أريد أن أقوله في هذه المسألة هو عدة أمور:
الأمر الأول: نعم كما يقال فإن التباحث هو الطريق الأمثل لحل المشاكل خاصة فيما يقع بيننا نحن المسلمين والمجاهدين، ولكن هذا التباحث والتحاور لن يؤتي أكله إطلاقًا إذا لم تكن القلوب صافية والنوايا نزيهة والتجرد في طلب الحق تامًا محققًا، فحيث كانت النفوس مشوبة بشيء من الهوى ولو تغلَّف بغلاف البحث عن المصلحة فإن هذا لن يوصل إلى المقصود الشرعي المطلوب، وسنبقى إما عاجزين عن حل المشكلة من رأسها؛ لأننا ندور في فلك الأهواء ورغبات النفوس، أو أننا سنصل إلى حل أعوج ناقص هو أقرب ما يكون إلى التلفيق الذي نرضي به أهواءنا ونشبع رغباتنا، ومثل هذا ليس تحصيلًا للحل الشرعي المطلوب الذي يرضي الله.
ولهذا فإن الله ﷻ أمرنا عند الاختلاف بالرد إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ مع التجرد لداعية الإيمان الذي يقتضي الاستسلام والانقياد والإذعان للحكم الذي سيصدر عن الشرع لا عن سواه قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59]، وقال ﷻ: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: 10]، وعليه فإن أية مشكلة أو تنازعٍ أو اختلاف يحصل بينكم لا يجوز للمرء أن يخادع فيه نفسه ولا أن يخادع ربه -ونحن نعيذكم بالله من ذلك- الذي يعلم السر وأخفى، بل عليه أن ينبذ أول ما ينبذ هواه ودواعي نفسه ويكون من أعماقه متجردًا للبحث عن الحق الذي يعلم يقينا أنه حيثما كان فإن المصلحة والخير والفلاح ستكون فيه.
الأمر الثاني: كنتم قد استشرتمونا من قبل عن تصورنا للعمل في ليبيا وقد ذكرنا لكم رأينا في رسالة قديمة أول انضمامكم، وأحسب أنكم بنيتم علاقاتكم التنظيمية مع الإخوة الوافدين من ليبيا على هذا الأساس، أي أن العمل في ليبيا وباعتبار الظروف الواقعية الحقيقية التي لا يمكن تجاهلها ولا تجاوزها إنما يكون على هيئة عمليات نوعية يختار لها المكان المناسب والوقت المناسب، ولا تصلح الآن لأن تكون جبهة مفتوحة للعمليات المتوالية والمستمرة سواء كانت ضد مراكز الاستخبارات، أو الشرطة، أو الجيش، أو نحو ذلك، وليس هذا إهمالًا للعمل في ليبيا كما قد يتصوره البعض، وإنما هو إتيانٌ للبيوت من أبوابها، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وما نقلتموه في رسالتكم للإخوة الليبيين عن رسالتنا السابقة التي كانت موقعة مني ومن الشيخ عبد الله سعيد ما زلنا عليه، وأنتم من يقدِّر الظرف المناسب للقيام بأية عملية داخل ليبيا بناءً على معرفتكم القريبة مكانًا وزمانًا للأحوال الملائمة لذلك.
مع أنني أرى أن ليبيا اليوم قد كثرت فيها الأهداف الأمريكية وكذلك الغربية، واكتظت بالسائحين الفجرة، والتجار الكفرة الجشعين، والشركات التي تمص البلاد مصًا، مع اعتبار بُعْد هذه الأهداف في العمق الليبي بالنسبة لكم فالوصول إليها، أو سحب بعض الرهائن إلى أماكنكم قد يكون مكلفًا جدًا ومغامرة حقيقية، ولكن مع ذلك فينبغي للخبراء العسكريين عندكم أن ينظروا إليها من هذه الجهة ويبحثوها بحثًا مستفيضًا واسعًا، مع اعتبار التأثيرات السلبية التي قد تلحقكم من وراء ذلك مما أنتم أعرف به، وعلى كل حال فحتى بالنظر إلى ما يسمى مفتاح الصراع فإن النظام الليبي اليوم قد غرق في بحر العمالة المعلنة، وصارت مرتعًا للفجور والنهب وطمع المؤسسات الكافرة فيمكن لبعض العمليات النوعية التي ترتبط بمثل هذه الأهداف -خاصةً إذا كان أمريكيًا محضًا- أن يعطي نقلة واسعة وقفزة كبيرةً للعمل هناك، وأعيد وأكرر وأؤكد أن هذا الأمر إنما يقدِّره وينظر فيه ابتداءً القيادة عندكم لتدرس تأثيراته من جميع الجوانب عسكرية، سياسية، تنظيمية... إلخ، وهو لا يخرج عمَّا كنا قد ذكرناه لكم في رسالتنا الأول التي أشرت إليها ابتداءً بل هو تأكيد له.
الأمر الثالث: الذي أراه بالنسبة للإخوة المجاهدين الوافدين إلى الجزائر من الدول المجاورة أو غيرها، هو اختلاطهم واندماجهم مع إخوانهم المجاهدين الأنصار من داخل الجزائر، بحيث تقدِّر القيادة بنظر المصلحة والاجتهاد أي المكان والمهام والتكاليف الأنسب لكل وافد حتى يوضع فيها ويكلف بها، وتختار له المنطقة المناسبة التي يكون فيها نفعه للجهاد أكبر وأوسع، بحيث لا يتبقى هناك تكتلات قطرية داخل جبهتكم الواسعة، فلا يكون هناك تكتل لليبيين بحيث يتحتم على كل ليبي أن يكون ضمنه، ولا للتونسيين، ولا للمغربيين، ولا للموريتانيين، ولا للنيجيريين، وهكذا، وإنما يكون جنديًا كغيره من جنود القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وهذا من حيث الأصل.
وقد تظهر لكم المصلحة في حالة معينة، أو في ظرف محدد، أن الأنسب والأقرب في حق مجموعة من المجموعات أن يكون لها تكتلٌ خاصٌ بها ينضوي تحت الجسم العام للتنظيم، وإنما قلتُ ما قلت بناء على تجربة أولًا وهي تجربة مشهورة معروفة أعني أيام بيشاور وكثرة الجماعات والتنظيمات التي أسس كثير منها بناء على انتمائه القطري، ومع الخير الكبير الذي كان في تلك الجماعات إلا أن أمرها كانت عاقبته على غير ما وصلت إليه اليوم لو أنها اجتمعت واتفقت وذابت طاقاتها وكوادرها في جسم واحد، وهو ما وصل أو اقترب منه المجاهدون اليوم بانضمامهم لقاعدة الجهاد التي لم يكن تأسيسها مرتبطًا بجنس ولا قطر ولا دولة ولا جهة وإنما ضمت في أول جلسة تأسيسها الأولى أشخاصًا من بلدانٍ شتى، ولعل بقاءها كان نتيجة لذلك بعد توفيق الله تعالى وتسديده ومعونته.
ثم من دواعي ما ذكرته أيضًا أن هذه التكتلات ستنشأ ابتداء صغيرة كسرايا أو كتائب ثم ما تلبث أن تكبر شيئا فشيئا وستشعر أنها اكتسبت خبرات وتكون عندها بعض الكوادر فبدل أن تتوجه تلك الطاقات وتتركز الجهود على قضية واحدة تحت قيادة واحدة فسيلتفت كل واحد منها إلى جهته وجبهته ويحدث لنفسه قضية تستفرغ جهده وتفكيره وقوته وهذا يؤدي قطعا إلى إضعاف الجبهة التي هو فيها الآن فيكون حاله كمن يبحث عن الربح وهو يحرق رأس المال، وهذا نتيجته الحتمية المقطوع بها هو الفشل كما أخبرنا الله تعالى، فإنه إن لم يكن هذا من التفرق المذموم المنهي عنه شرعًا فليس هناك تفرق ولا تنازع يُنتج الفشل وذهاب الريح، قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، وقال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف: 4]، وعن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: (الجماعة رحمة والفرقة عذاب)٣٬٦٤١رواه القضاعي [في الضعفاء: (٢٠٥٨)]، وأحمد [18449]، وفي رواية [في مسند ابن الجعد: (٣٣٩١)]: (الجماعة بركة)، [وصححه الألباني في: صحيح الترغيب (976)]..
فنحن اليوم نبذل قصارى جهدنا لأن تنضم كثيرٌ من الجماعات الجهادية الموجودة في عددٍ من الأقطار وتكون مع إخوانهم صفًا واحدًا وجبهة واحدة مع أن هذه الجماعات لها جهودها المشكورة، وأعمالها المشهورة، وكوادرها المعروفة لتنتفع الأمة بذلك ولتتنزل البركة بالجماعة والاجتماع، فكيف نسعى إلى تكوين تنظيمات داخل جسمٍ متماسكٍ خرج لتوه من أوهاق الفرقة وإرهاق التنازع وذاق مرارة التجربة؟! لا شك أن هذا العمل هو أبعد ما يكون عن الحكمة والعقل فضلًا عن الحق والشرع.
الأمر الرابع: بالنسبة لموضوع البيعة، فيما أرى أنه ينبغي أن يكون تصورنا للمعركة وحاجاتها ومتطلباتها وطريقة إدارتها ودور كل واحدٍ منا فيها أكبر من ربطه بكون الشخص بايع أم لم يبايع، وعلينا أن نستشعر استشعارًا تامًا، بل نتيقن تيقنًا جازمًا أن انتصارنا في هذه المعركة الواسعة الشرسة التي نخوضها ضد الصليبية العالمية التي حشدت كل قواها واستنفرت جميع طاقاتها مبنيٌ -بعد تقوى الله تعالى وطاعته- على الاجتماع والاتفاق والتراص.
ونحن لا زلنا نحرض الأمة ونستحثها ونحضها على أن تأخذ دورها في هذه المعركة وأن تصطف خلف أبنائها المجاهدين لأن المعركة بضخامتها أكبر من أن تغطيها إمكانات المجاهدين المحدودة، فكيف نكون من جهة محرضين للأمة لأن تكون مع المجاهدين في هذه المعركة، ومن جهة أخرى نبدد طاقاتنا بأيدينا أو نضعف جبهاتنا القوية التي تأسست بعد طول عناء وشدة بلاء، فإذن علينا أولًا أن نعرف أن المعركة أكبر وأضخم من أن يغطي احتياجاتها مجرد تنظيم أو جماعة من الجماعات بحيث نتقوقع داخله ونحذر أن يصبح دورنا في هذه المعركة مبنيا على مسألة بايعنا أم لم نبايع، ولا أعني بذلك إلغاء الجماعات القائمة على هذه الجبهات، ولا إلغاء مسألة البيعة لمن رأى جدواها وأهميتها في ساحته، وإنما أعني أننا نحن كمجاهدين يريدون أن يقودوا الأمة ويدخلوها جبهة القتال؛ ينبغي أن يكون تصورنا أوسع وأعمق من الحديث عن البيعة من عدمها؛ فإن هذا تسطيح للقضية وتضييق لنطاقها هذا مع أنه مبني على تصور خاطئ شرعًا في مسألة البيعة ومكانتها في العمل الجهادي والذي يحتاج إلى تفصيل وتطويل لا يسع له المقام هنا.
ولكن أقول باختصار: إن من دخل ساحة الجهاد وعمل تحت لواء قادتها وتعامل معهم على أساس أنهم أمراؤه وجرت عليه برامجهم التدريبية والعسكرية فإن هذا كافٍ لأن يوجب عليه السمع والطاعة لهم، وهو المعنى الذي يتأسس عليه مفهوم الإمارة، فلا جهاد بلا جماعة، ولا جماعة بلا إمارة، ولا إمارة بلا سمعٍ ولا طاعة، فوجوب طاعة أمراء الجهاد فيما هو داخلٌ في صلاحياتهم وأعمالهم ثابتٌ بالشرع كتابًا وسنةً، وليس بحاجة إلى البيعة لتأسيسه، وإنما البيعة لتأكيد هذا الواجب لا لإنشائه، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59].
وقد رجح الإمام ابن جرير أن المقصود بأولي الأمر في الآية هم الأمراء؛ فليراجع فإنه مهمٌ٣٬٦٤٢[تفسير الطبري (7/173)، قال: «فتأويلُ الآيةِ إذن، إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا: إن اللهَ يَأْمُرُكم يا معشرَ وُلاةِ أمورِ المسلمين أن تُؤَدُّوا ما ائْتَمَنكم عليه رَعِيَّتُكُم مِن فَيْئِهم وحُقُوقِهم وأموالِهم وصَدَقاتهم إليهم، على ما أمَركم اللهُ بأداءِ كلِّ شيءٍ مِن ذلك إلى مَن هو له، بعدَ أن تصيرَ في أيديكم، لا تَظْلِموها أهلَها، ولا تَسْتأثِروا بشيءٍ منها، ولا تَضَعوا شيئًا منها في غيرِ موضعِه»]..
وقال النبي ﷺ: (مَنْ أطاعني فقد أطاعَ الله، ومَنْ عصاني فقد عَصى اللهَ، ومَنْ يُطعِ الأمِيرَ فَقَدْ أطَاعَني، ومَنْ يَعصِ الأمِيرَ فَقد عَصَانِي) رواه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة٣٬٦٤٣صحيح البخاري: (2957)، صحيح مسلم: (1835).، وقال ﷺ: (السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة)٣٬٦٤٤صحيح البخاري: (7144)، صحيح مسلم: (1839)، متفق عليه عن ابن عمر.، والأحاديث في ذلك كثيرة معلومة.
وهذا المعنى هو الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله وأكده وقد ذكرتم طرفًا منه في محاورتكم للإخوة الليبيين: «فصل: وما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة، كما يجب عليه الصلوات الخمس والزكاة والصيام وحج البيت وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من الطاعة؛ فإذا حلف على ذلك كان ذلك توكيدا وتثبيتا لما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم، فالحالف على هذه الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه سواء حلف بالله أو غير ذلك من الأيمان التي يحلف بها المسلمون؛ فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب وإن لم يحلف عليه؛ فكيف إذا حلف عليه؟! وما نهى الله ورسوله عن معصيتهم وغشهم محرم وإن لم يحلف على ذلك، وهذا كما أنه إذا حلف ليصلين الخمس وليصومن شهر رمضان أو ليقضين الحق الذي عليه ويشهدن بالحق: فإن هذا واجب عليه وإن لم يحلف عليه فكيف إذا حلف عليه، وما نهى الله عنه ورسوله من الشرك والكذب وشرب الخمر والظلم والفواحش وغش ولاة الأمور والخروج عما أمر الله به من طاعتهم: هو محرم؛ وإن لم يحلف عليه فكيف إذا حلف عليه ولهذا من كان حالفا على ما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم أو الصلاة أو الزكاة أو صوم رمضان أو أداء الأمانة والعدل ونحو ذلك: لا يجوز لأحد أن يفتيه بمخالفة ما حلف عليه والحنث في يمينه؛ ولا يجوز له أن يستفتي في ذلك. ومن أفتى مثل هؤلاء بمخالفة ما حلفوا عليه والحنث في أيمانهم: فهو مفتر على الله الكذب مفت بغير دين الإسلام»٣٬٦٤٥مجموع الفتاوى: (35/9)..
وكلامه وإن كان في أصله على الأئمة إلا أنه منطبقٌ على كل والٍ أو أميرٍ شرعي، إذ لا يسمى الأمير أميرًا ما لم يجب السمع والطاعة له، بل لا معنى لإمارته حينئذٍ.
إذا تقرر هذا، فإن المرء المجاهد إذا انضوى في عمله تحت جماعة من الجماعات الجهادية، واعتقد إمرة أمرائها عليه، وأنه يسمع ويطيع لهم -حتى ولو لم يبايع- فإنه لا يجوز له أن يحدث أمرًا يتعلق بالجهاد، ولا أن يترك ساحة الجهاد إلى غيرها -ولو لساحة جهادٍ أخرى- إلا بعد أن يستأذن أميره سواء أميره الأعلى، أو مَن هو دونه ممن يدخل هذا المرء في ولايته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [النور: 62]، وقد استدل كثيرٌ من العلماء بهذه الآية على معانٍ أقل من مسائل الجهاد بكثير، كقول بعضهم: ليس للمرء أن يخرج من صلاة الجمعة والإمام يخطب إلا بعد أن يستأذنه ونحو ذلك، بل لم يختلف العلماء -فيما اطلعت- أن الغزو داخلٌ دخولًا أوليًا في معنى «الأمر الجامع»، ويمكن مراجعة كلام المفسرين على الآية فإنه مهم.
وأنقل بعض ذلك وهو قول العلامة السعدي رحمه الله: «هذا إرشاد من الله لعباده المؤمنين، أنهم إذا كانوا مع الرسول ﷺ على أمر جامع، أي: من ضرورته أو من مصلحته، أن يكونوا فيه جميعا، كالجهاد، والمشاورة، ونحو ذلك من الأمور التي يشترك فيها المؤمنون، فإن المصلحة تقتضي اجتماعهم عليه وعدم تفرقهم، فالمؤمن بالله ورسوله حقا، لا يذهب لأمر من الأمور، لا يرجع لأهله، ولا يذهب لبعض الحوائج التي يشذ بها عنهم، إلا بإذن من الرسول أو نائبه من بعده، فجعل موجب الإيمان، عدم الذهاب إلا بإذن، ومدحهم على فعلهم هذا وأدبهم مع رسوله وولي الأمر منهم، فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ﴾ ولكن هل يأذن لهم أم لا؟ ذكر لإذنه لهم شرطين: أحدهما: أن يكون لشأن من شئونهم، وشغل من أشغالهم، فأما من يستأذن من غير عذر، فلا يؤذن له. والثاني: أن يشاء الإذن فتقتضيه المصلحة، من دون مضرة بالآذن، قال: ﴿فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ﴾ فإذا كان له عذر واستأذن، فإن كان في قعوده وعدم ذهابه مصلحة برأيه، أو شجاعته، ونحو ذلك، لم يأذن له، ومع هذا إذا استأذن، وأذن له بشرطيه، أمر الله رسوله أن يستغفر له، لما عسى أن يكون مقصرا في الاستئذان، ولهذا قال: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ يغفر لهم الذنوب ويرحمهم، بأن جوز لهم الاستئذان مع العذر»٣٬٦٤٦تفسير السعدي: (576)..
وإنني دائمًا أشبه تشبيها إجماليًا حال الجماعات الجهادية القائمة اليوم بالجيوش التي كانت إبان الدولة الإسلامية والتي تخرج منها لغزو بلاد الكفار، فقد ذكر العلماء أن الخارج في ذلك الجيش ليس له أن يخرج منه للاحتطاب، ولا للاعتلاف، ولا لغير ذلك بغير إذن أميره، مع أن هذه الأمور -جمع الحطب والعلف- من المصلحة الظاهرة والمباشرة التي تتعلق بالجيش، واستدلوا على هذه الأمور الصغيرة بالآية المذكورة، فكيف بما هو أكبر من ذلك وأظهر.
قال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله: «مسألة: «وإذا غزا الأمير بالناس، لم يجز لأحد أن يتعلف، ولا يحتطب، ولا يبارز علجًا، ولا يخرج من العسكر، ولا يحدث حدثا، إلا بإذنه»؛ يعني: لا يخرج من العسكر لتعلف، وهو تحصيل العلف للدواب، ولا لاحتطاب، ولا غيره إلا بإذن الأمير؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ﴾؛ ولأن الأمير أعرف بحال الناس، وحال العدو، ومكامنهم، ومواضعهم، وقربهم وبعدهم، فإذا خرج خارج بغير إذنه، لم يأمن أن يصادف كمينًا للعدو، فيأخذوه، أو طليعة لهم، أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك.
وإذا كان بإذن الأمير، لم يأذن لهم إلا إلى مكان آمن، وربما يبعث معهم من الجيش من يحرسهم ويطلع لهم»٣٬٦٤٧المغني: (20/452).، ومثل كلام ابن قدامة كثيرٌ، فليقرأ بعناية تامة.
وما ذكرته هنا هو إشارة للمسألة وكما ذكرت فإنها تحتاج إلى تفصيل وتمام بيان، نسأل الله أن يعيننا على ذلك، والمقصود: ينبغي للإخوة المجاهدين ابتداءً أن يكون تعاملهم مع جهادهم أوسع إدراكًا وأعمق فهمًا من مجرد بنائهم تعاملاتهم على حصول البيعة من عدمها، ثم ينبغي أن نفهم موقع البيعة الصحيح في الجهاد، وهو كما ذكرت تأكيدٌ للواجب الشرعي الثابت بالأدلة وهو السمع والطاعة للأمراء وليس تأسيسًا له في كل الحالات، وعليه فينبغي للمجاهد أن يتعامل مع أمرائه على هذا الأساس أي أساس العقد الشرعي الثابت ابتداء وهو السمع والطاعة وعدم التوقف على إنشائه وإحداثه بالبيعة والله تعالى أعلم.
إذن فما أنصح به الإخوة الليبيين وغيرهم هو أن يكونوا يدًا واحدةً وجماعة واحدةً وصفًا واحدًا مع إخوانهم في الجزائر، فليوحدوا معهم الأهداف والسياسات والأعمال، وليكونوا مستشعرين حقيقة بضخامة المعركة التي يخوضونها وأن يستحضروا جسامة التكاليف الملقاة على كاهلهم، وأن لا يُغفلوا اتفاق أعداء الملة عليهم حيث رموهم عن قوسٍ واحدة وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم هذا مع تنافر عقائدهم واختلاف مصالحهم وتضاد سياساتهم فتجاوزوا ذلك كله وداسوا عليه طلبًا لمصلحة عليا اتفقوا عليها جميعهم وهي القضاء على الجهاد والمجاهدين.
وأكبر أمانيهم -أي أعداء الله- هو أن ينفرد كل حزبٍ أو كل جماعة من المجاهدين بقضيتها وتتقوقع داخل قطرها وحدودها التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولتعلموا إخواني الأحبة أن انتصار المجاهدين في الجزائر وقصمهم لظهور أعدائهم هو انتصار مباشرٌ وسريعٌ للمسلمين في ليبيا أو في غيرها من الدول المجاورة بل والبعيدة، فلتجعلوا جهدكم مركزًا وطاقاتكم متكاتفة وإمكاناتكم متضافرة وسياساتكم متفقة وخططكم متناسقة ولتنظروا إلى هذه المعركة نظرة واسعة وعميقة ولْتروا الفرق الكبير والواضح بين ما كان عليه إخوانكم في الجزائر قبل انضمامهم إلى إخوانهم وبين ما هم عليه اليوم؛ لتعلموا بركة الاجتماع والاتفاق حتى مع تنائي الأقطار وتباعد الديار فيكف مع القرب؟
ولتعلموا إخواني الأحبة أن المطالَبين به شرعًا هو القيام بهذه العبادة أعني عبادة الجهاد على وجهها الشرعي الذي تتحصل من ورائه مقاصده ولا يضر بعد ذلك في أي المواطن نمارسه أو نؤديه أو نقتل في سبيله، وما دمتم قائمين بالجهاد الشرعي مع إخوانكم في الجزائر فلن يسألكم الله تعالى لِمَ تركتم ليبيا واتجهتم إلى الجزائر لا سيما وأن الجزائر -بإذن الله تعالى- هي محطة للتمكين أولًا ثم للانطلاق ثانيًا؛ لتنظيف كل الدول المجاورة من رجس الطغاة المرتدين ولو بعد حين؛ فاعقدوا قلوبكم على هذه النية وأحيوها بهذا العزم يبق لكم أجركم ولو لم تصلوا إلى تلك الغاية وكنتم لبنة من لبنات البناء.
فهذا ما أنصح به إخواني وأحضهم عليه ولا أرضى لهم بغيره، خاصةً مع معرفتنا بصدق إخواننا في قيادة القاعدة بالمغرب الإسلامي وصفائهم ووضوحهم وقوة عزمهم على مواصلة الجهاد، فأمثال هؤلاء الفضلاء مما ينبغي للمرء أن يرضى لنفسه أن يكون خادمًا لديهم ولا يستنكف من ذلك ولا يتمعر، فكيف وقد شرفه الله ﷻ بأن يكون جنديًا من جنودهم.
فأعيذكم بالله تعالى -إخواني الأحبة- أن تكونوا أول من يسن سنة التفرق، ويضع مبضع التمزيق، ويفت في عضد إخوانه، ويشغلهم بما هم في غنية تامة عنه، ويصرف جهودهم لمعالجة مسائل جزئية مغمورة قد تجاوزتها الحركات الجهادية بمراحل وتقدمت عنها بأشواط، واعلموا أن خير سبيل للإعداد حتى للعمل في داخل ليبيا هو صبركم على الجهاد وممارسة حياته العملية التفصيلية، والكينونة في جبهاته والتعامل مع قضاياه، والتشبع والتضلع من عنائه ولأوائه، والاعتياد على مخالطة أهله، فإن هذا يفتح المدارك، ويربي القادة، ويرتقي بالمرء إلى المعالي وينأى به عن سفاسف الأمور ورذائلها، كيف لا وهو في القمة يمارس عبادة هي ذروة سنام الإسلام، فالله الله في الوحدة، والله الله في الولاء الإيماني والنصرة الإيمانية والتخلي عن الدعوات القطرية، والله الله في الصبر على الجهاد وطول طريقه والله يتولاكم ويرعاكم ويرفع قدركم ويثبت أقدامكم وينفع بكم ويقوي عزائمكم وينصرنا وإياكم على عدوه وعدوكم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
ثانيًا: قلتم في إحدى رسائلكم: «وهو طلب استشارة منكم بعثها لكم... يود توجيه الإخوة عندكم فيها، وهي متعلقة بالمقرر الدراسي الشرعي لمراكز التدريب، وقد عرض على المجلس الشوري يقول لي سمير في رسالته، وكان الموضوع بين الأخذ والرد والمشكل الذي طرح هل نعتمد على كتب العلماء الجهاديين فقط -الذين في السجون- أو نعتمد غيرهم -الذين أفتوا ضد الجهاد أمثال العثيمين؛ عبد القادر بن عبد العزيز- وترى ذلك في المقرر ولم أكد أجد جوابا ووضوحا من اختلاف الآراء وتباينها وقلت بما أن عندنا إمارة فوقنا وهيئتها الشرعية نأخذ توجيهها في هذا الأمر؛ وهذا المقرر ملحق فابعث يا أخي إلى الشيخ عطية حتى يبعثوا لنا ما هو شاف في هذه المسألة».
وهذه المسألة لها شقان:
الشق الأول: فيما يتعلق بالمقرر الدراسي الذي ينبغي أن يعتمد في مراكز التدريب:
فأولًا: بالنسبة للبرنامج الشرعي عمومًا والذي ينبغي الاجتهاد فيه قدر الإمكان -مع علمنا التام بقلة الإمكانات من جهة، وكثرة تقلب الظروف وعدم استقرارها من جهة أخرى- هو أن يكون على النحو التالي:
القسم الأول: هو إجراء دورات شرعية متوسطة يمر عليها كُل المجاهدين، بحيث يتحصل المجاهد من خلالها على إلمامٍ عام وتصور إجمالي للعلم وأهميته وحاجة الجهاد إليه ويحصل له شيء من الأنس به والألفة له، هذا مع تفتح ذهنه على مسائل شرعية كثيرة مهمة، وبعضها من فروض الأعيان التي لا تنفك عن المسلم فضلًا عن المجاهد الذي يترقب القتل لحظة بلحظة، والمعتمد عندنا هنا هو إجراء دورات شرعية تتراوح مدتها بين خمسة عشر يومًا إلى عشرين يومًا، وأحيانا نقلصها بسبب الظروف إلى عشرة أيام ولكن مع ذلك ففائدتها ظاهرة، ومن خلالها يزول كثير من المفاهيم والتصورات الخاطئة عند الشباب، ويتم تصحيحها لهم.
وفائدة هذه الدورات زيادة على ما ذكرت أولًا هو التقارب الفكري والانسجام بين المجاهدين وعدم حصول تنافر فقهي ولا تدافع فكري فيما بينهم، ولا شك أن لطريقة الإلقاء وقدرة الأستاذ أو الشيخ على ذلك الدور الأكبر في هذه الأمور، ويمكن أن تقرن هذه الدورات الشرعية مع الدورات العسكرية وهذا يجري بحسب برنامجكم الذي تسيرون عليه والمهم في ذلك هو الحرص على أن تشمل هذه الدورات المجاهدين كافةً، ولا تقتصر الدروس التي تلقى في هذه الدورات على المسائل التي اعتاد المجاهدون طرحها والتناقش والتباحث فيها والبرنامج الذي نقترحه عليكم هو كالتالي:
العقيدة: كتاب: «أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة» للعلامة حافظ حكمي رحمه الله وهو كتاب متوسطٌ، وعبارته سهلة، وجرى فيه على طريقة السؤال والجواب، وهذا مما ييسر على الطالب والأستاذ تناول المسائل وثباته في الذهن، وهو كتابٌ كافٍ في العقيدة إن شاء الله خاصة إذا وجد من يقوم بشرحه شرحًا جيدًا، وقد طبع طبعات متعددة بعضها محقق وبعض ليس كذلك، وهو موجود ضمن كتب المكتبة الشاملة.
الفقه: المعتمد عندنا هنا في تدريس الدورات الشرعية: الطهارة، والصلاة، والصيام، والأيمان والنذور، من كتاب «مختصر الفقه الإسلامي» للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري، وكتابه هذا كتاب قيّمٌ شاملٌ يمكن أن يُستغنى به عن غيره في الدورات الشرعية سواء في باب العقيدة، أو العبادات، أو فضائل الأعمال، أو الآداب، أو غيرها، وعبارته سهلة، واعتمد على تصحيحات الشيخ الألباني رحمه الله للأحاديث، فينبغي أن لا يخلو منه مركزٌ من المراكز، ولا معسكر من المعسكرات، مع الاحتياط في أن يولِّد لدى الأستاذ أو الطالب الجزم والقطع بالترجيحات التي ذهب إليها والتي تعتمد على الاستنباط والترجيح بين الأدلة، أو التي اختلف في تصحيح بعض أدلتها، المهم يمكنكم أن تعتمدوا على هذا الكتاب في دوراتكم الشرعية خاصة في الأبواب التي ذكرتها ابتداءً، وهناك كتابٌ أيضًا في غاية السهولة في وضوح عبارته وإحسان التقسيم وهو كتاب اسمه «منهج السالكين في الفقه» للعلامة السعدي رحمه الله، والكتاب موجود في المكتبة الشاملة ضمن مؤلفات السعدي، وهذا يسهل تدريسه ويسهل أيضًا استيعاب ما يذكره بالنسبة للمبتدئين الذين لم يكن لهم سابق معرفة بالأحكام.
فقه الجهاد: إذا كان على سبيل الاختصار فالاعتماد على كتاب عمدة الفقه لابن قدامة المقدسي رحمه الله المتوفى سنة «620هـ»، وشرحه العدة لتلميذه أبي محمد بهاء الدين المقدسي المتوفى سنة «624هـ»، والكتاب مختصرٌ وعبارته سهلةٌ خالية عن التعقيد وذكر الروايات والخلافات، وقد نظمه العلامة محمد سالم ولد عدود رحمه الله نظمًا حسنًا سلسًا لمن قوي على الحفظ وانتهضت همته لذلك، وإذا كان على سبيل التوسط فيمكن الاعتماد على كتاب الروض المربع للبهوتي المتوفى «1051هـ»، مع حاشيته القيمة لابن قاسم المتوفى سنة «1392هـ»، رحمهم الله جميعًا.
وإن كنتم تريدون كتابًا في الفقه المالكي، فيمكن الاعتماد على كتاب «الكافي في فقه أهل المدينة» للإمام ابن عبد البر رحمه الله المتوفى سنة «463هـ»، وعبارته سهلة وواضحة كعادته في سائر كتبه رحمه الله، ولتحرصوا دائمًا أن يكون تدريسكم لفقه الجهاد من أي كتاب من كتب الفقه كاملًا يعني لا يقتصر على بعض مسائل الجهاد، إلا إن استثنيتم بعض المسائل التي لا يحتاج إليها اليوم كأحكام الجزية، وحكم الأرض المغنومة ونحو ذلك.
الأخلاق والآداب: يُدرَّس كتاب الجامع من بلوغ المرام لابن حجر رحمه الله، وهو كافٍ في هذا الباب، ولو اعتمدتم على شرح الشيخ البسام له يكون حسنًا، ولا يخفى عليكم أهمية التركيز على مسألة الأخلاق، وإعطائها حقها من العناية والشرح والتفصيل والتركيز، فهي عماد علاقة المجاهدين فيما بينهم، ومع عامة المسلمين.
فهذا هو المقترح عليكم في الدورات الشرعية العامة التي ينبغي لكل المجاهدين أن يمروا عليها، وفائدتها كما ذكرت أولًا كبيرة جدًا، وهذا بالتجربة، وقد وجدنا بركة في التعلم والتعليم حينما يكونان في ساحة الجهاد ما لم نجد في غيرها وذلك من فضل الله تعالى، فإنه ومع قلة الإمكانات، وعدم الاستقرار، ودوام التنقل، وانقطاع كثير من البرامج من وسطها، فإن الله ﷻ يبارك في القليل الذي بذل فيها الجهد بحسب الإمكان والمستطاع، وأحسب أن عندكم من طلبة العلم خاصة من جيرانكم الشناقطة من يكفيكم مؤنة تدريس هذه الكتب وهي عليهم يسيرة إن شاء الله تعالى، ولا تستثقلوها فإنكم بعد الشروع فيها وتكرار تدريسها ستجدون عظم فائدتها وكبير مردودها وستلحظون تغيرًا حسنًا حتى في عامة المجاهدين نسأل الله أن يعينكم ويسدد خطاكم ويبارك فيكم وفي أعمالكم.
القسم الثاني: وهو بعض الدروس غير المنتظمة، أو الكتب التي تقرأ في المراكز، أو بعد الصلاة إن تيسر.
فأهم هذه الكتب التي ينبغي أن تقرأ باستمرار وتعاد وتكرر -على طريقة أهل التبليغ- كتاب «رياض الصالحين» وهو معروفٌ ومنتشرٌ فإن كان معه بعض التعليقات فحسنٌ، وإلا فحتى لو اقتصر على مجرد قراءته، خاصة وأنه قد طبعت منه طبعات جيبية صغيرة الحجم.
كذلك كتاب «مختصر منهاج القاصدين» للمقدسي، وهو أيضًا مطبوع وإن كان فيه بعض الأحاديث الضعيفة ولكن يمكن التنبه له من خلال التحقيق إن وجد.
و«الرحيق المختوم» في السيرة النبوية، وهو مشهور ومعروف ويسهل الحصول عليه.
وكذلك كتاب «مَشارع الأشواق» لابن النحاس، أو مختصره للخالدي وهو مطبوع أيضًا وهذا جيدٌ لرفع الهمم والتحريض على الجهاد الترغيب في الشهادة واحتقار الدنيا.
وقراءة أمثال هذه الكتب قد لا يكون بصورة منتظمة ولا ببرنامج ثابت حتى لا تصيب المجاهدين السآمة ولكن لتحرصوا على أن يكون لهم نصيبٌ منها، ومن المقاصد في ذلك هو إشعار المجاهدين عمليًا بقوة علاقة العلم بالجهاد وحاجة كلٍّ منهما للآخر.
ومع ذلك فلو أمكن أن تفرغوا طائفةً منكم لطلب العلم وتكوين أنفسهم على الأمد البعيد لكان هذا حسنًا إن لم يكن متعينًا، حتى ولو تم إرسالهم إلى بعض الدول المجاورة ليتفرغوا لذلك تفرغًا تامًا، فمعركتنا كما تعلمون طويلة ونوازلها عسيرة ومتوالية أيضًا وتحتاج إلى أناسٍ قد خبروا الجهاد وتضلعوا من العلم، وإنما العلم بالتعلم، هذا بجانب الفائدة التي قد تجنى من خلال احتكاكهم بالعلماء والتعرف عليهم وتعريفهم سرًا بواقع المجاهدين وحاجاتهم مما قد يؤدي إلى نفير بعضهم، وكل هذا بفضل الله تعالى مجرَّبٌ، وليكن همهم وهمتهم تحصيل ما أمكن تحصيله من العلم في أقصر وقت ممكن وبذل قصارى الجهد في ذلك، وعدم الدخول في نقاشات ومجادلات جانبية تشغلهم عما فرغوا له وتدعو للتعريف بهم مما يقطع أصل البرنامج الذي ذهبوا إليه وتفرغوا له، وبدهي أن يختار لمثل هذا من ظهرت عليه النباهة والذكاء والرغبة الشديدة في طلب العلم والولاء البين للجهاد والمجاهدين والله هو المستعان.
هذا ما تيسر كتابته في هذه العجالة، وبقيت مسألة الأخذ عن العلماء الذين ظهرت منهم بعض الفتاوى أو المواقف التي تعارض الجهاد أو المجاهدين نسأل الله أن يعين كتابتها في رسالة لاحقة بإذن الله تعالى، ولا تنسونا من صالح دعائكم، وسلامنا الخالص لسائر المجاهدين طرفكم نسأل الله أن يسددهم ويثبتهم ويقويهم إنه سميع عليم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم / أبو يحيى
«17/ذو ا لحجة/ 1430هـ»
❖ ❖ ❖