الدرس السادس: تابع أحكام الأسرى - حكم الجاسوس - ما يلزم الأمير
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
۞
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فقبل أن نبدأ الكلام على المسائل التي سنتحدث عنها اليوم إن شاء الله، فأقول: لا أحسب أننا سنكمل كتاب «الجهاد» بالطريقة التي نسير عليها، وقد بقي منه الكثير، ولكن بفضل الله ﷻ كانت المسائل التي أخذناها هي أهم المسائل العملية التي يُحتاج إليها، وما لم ندركه في كتاب «الجهاد» كأحكام الغنيمة؛ فقد تكلمنا عليه في كتاب «السياسة الشرعية»، فهناك تداخلٌ في المسائل كما تكلمنا اليوم مثلًا عن أحكام الْمُثْلة وهي في كتاب «السياسة الشرعية»، وهنا تُذكر، ولكن لا نحتاج أن نفصل فيها؛ فنحن بين أمرين إما أن نستمر بنفس الطريقة التفصيلية في المسائل التي تحتاج إلى استرسال وتفصيل، أو أن نمر مرورًا سريعًا؛ فيقرأ أخونا فإذا وجدنا مسألة تتعلق بواقعنا وقفنا عندها وتكلمنا فيها بما يُحتاج، والباقي إذا كان فيه إشكال نقف عنده، وإذا لم يكن فيه إشكال فالعبارة واضحة، فأنتم بين خيارين.
الشيخ: بالأمس كنا قد تكلمنا على أحكام الأسرى، وذكرنا الخيارات التي أعطاها الشرع للإمام أو السلطان أو الأمير في حق أسرى الكفار الأصليين، وقلنا: هي كم خيار؟
أحد الحضور: ست خيارات. أحد الحضور: المنّ.
الشيخ: ومعناه؟ أحد الحضور: أن يطلقه بلا مقابل.
الشيخ: الثاني؟ أحد الحضور: فداء بالمال.
الشيخ: الثالث؟ أحد الحضور: القتل.
الشيخ: دائمًا مستعجلين على القتل، ذكر الفداء بالمال، القتل، الفداء بالرجال أو بالأسرى.
أحد الحضور: الاسترقاق. أخ آخر: قبول الجزية.
الشيخ: وقد كنتُ كتبت بُحيثًا صغيرًا في الأسيرات الكوريات التي أخذهنَّ الطلبة، ممكن اطلعتم عليه، اسمه: «دفع الرَّين عن آسري عصابة الكوريين»، وهو منشور في الانترنت، فهذا فيه تفصيل لا بأس به في أحكام الأسرى، رسالة صغيرة عشرين ورقة٢٬٥٦٧[انظره هنا في المجموع (ص 1880)].، ذكرت فيه إجمال أحكام الأسرى، ثم تكلمت على هذه المسألة بعينها؛ لأنها متعلقة بأحكام الأسرى، فمَن يراجعها يجد فيها فائدة فيما تكلمنا عليه من الأحكام الماضية.
وذكرنا أنَّ هذا التخيير الذي يكون للإمام في حق الأسرى؛ هو تخيير مصلحة واجتهاد ونظر، وليس تخيير هوى وشهوة، وهذه قاعدة عامة في كل المواطن التي جعل الشرع فيها الأمر إلى الإمام؛ أي خيَّره بين أمور، فلا بد أن ينظر ويتحرى -ومثلها قول من يقول إن عقوبة المحاربين هي بالتخيير-.
ثم قال المصنف: «إذا تردد رأيه ونظره»؛ أي إذا لم يظهر للإمام أيُّ هذه الخصال أوْلى، وأيها التي تترجح فيها أو تظهر فيها المصلحة؛ فنظر وبحث واجتهد، ولكن لم يعرف هل هذا الأفضل أن يتركه؟ أو الأفضل أن يقتله؟ أو الأفضل أن يمنَّ عليه؟ ولكن ما ظهر له، قال هنا: «فالقتل أولى»، يقتله ويريح نفسه.
۞
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
[الجاسوس المسلم]
قال المؤلف رحمه الله: «والجاسوس المسلم يُعاقب»
تكلم من قبل على الجاسوس الكافر، وقال: إن حكمه حكم الأسير، يجري عليه حكم الأسير، وهنا قال: «والجاسوس المسلم يُعاقب»، ولكن لم يذكر بأي شيء يُعاقب، ما هي العقوبة التي تُنزل على الجاسوس المسلم؟
والمقصود بالجاسوس المسلم: هو الجاسوس الذي يكون ظاهره الإسلام وينقل أخبار المسلمين وعوراتهم إلى الكفار، فيُطْلع الكفار على عورات المسلمين، وهذا الكلام فيه طويل، اختلف فيه العلماء على ستة أقوال، فما هو حكم الجاسوس الذي يكون ظاهره الإسلام؟
1- فالمذهب الأول: أن الجاسوس المسلم لا يجوز قتله، وهذا مذهب الشافعية، ومذهب الأحناف، وكذلك ظاهر مذهب أحمد، أن الجاسوس الذي يكون ظاهره الإسلام وهو الذي عرّفناه ذهب هؤلاء العلماء إلى أنه لا يجوز قتله ويعاقبه الإمام بما دون ذلك، من حبس أو ضرب أو نحو ذلك.
2- القول الثاني: أن الجاسوس الذي ظاهره الإسلام حكمه حكم الزنديق، والزنديق؛ هو الذي يظهر الإسلام ويُسِرُّ الكفر، وهو الذي كان يسمى في زمن النبوة بالمنافق، وحكم الزنديق على هذا المذهب أنه إن جاء تائبًا من عند نفسه قبل أن يُقدر عليه؛ قُبلت توبته، وأما إن ظُهر عليه؛ يعني اُكتُشِفَ وقبض عليه ثم ادعى التوبة بعد ذلك؛ فلا تقبل توبته، يقتل ولا بد، وهذا قول ابن القاسم من المالكية، وهو المعتمد في مذهب المالكية، هو قول ابن القاسم وتبعه بعض علماء المالكية كابن رشد وغيره.
3- القول الثالث: أن الجاسوس الذي ظاهره الإسلام إذا نقل أخبار المسلمين إلى أعدائهم؛ فهذا قد ارتدَّ، قد ارتكب مُكفرًا؛ فيستتاب كغيره من المرتدين، فإن تاب؛ قُبلت توبته، وإلا ضُربت عنقه، وهو قول أشهب من علماء المالكية.
4- القول الرابع: إذا تكرر منه الفعل، أي إذا تجسس أكثر من مرة، وكانت هذه عادته؛ قُتل، وإلا فلا، وهذا قول عبد الملك ابن الماجشون من المالكية، ولشيخ الإسلام عبارة يُفهم منها هذا في «الاختيارات العلمية».
5- القول الخامس: أن أمرَه راجع إلى اجتهاد الإمام؛ أي ينظر فيه فما رآه من العقوبات مناسبًا لحاله أقامه عليه، وعلى هذا فقد تصل عقوبته إلى القتل، لكن ليس على سبيل الوجوب، وإنما على سبيل النظر والاجتهاد، وهذا قول الإمام مالك رحمه الله، قال في الجاسوس يُقبض عليه وقد كاتب الروم، قال: «لم أسمع فيه شيئًا وأرى فيه الاجتهاد»٢٬٥٦٨[التلقين في الفقه المالكي: (1/94)].، وهو الذي رجحه الإمام ابن تيمية ورجحه أيضًا الإمام ابن القيم رحمه الله، وهو الذي مال إليه أيضًا الإمام الشوكاني رحمه الله في «نيل الأوطار»، وغيرهم من العلماء.
القول السادس: هو الوقف؛ يعني الله أعلم بحكمه، وهذا قول أو مذهب الإمام أحمد رحمه الله بنفسه.
هذا هو حكم الجاسوس الذي ظاهره الإسلام، رأيتم الخلاف فيه؟!
أحد الحضور: يا شيخ، الجاسوس من قبل نقارنه بهذا الوقت؟
الشيخ: أنتم المهم الآن عليكم أن تأخذوا الحكم الشرعي؛ فتعرفون أن العلماء قد اختلفوا فيه، ولكن لا شك أن حال جواسيس العصر يختلف اختلافًا كليًا عن الحالات التي كان يتكلم عنها العلماء؛ فقد كانوا يتكلمون عن صور جزئية وحالات فردية تقع داخل دولة الإسلام، فهذا الجاسوس يكون في الغالب مقدورًا عليه وتحت قبضة الإمام وداخل سلطان دولة الإسلام، فيمكن أن يُحبس، ويمكن أن يُتثبت من شأنه، ويمكن أن يُبحث له عن البيّنة... إلى غير ذلك.
أما جواسيس الزمان فهم ينتسبون إلى جهاز كامل قائم على الجَوْسسة والخداع والزندقة إلى غير ذلك، وهو أهم جهاز في كل دولة من الدول، فأهم جهاز عندهم هو: جهاز الاستخبارات، وأي دولة في هذا العصر لا يمكنها أن تستغني عنه ولا أن تسير أمورها وأن تضبط وضعها الداخلي الأمني بغير جهاز الاستخبارات؛ حتى عند باقي الأجهزة كالجيش والشرطة كلها عالة على جهاز الاستخبارات، والكلام في هذا طويل.
وبعد البحث، فالذي ظهر لي والله تعالى أعلم الآن في هذه المسألة أن الجواسيس على قسمين:
1- القسم الأول: قسم من الجواسيس يُعد مظاهرًا للكفار على المسلمين؛ بمعنى أنه ينقل أخبار المسلمين التي ينتفع بها الكفار في حربهم لهم، أو يدل الكفار على عورات المسلمين؛ يعني على مكامن الضعف فيهم، يدلهم على مراكزهم، على معسكراتهم، على طرق إمدادهم، على أماكن وجود قاداتهم إلى غير ذلك، فهو جندي ولكنه مخفي فقط، فهو جندي مختفي، فهذا لا يخفف عنه الجريمة، بل يضاعفها كما أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار وهم كفار، والمجاهر أيضًا كافر، ولكن هذا لما تستر على كفره تضاعفت في حقه العقوبة الأخروية ولم تخفف، فكذلك هذا الجاسوس الذي يدل على عورات المسلمين والمجاهدين ويوصلها إلى الكفار ويُقتل بسببه العشرات من المسلمين؛ فهذا جندي لا يختلف عن قائد الطائرة الذي فوق بأي حال من الأحوال، بل هذا الذي فوق لا قيمة له إلا بالذي يدب على وجه الأرض؛ فهذا ينبغي ألا تخفف العقوبة في حقه، وإنما تُغلظ العقوبة في حقه.
فلذلك الذي يظهر والله تعالى أعلم إذا كان تجسسه من هذا النوع، أي من نوع المظاهرة، ومن نوع المعاونة والمعاضدة للكفار على المسلمين بأي صورة من هذه الصور التي أشرنا إليها؛ فهذا حكمه ما ذهب إليه ابن القاسم المالكي: حكمه حكم الزنديق، وأكثر العلماء كما قال شيخ الإسلام رحمه الله على أن الزنديق إذا تاب أو ادعى التوبة بعد القدرة عليه؛ فلا تقبل، وإذا جاء تائبًا من عند نفسه؛ قُبلت منه.
هذه هي الصورة الأولى من صور التجسس، وهذه ردة ولا شك.
2- القسم الثاني: هو ألا يكون مُظاهرًا للكفار على المسلمين؛ أي ألا يكون مُعينًا لهم على المسلمين ولكن قد يكون تجسسه تحذيرًا للكفار فقط، فقط يبلغ الكفار يقول لهم: الليلة ممكن تكون عليكم غارة، انتبهوا أحسن لكم أن تنسحبوا؛ فهذا إعانته للكفار على المسلمين ليست واضحة وليست جلية؛ بمعنى أن فعله من جنس فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه عندما كتب إلى كفار قريش يخبرهم أن النبي ﷺ قد جهز نفسه ولا أراه إلا يريدكم، فهنا حاطب لم يعن الكفار على النبي ﷺ، ما ظاهرهم، وإنما حذرهم مجيء النبي ﷺ؛ حتى ينظروا لأنفسهم، ومع ذلك نزلت آيات الوعيد في حادثة حاطب رضي الله عنه، قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ﴾ [الممتحنة: 1].. إلى آخر الآيات.
ولذلك فإنَّ عمر رضي الله عنه عندما فعل حاطب ما فعل؛ غضب وقال للنبي ﷺ: «يا رسول الله، دعني أضرب عنق حاطب فقد كفر»، في رواية: «فقد كفر حاطب»، وفي رواية: «لقد نافق»٢٬٥٦٩[سبقت هذه الروايات كلها والحكم عليها في بحث: منة الخبير، فانظرها (ص 815)]..
فالشاهد من هذا: إذا كان فعل حاطب رضي الله عنه فقط أنه كتب رسالة إلى كفار قريش يقول لهم إن النبي ﷺ سيأتي، والرسالة كما جاءت في بعض الكتب أنها رسالة تهديد وتخويف أكثر من كونها رسالة تجسس: «لقد جاءكم رسول الله ﷺ بجيش كالسيل يزحف كالليل... ووالله لو جاءكم وحده لنصره الله عليكم»؛ فهل هذه رسالة تجسس؟! ومع ذلك نزلت فيه هذه الآيات، فالمقصود هنا إذا كان النوع التجسسي من هذا القبيل؛ الذي يكون تحذيرًا وليس إعانة، فهذا يرجع إلى اجتهاد الإمام، فينظر الإمام حاله: إن رأى أن المناسب وأن العقوبة التي يستحقها هي القتل؛ قتله، وإن رأى أن يضربه كذا من الجلدات؛ جلده، وإن رأى أن يعفو عنه وأن يُقيل عثرته؛ عفا عنه.
هذا الذي ظهر لي في هذه المسألة، وعندي بحث بفضل الله ﷻ، انتهيت منه قبل مدة ويخرج قريبًا إن شاء الله٢٬٥٧٠[يعني كتابه الجليل: «المعلم في حكم الجاسوس المسلم»، وانظره في المجموع (ص 742)]..
أحد الحضور: وهنا هل يرجع أمره إلى الإمام؟
الشيخ: نعم، إلى الإمام أو الأمير، لكن -ما شاء الله- الطلبة ليسوا مقصرين؛ فيوجد في مذهب الإمام أبي حنيفة شيء اسمه: «القتل سياسةً»، قالوا: وهو مشروع في كل جناية شُرع في جنسها القتل.
فمثلًا: عندهم القصاص إنما يكون إذا قتل بمُحدَّد، هذا مذهب الإمام أبي حنيفة، فإذا قتل بسكين أو قَتل بسيف أو قتل برصاص؛ هذا يقام عليه القصاص، ولكن إذا قتل بالخنق، بأن خنق إنسانًا فهذا لا يقتص منه، ولكن عندهم أنَّ مَن تكرر منه هذا الفعل، بأن قتل أكثر من شخص بالخنق؛ فهذا يقتل سياسةً، ليس على سبيل القصاص، يقتل تعزيرًا، هذا معنى القتل سياسةً، ولكنهم يستخدمون هذا اللفظ، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ومن الغرائب أنهم نقلوا هذا القول في مذهبهم عن ابن تيمية رحمه الله، وهذا ابن عابدين في حاشيته قال: «وقد ذكر الحافظ ابن تيمية أن في مذهب الأحناف» وهذا عندما كان يتكلم عن قتل الذمي الشاتم الساب للنبي ﷺ، أن في مذهب الأحناف شيء يسمى بـ «القتل سياسة»، ثم ذكر الضابط هذا، قال: «ولم أره في كتب أصحابنا، ولكنه حافظ ثَبْت فيُؤخذ»٢٬٥٧١[حاشية ابن عابدين: (4/215) ولم يذكر كلمة «حافظ»، بل قال: «لم أر من صرح به عندنا لكنه نقله عن مذهبنا وهو ثبت؛ فيقبل»].؛ يعني ما قاله الإمام ابن تيمية رحمه الله هو قول لحافظ ثبت فقوله معتمد، فهذا موجود في مذهب الأحناف.
فهذه الجريمة وهي جريمة إعانة الكفار بما أنها تكررت وعظم ضررها، فيمكن إدخالها في مذهبهم تحت عنوان «القتل سياسة».
أنا أعرف أن مسألة الجاسوس فيها كلام كثير وتحتاج إلى تفصيل، ولكن الآن يكفيكم هذه الخلاصة.
[أحكام المفاداة]
قال المصنف: «ومن استُرق منهم أو فدي بمال؛ فالرقيق والمال للغانمين، حكمه حكم الغنيمة».
الشيخ: إذا فادينا أسرى الكفار بمال، تركناهم وأخذنا المال، هذا المال يوضع في الغنيمة وله نفس حكم الغنيمة، أربعة أخماس للغانمين والخمس لله ولرسوله ومن سمى الله، كذلك الرقيق ألم نقل إنه مخير بين عدة أمور ومنها أن يكون رقيقًا؟
فهؤلاء إذا فرض عليهم الإمام الرق فيجعلهم في الغنيمة يقسمهم بين الغانمين.
قال: «وإن سأل الأسارى من أهل الكتاب تخليتهم على إعطاء الجزية لم يجز ذلك في نسائهم وصبيانهم ويجوز في الرجال ولا يزول التخيير الثابت فيهم».
الشيخ: ذكرنا بالأمس آخر شيء في الخيارات: قبول الجزية، وقلنا أنه على سبيل الجواز لا على سبيل الوجوب، أما النساء فقال: لا تخلى؛ لأنها صارت مال بنفس السبي، فالنساء والصبيان بمجرد أن تقع في يد المجاهدين صارت مال فتخمس كغيرها من الأموال.
هذا قولهم، ولكن أنا أعرف أن النبي ﷺ فادى بامرأة.
قال: «والصبيان والمجانين من كتابي وغيره والنساء ومَن فيه نفع ممن لا يُقتل كأعمى ونحوه، رقيق بنفس السبي» يعني بمجرد أن يقع في أيدي المجاهدين صار مالًا رقيقًا، «ويضمنهم قاتلهم بعد السبي»، وذكرنا هذا بالأمس، مقلنا: إذا قتل المرأة بعد أن صارت سبية يعني قبل أن تقسم في الغنيمة وبعد أن وقعت في أيدي المجاهدين؛ فهو ضامن لها، فتقوَّم ثم يضع ثمنها في الغنيمة وتقسَّم بين الغانمين.
قال: «وقِنٌّ غنيمة»، القن: هو العبد الخالص الذي ليس فيه شائبة الحرية؛ يعني ليس مُكاتَبًا، ولا مُدبَّرًا، فهذا يسمى القن. والمدبر: أنَّ الإنسان يقول للعبد: إذا مت فأنت حر.
فهذا القن يكون حكمه حكم الغنيمة إذا وقع في السبي.
وقوله «ليس فيه شائبة» أي العبد الذي خلصت فيه صفة العبودية.
قال: «وله قتله لمصلحة»؛ يجوز قتل العبد لمصلحة.
قال: «ويجوز استرقاق من تقبل منه الجزية وغيرهم»؛ يجوز أن يسترق الإمام من تقبل منه الجزية حسب مذهبهم وهم اليهود والنصارى والمجوس، فله جعلهم رقيقًا عبيدًا، «وغيرهم» أيضًا يجوز له أن يسترقهم كالمشركين؛ يعني يجعلهم رقيقًا عبيدًا عند المسلمين ويقسمهم بين الغانمين.
قال: «وإن أسلموا تعين رقهم في الحال وزال التخيير، وصار حكمهم حكم النساء»، فإذا أُسر الكافر ثم بعد ذلك أسلم حال أسره، وذلك قبل أن يقسم في الغنيمة، فهنا قال: «تعين رقهم في الحال وزال التخيير، وصار حكمهم حكم النساء»، هذا على أحد الأقوال.
إذن؛ الكافر إذا صار أسيرًا ووقع في أيدي المسلمين، فبعد أن حصل في أيدي المسلمين دخل في الإسلام، فلم يقل: إني كنت مسلـمًا، كلا، بل الآن دخل في الإسلام.. فهنا خيار القتل ارتفع باتفاق العلماء، لا يجوز قتله. ثم بعض العلماء قال: وكذلك باقي أمور التخيير إلا الاسترقاق؛ يعني لا يجوز مفاداته لا بمال ولا برجال ولا قَبول جزية؛ لأن المسلم لا تؤخذ منه الجزية. والمن عليه لا يذكرونه؛ لأنه إذا جاز أن يُمنَّ على الكافر فالمسلم أولى لإسلامه، ولكن يبقى رقيقًا في الحال، فبمجرد إسلامه انتقل إلى صفة الرق.
«وقيل: يحرُم القتل ويخير بين رق ومَنٍّ وفداء» فهذا قول آخر وهو الصحيح: أنه يكون مخيرًا فيما سوى قبول الجزية والقتل؛ لأن المسلم لا تؤخذ منه الجزية لأنها صَغار، والمسلم يُعز ولا يُذل، وأما باقي الأمور سوى القتل فالإمام فيه بالخيار إن شاء منَّ عليه وإن شاء فاداه بالرجال.
أما المفاداة بالمال فالظاهر أنها لا تجوز، وأما المفاداة بالرجال فيجوز أن يفاديه؛ بشرط أن يكون هذا الأسير الذي أسلم له شوكة يحتمي بها في قومه، كحال الرجل العُقَيلي الذي فادى به النبي ﷺ الرجلَين من الصحابة الذَين أسرتهم ثقيف، قال: «إني مسلم»، قال: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح)٢٬٥٧٢[صحيح مسلم: (١٦٤١)].، فبعد أن ادعى الإسلام فادى به النبي ﷺ الرجلين.
قال: «ومن أسلم قبل أسره لخوف أو غيره فلا تخيير فيه وهو كمسلم أصلي»
الشيخ: إذن الآن عندنا الصورة الثالثة وهي: أن الكافر قبل أن يقع في الأسر، ما زال ممتنعًا، وعندما رأى نفسه قد اقترب أسره، قال: أنا أسلمت، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله؛ فهذا حكمه حكم أي واحد من المسلمين، يعني ليس أسيرًا ولا يجوز قتله، قال ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)٢٬٥٧٣[تقدم في: (ص 178)]..
إذن؛ الصور التي يُدَّعى فيها الإسلام ثلاثة:
1- الصورة الأولى: أن يقول الأسير: إني كنت مسلـمًا، وذكرناها بالأمس وقلنا: هذا يحتاج إلى البيّنة «شاهد وحلف»، وإلا لا يقبل قوله.
2- الصورة الثانية: أن يقول الأسير: أسلمت الآن، فهذا يزال عنه القتل وقبول الجزية، أو على قوله يبقى رقيقًا مباشرة كالنساء.
3- الصورة الثالثة: هي أن يقول الكافر قبل أن يقع في الأسر؛ سواء كان دافعه الخوف أو غيره يقول: أسلمت، فهذا حكمه حكم سائر المسلمين، كمسلمٍ أصلي.
ومرةً الشيخ أبو سليمان العتيبي رحمه الله قال: ماذا لو أن الأمريكان عرفوا هذا الحكم؛ يعني عرفوا أنهم إن نطقوا بالشهادتين عند المحاصرة، وأن يقول الجندي الأمريكي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، أنا مسلم؛ فهل يجوز قتله أم لا يجوز قتله في هذا؟
فأنا قلت له: ظاهر الحديث صريح، أنه لا يجوز قتله؛ يعني هذا كما قال النبي ﷺ عندما قيل له: إنما قالها تعوذًا، قال: (هلَّا شققت عن قلبه)٢٬٥٧٤[رواه البخاري: (٤٢٦٩)، ومسلم: (96)].، فظاهر الحديث أنه لا يُقتل؛ بل هو نص في هذه المسألة، لكن الشيخ أبو سليمان مع تشدده في كثير من المسائل، في هذه قال: الذي أراه أنه يُقتل، وقال: أرى أن هذه نازلة من النوازل؛ لأنها لا يمكن معها كف شر الكفار إذا اتخذوها مطية يحتمون وراءها، والله تعالى أعلم، والمقصود بذلك إذا تكررت، والله أعلم.
قال: «ومتى صار لنا رقيقًا محكومًا بكفره من ذكر أو أنثى وبالغ وصغير حرم مفاداته بمال وبيعه لكافر ذمي وغيره».
قال: «ومتى صار لنا رقيقًا محكومًا بكفره»؛ أي رقيقًا كافرًا، «من ذكر وأنثى»، صار ملكًا لنا؛ يعني حكم الإمام بأن يكون رقيقًا، قُسِّم، حكم بأن يكون عبدًا، سواء كان ذكرًا أو أنثى أو بالغًا وصغيرًا؛ «حرم مفاداته بمال»؛ لأنه صار من أموال المسلمين، إذن المفاداة بالمال هي التي تحرم.
«وبيعه لكافر»؛ يعني وحرم بيعه لكافر، طبعًا هذا الرقيق الكافر الذي لم يدخل في الإسلام بعد.
«ذمي وغيره»؛ يعني لا يجوز أن يُباع هذا الرقيق الكافر الذي ملكناه؛ لا يجوز أن نبيعه لذمي ولا لغيره، وإنما يبقى في يد المسلمين، ولكن يجوز مفاداته بالرجال لا بالمال.
«ولم يصح»؛ يعني حتى ولو باعه انعقد البيع باطلًا، لا يصح البيع، هذه مسألة لا نحتاجها نحن، «وتجوز مفاداته بمسلم».
قال: «ويفدى الأسير المسلم من بيت المال وإن تعذر فمن مال المسلمين ولا يرد إلى بلاد العدو بحال ولا يفدى بخيل ولا سلاح بل بثياب ونحوها»، الأسير المسلم الذي يكون في يد الكفار هذا فداؤه يدفع من بيت مال المسلمين؛ لأن هذا من المصالح العامة؛ يعني الأصل أن يدفع المال الذي يُفادى به أسرى المسلمين من بيت المال، قال: إذا لم يكن هناك في بيت المال فمن مال المسلمين، يدفع من أموال المسلمين الخاصة، يتبرع المسلمون بأموالهم لفكاك هؤلاء الأسرى؛ لقول النبي ﷺ: (فكوا العاني)٢٬٥٧٥[صحيح البخاري: (7173)].، وهذا من فروض الكفايات.
«ولا يرد الأسير المسلم إلى بلاد العدو بحال»؛ يعني بأي حال من الأحوال، كأن يكون الكفار قد أطلقوا الأسير المسلم واشترطوا عليه أن يأتيهم بمال مقابل إطلاق سراحه، فقالوا له: إن لم تجد المال فعليك أن ترجع إلينا؛ طبعًا ذهب بعض العلماء إلى أنه يرجع إليهم إذا عجز عن المال، فقالوا إنَّ هذا الأسير المسلم يرجع إلى الكفار، ولكن ذكر هنا أنه لا يرد إليهم بأي حال من الأحوال، تعاقد معهم أو لم يتعاقد معهم.
وعلى هذا فلا يصح أن يعقد بين دولة الإسلام ودولة الكفار أن من جاءنا من المسلمين رُدَّ إليهم، وهذا يكون من خصوصيات صلح الحديبية؛ لأن النبي ﷺ علم بالوحي أنَّ هؤلاء الأسرى في قريش سيجعل الله لهم مخرجًا، وأما مَن سواهم فنحن لا نعلم ذلك وأُمرنا بألا نجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا، هذا هو الحكم الشرعي المحكم الثابت.
قال: «ولا يرد الأسير المسلم إلى بلاد العدو بحال ولا يفدى بخيل ولا سلاح ولا بمكاتب وأم ولد، بل بثياب ونحوها»، يعني: لا يدفع للكفار ما يتقوون به في مقابل إطلاق سراح المسلم؛ يعني إذا قالوا لنا: عندنا عشرة من الأسرى ونطلقهم مقابل أن ترسلوا لنا كذا من الذخائر، أو كذا من الأسلحة في مقابلهم؛ فقال هنا: لا يجوز هذا؛ لأن فيه تقوية للكفار، فكيف بمن يعين الكفار ويقويهم بغير مقابل؟! وكيف بمن يعينهم ويقويهم بما يكون حربًا للمسلمين مباشرة؟! يعني ممكن الكفار يستخدمونه وممكن لا يستخدمونه، ولكن بمن ينقل هذه الأمور للكفار ليستخدموها في الحرب مع علمه يقينًا أنها سترجع على المسلمين حممًا! هذا كيف يكون حاله؟!
فإذن قال: لا يفادون إلا بثياب ونحوها، ولكن الذي يظهر والله أعلم أنَّ هذا ينظر فيه إلى المصلحة، فلو أن الأمريكان قالوا لنا: نطلق الشيخ عمر عبد الرحمن في مقابل أن ترسلوا لنا كذا من الأسلحة، هذه الأسلحة ماذا ستزيد الأمريكان على ما عندهم من القوة؟
أحد الحضور: لكن تضعف عندنا القوة!
الشيخ: لن تضعف إن شاء الله، وفكاك وإنقاذ مسلم ليس شيئًا هينًا، وليس شيئًا قليلًا.
أحد الحضور: فقط بثياب، بدون مال؟
الشيخ: يعني لا يعطون ما يتقوون به «وما سوى ذلك ونحوها»؛ يعني وغير الثياب، مثلًا طلبوا منك طعام، تمر، قمح، مثل هذه الأشياء يجوز أن تفادي بها.
أحد الحضور: وأموال؟!
الشيخ: وأموال كذلك طبعًا، تكلمنا عن المفاداة بالمال، قلنا: المفاداة من بيت المال، أو من أموال المسلمين.
أحد الحضور: يا شيخ، الأموال تعينهم وتقويهم!
الشيخ: لكن فرق بين أن تعينه إعانة مباشرة وبين ما يمكن أن يستخدمه في هذا وما يمكن أن يستخدمه في هذا، ولا يصلح هذا الأمر إلا بهذه الطريقة؛ يعني لا يمكن أن تفك أسراك إذا بدأت تقول: الثياب ممكن أن يبيعوها وأن يشتروا بها الأسلحة، والقمح ممكن أن يصرفوه على الجيش، وهكذا كل واحدة منها ممكن أن تستخدمها وأن تجعلها في جانب وتقول: يتقوون به؛ لكن لأن السلاح مما يستعان به يقينًا ويستخدم في الحروب، والخيل كذلك مما يستخدم في الحروب، فلهذا نصوا عليه.
قال: «ومن سبي من أطفالهم أو مميزيهم منفردًا أو مع أحد أبويه فمسلمٌ، وإن كان السابي ذميًا تبعه كمسلم، وإن سُبي مع أبويه فهو على دينهما»، يعني: إذا أخذ المجاهدون طفلًا للكفار، في المعركة وجدوه صغيرًا لم يبلغ؛ فهذا بمجرد أن يكون سبيًا في أيدي المسلمين فيصير مسلـمًا بالتبع، سواء أُسِر وحده أو أُسِر مع أحد أبويه.
أما إذا أسره ذمي؛ يعني ذمي قاتل معنا ثم أخذ هذا، أو هذا الذمي أغار على بلاد الكفار وأخذ من أطفالهم فهذا يكون كافرًا؛ لأنه تبع للذمي، أو أسر الطفل مع أبويه فيبقى على كفره؛ لأنه تابع لوالديه، وهذه حتى أحكامها لا نحتاجها.
وقوله «كمسلم» يعني حكمه كما تبع حكمه في المسلم، وليس المقصود أنه مسلم، أي كما تبع الطفل المسلم فيتبع أيضًا الذمي، كمسلم في التبعية.
قال: «ويكره نقل رأس ورميه بمنجنيق بلا مصلحة ويحرم أخذه مالًا ليدفعه إليهم»؛ يعني إذا قتلت الكافر هنا فترسل رأسه إلى الأمير في المكان الآخر، فقال: هذا يُكره، قالوا: إن أبا بكر رضي الله عنه عندما قتل المسلمون أحد قادة الكفار من الفرس أو من غيرهم أرسلوه إلى أبي بكر فكره ذلك، قال: «يكفيني الخبر»؛ يعني يكفي أن ترسلوا إلي، فقالوا له: إنهم يفعلونه! قال: «أفَاسْتِنانٌ بفارس والروم؟»٢٬٥٧٦[السنن الكبرى، للبيهقي (18395) ونصه: أن عمرو بن العاص وشرحبيل ابن حسنة بعثا عقبة بريدا إلى أبي بكر الصديق h برأس يَنَاق بطريق الشام، فلما قدم على أبي بكر h أنكر ذلك، فقال له عقبة: يا خليفة رسول الله فإنهم يصنعون ذلك بنا. قال: أفاستنان بفارس والروم؟! لا يُحمل إلي رأس، فإنما يكفي الكتاب والخبر. قال في البدر المنير (9/107): إسناده صحيح].؛ يعني جعلتموهم لكم قدوة؟!، فقال هنا: يكره.
وقال كذلك: يكره رمي رؤوسهم بالمنجنيق بشرط ألا يكون في ذلك مصلحة، والمصلحة مثل أن نكون قد حاصرنا حصنًا واستطعنا أن نقبض على قائد هؤلاء؛ فعلمنا أننا إن رمينا رأسه لهم في الداخل انهاروا وضعفوا وفتحوا الحصن فهذه مصلحة عظيمة، ونحو ذلك.
أحد الحضور:. أخذ مال على الرؤوس؟!
الشيخ: لا يبيع الرؤوس ولا الجثث.
ما يلزم الإمام والأمير
قال: «يلزم الإمام أو الأمير إذا أراد الغزو أن يعرض جيشه ويتعاهد الخيل والرجال، فيمنع ما لا يصلح للحرب كفرس حطيم: وهو الكسير، وقحم: وهو الشيخ الهرم».
الشيخ: ما نحتاج نشرحها؛ لأنها واضحة، ومجملها أن يكون الأمير معتنيًا بجيشه متفحصًا له يعرف من خرج معه ومن لم يخرج معه، من كان مخذلًا أو مرجفًا أو مثيرًا للعداوة أو كان معروفًا بالنفاق والزندقة فهذا لا يخرجه معه؛ لأنه يؤدي إلى توهين قوة المسلمين، هذه الخلاصة.
فقال: «يلزم كل أحد إخلاص النية لله تعالى في الطاعات ويجتهد في ذلك، ويستحب أن يدعو سرًا بحضور قلبٍ؛ لما في حديث أنس قال: كان النبي ﷺ إذا غزى قال: (اللهم أنت عضدي ونصيري بك أحول وبك أصول وبك أقاتل)٢٬٥٧٧رواه أبو داود [٢٦٣٢] بإسناد جيد [وصححه الألباني].، وهذه فائدة، وكان جماعة منهم الشيخ تقي الدين يقوله عند قصد مجلس العلم» كان ابن تيمية إذا أراد أن يذهب إلى مجلس العلم دعا بهذا الدعاء.
قال: «ويلزم الإمام أو الأمير إذا أراد الغزو أن يعرض جيشه»؛ كأن يخرج الأمير فلما يصل هناك يقول لأحدهم: أنت ماذا أتى بك؟ بل أنت لماذا تركته يخرج! ضروري قبل أن يخرج إلى المعركة يعرف من الذي خرج معهم.
أو مريض والأمير يعرفه ثم يصل إلى نصف الطريق فيقول: لا أستطيع أن أكمل، أنت لماذا خرجت أصلًا؟! فإذن لا بد أن يتفحص، هذه ليست أشياء نظرية يا إخوة، يحتاجها كل أمير تحته مجموعة يقاتل بها، المقصود بها ليست أعيان المسائل التي يذكرها، ولكن التنبيه على أن يكون الأمير متنبهًا ومتيقظًا تمامًا لأحوال من تحته قبل خروجه إلى المعركة.
قال: «ويتعاهد الخيل والرجال؛ لأن ذلك من مصالح الجيش فلزمه فعله كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته كبقية المصالح فيختار من الرجال ما فيه غنى ومنفعة للحرب ومناصحة، ومن الخيل ما فيه قوة وصبر على الحرب، ويمكن الانتفاع به في الركوب وحمل الأثقال».
قال: «ويمنع من لا يصلح للحرب كفرس حطيم: وهو الكسير»، كذلك الإنسان لا يخرج بسيارة كل ما قطعت كيلو يقول: انزلوا ادفعوا يا جماعة، المحرك يحتاج إلى دفع!
«وفرس قحم: وهو الشيخ الهرم والفرس المهزول الهرم، وضرع: وهو الرجل الضعيف والنحيف ونحو ذلك كالفرس الصغير، وكل ما لا يصلح للحرب»؛ أي لا يخرجهم معه، ليس هذا فقط يا إخوة! حتى الأسلحة يتفقدها؛ فلا بد أن يتفقد حتى الأسلحة التي يخرج بها، لا أن يصل هناك فيقول: هذه ذخيرة باكستانية لا ترمي، أخذ معه شريط بيكا كله من الذخيرة الباكستانية يطلق طلقة، والثانية يسحب ويرمي، يسحب ويرمي، حتى يتعب ذراعه وما تخرج إلا خمس أو ست طلقات، فلا بد أن يتفحص الأسلحة، وكذلك لا بد أن يتعاهد جعب الذين خرجوا معه، لا بد أن يعرف من خرج، من الذي يستطيع المسير في هذه المعركة ومن الذي لا يستطيع المسير، كل هذه الأحوال لا بد أن يتفقدها؛ لأن هذه من مسؤولياته؛ داخلة في دائرة مسؤولياته وصلاحياته.
قال: «وكل من لا يصلح للحرب من دخول أرض العدو؛ لئلا ينقطع فيها، ولأنه يكون كَلًا على الجيش»؛ أي متعبًا له وثقلًا عليه، ومضيقًا عليهم وربما كان سببًا للهزيمة.
«ويمنع مخذلًا للهزيمة»؛ يعني لكونه يؤدي إلى الهزيمة.
«فلا يصحبهم ولو لضرورة»؛ فالْمُخذل لا يخرج به إلى المعركة، ويعرفه هنا قال: «وهو الذي يصد غيره عن الغزو ويزهدهم في الخروج إليه» كأن يقول لصاحبه: إلى أين ذاهب أنت؟ لماذا تتعب نفسك؟، حتى يجعل الإنسان خارجًا من غير حماس ومن غير اندفاع ومن غير شجاعة.
قال: «ويمنع مرجفًا: وهو من يحدث بقوة الكفار ويضعفنا» أنتم كم عددكم؟ ما هي الأسلحة التي تخرجون بها؟ بيكا؟؟! وأنت بماذا تخرج؟ أفضل لك أن تنام! هذا يحصل يا إخوة، فالإنسان في وقت المعركة لا سيما في وقت الشدة؛ كلمة ترفع وكلمة تُنزل، فالإنسان يكون مُحتاطًا تمامًا في كل كلمة يقولها، أحيانًا يقول: «شيلكا»؟! أعوذ بالله، أنت كيف ستأتي من الجهة هذه؟ وكذا، الأخ يصيبه الرعب من كلام صاحبه أكثر من «الشيلكا» التي يريد أن يقاتلها؛ فينبغي للإنسان أن يتفطن له، من عُرف عليه هذا، كلما خرج المعركة ضخَّم من شأن العدو ومن تحصيناتهم ومن أسلحتهم وخوَّف الذين معه فهذا يُقال له: خلاص أنت اجلس، ونحن إن شاء الله نستطيع، أنت اجلس هنا، وإذا رجعنا جهز لنا الغداء والعشاء جزاك الله خيرًا.
قال: «لقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ﴾ [التوبة: 46]، ﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا﴾ [التوبة: 47]»؛ يعني فسادًا.
«ويمنع صبيًا لم يشتد يعني الضعيف، ومجنونًا: لأنه لا منفعة فيهما، ويمنع مكاتبًا بأخبارنا»؛ يعني يمنع أيضًا الذي يكاتب العدو بأخبارنا، يسرب المعلومات من تحت.
«وراميًا بيننا بالعداوة وساعيًا بالفساد»، وهذا داء يوجد في هذه الساحة، علينا أن نحترز منه؛ الذي يفسد القلوب ويثير الشحناء والبغضاء بالكلام على هذا، ثم ينقل هذا الكلام إلى هذا؛ فيصبح الجيش بدل أن يكون كله متفقًا كالبنيان المرصوص؛ يصبح هذا في قلبه شيء على هذا، والآخر يحقد على هذا، وهذا زاهد في أخيه، وأخوه أزهد منه فيه وهكذا، هذا يُحتاط منه أيضًا.
«ومعروفًا بنفاق وزندقة يعني مشهور بها؛ لأن هؤلاء مضرة على المسلمين فلزم منعهم إزالة للضرر، ويمنع نساءً للافتتان بهن»؛ يعني ما تخرج النساء بسبب وقوع الفتنة بهن، قال: «مع أنهن لسن من أهل القتال»، أصلًا هن لسن من أهل القتال، «لاستيلاء الخور والجبن عليهن.
قال: «ولأنه لا يؤمن ظفر العدو بهن فيستحلون منهن ما حرم الله»
فلذلك الذي أراه بالنسبة لقيام النساء بالعمليات الاستشهادية أن يُسد هذا الباب رأسًا، إلا في حالات اضطرارية جدًا كهدف ثقيل مهم لا يُمكن أن يُوصل إليه إلا بهذه الطريقة، وإلا فإنَّ المرأة أحيانًا بمجرد أنها تنظر إلى الـ«CD» أو ترى العمليات فإنه يصيبها نوع من الإثارة وهكذا فتقول: أنا أريد عملية استشهادية!.
ولكن عندما تقع في الحقيقة -والعياذ بالله- فتقع في يد العدو، وهذا تعرفون أنه حصل وأُسرت أخت، وما زالت في السجن نسأل الله أن يفرج عنها، فالإنسان يهتم بهذا، هذا هو كلام الفقهاء؛ فلا يخرج بها؛ لأنها قد يصيبها العدو فيستحل منها ما حرم الله.
قال: «قال بعضهم: إلا امرأة الأمير؛ لحاجته ولفعله ﷺ فإنه كان يخرج ببعض نسائه في الغزو، وإلا امرأة طاعنة في السن؛ لمصلحةٍ فقط، كسقي الماء ومعالجة الجرحى، لقول الرُّبيِّع بنت معوذ: كنا نغزو مع النبي ﷺ نسقي الماء ونخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة٢٬٥٧٨رواه البخاري [٢٨٨٣]، وعن أنس معناه رواه مسلم [١٨١٠].».
«ولأن الرجال يشتغلون بالحرب عن ذلك -يعني عن سقي الماء وعن معالجة الجرح، فيحتاج إلى خروج الطاعنة في السن لتسد هذا الأمر- فيكون معونة للمسلمين وتوفيرًا في المقاتِلة».
[الاستعانة بالكفار]
قال: «ويحرم أن يستعين بكفار؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين، فقال له: (تؤمن بالله ورسوله؟) قال: لا، قال: (فارجع فلن أستعين بمشرك)٢٬٥٧٩متفق عليه، [وسبق في (ص 562)].، ولأن الكافر لا يؤمن مكره وغائلته لخبث طويته»، كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ﴾ [آل عمران: 118]، والحرب تقتضي المناصحة والكافر ليس من أهلها».
إذن هذا مذهبهم: الأصل عدم جواز الاستعانة بالكافر في الحرب، لهذه الأمور التي ذكرها:
- لحديث النبي ﷺ.
- وللتعليل الذي أشار إليه من كون الكافر ليس من أهل المناصحة ولا هو من أهل الثقة.
قال: «إلا لضرورة» يعني لا يُستعان به إلا لضرورة «لحديث الزهري وهو حديث ضعيف أن النبي ﷺ استعان بناس من المشركين في حربه، رواه سعيد، وروي أيضًا أن صفوان ابن أمية شهد حنينًا مع النبي ﷺ»، ولكن صفوان إنما شهد حنينًا لا ليقاتل ولم يخرج مستعينًا به النبي ﷺ، وإنما خرج؛ ليرى لمن تكون الدائرة، وإنما استعان النبي ﷺ بأدرُعِ صفوان، ولم يستعن بصفوان نفسه.
قال: «وبهذا حصل التوفيق بين الأدلة»؛ يعني بين الأدلة التي تنهى عن الاستعانة بالمشركين: (فلن نستعين بمشرك)٢٬٥٨٠[وقد سبق تخريجه في (ص 562)].، وبين الأحاديث التي ورد فيها أن النبي ﷺ استعان بالمشركين، جمعوا بينها بأن الاستعانة كانت لضرورة.
قال: «والضرورة مثل كون الكفار أكثر عددًا» كأن يكون جيش الكفار أكثر بكثير من جيش المسلمين؛ فاحتاج المسلمون إلى أن يتقووا بالكفار فيجوز لهم في هذه الحالة على هذا المذهب أن يستعينوا بهم، ولكن بشرط قاله: «وحيث جاز» يعني الموطن الذي تجوز فيه الاستعانة قال: «وهو موطن الضرورة يشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين -يعني يثق المسلمون فيه-، وأن يكون ناصحًا لهم، فإن كان غير مأمون عليهم لم يجز كالمرجف وأوْلى»
وهذه أيضًا من المسائل التي اختلف فيها العلماء، وبفضل الله ﷻ قد كتبت فيها بحثًا يمكن أن تراجعوه «المورد العذب في حكم الاستعانة بالكفار في الحرب»، وقد نشر والحمد لله٢٬٥٨١[انظره في المجموع (ص 554)]..
«قال الشيخ» يعني تقي الدين: «ومن تولى منهم» أي من الكفار «ديوانًا للمسلمين انتقض عهده»؛ يعني إذا تولى منصبًا في ديوان المسلمين يَكتب من أهل الذمة أو غيرهم من أهل العهد؛ فيُعد هذا انتقاضًا لعهده، لماذا؟ لأن العهد يقتضي فرض الجزية عليه مع الصغار والإذلال؛ فهذا توظيفه في الديوان يعد مناقضًا لمقتضى العهد وصار معتزًا بذلك، ولذلك أنكر عمر بن الخطاب على أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما عندما جعل معه كاتبًا نصرانيًا.
ورد أن أبا موسى الأشعري جاء إلى المدينة فطلب منه عمر رضي الله عنه أن يقرأ ما كتبه الوارد والخارج من بيت المال، فعندما رآه عمر استحسنه ووجده مرتبًا، فقال له: «ادع لنا كاتبك ليقرأ هذا»، فقال له: لا يستطيع أن يدخل المسجد يا أمير المؤمنين! قال: «أجنبٌ هو؟»؛ يعني لماذا؟ أعليه جنابة؟ الصحابة كانوا يسألون عن هذه الأمور بصراحة، قال له: لا، ولكنه نصراني.
فغضب عمر وقال له: «ما لك قاتلك الله؟ قال لأبي موسى الأشعري: ألم تقرأ قول الله ﷻ: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ﴾ [المائدة: 51]»، قال له: يا أمير المؤمنين، لي كتابته وله دينه. فقال: «لا تُعِزُّوهم وقد أذلهم الله، ولا ترفعوهم وقد وضعهم الله، ولا تكرموهم وقد أهانهم الله»٢٬٥٨٢[سبق بألفاظ مشابهة في: (ص 562)]..
ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: «من تولى من الكفار ديوانًا للمسلمين انتقض عهده إن كان»٢٬٥٨٣[المستدرك على مجموع الفتاوى: (3/253)].؛ يعني إن كان له عهد.
قال: «ويحرم أن يستعين مسلم بأهل الأهواء»؛ يعني كالرافضة، «في قتال الكفار بل في شيء من أمور المسلمين من غزو وعمالة وكتابة وغير ذلك؛ لأنه أعظم ضررًا»، وانظروا فعلا لهؤلاء تجدون أنَّهم أعظم ضررًا من اليهود والنصارى، لماذا؟ لكونهم دعاة بخلاف اليهود والنصارى، هذا حقيقة! يعني الموطن الذي يدخله الرافضة تجد الناس يومًا بعد يوم يتبنون مذهبهم، وأما اليهود...! فكم من المسلمين انتسبوا إلى دين اليهودية؟ لا تجد، وكم منهم انتسبوا إلى دين النصرانية؟ لا تجد، وإذا وجدت فإنما انتسب لأجل أن يتحصل على شيء من المال، وبعضهم انتسب عن قناعة، وأما الانتساب إلى دين الرافضة فقد عمَّ الأرض وانتشر في بلدان لم يكن فيها رافضي واحد؛ فلذلك تنبه هؤلاء العلماء وحرَّموا أن يُستعان بهم؛ لأنهم سيستغلون منصبهم ومكانهم في الدعوة إلى مذهبهم ومن ثم تنتشر الضلالات.
قال: «ويسن أن يخرج الإمام بهم» أي بالجيش «يوم الخميس؛ لحديث كعب بن مالك قال: قلَّما كان رسول الله ﷺ يخرج في السفر إلا يوم الخميس»٢٬٥٨٤[سنن أبي داود: (٢٦٠٥)، وصححه الألباني].، وهذا على سبيل الاستحباب واتباع السنة، ولكن إذا كان الظرف يطالب المسلم أن يخرج في غير هذا اليوم خرج وقدمه.
وعن صخر الغامدي عن النبي ﷺ قال: (اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم الخميس)٢٬٥٨٥[رواه ابن ماجه: (2237)، وضعفه الألباني بهذا اللفظ، لكن صححه بدون زيادة (يوم الخميس) في سنن ابن ماجه: (٢٢٣٦)، وغيره].، وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم أول النهار.
[آداب المسير إلى المعركة]
قال: «ويرفق بهم في السير»، إذن تكلم أولًا على حال الأمير قبل أن ينطلق وقبل أن يخرج؛ فيتفحص جيشه وينظر من يخرج معه ومن لا يخرج معه، ثم بعد ذلك تكلم على الوقت الذي يخرج فيه وذكر أن المستحب أن يكون يوم الخميس، والآن يتكلم على مسيره كيف يكون؟ يعني على حركته إلى الغزوة على أي صفة تكون، فقال: «ويرفق بهم في السير بحيث يقدر عليه الضعيف ولا يشق على القوي»؛ يعني يكون مشيه وسطًا لا يرهق الضعيف، وكذلك لا يضعف القوي، يعني يستطيع هذا أن يسير ويستطيع هذا أن يسير، لقوله ﷺ: (أمير القوم أقطَعُهم)٢٬٥٨٦[كذا في الأصل وصوابه: أقطفهم؛ كما في النهاية (4/ 84)، والمبدع (3/ 337)، والحديث أورده ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ»: (1/352) ح: (٣٩٠)، والذهبي في «ميزان الاعتدال»: (4/152)، بلفظ: (إذا كان القوم في سفر، كان أميرهم أقطفهم دابة)، وقالا: «فيه معلى بن هلال، كذاب»، فالحديث واهٍ جدا، وقد ذكره السيوطي في الجامع الصغير (2/ 70 مع الفيض) ورمز لضعفه].؛ أي: أقلهم سيرًا، يعني تمشي على مراعاة لأضعف واحد عندك في الجيش.
أحد الحضور: حديث هذا (أمير القوم أقطعهم)؟
الشيخ: نعم حديث، هنا نسبه إلى البخاري وإلى مسلم لكن أنا ما راجعته.
«(أمير القوم أقطعهم) أي: أقلهم سيرًا؛ ولئلا ينقطع منهم أحد أو يشق عليهم»، يراعيهم ويرفق بهم في السير، ويتوسط في ذلك حتى لا ينقطع عنهم أحد، حتى لا يتأخر الضعيف فتفوته السرية أو يفوته الجيش ويغيب عنهم، «ولئلا يشق عليهم»، حتى لا يرهقهم وحتى لا يتعبهم.
«فإن دعت الحاجة إلى الجد في السير: جازَ»؛ يعني الذي كنا نتكلم عليه هذا في حالة الأصل وفي حالة الاستقرار، أما إذا كان هناك داع للسير والإسراع فهنا جاز له أن يسرع؛ لأن النبي ﷺ جدَّ حين بلغه قول عبد الله بن أبيّ: «ليخرجن الأعز منها الأذل»؛ ليشغل الناس عن الخوض فيه.
وقال: «ويعد الإمام أو الأمير لهم الزاد»، أي يعده لجيشه؛ فلا بد أن ينظر ما الذي يخرجون به من الطعام، لا أن يصلوا هناك ثم تسأل أين الكبريت؟ لا يوجد كبريت! لماذا لم تحضروا كبريت! لا، بل أنت لماذا لم تفتش ولم تعرف ماذا خرج معك مما يحتاجونه من الزاد والطعام ولوازمها؟ فإذن الأمير لا بد أن يدقق في أموره؛ قال: «لأنه لا بد منه، وبه قواهم وربما طال سفرهم فيهلكون حيث لا زاد لهم، ويقوي نفوسهم بما يخيل إليهم من أسباب النصر»؛ يعني يرفع معنوياتهم ويقويهم ويصبرهم، ويظهر لهم أن هذا العدو لا قيمة له وأنتم ما شاء الله... من أجل أن يرفع معنوياتهم.
قال: «فيقول مثلًا: أنتم أكثر عددًا وعُددًا، ولكن ليس على سبيل العُجبِ، وإنما على سبيل التقوية والتثبيت، وأشد أبدانًا وأقوى قلوبًا ونحو ذلك؛ لأنه مما تستعين به النفوس على المصابرة، ويبعثها على القتال لطمعها في العدو».
أحد الحضور: هل يدخل هذا في الكذب؟ إذا كان ليس على الحقيقة!
أخ آخر: وقد يورث في نفوس أصحابها العجب!
الشيخ: قلتُ: إذا لم يكن على سبيل العجب، وهو ضربها مثلًا هنا إذا كان حالهم كذلك، وإنما المقصود هنا التمثيل وليس المقصود هو عين الأمور.
قال: «ويعرِّف عليهم العرفاء جمع عريف: وهو القائم بأمر القبيلة أو الجماعة من الناس كالمقدم عليهم ينظر في حالهم ويتفقدهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم»؛ يعني إذا قسم جيشه إلى مجموعات أو إلى سرايا، أو إذا قسم أعماله إلى عدة أمور وضع على كل مجموعة أميرًا أو عريفًا؛ لأن الأمير العام لا يستطيع أن يتفحص حال كل واحد من الجيش فقد يفوته شيء؛ فيكون سببًا في الهزيمة، ولكن إنما يتعرف على أحوال الجيش إذا كثر عددهم من خلال العرفاء، وهذه سيرة النبي ﷺ، أنتم تعرفون قصة حنين عندما جاءت هوازن بعد أن سبى النبي ﷺ نساءهم وأطفالهم وغنم أموالهم فاستأنى بهم ثلاثة أيام؛ يعني بقي ثلاثة أيام يترقبهم لعلهم يسلمون ولم يقسم النبي ﷺ الغنيمة، فلما قسمها جاؤوا مسلمين، فطلبوا من النبي ﷺ أن يرد عليهم مالهم وسبيهم، فقال لهم: (اختاروا إما المال وإما السبي)، بعد أن قسموا، فقالوا: يا رسول الله، لا نعدل عن نسائنا وأبنائنا شيئًا، فقام النبي ﷺ وخطب في الصحابة رضي الله عنهم فقال لهم: (إن إخوانكم قد جاؤوا مسلمين وإني رأيت أن أرد عليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يُطيِّب فليفعل، ومن أبى فلينتظر حتى يفتح الله علينا في أول غزوة)؛ أي: فنعطيه قيمة ما عنده، فكل واحد لا بد أن يرد الذي عنده، إما بطيب نفس وإما بمقابل بعدما يفتح الله لنا في أول غزوة، فكلهم قالوا: «طيبنا، طيبنا يا رسول الله»، جيش كبير!
فقال: رسول الله ﷺ حتى يتيقن قال: (إنا لا نعلم منكم من طيَّب ولم يطيب، ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم)، أي لو أن واحدًا منهم كانت عنده سبية وقالوا: طيبنا، هو رفع يده مستحيًا: طيبنا، طيبنا! أو في داخل الضجة فهو ظن أنه ما استطاع أن يقول شيئًا، أو النبي ﷺ غاب عليه بعضهم من كثرة عددهم، فقال: (ارجعوا إلى خيامكم ومراكزكم حتى يرفع إلينا عرفاؤكم)، فهذه فائدة العرفاء والأمراء، وهذه فائدة تجزئة المجموعات الكبيرة، يستطيع من خلالها أن يعرف أحوالهم بدقة، فرجعوا فرفع إليه عرفاؤهم: «أن قد طيَّبوا»؛ كلهم رضوا بذلك، الحديث في الصحيح٢٬٥٨٧[صحيح البخاري: (٤٣١٨)]..
قال: «ويستحب له أي للإمام أو الأمير عقد الألوية البيض: وهي العصائب تعقد على قناة ونحوها، ويعقد لهم الرايات: وهي أعلام مربعة ويغاير ألوانها؛ ليعرف كل قوم رايتهم»، والمقصود أنه إذا قسم جيشه إلى سرايا؛ فيعطي كل جهة راية يتعارفون بها فيما بينهم، وهذا عندما كان القتال وجهًا لوجه، وكان بقاء الراية هي رمز الثبات والاستمرار في القتال، فإذا سقطت الراية فهو عنوان الهزيمة؛ لذلك عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه في غزوة القادسية وهو مؤذن رسول الله ﷺ قال للصحابة: «أعطوني اللواء»، وهو رجل كفيف، قال لهم: فإنكم إن رأيتم العدو قد تفرون، أما أنا فلا أرى شيئًا، فأخذها ووقف بين الصفين، فقط هو حامل اللواء، وهذه عملية استشهادية فدائية، فما زال على حاله، ورد في بعض الروايات أنه قُتِل في هذا الموطن، ذكرت بعض التراجم له أن علجًا جاء وضربه بالسيف حتى قسمه نصفين رضي الله عنه وهو حاملٌ للواء، وجاء في بعض الكتب الأخرى أنه رجع إلى المدينة؛ يعني ما قتل في هذا، وهو وقف هنا من أجل أن يقتل، يريد الشهادة بذلك، ولكنه لم يفر، فهذا هو كان حال الصحابة رضي الله عنهم٢٬٥٨٨[الطبقات الكبرى، لابن سعد (4/196) وقد استشهد h في هذه المعركة بالقادسية، انظر: أسد الغابة (4/251)]..
وقد كتبت بحثًا في العمليات الاستشهادية٢٬٥٨٩[لم أقف على هذا المبحث، وأرجو الله أن أطلعَ عليه يومًا؛ فإنَّ الشيخ في فقه الجهاد آية لا تُبارى، وقلم لا يُجارى، تقبله الله].؛ فهذا من الأشياء التي استدللت بها عليها، فهذه عملية استشهادية؛ حتى إنه لا يظهر أنها فيها نكاية إلا وجود الراية فقط.
قال: «ويجعل لكل طائفة شعارًا يتداعون به عند الحرب»، يعني كلمة السر بتعبيرنا العصري؛ حتى لا يدخل عليهم غريبًا ولا يشذ منهم أحد إلى غير جماعته.
«لما روى سلمة ابن الأكوع قال غزونا مع أبي بكر زمن النبي ﷺ وكان شعارنا: أمِت، أمِت»٢٬٥٩٠رواه أبو داود [(٢٥٩٦)، وصححه الألباني].، وقد ورد أيضًا: «حم لا ينصرون»٢٬٥٩١[رواه أبو داود: (٢٥٩٧)، وصححه الألباني].؛ ولأن الإنسان ربما احتاج إلى نصرة صاحبه، وربما يهتدي بها إذا ضل»؛ يعني بهذه الكلمة يدخل في مجموعة ولا يعرف إن كانوا من أصحابه أو لا، ولا يشعرون به، كما فعل حذيفة بن اليمان عندما أرسله النبي ﷺ لينظر ماذا حصل في الأحزاب، فقال أبو سفيان: «لينظر كل واحد منكم من بجانبه؟»، فقال حذيفة: «أمسكت الذي بجانبي فقلت له: من أنت!»٢٬٥٩٢[رواه أحمد: (٢٣٣٣٤)، وصححه الأرنؤوط]. فمثل هذه الحالات إذا كان مِن أصحابه وقال الكلمة التي بينهما عرفه، وإلا احتاط منه.
قال: «ويتخير الإمام أو الأمير لهم المنازل، أي أصلحها لهم»؛ يعني يختار لهم الأماكن الجيدة.
«كالخصبة وأكثرها ماءً ومرعًى؛ لأنها أرفق بهم وهو من مصلحتهم، ويتبع مكامنها جمع مكمن: وهو المكان الذي يحفظها ليأمنوا هجوم العدو عليهم»؛ أي: لا بد عندما يدخلوا في وادي أو يدخلوا في قرية أو يدخلوا في مكان، لا بد أن يختار المكان الذي يكون فيه حفظٌ لمن معه، ثم ينظر في المكامن التي يمكن أن يكمن له فيها العدو فيضع عليها الرَّصَد، أي الذين يترصدون وينظرون إذا كان العدو قد جاء أو لا.
وكل هذا معناه: أن الأمير أو الإمام عليه أن يبذل قصارى جهده؛ من أجل الحفاظ على من معه من المسلمين، وأن يحتاط لهم غاية الاحتياط، ولا يدخر جهدًا فيما يمكن أن يصرفه عنهم من السوء.
قال: «ولا يُغفل الحرس والطلائع لئلا يأخذهم العدو بغتة، والطلائع جمع طليعة»؛ يعني لا يترك المكان من غير حراسة، ولا يقول: تعبنا يا جماعة، نريد فقط أن نرتاح! بل لا بد أن يضع الحراسة في الأماكن التي قد يتعرضون فيها، وهذا يحصل، فكثير من الإخوة يدخلون إلى بعض البيوت فيحصل عليهم إنزال، ويكونون نائمين؛ لغفلتهم أو لتساهلهم أو لثقتهم المفرطة في القرية أو في البيت الذي هم فيه؛ فيحصل عليهم إنزال أو تقع لهم خيانة، وإن كان هناك حراسة لأمكنهم أن يأخذوا حِذرهم.
قال: «ويبعث العيون على العدو ممن له خبرة بالفجاج»؛ أي الطرق، لا أن يبعث واحدًا لا يعرف الطريق فيضيع؛ فيجد نفسه في مركز العدو! لا بد أن يبعث رجلًا خبيرًا بالطريق يعرف من أين يدخل ومن أين يخرج، وكيف يتصرف أيضًا، «حتى لا يخفى عليه أمرهم»؛ أي أمر أعدائه.
قال: «ويمنع جيشه من الفساد والمعاصي»، هذه من أهم النقاط التي يراعيها الأمير، وهو ألا يجتهد فقط في إصلاحهم في أمورهم الظاهرة في سلاحهم وفي جعبهم وفي أحذيتهم وفيما عندهم وفي الطرقات التي يسلكونها والأماكن التي ينزلون عليها، بل لا بد أن يلاحظ وأن يراقب جيشه ويمنعهم من الفساد، ومن معصية الله ﷻ، فالفساد: كالغيبة والنميمة، وإفساد القلوب فيما بينهم؛ لذلك قال هناك: «ويُخرج مَن يَبث العداوة بينهم»، فلا بد أن يمنع جيشه، وليس العلاج فقط أن تطرد الْمُفسد، بل لا بد أن تسعى للإصلاح أيضًا، بإصلاح الحيش وتخويفه من الله ﷻ وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ومناصحته.
قال: «ويمنع جيشه من الفساد والمعاصي؛ لأنها سبب الخذلان، وتركها داعٍ للنصر وسبب للظفر، ويمنع جيشه أيضًا من التشاغل بالتجارة المانعة لهم من القتال»؛ يعني لا أن يجدوا صفقة فيتركوا الجيش ويتركوا الأسلحة ويذهبوا ليشتغلوا في التجارة وفي الأسواق يبيعون ويشترون!
إذن؛ فالأمير له أن يقيد المباح، فالبيع والشراء شيء مباح؛ لكن في هذا الموطن له أن يقيدهم؛ أي أن يمنعهم من أمر مباح، وذلك كما فعل عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل عندما أمَّره النبي ﷺ على جيش فيه أبو بكر وعمر وغيرهم من الصحابة، فمنعهم عمرو بن العاص من أن يوقدوا نارًا، وأغلظ لهم في القول لمن يُمكن أن يوقد النار، فمنعهم من أمر مباح مع شدة البرد ومع عدم بيانه لسبب هذا المنع، حتى جاؤوا واشتكوا إلى النبي ﷺ فعندما سأله قال: «خشيت أن يرى العدو قلَّتهم»٢٬٥٩٣[الطبقات الكبرى لابن سعد: (731)].؛ يعني يرى هؤلاء أوقدوا نارًا وهؤلاء أوقدوا نارًا والعدو عنده رصد وعنده جواسيس، فإذا رأى كم يوجد من النار المشتعلة، عشرين، كل واحدة عليها خمسة يعني عددهم كلهم مئة! فيعد لهم جيشًا ويغزوهم.
إذن يجوز للإمام أن يقيد المباح إذا كان فيه مصلحة للجيش.
قال: «ويَعِد الأمير ذا الصبر بالأجر والنفَل»، فمن فعل كذا فله كذا في أنواع النفل، «وهو الزيادة على سهمه؛ لأنه وسيلة إلى بذل جهده وزيادة الصبر».
قال: «ويشاور في أمر الجهاد والمسلمين ذا الرأي والدين»؛ يعني لا يختص في الفصل بين الأمور بنفسه، بل لا بد أن يرجع إلى ذي الرأي والمشورة والخبرة في شأن الحرب وفي شأن المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ [آل عمران: 159].
قال: «ويخفي من أمره ما أمكن إخفاؤه»؛ يعني أمنيَّات، فلا تكون الأمور كلها مكشوفة بحيث إنَّ كل واحد في الجيش أو في السرية يعرف الأمور كلها بالتفصيل! متى سنخرج، كم عددنا، من أميرنا، الجهة التي سنتوجه إليها، ما هي خطة الحرب؟!
كل واحد تجده يعرف كل هذا!! وهذا داء موجود فينا، وهذا الكلام لا نقرؤه لنخزنه في رؤوسنا ولا لنحكيه لغيرنا، بل نقرأه لنعمل به في حياتنا الجهادية، فهذا هو المخاطبون به نحن، فعندما يقول: «ويخفي من أمره»؛ معناها أنت أيها الأمير تخفي من أمرك ما لا بد منه.
لا ينبغي أن يكون الأمير دائمًا في كل صغيرة وكبيرة؛ فيجمع المجلس ويحكي لهم كل شيء بالتفصيل.. كلا! بل يعطيهم من المعلومات ما يحتاجونه؛ لأن النبي ﷺ كما ذكر هنا «وإذا أراد غزوة ورَّى بغيرها»؛ يعني النبي ﷺ كان إذا أراد الغزوة في اتجاه الشمال مثلًا أو اتجاه الشرق جعل يسأل عن طريق الغرب، ماذا يوجد فيها من المياه، كم مسافتها، ما القبائل التي توجد فيها هناك؟، فيخيل لمن معه أنه يريد هذه الجهة، ويكون قد أرسل خاصَّتَه إلى تلك الجهة حتى يأتوه بالمعلومات ثم ينطلقوا إليها، فهذه هي سيرة النبي ﷺ، قال: «لأن الحرب (خُدعة) أو خَدعة٢٬٥٩٤متفق عليه، [البخاري: (٣٠٢٩)، ومسلم: (١٧٣٩)].».
قال: «ويصُفُّ جيشه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف: 4]»، وهذا بحسب المعركة وما تحتاجه من الخطة.
قال: «ويجعل في كل جَنَبَةٍ كفؤًا»، فالجيش يقسمه إلى مجنبة يمنى وإلى يسرى وإلى قلب، فيضع هنا كفؤًا يصلح للقيادة، ويضع هنا كفؤًا يصلح للقيادة، وفي القلب أيضًا.
فالمقصود: أن يولي على كل جهة كفؤًا عليها، فإذا أخرجتَ سرية أو أرسلت مجموعة فلا بد أن تختار الأصلح لهذه السرية، والأصلح في هذه العملية.
قال: «ولا يميل مع قرابته وذي مذهبه على غيره لئلا تنكسر قلوبهم فيخذلونه»؛ أي لا يظهر ميلًا مِن نفسه إلى من يوافقونه في المذهب أو في الجماعة أو في الطريقة أو في غير ذلك؛ بل عليه أن يعاملهم على حد سواء، لماذا؟ لأنك إذا ظهر منك ميل إلى جهة دون جهة، فإن أصحابك سيخذلونك أحوج ما تكون إليهم.
وقوله: «مع قرابته»؛ بمعنى ألا يميل إليهم بغير داعٍ للميل، وإنما عليه أن يعاملهم بالسواء.
قال: «ويراعي أصحابه ويرزق كل واحد بقدر حاجته»، وهذا تكلمنا عليه في «السياسة الشرعية».
جزاكم الله خيرًا
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
❖ ❖ ❖