القضية الرابعة: وهي في بيان مجمل الأدلة التي اعتمد عليها العلماء في جواز ضرب الترس من المسلمين، أو الذميين أو رمي الحصون والقلاع التي يختلط فيها الكافرون بالمسلمين بغض النظر عن ترجيحاتهم في ذلك، ومن غير تعرض لتفاصيل صور تنزيلها
الدليل الأول: الإجماع: نقل بعض الأئمة الاتفاق على جواز رمي الترس إذا خيف على المسلمين ضرر عند عدم الرمي.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يُقاتلوا، فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار»١٨١مجموع الفتاوى: (28 / 537)..
وقال أيضًا: «وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم»١٨٢مجموع الفتاوى: (28/ 546)..
وقال أيضًا: «ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يُفضي إلى قتل أولئك الـمُتترس بهم جاز ذلك»١٨٣مجموع الفتاوى: (20/52)..
فحالة الاتفاق التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله؛ مقصورة ومحصورة فيما لو خيف على المسلمين ضرر إن لم يُرم الكافرون، وإن أدى ذلك إلى قتل الترس تبعًا، ولم أرَ -فيما اطلعت- أحدًا نقل الاتفاق على هذه الصورة سوى شيخ الإسلام رحمه الله، وهو من هو في الاستقصاء والتحري والتحقيق والتدقيق، إلا أن هذا الاتفاق -والله أعلم- محمول على حالة يكون فيها الضرر محققًا وقوعه على جماعة المسلمين.
وهكذا جاء في «الموسوعة الفقهية»١٨٤[4/217].: «يتّفق الفقهاء على أنّه إذا كان في ترك الرّمي خطرٌ محقّقٌ على جماعة المسلمين، فإنّه يجوز الرّمي برغم التّترّس، لأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ بالذّبّ عن بيضة الإسلام، وقتل الأسير ضررٌ خاصٌّ، ويقصد عند الرّمي الكفّار لا التّرس».
ثم نبهني بعض الأخوة الأحبة إلى أن كلام القرطبي رحمه الله -والذي سيأتي بتمامه- قد يكون موافقًا لما نقله شيخ الإسلام من الإجماع، وإن لم يكن صريحًا في ذلك، حيث قال بعد ذكر بعض الضوابط والقيود التي يجب أن تكون متوافرة في حالة التترس، قال: «قلت: قد يجوز قتل الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية»١٨٥[تفسير القرطبي: (16/287)]..
ورغم هذا الاتفاق الذي نقله شيخ الإسلام رحمه الله واشتهر عنه وتداوله الباحثون من بعده، إلا أن هناك وجهًا عند بعض الشافعية بعدم جواز رمي الترس حتى في حال الاضطرار، ولعله بسبب ضعف هذا القول وانغماره لم يعتدَّ به من نقل الإجماع ولم يعتبره شيئًا يُنظر إليه على أنه خرق له، أو أنه محمول على ما إذا لم يكن الخوف على جماعة المسلمين وعامتهم وإنما على بعضهم مع إمكانية الكف عن الكفار.
وعلى هذه الصورة حملوها في «الموسوعة الفقهية» إذ جاء فيها١٨٦[4/217].: «أمّا في حالة خوف وقوع الضّرر على أكثر المسلمين؛ فكذلك يجوز رميهم عند جمهور الفقهاء، لأنّها حالة ضرورةٍ أيضًا، وتسقط حرمة التّرس، ويقول الصّاويّ المالكيّ: «ولو كان المسلمون المتترّس بهم أكثر من المجاهدين»١٨٧[حاشية الصاوي على الشرح الصغير: (1/357)].، وفي وجهٍ عند الشّافعيّة؛ لا يجوز، وعلّلوه بأنّ مجرّد الخوف لا يبيح الدّم المعصوم».
قال الإمام النووي رحمه الله في بيان وجه ذلك عند الشافعية: «وإن دعت ضرورة إلى رميهم بأن تترسوا بهم في حال التحام القتال، وكانوا بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم، فوجهان؛ أحدهما، لا يجوز الرمي إذا لم يمكن ضرب الكفار إلا بضرب مسلم، لأن غايته أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف بدليل صورة الإكراه، والثاني -وهو الصحيح المنصوص، وبه قطع العراقيون- جواز الرمي على قصد قتال المشركين، ويتوقى المسلمين بحسب الإمكان»١٨٨روضة الطالبين: (10/246)..
ومن المعلوم أصوليًا؛ أن الإجماع -وإن كان حجة شرعية- إلا أنه لا يُتصور ولا يمكن أن ينعقد إلا ويكون مستندًا لدليل من الكتاب أو السنة أو القياس.
وذلك المستند الذي يرجع إليه قد يطلع عليه بعض الفقهاء ويدركه ويصل إليه وقد يغيب عن غيرهم، إلا أنه لا يمكن أن يخفى على جميعهم، لأن الدين اكتمل، والشريعة تمت، وإحداث حكم شرعي استقلالًا من غير رجوع إلى أحد الأصلين يُعد تشريعًا واجتماعًا على ضلالة، والأمة بمجموعها معصومة عن ذلك.
ومع هذا، فمع تحقق صحة الإجماع وثبوته، فلا يلزم المفتي أو العالم البحث عن مستنده إلا من جهة تقوية الدليل وعَضْدِ الحجة.
قال الشيرازي الشافعي: «اعلم؛ أن الإجماع لا ينعقد إلا على دليل، فإذا رأيت إجماعهم على حكم علمنا أن هناك دليلا جمعهم، سواء عرفنا ذلك الدليل أو لم نعرفه، ويجوز أن ينعقد عن كل دليل يثبت به الحكم، كأدلة العقل في الأحكام ونص الكتاب والسنة وفحواهما وأفعال رسول الله ﷺ وإقراره والقياس»١٨٩اللمع: (51)..
وإنما ذكَّرت بهذه القاعدة الأصولية في هذا الموضع لنستصحبها عند ذكر بعض الأدلة اللاحقة التي اعتمد عليها الفقهاء في تقرير هذا الحكم، والتي قد تكون بأفرادها وأعيانها أو بمجموعها هي مستند الإجماع ومعتمده.
الدليل الثاني: أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف١٩٠[المراسيل لأبي داود عن مكحول: (335)، وسنن الترمذي عن ثور بن يزيد: (2762)، والسنن الكبرى للبيهقي عن أبي عبيدة: (18120)، وجوّد إسناده ابن كثير في إرشاد الفقيه: (2/306)].، مع أن فيها نساءهم وأطفالهم، ومثل هذا يعم به القتل غالبًا.
وكذلك جرت عادة قادة المسلمين وجيوشهم من لدن الصحابة رضي الله عنهم بنصب المجانيق على الحصون ورميها بها، مع العلم بوجود من لا يحل قصد قتله من النساء والولدان وغيرهم.
قال الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمه الله في مناقشته الأوزاعي: «ولوكان يحرم رمي المشركين وقتالهم إذا كان معهم أطفال المسلمين؛ لحرم ذلك أيضا منهم إذا كان معهم أطفالهم ونساؤهم، فقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والأطفال والصبيان، وقد حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف وأهل خيبر وقريظة والنضير وأجلب المسلمون عليهم فيما بلغنا أشد ما قدروا عليه، وبلغنا أنه نصب على أهل الطائف المنجنيق، فلو كان يجب على المسلمين الكف عن المشركين إذا كان في ميدانهم الأطفال لِنَهْي رسول الله ﷺ عن قتلهم لم يقاتلوا، لأن مدائنهم وحصونهم لا تخلو من الأطفال والكبير الفاني والصغير والأسير والتاجر، وهذا من أمر الطائف وغيرها محفوظ مشهور من سنة رسول الله ﷺ وسيرته، ثم لم يزل المسلمون والسلف الصالح من أصحاب محمد ﷺ في حصون الأعاجم قبلنا على ذلك، لم يبلغنا عن أحد منهم أنه كف عن حصن برمي ولا غيره من القوة لمكان النساء والصبيان ولمكان من لا يحل قتله لمن ظهر منهم»١٩١الرد على سيرة الأوزاعي: (66)، وقد نقله عنه الإمام الشافعي رحمه الله في «الأم»: (7/350)..
فأما حصار النبي ﷺ للطائف؛ فهو في الصحيحين، وأما رميهم بالمنجنيق؛ فقد رواه أبو داود في المراسيل عن ثور عن مكحول: «أن النبي ﷺ نصب على أهل الطائف المنجنيق»١٩٢[(335)، وقد ورد فيه بلفظ «نصب المجانيق على أهل الطائف»، والحديث تقدم في: (ص 186)]..
قال الحافظ ابن حجر: «ورواه الترمذي فلم يذكر مكحولًا، ذكره معضلًا عن ثور، وروى أبو داود من مرسل يحيى بن أبي كثير قال: حاصرهم رسول الله شهرًا، قال الأوزاعي فقلت ليحيى: أبلغك أنه رماهم بالمجانيق؟ فأنكر ذلك وقال: ما نعرف ما هذا! وروى أبو داود في السنن من طريقين أنه حاصرهم بضع عشرة ليلة، قال السهيلي: ذكره الواقدي كما ذكره مكحول»١٩٣تلخيص الحبير: (4/104)..
وقال الإمام الجصاص الحنفي رحمه الله مستدلًا بأثر مكحول المذكور: «نقل أهل السير أن النبي ﷺ حاصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق، مع نهيه ﷺ عن قتل النساء والولدان، وقد علم ﷺ أنه قد يصيبهم وهو لا يجوِّز تعمدَهم بالقتل؛ فدل على أن كون المسلمين فيما بين أهل الحرب لا يمنع رميهم، إذ كان القصد فيه المشركين دونهم»١٩٤أحكام القرآن: (5/273)..
فكما يظهر في كلام الإمامين أبي يوسف والجصاص؛ فإن الاستدلال بقصة رمي الطائف بالمنجنيق مركب من جزئين ومرتب على مقدمتين:
الأولى: إثبات صحة الأثر، ومن ثَم الاستدلال به على جواز رمي الحصون التي تضم نساء وأطفال المشركين مع العلم بوجودهم بينهم.
والثانية: صحة قياس وإلحاق المسلم في ذلك الحكم بنساء وذراري المشركين، بجامع أن الجميع معصوموا الدماء شرعًا، وإن كانت درجة العصمة وشدتها متفاوتة، فكما هو معلوم مجزوم به فإن حرمة المسلم أعظم وأفخم.
فالأثر -كما رأينا- مرسل، ومع اشتهاره وكثرة استدلال الفقهاء به وتداولهم له واعتمادهم عليه في بعض من الأحكام لا يبعد أن يكون له أصل، لا سيما مع وجود بعض الأدلة التي تشاركه في أصل الحكم كالتي وردت في جواز البيات.
وكما ذكرنا عن الإمام أبي يوسف؛ فإن سيرة الصحابة ومن بعدهم قادة الفتوحات قد جرت على ذلك، ولا بد أن يكون لهم في المسألة أثارة من علم، وثمة آثار متعددة عنهم في استعمالهم المجانيق لرمي حصون الكفار مع وجود نسائهم وأطفالهم فيها.
بل نقل بعض العلماء اتفاق الفقهاء في الجملة على جواز رمي حصون الكفار، وإن كان فيها نساؤهم وأطفالهم خاصة، مستدلين بقصة الطائف المذكورة.
كما قال ابن رشد رحمه الله: «واتفق عوام الفقهاء على جواز رمي الحصون بالمجانيق، سواء كان فيها نساء وذرية أو لم يكن، لما جاء؛ أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف»١٩٥بداية المجتهد: (1 /282)، [وحديث رمي أهل الطائف بالمنجنيق تقدم في: (ص 186)]..
وعلى كل حال فإذا صح هذا الاتفاق؛ فإنه يغني عن الرجوع إلى أثر مكحول والاعتماد عليه استقلالًا.
ويبقى السؤال: ما مدى صحة قياس حصن به أسارى وأطفال وتجار مسلمون؛ على حصن فيه نساء وأطفال الكفار في جواز رمي الجميع بالمنجنيق أو ما شاكله مما يعم به الهلاك؟ فقد ارتضى بعض الأئمة هذا القياس واستدل به ورفضه بعضهم.
والمقصود هنا فقط؛ ذكر الأدلة التي يعتمد عليها الفقهاء في مسألة التترس، من غير التفات إلى ترجيح وتصحيح.
الدليل الثالث: الأحاديث التي وردت في جواز البيات قولًا وفعلًا، وهو الإغارة على العدو ليلًا، مع العلم أن بين الكفار نساءهم وأطفالهم ومن لا يجوز قتله منهم ممن قد يصيبهم القتل تبعًا.
- فعن الصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ؛ سُئل عن أهل الدار من المشركين يُبَيَّتون فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ قال: (هم منهم)١٩٦متفق عليه، [البخاري: (3012)، ومسلم: (1745)]..
- وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه؛ أن رسول الله ﷺ كان عهد إليه فقال: (أَغِر على أُبنى صباحًا وحرِّق)١٩٧رواه أبو داود [(٢٦١٦)، واللفظ له، وضعفه الألباني والأرنؤوط، لضعف صالح بن أبي الأخضر، قال فيه ابن حجر: «ضعيف يعتبر به». تقريب التهذيب (ص 271) فضعفه مما يتقوى بمثيلاته] وابن ماجه [(2843)، بلفظ «يُبنى» بدل «أُبنى»، و«أبنى» بضم الهمزة والقصر: اسم موضع من فلسطين]..
- وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: (أمَّر رسول الله ﷺ علينا أبا بكر رضي الله عنه، فغزونا ناسًا من المشركين، فبيّتناهم نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة: أَمِتْ، أَمِتْ)، قال سلمة: (فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أهل أبيات من المشركين)١٩٨رواه أحمد [(16545)، بخلاف يسير، وصححه الأرنؤوط على شرط مسلم»]، وأبو داود [(2638)، واللفظ له، وحسنه الألباني]..
قال الإمام أبو بكر الجصاص بعد ذكر بعض هذه الأحاديث: «وكان -أي النبي ﷺ- يأمر السرايا بأن ينتظروا بمن يغزونهم، فإن أذنوا للصلاة أمسكوا عنهم، وإن لم يسمعوا أذانًا أغاروا، وعلى ذلك مضى الخلفاء الراشدون، ومعلوم أن من أغار على هؤلاء لا يخلو من أن يصيب من ذراريهم ونسائهم المحظور قتلهم، فكذلك إذا كان فيهم مسلمون وجب ألا يمنع ذلك من شن الغارة عليهم ورميهم بالنشاب وغيره، وإن خيف عليه إصابة المسلم»١٩٩أحكام القرآن5: (/274)..
الدليل الرابع: تجويز رمي المشركين المتترسين بالمسلمين؛ قياسًا على جواز ذلك في رمي حصونهم بالمجانيق وإن كان بينهم مسلمون -كتجار وأسارى ونحوهم-.
وفي هذا يقول الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله: «وإذا ثبت ما ذكرنا من جواز الإقدام على الكفار مع العلم بكون المسلمين بين أظهرهم؛ وجب جواز مثله إذا تترسوا بالمسلمين، لأن القصد في الحالين رمي المشركين دونهم»٢٠٠أحكام القرآن: (5/275)..
الدليل الخامس: دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما، أو دفع الضرر العام بارتكاب الضرر الخاص، وهي قاعدة مُتفق عليها بين العلماء، وإن وقع الاختلاف في تنزيلها على بعض جزئياتها.
والمفسدة العظمى المدفوعة هنا؛ هي الفتنة والضرر والفساد الكبير المترتب على ترك الجهاد في سبيل الله لأجل ما بأيدي الكفار من الأسرى أو ما بينهم من التجار ونحوهم، فالأمر دائر بين الضرورة والحاجة، وفي الحالتين إنما هو دفع لأكبر المفسدتين بارتكاب أدناهما.
فالأول: حيثما يكون الجهاد متعينًا بمداهمة الكفار لديار الإسلام، حيث يقع الضرر العظيم على المسلمين بتركه، إذ يفضي ذلك إلى تسلط الكافرين وإفسادهم للدين والدينا، كما قال تعالى: ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ﴾ [البقرة: 191]، وقال ﷻ: ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ﴾ [البقرة: 217].
والثاني: حيث لم يبلغ مرتبة الاضطرار، وذلك حينما يكون الجهاد جهاد طلب، فإن تركه لأجل من يُقيم بينهم من النساء والذرية والتجار والأسارى؛ يؤدي إلى تعطيل الجهاد المأمور به شرعًا، لا سيما إذا علم الكفار أن ذلك يكف المسلمين عنهم، فربما ارتكبوه تعمدًا وقصدًا؛ تلافيًا لهجوم المسلمين عليهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكذلك في باب الجهاد، وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حرامًا، فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل الرمي بالمنجنيق والتبييت بالليل؛ جاز ذلك، كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق، وفى أهل الدار من المشركين يبيتون، وهو دفع لفساد الفتنة أيضا بقتل من لا يجوز قصد قتله، وكذلك مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء، فإن الجهاد هو دفع فتنة الكفر؛ فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها، ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي الى قتل اولئك المتترس بهم؛ جاز ذلك، وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم؛ ففيه قولان، ومن يُسوغ ذلك يقول؛ قتلهم لأجل مصلحة الجهاد مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء»٢٠١مجموع الفتاوى: (20/52 - 53)..
وقال رحمه الله أيضًا: «ولا ريب أن العقوبة إذا أمكن ألا يتعدى بها الجاني كان ذلك هو الواجب، ومع هذا فإذا كان الفساد في ترك عقوبة الجاني أعظم من الفساد في عقوبة من لم يجن؛ دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، كما رمى النبي ﷺ أهل الطائف بالمنجنيق٢٠٢[حديث رمي أهل الطائف بالمنجنيق تقدم في: (ص 186)].، مع أن المنجنيق قد يصيب النساء والصبيان، وفي الصحيحين؛ أن الصعب بن جثامة سأل النبي ﷺ عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم؟ فقال: (هم منهم)٢٠٣[متفق عليه، البخاري: (٣٠١٢)، ومسلم: (١٧٤٥)].، ولو صالت المرأة الحامل على النفوس والأموال المعصومة فلم يندفع صيالها إلا بقتلها؛ قُتلت وإن قتل جنينها»٢٠٤منهاج السنة النبوية: (6/43)..
وقال أيضًا: «وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ؛ قصة أصحاب الأخدود، وفيها؛ أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين... فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك؛ أولى»٢٠٥مجموع الفتاوى: (28/540)..
وقال أيضًا: «فإن الأئمة متفقون؛ على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين، وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا، فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار. ولو لم نخف على المسلمين؛ جاز رمي أولئك المسلمين أيضًا في أحد قولي العلماء، ومن قتل لأجل الجهاد الذي أمر الله به ورسوله -وهو في الباطن مظلوم- كان شهيدًا وبُعث على نيته، ولم يكن قتله أعظم فسادًا من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين، وإذا كان الجهاد واجبًا، وإن قتل من المسلمين ما شاء الله، فقتل من يقتل في صفهم -أي في صف الكفار- من المسلمين لحاجة الجهاد؛ ليس أعظم من هذا»٢٠٦مجموع الفتاوى: (28/537)..
وقال الإمام السرخسي: «وكذلك إن تترسوا بأطفال المسلمين؛ فلا بأس بالرمي إليهم وإن كان الرامي يعلم أنه يصيب المسلم... نقول: القتال معهم فرض، وإذا تركنا ذلك لما فعلوا أدى إلى سد باب القتال معهم، ولأنه يتضرر المسلمون بذلك، فإنهم يمتنعون من الرمي لما أنهم تترسوا بأطفال المسلمين؛ فيجترؤن بذلك على المسلمين، وربما يصيبون منهم إذا تمكنوا من الدنو من المسلمين، والضرر مدفوع»٢٠٧المبسوط: (10/53)..
وفي «الهداية»٢٠٨(2/173).: «ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر، لأن في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن بيضة الإسلام، وقتل الأسير والتاجر ضرر خاص، ولأنه قلما يخلو حصن من مسلم، فلو امتنع باعتباره لانسد بابه، وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى؛ لم يكفوا عن رميهم لما بينا».
وقال العبادي الحنفي: «قوله: «ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر»؛ يعني يرميهم بالنشاب والحجارة والمنجنيق؛ لأن في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن جماعة المسلمين، وقتل التاجر والأسير ضرر خاص»٢٠٩الجوهرة النيرة: (2/258)..
وقال الإمام النووي -وهو يعدد أقول مذهب الشافعية في المسألة-: «الثاني؛ وهو الصحيح المنصوص، وبه قطع العراقيون؛ جواز الرمي على قصد قتال المشركين، ويُتوقى المسلمين بحسب الإمكان، لأن مفسدة الإعراض أكثر من مفسدة الإقدام، ولا يبعد احتمال طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة للأمور الكليات»٢١٠روضة الطالبين: (10/246)..
وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي: «(وإن كان فيهم مسلم)؛ واحد فأكثر، (أسير أو تاجر جاز ذلك)؛ أي إحصارهم وقتلهم بما يعم، وتبييتهم في غفلة، وإن علم قتل المسلم بذلك، لكن يجب توقيه ما أمكن، (على المذهب)؛ لئلا يعطلوا الجهاد علينا بحبس مسلم عندهم»٢١١تحفة المحتاج: (9/242)..
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «وإن تترسوا بأسارى المسلمين أو أهل الذمة؛ لم يجز رميهم إلا في حال التحام الحرب والخوف على المسلمين، لأنهم معصومون لأنفسهم، فلم يبح التعرض لإتلافهم ضرورة، وفي حال الضرورة؛ يُباح رميهم لأن حفظ الجيش أهم»٢١٢الكافي: (4/ 268)..
❖ ❖ ❖