[برنامج رمضان]
اجعل لنفسك برنامجًا في هذا الشهر: برنامجًا لتلاوة القرآن، ولا يمرُّ عليك يوم دون أن تفتح المصحف مهما يكن حالك، فلا بد أن تجد لنفسك ساعةً أو ساعتين تفتح فيها المصحف تقرأ فيها حزبًا أو جزأ أو جزأين، وكلما ازدت زادك الله ﷻ من فضله؛ فقد كان بعض السلف يختم القرآن في شهر رمضان ستين مرة! يعني يختم في الليل ويختم في النهار، وبعضهم كان يختمه ثلاثين مرة، وبعضهم كان يختمه عشر مرات، بحسب طاقتك وبحسب وسعك.
ولا بد أن يكون لك برنامج في هذا الشهر في النوافل: حافظ على صلاة الضحى؛ إن استطعت أن تصلي ثمان ركعات فصل، وإن استطعت أن تصلي أربع ركعات فصل، وإن استطعت أن تصلي ركعتين فصل.. لكن أن يمر عليك اليوم دون أن تصلي شيئًا من النوافل والتطوُّع فهذا لا ينبغي!
وأن تجتهد في التهجِّد وفي قيام الليل وصلاة التراويح، وإذا كنت في مركز مع إخوانك فلتصلوا جماعة؛ فهذا مما يقوّي الإنسان ويحفّزه على المحافظة على صلاة التراويح. وإذا كنت في مكان اضطررت فيه أن تكون وحدك فحافظ على أن تصلي ما استطعت من الليل، وإن كنت حافظًا لكتاب الله فاقرأ من حفظك وإن لم تكن حافظًا فاقرأ من المصحف.. فلا بد لنا أيها الإخوة أن تجتهد في طاعة الله ﷻ، وفي ذكره، وفي تلاوة كتابه، وفي التنفّل، وفي غير ذلك.
الأمر الآخر الذي نحتاجه في هذا الشهر أيها الإخوة: هو الدعاء والتضرّع والإلحاح والرجوع إلى الله ﷻ والانكسار بين يديه ﷻ وأن نظهر الفقر والحاجة والفاقة لله ﷻ؛ فلذلك الله ﷻ عندما ذكر آيات الصيام قال بعدها: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ [البقرة: 186] فعلينا أن نكثر من الدعاء، و(الدعاء هو العبادة) كما قال النبي ﷺ. وليكن دعاؤنا دعاءَ إلحاح، وتضرُّع، وخشوع، وتعلُّق بالله ﷻ، وليس دعاء ساهٍ لاهٍ؛ فيرفع يديه ولا يعرف ما يقول، يرفع يديه ولا يعرف كم دعا! فلا بد أن تدعو لنفسك، وتدعو لوالديك، وتدعو لإخوانك، وتدعو لأهلك؛ كما قال الله ﷻ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8] وكما قال الله ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ﴾ [الفرقان: 74] وكما قال الله ﷻ: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الحشر: 10].
فلا بد أن ندعو الله ﷻ أن يكشف عنا هذه الغُمَّة وأن يعجّل بالفتح والنصر والتمكين، فالنبي ﷺ كان يدعو الله ﷻ عند المعارك، وهذا من المواطن التي يُستجاب فيها الدعاء؛ فلذلك في غزوة بدر: النبي ﷺ عندما التقى الصفَّان وتقابل الجمعان وتراءوا دخل النبي ﷺ إلى عريشه ورفع يديه وأصبح يلحّ على ربّه ويتضرّع ﷺ ويقول: (اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم أنجز لي نصرك الذي وعدت)٣٬٤٤٢[تقدم في: (ص 1972)].، حتى سقط رداؤه عنه ﷺ؛ فهكذا ينبغي أن يكون دعاؤنا.
أما أن تمرَّ علينا الأحداث، وتمرَّ علينا الأيام، ومواسم الطاعات والخيرات دون أن نرفع أيدينا إلى الله ﷻ، أو أن نرفعها بدعاء باهت ضعيف ميّت، ثم بعد ذلك نترقّب الفتح ونترقّب النصر فهذا ما ينبغي.. وهذا لا يختصُّ فقط بالمجاهد الذي يكون في مركزه، بل هذا ينبغي أن يكون سيرة المرأة في بيتها؛ لأن النبي ﷺ يقول: (وهل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؛ بصلاتهم ودعوتهم وإخلاصهم)٣٬٤٤٣[رواه البخاري: (٢٨٩٦)]..
فإذن علينا أن نجتهد في الدعاء في هذا الشهر الكريم؛ شهر الطاعة، والشهر الذي تُفتح فيه أبواب الجنان وتُغلق فيه أبواب النيران، والشهر الذي تُصفَّد فيه وتُقيّد وتُغلّ فيه مردة الشياطين؛ فعليك أن تجاهد نفسك فقط، وليس أمامك في هذا الشهر إلا أن تغالب وأن تدافع نفسك، فإذا غلبتك نفسك فماذا ستفعل عندما تجتمع عليك نفسك ومعها شياطين الإنس والجن بعد ذلك؟! فعلينا أن نجتهد أيها الإخوة.