أبت القصائد

[مجلة الفجر، العدد 41 ربيع الثاني 1419هـ / 8 - 1998]

وهكذا تمضي الأيام وتذيقنا كؤوسًا من الأحزان ويسير الخلان إلى ربهم وكان آخرهم الحبيب ناجي «أبو عبد الحفيظ»٣٬٧٠٢[أحمد عبد الحفيظ العرفي، وكنيته: أبو رقية ناجي (المولود في بنغازي: 1966م)، وقد ارتقى شهيدًا في عام 1998م] الذي لبى نداء ربه بعد صراعٍ مع المرض بعيدًا عن الأهل والأحباب، بعد سنين قضاها في ساحات الجهاد، ومواطن الهجرة، وميادين النزال، فأبت الدموع إلا أن تخرج أحرفًا لتعبر عما في القلب من أحزان وما يعتمل في الفؤاد من الآلام:

[البحر: الكامل]

أَبَتِ الْقَصَائِدُ نَظْمَ مَا يَتَبَدَّدُ

لَمَّا أَظَلَّ القَلْبَ لَيْلٌ أَسْوَدُ

فَظَلَلْتُ أَسْتَجْدِي الْقَرِيضَ لَعَلَّهُ

يَدْنُو وَيَبْقَى عَهْدُنَا يَتَجَدَّدُ

نَادَيْتُهُ مَالِي أَرَاكَ إِذَا دَنَا

مِنِّي المُصَابُ وَهَدَّنِي؛ لَا تُوجَدُ؟!

هَلَّا اسْتَحَيْتَ أَلَا تَرَى مَا نَابَنِي

إَنَّ الصَّدِيقَ لَدَى الْأَسَى لَا يُفْقَدُ

فَإِذَا أَبَيْتَ سِوَى العِنَادِ فَإِنَّنِي

أَسْعَى لِخِلٍّ بَعْدَكُمْ يَتَوَدَّدُ

أَسْعَى لِبَسْطِ لَآلِئٍ مَنْثُورَةٍ

نَثْرًا وَنُورُ بَرِيقِهَا لَا يُخْمَدُ

فَأَجَابَنِي: أَنا مَا نَقَضْتُ الْعَهْدَ لَا

لَكِنَّنِي أَخْشَى الَّذِي لَا يُحْمَدُ

دَعْ عَنْكَ أَقْوَالَ الْقَرِيضِ فَإِنَّمَا

لِلصَّبْرِ حَدٌّ بَعْدَهُ يَتَبَدَّدُ

وَتَعَالَ قُلْ: مَاذَا جَرَى؟ مَاذَا دَهَى؟

قُلْ يَا أَخِي قُلْ يَا أَخِي مَن تَفْقِدُ؟

فَتَهَاطَلَتْ مِنِّي الدُّمُوعُ مُجِيبَةً

تَحْكِي لَهُمْ حَسَرَاتُها لَا تُجْحَدُ

تَبْكِي «أَبَا عَبْدِ الْحَفِيظِ» وَقَدْ غَدَا

فِي قَبْرِهِ فَرْدًا وَهُوَّ مُوُسَّدُ

نَبَأٌ كَسَهْمِ الْمَوْتِ شَقَّ مَسَامِعِي

فَهَوَى لَهُ صَبْرِي وَفَرَّ تَجَلُّدُ

فِي النَّفْسِ آهَاتٌ إِذَا أَبْدَيْتُهَا

لَظَنَنْتَ أَنَّ الرُّوحَ مِنِّي تَصْعَدُ

وَإِذَا بَقِيتُ أُكِنُّهَا فَكَأَنَّهَا

نَارٌ بِلَفْحِ لَهِيبِهَا تَتَوَقَّدُ

فَلِئِنْ مَضَيْتَ فَقَدْ مَضَيْتَ مُهَاجِرًا

لِلهِ لَا دُنْيَا تُرِيدُ وَتَقْصِدُ

يَبْكِي عَلَيْكَ أَحْبَّةٌ مِن بَعْدِ مَا

قَدْ هُدَّ رُكْنٌ شَامِخٌ وَمُشَيَّدُ

يَبْكِيكَ إِخْوَانٌ ظَلَلْتَ رَفِيقَهُمُ

دَهْرًا فَدَمْعُ عُيُونِهِمْ لَا يَنْفَدُ

أَتُرَى بَقَى عُذْرٌ لِعَيْنٍ لَمْ تُفِضْ

دَمْعًا عَلَيْكَ وَدَمْعُهَا مُتَجَمِّدُ

زَيْنُ الْمَجَالِسِ إِنْ جَلَسْتَ وَقَلَّمَا

يَبْقَى الْفَتَى فَي بُؤْسِهِ إِذْ تُوجَدُ

فِيكَ الْأَمَانَةُ خَصْلَةٌ مَرْمُوقَةٌ

مِنْ بَعْدِ مَا قَلَّ الْأَمِينُ الْمُرْشِدُ

لَمْ تُخْفِرِ الْعَهْدَ الَّذِي عَقَّدْتَهُ

بَلْ لَا تَزَالُ لِأَهْلِهِ تَتَعَهَّدُ

إِنِّي رَأَيْتُ الزُّهْدَ فِيكَ سَجِيَّةً

جُبِلَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ لَا تَتَزَهَّدُ

مَا طَعْمُ عَيْشِ الْمَرْءِ بَعْدَ ذَهَابِكُم؟

إِذْ كُنتُمُ شَهْدًا بِهِ نَتَزَوَّدُ

وَكَذِلِكَ الدُّنْيَا جُمُوعُ أَحِبَّةٍ

فَإِذَا مَضَوْا فَنَعِيمُهَا مُتَنَكَّدُ

وَاللهَ نَرْجُو أَن يَكُونَ مَقَامَكُم

جَنَّاتُ عَدْنٍ فِي النَّعِيمِ تُخَلَّدُ

مَا خَابَ مَنْ سَلَكَ الْهُدَى مُتَثَبِّتًا

وَإِذَا لَقَى الرَّحْمَنَ فَهْوُ الْمُسْعَدُ

صَلَّى الإِلَهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ

مَا دَامَ طَيْرٌ فِي الْحَيَاةِ يُغَرِّدُ

❖ ❖ ❖

ص 2967

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: أبت القصائد

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا