تقديم كتاب «سنة الابتلاء» للشيخ عبد الله سعيد

[محرم 1433 هـ / 11 – 2011م]

۞

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

قُدِّر لهذه الرسالة أن يتأخر خروجها إلى هذا الوقت لتكون شاهدةً لنفسها على أن ما حوته سطورها ودونتها كلماتها لم يكن بهرجةً من القول وزوراً، فما خرجت لنور النشر حتى مرَّت على مخاضٍ عسيرٍ مسَّها مع شيء من البلاء الذي ذكرت أنواعاً متعددةً منه؛ فحلَّ بها عناء التأخير لتحكي من خلاله فصول الرحلة الطويلة التي شقَّتها وعانتها حتى فُرِّج عنها وتيسَّر أمرها، وقد وسِّد كاتبها الثرى مضرجاً بدمائه ناثراً أشلاءه بعد أن ازدحمت لحظات عمره بالأعباء، وأثقلت بالأنواء، وامتلأت بالصوارف؛ فلم يجد وقتاً كافياً لمراجعتها حق المراجعة فبقيت حبيسةً أسيفةً صابرةً تنهج نهج مؤلِّفها الذي تقلَّبت به الحوادث وصوارف الأيام بين أحزانٍ وأفراحٍ، وشدائدَ وخطوبٍ، وسجون وقيود، وأسفار وتسيار، جابَ فيها الأرض من قُطر إلى قطرٍ، وبلد إلى بلدٍ، وقارَّةٍ إلى قارَّة.. وهو لا يكل ولا يمل عن الجد والعمل، وقد كساه الله حلَّةً بهيةً من حُسن الخلق ولين الطبع، ورقة القلبِ، وطلاقة الوجه، وبشاشة المُحيَّا، وحلاوة الحديثِ، وسرعة الابتسامة، وخفض الجناحِ، وكرم المعاشرةِ، وجدٍّ في نفع النَّاس، واجتهادٍ في العبادةِ، ومحبةٍ في قلوب الأصحابِ، يألفُ ويؤْلف، وواللهِ لقد رأيت من تواضعه وهضمه لنفسه، وحلْمه ما يحيِّر الألباب، هذا مع أنك لا تكاد تجد أحداً يخدشه بكلمةٍ أو يؤذيه بحرفٍ، ولو فعل! لَمَا تلقَّاه إلا بالصمتِ وحسن السمتِ، وسرعة النسيان لما كان ومواصلة الصحبة وكأن شيئا لم يحدُث، ولا والله ما زدتُ في حقِّه عما قلت، فهو كذلك وزيادة كما نحسبه والله حسيبه.

ص 2116

كتب الله لي معرفته وصحبته -على آمادٍ تقطعها الأسفار- من عشرين عاماً، ومنذ أن تعرفتُ عليه في ولاية لوكر بأفغانستان؛ حينما كان يدرِّسنا كتابَ فقه السنة في المركز = وأنا لم يخالجني شكٌّ أبداً أن الشيخ عبد الله سعيد سيكون شهيداً-كما أحسبه-، وذلك لما أكرمه الله به من قلبٍ صافٍ نقيٍّ، ونفسٍ قريبةٍ سهلةٍ، بعيدة كل البعد عن تلك الأمراض الرديِّة قليلها وكثيرها من حسد وحقد وعجب وغرورٍ وترفُّعٍ، ولم يكن يدور في خلدي أنه سيبقى طوال هذه المدةِ، ويخوض غمار مصاعب الحياة والهجرة حتى شرفه الله بقتال امبراطورتي الطغيان الاتحاد السوفيتي سابقاً ثم أمريكا لاحقاً.

قضى قرابة ربع قرنٍ من عمره في ساحات الجهاد والإعداد والهجرةِ، ولا يكاد يكلَّف بمهمة إلا وترى التوفيق يحالفه فيها، وكان مجِدَّا في طلب العلم والمطالعة كثير الكتابة والتعليق بحيث ترى بجانبه أقلاماً فارغةً؛ فهو قد اشتُهِر بيننا أنه لا يدع القلَم حتى يُكمل حبره؛ فكان إخوانه على وجه المداعبة ربما وجدوا قلماً فارغاً في طريقهم وسطَ كابل فيقولون: نظنَّ أنه للشيخ عبد الله سعيد..!

وقد كان كتب كتابا في أحكام الغنائم بصورها ونوازلها المعاصرة، وبقي في تجميع مادته وصياغته مدةً طويلةً؛ حتى بلغ عدد صفحاته ما يقارب الخمسمائة صفحة، فلما جاءت الأحداث ضاع الكتاب وكان أمر الله قدرا مقدورا، ومع شدة الرزية في ذلك لمن يعرف عناء الكتابة والتجميع والاستخراج من بطون الكتبِ إلا أنني لم أسمعه يوما يذكره أو يتأسف على ذلكَ، وكأن حاله يقول: إن كنتُ كتبته لله فالأجر باقٍ ولن يضيع، وإن كان لغير الله فقد كفاني الله شرَّه، وما زال في قلبي طمع أن يُعثر له على أثر وما ذلك على الله بعسير.

عرَفَته السودان وعرفه أهلها الطيبون وشبابها وأحبوه حباً شديداً، وكانت علاقته بمشايخها ووجوهها وطيدةً، وزار جزيرة العرب، والتقى بكبار علمائها ودعاتها واستنصحهم لإخوانه واستفتاهم في عدد من النوازلِ وكان من بينهم الشيخ عبد الله بن قعود r.

ص 2117

وعندما يسر الله لنا النجاةَ من سجون عباد الصليبِ، وقد وَجدتُ أكثر الرفقة في السجونِ، وكان الله سبحانه قد نجاه «بالهربِ» من سجن رافضة إيران بتدبيرٍ ولطفٍ منه سبحانه؛ ففرحت أشد الفرحِ بوجودِه فكتبتُ إليه رسالةً قلتُ فيها٣٬٠١٥[تجد هذه الرسالة كاملة في قسم الوثائق الخاصة، انظر: ص (3005)].: «فمن أبي يحيى - حسن قائد - إلى أخيه؛ بقية الصِحاب، ورفيق دربه في اليُسر والصعاب؛ هَمَّام، زاد الله همته في طاعته، وأزال كربه وهمه وغربته، وأجزل له عطاءه وضاعف مثوبته: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تتزاحم الكلمات بين أضلعي، وتختلف العبارات علي، وتتسابق المعاني لنيل شرف السبق في إبدائها، فذكريات صارت لبعدها في أعماق الذاكرة، تحرك عواطفي وتزلزل جوانحي، وهموم تنكت فؤادي وتكلم قلبي تقض مضجعي، غربة، وضعف، وتخطف، وخوف، وفقدان لأحبة، وذهاب الأنيس، وتخلي الصديق، وغياب الرفيق، وطول في الطريق، وجهد مرهق...

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبُ لَوْ أَنَّهَا

صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ صِرْنَ لَيَالِيَا٣٬٠١٦[قائله: أبو منصور محمد بن إبراهيم الباخَرْزي. انظر: المحمدون من الشعراء (ص101)، ويُنسب لفاطمةرضي الله عنها أنها قالته حين وقفت على قبر والدها الحبيب ﷺ. انظر: نهاية الأرب في فنون الأدب (18/403)].

ولكن وسط هذه الظلمة الحالكة، والفتنة العارمة، والعاصفة الصرصر، نرى بقلوبنا -وهي في ضعفها- بصيصًا مشعًّا يلوِّح لنا من بعيد، وراية علية ترفرف فتشدنا إليها، وتجذبنا نحوها، وقد رُقم على أحد أوجهها: ﴿وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128]، ويتمايل بها النسيم فنرى على صفحتها الأخرى: ﴿وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، فيهدأ برؤيتها روعنا، وتستقر نفوسنا، وتنشرح صدورنا، وتثبت أقدامنا، ويزداد نشاطنا، وتنبعث آمالنا، وتخف آلامنا، ويتلاشى يأسنا.

ص 2118

أخي الحبيب، ورفيقي اللبيب: مقدمة لا بد منها، وإن كانت جافة يابسة خالية من العواطف، مليئة بالعواصف، بعيدة عن نسيج الرقة، ورقة النسيج، فلعلَّنا اليوم نتزود بهذا وقد قل الزاد، ونتصبر به وقد نفد الصبر أو كاد، ونتواصى به، وأين أين المُوَاصي والمواسي، القلوب متطلعة، والأعناق ممتدة، والأعين مترقبة، والنفوس متململة، والأجسام كليلة، والكل ينادي بلهف ويسأل بشغف: ﴿مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ﴾ [البقرة: 214]؟ فيأتينا جواب من كتاب ينطق بالصدق، ومنبع يفيض بالحق، ونورٌ يبث اليقين، ويبدد ظلمة الوهن المهين: ﴿أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾ [البقرة: 214]، فوربي إنه لقريب، لا مرية فيه ولا ريب: ﴿فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 23].

أوَ لَيس هو وعد من لا يخلف الوعد؟! وعهد من لا ينقض العهد، ﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا﴾ [النساء: 122]، ﴿وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ﴾ [التوبة: 111]، ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 6].

أخي الكريم: أسأل عن أخباركم وأحوالكم وصحتكم وأوضاعكم ومعنوياتكم؟ لا سيما وقد اجتمعت عليكم صنوف الغربة، ونسجت حولكم خيوط الوحدة، أعانكم الله وربط على قلوبكم.

فعلم الله -أخي الكريم- كم كانت فرحتي إذ وجدتك -بعد فقدِ وغيابِ الكثير- ما زلتَ معافى في نفسك ودينك، ثابتاً على الحق مستمسكاً به، وازددت فرحاً على فرح؛ بعد علمي بنجاتك بعد أسرك، وعافيتك بعد بلائك، فقد ذقتُ ما ذقتَ، ورأيتُ ما رأيتَ، وعلمتُ علم اليقين أية نعمة كساك الله ثوبها، وأي فضل غمرك الله به.

[البحر: المتقارب]

[البحر: المتقارب]

أَخِيْ سِرْ وَلَا تَلْتَفِتْ لِلْوَرَاءْ

طَرِيقُكَ قَدْ خَضَّبَتْهُ الدِّمَاءْ

وَلَا تَلْتَفِتْ هَهُنَا أَوْ هُنَاكْ

وَلَا تَتَطَلَّعْ لِغَيْرِ السَّمَاءْ٣٬٠١٧[انظر: ديوان سيد قطب (ص 291)، قصيدة: أخي، وفي الأصل: «أخي فامضِ لا..» وكلاهما بنفس الوزن].

فمخذول... مخذول من يضيع نعمة الله بعد أن يوصلها إليه ربه، ويكرمه بها وليه.

نسأل الله ﷻ أن يجعلنا وإياكم من الشاكرين لمننه، المتحدثين بنعمه، الذاكرين لفضله، ونعوذ به من سلبها بعد وهْبها، وما ذلك إلا بما تكسب الأيدي وتقترف الجوارح: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [الأنفال: 53]؛ فاعضض عليها بالنواجذ بدوام الشكر وكثرة الذكر، فإن الشكر قيد النعم، والكفر -كفر النعمة- سبيل النقم:

[البحر: المتقارب]

[البحر: المتقارب]

إِذَا كُنتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا

فَإِنَّ الْمَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ

وحُطْهَا بِطَاعَةِ رَبِّ العِبَادْ

فَرَبُّ العِبَادِ سَرِيعُ النِّقَمْ٣٬٠١٨[تُنسب لأبي العتاهية. انظر: الدر الفريد وبيت القصيد (2/ 395)].

وأكثر من سؤال الله العافية، فإنها كلمة ضمت خيري الدنيا والآخرة.

فعن العباس -عم النبي ﷺ- قال: قلت: «يا رسول الله، علمني شيئًا أسأله الله تعالى»، قال: (سلوا الله العافية)، فمكثت أيامًا، ثم جئت فقلت: «يا رسول الله، علمني شيئًا أسأله الله تعالى»، قال لي: (يا عباس، يا عم رسول الله، سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة)٣٬٠١٩[رواه الترمذي: (٣٥١٤) وقال: «حديث صحيح»]..

وأكثر من الدعاء، ولا تقنط من رحمة الله، قال الله تعالى: ﴿لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ﴾ [الزمر: 53].

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

وهي منشورة في «منبر التوحيد والجهاد» جزى الله القائمين عليه خيرًا.

ثم التقيتُ به بعدَ خمسِ سنواتٍ من الفراقِ وقد علاه الشيبُ وكساه وقارُه، فلم نزل بعدها سوياً حتى جاء يوم الوداع..

ففي أول يوم من شهر محرم لعام واحد وثلاثين وأربعمائة وألف لهجرة المصطفى g؛ جلستُ مع الشيخ عبد الله سعيد r في واد من الأودية لبعض الأمور قبيل المغرب، وكان صائماً، ثم اتجهنا إلى أحد المراكز.

ص 2119

وجلسنا قليلا مع إخواننا المجاهدين حتى أذن المغرب فأفطر على تمراتٍ وحسوة ماء وكانت هي آخر رزقه من الدنيا، وكانت الطائرات الأمريكية تحوم بكثافةٍ فانقسم الإخوة إلى ثلاث مجموعات لأداء الصلاة أمَّ هو أحدَها، فلما شرع في صلاته إذا بالصاروخ ينزل عليه وعلى من معه من المأمومين.

فتفرقنا على وجه السرعة وبدأتُ أسترجع وأحوقل وكنت أظنه قتل من أول صاروخٍ.

فبعد قليل من الوقت نادى بصوته الندي «يا شيخ أبو يحيى؛ نحنُ انْدَوْرُوا عليها من زمان» يعني نحن نبحث عن الشهادة منذ زمن.

ثم قال: «سامحونا»، ولم أتمكن من رؤيته ولا من الوصول إليه لكثرة الصواريخ وصعوبة الحركة ثم فاضت روحه وهو في طريقه إلى المستشفى وكان آخر كلامه لا إله إلا الله..

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

فإنْ تَكُنِ الأيامُ فَرَّقْنَ بَيْنَنا

لقدْ بانَ مَحْمُوداً أخي يومَ وَدّعا

وعِشْنا بخيرٍ في الحياةِ، وقبْلَنا

أصَابَ المَنَايا رَهْطَ كِسْرى، وَتُبّعَا

وَكُنّا كَنَدْمَانيَ جَذِيمَةَ حِقْبَةً

من الدّهْرِ، حتى قيلَ لن يَتَصَدّعا

فَلَمّا تَفرّقْنا كأنيّ ومالِكاً

لطول اجتماعٍ، لم نَبِتْ ليلةً مَعَا

فتىً كانَ أَحْيَا من فَتاةٍ حَييّةٍ

وأشجَعَ منْ لَيْثٍ إذا ما تمنَّعا٣٬٠٢٠[قاله: ‌‌متمم بن نويرة اليربوعي الطويل، انظر: جمهرة أشعار العرب ( ص 599)].

والحمد لله رب العالمين

وكتبه/ أبو يحيى الليبي (حسن قائد)

 9 /محرم /1433هـ

❖ ❖ ❖

ص 2120

ص 2122

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا