🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

الدرس الأول: مقدمة عن الجهاد - حكمه - شروط الجهاد

الدرس الأول: مقدمة عن الجهاد - حكمه - شروط الجهاد

۞

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد..

ستكون دروسنا هذه إن شاء الله تعالى في «فقه الجهاد»، والمسائل المتعلقة بالجهاد كثيرة؛ منها ما هو عملي نحتاجه ونحتاج إلى معرفته من خلال ممارستنا لهذه العبادة، ومنها ما لا نحتاج إليه اليوم لأنه متعلق بوجود دولة الإسلام؛ كأحكام أهل الذمة، فلذلك اخترنا أن تكون الدروس مقتطفات من «متن الإقناع»، لموسى بن أحمد الحجَّاوي الصالحي الحنبلي، واجتهدنا أن تكون هذه المقتطفات فيما له تعلق مباشر وصلة بمعرفة الأحكام العملية التي نحتاجها، أو ما هو قريب من ذلك.

والكتاب الذي سيقرأ منه أخوكم «حنظلة» هو: مقتطفات أو مختارات من كتاب «الإقناع»، وهو كتاب معروف من كتب الحنابلة.

[لماذا نتعلم فقه الجهاد؟]

ص 1493

وقبل ذلك نبين أولا أنَّ الجهاد عبادة من العبادات التي شرعها الله b وأمر بها في كتابه، وأمر بها نبيُّه g، وقام بها فعلا وقولا، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم، وما دام الأمر كذلك -أي انه عبادة من العبادات-؛ فهذا يعني أن له أحكاما لا بُدَّ لمن أراد أن يقوم بهذه العبادة أن يعرفها ويتعلمها؛ تماما كما يجب على الإنسان أن يؤدي عبادته في صلاته وزكاته وصيامه وحجه على علم وعلى بصيرة؛ فأداء عبادة الجهاد ليس الأمر فيه خبط عشواء، بمعنى أن الإنسان يخوضه من غير بصيرة ومن غير معرفة ومن غير علم؛ فكما أن الإنسان في صلاته يتعلم أركانها وواجباتها ومستحباتها، وكذلك في غيرها من العبادات؛ فكذلك الجهاد لا بد أن يتعلم من الأحكام ما يستطيع به أن يمارسها كما أراد الله b.

وتعلمون أن ركْنَي قَبول العمل هما: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والإخلاص لله b؛ فالإخلاص يتعلق بالقلب وهو القصد في العمل لله b، وأما الاتباع فهو معرفة تفاصيل أحكام هذه العبادة التي تريد أن تتبع فيها النبي صلى الله عليه وسلم ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]؛ فهو أسوة حسنة في كل أعمال الإسلام، أسوة حسنة في أخلاقه، في عباداته، في معاملاته، في أي شأن من شؤون الإسلام فهو قدوتنا وأسوتنا g.

ونحن أداء لشيءٍ من هذا الواجب نحاول بقدر الإمكان أن نتعلم وأن نتدارس ونتباحث فيما بيننا ما يمكن أن نتعلمه من دين الله b في هذه العبادة.

وعبادة الجهاد ليست كغيرها من العبادات؛ فنفعها متعدٍّ؛ بمعنى أننا إن أدينا هذه العبادة على وجهها الصحيح فإن انتفاع الناس بها سيكون متعديا؛ يعني سيتجاوز نفعها العاملَ والقائمَ بها، وكذلك ضررها متعد؛ فأنت عندما تصلي مثلا إن أخطأت فخطؤك على نفسك في صلاتك إذا صليت بغير وضوء أو قصرت في واجبات الصلاة أو في مستحباتها أو في شيء من أعمالها؛ فضررها إنما هو قاصر عليك وانتفاعك بالصلاة أيضا هو قاصر عليك.

ص 1494

وأما عبادة الجهاد فهي متعلقة بالدماء وبالأموال وبالأعراض كما في السبي وغيره، وهذه أعظم الأمور، فالإنسان إن أدى العبادة على وجهها؛ فإذا سيسفك الدم الذي أباح الشرع سفكَه ويأخذ المال الذي جوز الشرع أخذه، وهكذا.. وأما إن خبط في ذلك خبط عشواء، وأدى هذه العبادة بحسب أوهامه ونظره المجرد أو بعقله أو بعاطفته؛ فلا شك أنه سيقع منه الزلل في شيء من هذه الأمور؛ إما في الدماء وإما في الأموال وإما في الأعراض؛ فلذلك نفع الجهاد متعدٍّ وضرره متعدٍّ أيضًا؛ فعلينا إذا أن نجتهد في أن نؤدي هذه العبادة على وجهها الشرعي.

والنبي صلى الله عليه وسلم كما رأينا في سيرته، وهو يحث على الجهاد ويأمر به عليه ويمدح المجاهدين ويُؤَمِّر على السرايا والجيوش الأمراء وغير ذلك، إلا أنه لا يسكت عن خطأ يقع من السرية أو من الجيش أو من الأمير؛ كما في قصة خالد رضي الله عنه عندما أخطأ وقتل وسفك دمَّا لم يبحه الشرع، فمباشرة النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)؛ فليس هذا هو الدين الذي جئتُ به، فأنا أتبرأ من صنعه رضي الله عنه.

فعلينا إذا أن نجتهد لعلنا نوفق في أن نؤدي هذه العبادة على وجهها.

[فضل الجهاد في سبيل الله]

إنَّ عبادة الجهاد فضلها عظيم وأجرها كبير، ومنزلة أهلها عند الله c عالية، ولذلك جاء الأمر بالجهاد في كتاب الله b، وحث الله c عليه، وبين ما أعده لأهله، كما قال الله c: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥ دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦﴾ [النساء: 95-96]، وقال c: ﴿۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤﴾ [النساء: 74]، وقال الله b: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ١٠ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١ يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢﴾ [الصف: 10-12] وغير ذلك من الآيات.

ص 1495

وكذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كثيرة، ويكفينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله)٢٬٤٤٥[صحيح مسلم (1878)].، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد g نبيا وجبت له الجنة. فقال له الصحابي أبو سعيد الخدري: أعدها علي يا رسول الله، فأعادها عليه ثم قال: وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض. قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله) ٢٬٤٤٦[صحيح مسلم: (1884)؛ لكنه ذكر لفظ «الجهاد في سبيل الله» مرتين فقط لا ثلاثة، والله أعلم].؛ فهذه مئة درجة اعدها الله c بفضله ومنه وكرمه للمجاهدين وهي ليست خاصة بالشهداء، وإنما هي للمجاهدين لمن قاتل وقُتل، أو لمن قاتل ومات؛ فما دام الإنسان متصفا بصفة الجهاد وأنه داخل في مسمى المجاهدين فهو ممن يشمله هذا الفضل، وهذا من فضل الله c.

إذا؛ مَن وَفَّقه الله b لأداء هذه العبادة، لا سيما في هذا الزمن الذي تعينت فيه؛ فقد فتح الله له بابا عظيما من أبواب الخير والبر والتقرب إليه c، فالأجر في العمل يزداد كلَّما تعين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه: (وما تقرب الي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)٢٬٤٤٧[صحيح البخاري (6502) بلفظ: «مما افترضتُ عليه» بدون الهاء].؛ فعندما يكون الجهاد فرض عين يكونُ أجره عند الله c عظيما؛ فمن يسَّر الله c له هذا الباب وأعانه وسهَّل له سبيله، فهذا من فضل الله c عليه؛ فليُكثِر من شكره، وليعض على هذه النعمة بالنواجذ؛ فهي باب الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)٢٬٤٤٨[رواه مسلم: (١٩٠٢)].، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم (الجهاد باب من أبواب الجنة ينجي به الله من الهم والغم)٢٬٤٤٩[مسند أحمد (22680) وحسنه الأرنؤوط بمجموع طرقه، وصححه الشيخ الألباني لغيره في: صحيح الترغيب (1319)]..

نسأل الله c أن يثبتنا وإياكم على طريقه وأن يجعل أعمالنا فيه خالصة لوجهه وكما يحب ويرضى.

[حِكم الجهاد ومقاصده]

ص 1496

والله ﷻ ما شرع عبادة من العبادات إلا لحكمة، علِمها من علِمها، وجهلها من جهلها، ومن هذه العبادات الجليلة العظيمة في دينه التي شرعها، أمَر بها ﷻ، وحثَّ عليها، وحذَّر من التهاون فيها، وكذلك أمر بها نبيُّه ﷺ وقام بها قولًا وعملًا، وحرَّض المؤمنين على أدائها: «عبادة الجهاد».

عبادة الجهاد التي جعل الله ﷻ مقاصدها من أعظم المقاصد، فأعظمها؛ أي أعظم عبادة الجهاد هو: إزالة الشرك وإقامة الدين، وهذه هي الغاية التي خُلق الخلق لأجلها.

قال الله ﷻ: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39]، فالفتنة كما ذكر غير واحد من السلف هي: الشرك، أو هي: فتنة المؤمنين عن دينهم؛ أي: قاتلوا الكفار، وقاتلوا المشركين؛ حتى لا يبقى شرك على وجه الأرض، أو حتى لا يبقى مؤمن يُفتن عن دينه على وجه الأرض.

وذكر بعض المفسرين أن الأمرين متلازمان، فكلما وُجد شركٌ وُجدت الفتنة للمؤمنين عن دينهم؛ لقول الله ﷻ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾ [البقرة: 217]، ولقوله ﷻ: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120].

فمن مقاصد الجهاد -وهذا باختصار-:

المقصد الأول: وهو من أعظم مقاصد الجهاد أو هو أعظمها، هو: إزالة الشرك عن وجه الأرض، وهذا الشرك سواء كان عبادة لبشر أو لحجر أو لصنم أو لأي أمر من الأمور التي تُعبد من دون الله ﷻ، وهذا مما يبيّن لنا أن الشرك لا يمكن أن يُزال إزالةً تامة عن وجه الأرض إلا بالجهاد في سبيل الله، فالدعوة هي من أسباب إزالة الشرك، ولكن الشرك لا يمكن أن يُزال بها؛ لذلك شرع الله ﷻ الجهاد؛ وذلك لأن المشركين لهم معبوداتهم ولهم آلهتهم التي يقربون إليها ويعظمونها، فهذه الآلهة وتلك المعبودات لا يمكن أن يتخلوا عنها وأن يتراجعوا عن عبادتها إلا بجهدٍ واجتهاد، وهذا الجهد هو ما يبذله المسلمون من أجل إزالة هذه المعبودات التي يعظمها المشركون الكفرة، ويتقربون إليها من دون الله ﷻ.

ص 1497

وهذا موافق لقول النبي ﷺ: (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)٢٬٤٥٠[سبق في: (ص 95)]؛ فهي شطر الشهادة، وهي نفي عبادة ما دون الله ﷻ من الآلهة، وقال النبي ﷺ: (بُعثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبدَ الله وحده لا شريك له)٢٬٤٥١[تقدم في: (ص 2582)].؛ فهذا من مقاصد الجهاد: إزالة الشرك، قال ﷻ: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39]؛ يعني: وحتى يكون الدين، تكون الطاعة والدينونة كلها لله ﷻ؛ فلا يبقى هناك طاعة إلا لله ﷻ، ولا يبقى هناك اتباع إلا لشريعة الله ﷻ، فالناس بعد ذلك إما أن يدخلوا في دين الله ﷻ عن رضًا واستسلام، وإما أن يكونوا تحت حكم دين الله ﷻ وهم أهل الجزية أو هم أهل الذمة، فقال الله ﷻ: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39].

فكما قلنا: إن الشرك لا يُزال إلا بالجهاد، فكذلك لن يكون الدين كله لله ﷻ، ولن تكون الطاعة كلها لله ﷻ إلا بالجهاد في سبيل الله.

ولذلك نص بعض العلماء على أن الجهاد هو ركن سادس من أركان الإسلام، جعله بعض العلماء من أركان الإسلام كالصلاة والزكاة والحج والصيام، وقالوا: كذلك الجهاد هو من أركان الإسلام، قالوا: لأن هذه الأركان -وهي الصلاة والزكاة والحج والصيام وكذلك الشهادتان قبل ذلك- لا يمكن أن تُحفظ ولا يمكن أن يقوم بها أهلها على الوجه الصحيح آمنين مطمئنين إلا بالجهاد في سبيل الله، فالجهاد كالسياج الحافظ لهذه العبادات؛ ولذلك قال الله ﷻ: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ﴾ [الحج: 40].

ص 1498

المقصد الثاني: و إنقاذ المستضعفين من المؤمنين، من الرجال والنساء والولدان الذين تسلط عليهم الكفرة الظلمة؛ فلا يمكن إنقاذهم وإخراجهم مما هم فيه من القهر والإذلال وتغلب الكفرة إلا بالجهاد في سبيل الله، ولذلك قال الله ﷻ: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ﴾ [النساء: 75]؛ أي: أيُّ شيء يمنعكم من أن تقاتلوا في سبيل الله، يعني في سبيل إعلاء كلمة الله وفي سبيل إنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].

ولهذا شُرع الجهاد لإنقاذ أسرى المسلمين، فالأسرى من المسلمين يجب مفاداتهم بالمال، وكما قال الإمام مالك رحمه الله: «ولو أتى على أموال المسلمين كلها»٢٬٤٥٢[القوانين الفقهية: (ص 102)].؛ يعني يجب على المسلمين أن يبذلوا أموالهم لإنقاذ إخوانهم الأسرى ولو أتى؛ أي ولو جاء أي ولو أدى دفع هذه الأموال إلى ذهابها كلها من أجل إنقاذ هؤلاء الأسرى، وهذا يبيّن لنا عِظم بقاء المسلم تحت قهر الكافر.

ومن هنا شَرَع الله ﷻ:

أولًا: إنقاذهم بالمال بالمفاداة، ومن أبواب المفاداة: مفاداة أسرى المسلمين بأسرى الكفار الذين يقعون في أيدي المسلمين بالجهاد في سبيل الله، والنبي ﷺ قال: (فكوا العاني)٢٬٤٥٣[صحيح البخاري: (7173)].؛ والعاني هو: الأسير.

ثانيًا: شُرع الجهاد والقتال وتحمل أعباء الجهاد والقتل؛ من أجل إنقاذ المسلم الذي يكون أسيرًا عند الكفار، ولهذا نص العلماء كما جاء في كتب الأحناف، قالوا: «امرأة سُبيت بالمشرق..».؛ أي لو أن امرأة سُبيت بالمشرق؛ وجب على أهل المغرب أن ينفروا لإنقاذها، إذا كانت هناك امرأة في خرسان وقعت في الأسر وفي أيدي الكفار وجب على أهل الأندلس في أقصى المغرب أن ينفروا من أجل إنقاذ هذه المرأة المسلمة، هذا يبيّن لنا أن بقاء المسلم تحت قهر الكافر شيء عظيم، لماذا؟ لأنه يعرض نفسه للفتنة، قال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]، وقال ﷻ: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]، وقال ﷻ: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 59].

ص 1499

إذن هذا هو المقصد الثاني من مقاصد الجهاد التي تتحصل عن طريقه، وهو: إنقاذ الضعفاء من المسلمين، وإخراجهم من قهر الكفار لهم.

الأمر الثالث: هو إخزاء الكفار وإذلالهم، وهذا لا يحصل إلا بالجهاد في سبيل الله كما قال الله ﷻ: ﴿قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ﴾ [التوبة: 14].

ومنها أيضًا: شفاء صدور المؤمنين مما هو فيها من الحقد والعداوة على هؤلاء الكفرة؛ بسبب تسلطهم وظلمهم وقهرهم وتغلّبهم، فإن هذا الغيظ الذي تمتلئ به الصدور والقلوب لا يمكن أن يذهب إلا في ساحة الجهاد.

والجهاد أيضًا من مقاصده هو: كف الفساد الذي يعم الأرض، أنواع الفساد التي تعم الأرض لا يمكن دفعها وكفها إلا بالجهاد في سبيل الله، كما قال الله ﷻ في الآية التي تلوناها قبل قليل: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ﴾ [الحج: 40].. إلى آخر الآية.

وقال الله ﷻ: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ [البقرة: 251]، هذه الآية في الجهاد في سبيل الله.

ومن مقاصد الجهاد: حفظ الدين ودفع تسلط الكفار عن المسلمين، الدين لا يُحفظ ولا يبقى على أصوله إلا مع بقاء عبادة الجهاد؛ ولذلك عندما ترى العلماء وهم يتكلمون على مصيبة تسلط الكفار على بلاد المسلمين يعدونها أم المصائب؛ يعني التي يهون دونها كل مصيبة أن يتسلط الكفار على بلاد المسلمين، فهذا يقود مع الزمن ومع الأيام إلى انسلاخ المسلمين من دينهم، لماذا؟ لأن الاختلاط يورث الألفة بين المسلم وبين الكافر، والكافر نحن مأمورون بمفارقته وبالبراءة منه وبالابتعاد عنه، كما قال النبي ﷺ: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، قالوا: لِمَ يا رسول الله؟ قال: لا تراءى ناراهما)٢٬٤٥٤[رواه -بألفاظ قريبة- أبو داود: (2645)، والترمذي: (١٦٠٤) وصححه الألباني].؛ أي لا تكن أنت في موطن ترى فيه نار المشرك، ولا يرى هو فيه نارك، يعني ابتعد عنه بقدر الإمكان، بقدر ما تستطيع، هذا هو الحال التي ينبغي أن يكون عليها أهل الإيمان.

ص 1500

وهذا من يعيش في بلدان الكفار ويرى كثرة المعاملة معهم والاحتكاك بهم والمعاشرة لهم؛ يجد أن البغض للكفار يذوب في القلوب، يعني اليوم: «how are you»٢٬٤٥٥يعني: كيف حالك؟، غدًا: «good morning»٢٬٤٥٦يعني: صباح الخير.، اليوم الذي بعده: كيف حالك؟ جيد لا يوجد أحد يتكلم بالعربي طبعًا، ولكن مع الأيام تجد نفسك في صحبة معهم وفي ألفة معهم، ثم بعد ذلك تصبح تبرز محاسنهم وتثني عليهم! فتتدرج في موالاتهم شيئًا فشيئًا والعياذ بالله حتى ينسلخ المرء من دينه.

فإذن ليس هناك باب للسلامة أعظم من المفارقة لهؤلاء الكفار، وهذا مما كان يبايع عليه النبي ﷺ، كان يبايع الصحابة على أن يفارقوا المشركين، يبايعهم على هذا، لا أحد يبقى بجانب المشركين، لماذا؟ لأن المشركين كما وصفهم الله ﷻ: نَجَس، قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ﴾ [التوبة: 28].

فهذا النجس كحال الإنسان الذي يعيش في الخلاء والعياذ بالله، فأنت عندما تعيش في الخلاء... الرائحة الكريهة، أول ما تدخل إليه لا شك أنك تتأذى منها وتتقذر منها، ولكن عندما يطول بقاء الإنسان في هذا الموطن يصبح أليفًا له، حتى بعد ذلك أحيانًا إذا لم يدخل يمرض، يعني الإنسان بعد ذلك...، فإذا الإنسان اعتاد على هذه الحال، وعلى هذه الأجواء، وعلى هذه المواطن؛ تصبح جزءًا من كيانه، جزءًا من حياته؛ فلذلك تجده يتشبث ببلدان الكفار، ويتشبث بالبقاء معهم، ويريد أن يُظهر أي حجة ويريد أن يبحث عن أي مسوغ له؛ حتى يبقى بينهم! ألِفهم، أحبَّهم، يعني اعتاد الحياة معهم، لم يعد يجد في قلبه البراءة والعداوة التي أُمر أن يبديها وأن يظهرها كما قال الله ﷻ: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [الممتحنة: 4]، إلى آخر الآية.

إذن هذا من مقاصد الجهاد، وكذلك هذه كلها مقاصد دينية، ولكنها تحصل في الدنيا، فهي مقاصد دينية سواء كانت:

ص 1501

- إزالة الشرك وإقامة الدين كاملًا.

- وإنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

- وإخزاء الكفار وقهرهم وإذلالهم بفرض الجزية عليهم وغير ذلك.

- وكذلك شفاء الصدور للمؤمنين.

- وتحصيل المغانم كما قال النبي ﷺ: (أُعطيتُ خمسًا لم يعطهن نبي قبلي... ومنها: أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)٢٬٤٥٧[متفق عليه، رواه البخاري: (335)، ومسلم: (521)].، والغنائم إنما يُتحصل عليها بالجهاد في سبيل الله، كما قال الله ﷻ: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ﴾ [الأنفال: 7].

- والحفظ للدين كما قال النبي ﷺ: (إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليك ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)٢٬٤٥٨[تقدم في: (ص 664)]..

فالرجوع إلى الجهاد هو الرجوع إلى الدين، والرجوع إلى الدين بغير الجهاد هو رجوع ناقص، فهذا كذلك مما يبيِّن أن حفظ الدين وبقاءه يتم أيضًا بعبادة الجهاد في سبيل الله؛ فهذه الأمور وهذه المقاصد وهي كثيرة كلها مقاصد دينية، ولكنها تتحصل أو يتحصل عليها المسلم في الدنيا.

فإذن هذه مقاصد الجهاد في الدنيا.

وأما مقاصد الجهاد في الآخرة فهي التي ينبغي أن يكون عليها نظر المسلم، وهي التي يجب أن يسعى لها، ويجتهد فيها، وأن تكون هي همته وهمه، لماذا

لأنها طريق القربى إلى الله ﷻ، وطريق التقرب إلى الله ﷻ، فمن المقاصد:

ص 1502

- مغفرة الذنوب؛ فالجهاد في سبيل الله تُغفر به الذنوب كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ١٠ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١ يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢ وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ﴾ [الصف: 10-13]... إلى آخر الآيات.

فإذن مما يسعى له الإنسان بأدائه لفريضة الجهاد هو حرصه على أن تغفر ذنوبه، والنبي ﷺ قال: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ اغزوا في سبيل الله، فإنه من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة)٢٬٤٥٩[رواه أحمد: (١٠٧٨٧)، والحاكم: (٢٣٨٢)، وقال: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»].؛ تريد أن يغفر الله لك؟ عليك بالغزو في سبيل الله.

إذن هذا من المقاصد العظيمة والجليلة، والله ﷻ ما قال: يغفر لكم من ذنوبكم، وما قال: يكفر عنكم من ذنوبكم أو سيئاتكم، وإنما قال ﷻ: ﴿يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ﴾ [الصف: 12]، فهذا مما يُستدل به على أن جميع الذنوب تُغفر بالجهاد في سبيل الله، وهذا لمن أدى هذه العبادة بشروطها من الإخلاص والانضباط بأحكامها.

- كذلك من المقاصد: طلب علو الدرجات في الآخرة، في الجنة، النبي ﷺ قال: (من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو قعد في أرضه التي ولد فيها)، قالوا: «أفلا نبشر الناس؟»، قال ﷺ: (إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)٢٬٤٦٠رواه البخاري [٢٧٩٠]..

إذن المسلم بأدائه لعبادة الجهاد يسعى لأن ينال واحدة من هذه الدرجات المئة التي أعدها الله ﷻ للمجاهدين في سبيل الله، وينبغي أن تكون همة المجاهد لطلب الدرجات العلى كما قال النبي ﷺ: (فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس).

وكما ورد في الحديث الآخر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وجبت له الجنة)؛ فعجب لها أبو سعيد وقال: «أعدها علي يا رسول الله» -كما قال الصحابة هناك: «أفلا نبشر الناس» -، فأعادها عليه النبي ﷺ ثم قال: (وأخرى -يعني وخصلة أخرى- يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض)، قال: وما هي يا رسول الله؟

قال: (الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله)٢٬٤٦١[رواه مسلم: (١٨٨٤)].؛ إذن هذا مما يسعى له المسلم في الآخرة.

- كذلك طلب الشهادة في سبيل الله، وهي أعظم ما يسعى إليه المسلم في هذه الدنيا، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وإذا كان النبي ﷺ وهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: (والذي نفسي بيده لوددتُ أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل)٢٬٤٦٢[رواه أحمد: (٨٩٨3)، ومسلم: (١٨٧٦)].! إذا كان النبي ﷺ يقول هذا؛ فكيف بالعبد الضعيف الخطَّاء الذي عصى الله ﷻ مرات ومرات؟! أليس أحرى به أن يسعى لنيل هذا الشرف! وهو شرف الشهادة في سبيل الله.

والنبي ﷺ يقول: (ما من أحد يدخل الجنة يتمنى أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيُقتل عشر مرات؛ لِما يرى من الكرامة)٢٬٤٦٣[متفق عليه، البخاري: (٢٨١٧)، ومسلم: (١٨٧٧)].؛ يعني لا يوجد أحد، أي أحد، يدخل الجنة ثم يُقال له: ما رأيك أن ترجع إلى الدنيا ونعطيك ما على الأرض من شيء، كل ما على الأرض يكون لك، يقول: لا، ما أريد أن أرجع إلى الدنيا، لما رأى من النعيم والكرامة والشرف عند الله ﷻ.

قال ﷺ: (إلا الشهيد)، الشهيد يتمنى أن يرجع ليس مرة واحدة! عشر مرات، يتمنى أن يرجع فيُقتل، يرجع فيُقتل، يرجع فيُقتل، لما يرى من إكرام الله ﷻ للشهيد.

ص 1503

فإذن هذا شرف ينبغي للإنسان ألا يفرط فيه، عليك بالطريق التي تؤدي إلى هذا المقصد، وطريق هذا المقصد ما هو؟ الجهاد في سبيل الله؛ لأن النبي ﷺ سأل الصحابة، قال: (ما تعدُّون الشهيد فيكم؟)، قالوا: «من قُتل في سبيل الله فهو شهيد»، قال: (إن شهداء أمتي إذن لقليل)؛ إذا كان الشهداء فقط هم الذين يُقتلون لكان هؤلاء قلّة!

قال ﷺ: (من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد)٢٬٤٦٤[رواه مسلم: (١٩١٥)].، يعني أيضًا عندما تكون أنت في ساحة الجهاد تؤدي هذه العبادة وتطلب هذا المقصد وهو الشهادة في سبيل الله، تطلبها بصدق وإخلاص فإن الله يبلغك منازلهم ولو مُتَّ على فراشك، كما قال النبي ﷺ في الحديث في صحيح مسلم قال: (من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه)٢٬٤٦٥[تقدم في: (ص 1137)]..

فإذن ما دمت في ساحة الجهاد فلا تخَف، فأنت على طريق الشهادة، إما أن تنالها وتكون شهيد دنيا وآخرة، وإما أن تموت على فراشك وتكون شهيد الآخرة، ولا يضرك بعد ذلك ما دمت قد نلت شرف الشهادة على كل حال في ساحة الجهاد.

إذن هذا من المقاصد الأخروية التي يسعى إليها المسلم.

- وكذلك طلب رضوان الله ورحمة الله ومغفرة الله ﷻ، هذه كلها كما قال الله ﷻ في حق المجاهدين: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠ يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ﴾ [التوبة: 20-21]؛ واحد، ﴿وَرِضۡوَٰنٖ﴾ [التوبة: 21]؛ اثنان، ﴿وَجَنَّٰتٖ﴾ [التوبة: 21]؛ ليست جنة! قال ﷻ: ﴿وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ [التوبة: 21-22]، وفوق هذا العطاء عند الله من الأجر العظيم الذي لا يعلم قدره إلا هو ﷻ.

إذن هذا من المقاصد الأخروية التي يسعى لها الإنسان، وهي الأصل، وهي التي ينبغي على المسلم أن يحرص عليها.

ص 1504

ولذلك كانت سيرة الصحابة رضي الله عنهم تتمحور حول الحرص على الشهادة، كما وقع في غزوة بدر عندما قال النبي ﷺ: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض)، فقال عمير بن الحُمَام رضي الله عنه: «جنة عرضها السماوات والأرض؟»، قال: (نعم)، قال: «بخٍ، بخٍ»، قال: (ما يحملك على أن تقول ذلك؟ أو أن تقول بخٍ بخٍ؟)، قال: «لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها»، قال: (فإنك من أهلها)٢٬٤٦٦[رواه مسلم: (١٩٠١)]..

فهكذا كان حرص الصحابة رضي الله عنهم على الدخول إلى أبواب طلب الجنة من باب الجهاد في سبيل الله، كما جاء في الحديث الآخر حديث أبي موسى رضي الله عنه عندما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)، فجاء رجل إلى أبي موسى فقال له: «يا أبا موسى، أنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟»، قال: «نعم»؛ فأخذ جفن سيفه فكسره، ثم قال لأصحابه: «أقرأ عليكم السلام»؛ أي أودعكم، ثم ذهب وقاتل العدو حتى قُتل رحمه الله ورضي الله عنه٢٬٤٦٧[رواه مسلم: (١٩٠٢)]..

هكذا كان حال الصحابة رضي الله عنهم، وبهذه النفسية وبهذا العزم وهذا الصدق؛ تنزَّل نصر الله ﷻ عليهم، وأما الخنوع والذلة والمهانة فهي من أسباب تسلط الكفار، وليست من أسباب النصر.

هذه بعض المقاصد التي شُرعت لها عبادة الجهاد، ونحن نقول: عبادة الجهاد؛ لأن الله ﷻ هو الذي أمر بها، وهو الذي وعد أهلها بهذه الأجور العظيمة، وهو الذي حثَّ عليها، وأمر نبيه ﷺ فيما لو تخلى المؤمنون كلهم عنها أن يقاتل وحده، قال ﷻ: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ﴾ [النساء: 84]، إذن من مقاصدها: كف بأس الكفار؛ لأن ﴿عَسَى﴾ من الله واجبة، كما قال ابن عباس رضي الله عنه: «يعني لا بد أن تقع»٢٬٤٦٨[تفسير الطبري: (14/168)].، ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا﴾ [النساء: 84].

ص 1505

فعندما نقول: عبادة الجهاد؛ فهذا يعني أن هذه الشعيرة لها أحكامها التي شرعها الله ﷻ لأدائها والتي جاء بها النبي ﷺ كغيرها من العبادات، فما نقرؤه هنا هو معرفة بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بهذه العبادة حتى نؤديها على وجهها الذي يحبه الله ﷻ، والذي أمر به ﷻ، فإن هذا من أسباب التوفيق.

وسنبدأ بإذن الله ﷻ بالقراءة والتعليق على بعض المسائل من كتاب الجهاد من «متن الإقناع»٢٬٤٦٩[ملاحظات: (1) بعض الأحيان يقرأ الشيخ من كتاب «كشاف القناع عن متن الإقناع» للإمام البهوتي.
(2) المادة الأصلية نُشرت مفرغة فقط، لا صوتية، ثم أكرمنا الله بالحصول على المادة الصوتية من أحد الإخوة المجاهدين الذي حضروها؛ فوجدنا الدرس الأول فيه نقصٌ كبير، بما يُقارب النصف، فضممنا الزيادات في مظانها، وألغينا القديم].
.

ص 1506

ص 1507

[تعريف الجهاد]

۞

«مختارات من كتاب الإقناع للإمام الحجاوي r، قال الإمام الحجاوي رحمه الله: «تعريف الجهاد هو: قتال الكفار».

الجهاد في اللغة مشتق من الجَهد أو من الجُهد، وهو مصدر لفعل رباعي «جاهد» أي أربعة حروف: الجيم والألف والهاء والدال؛ جاهد يجاهد جِهادا، وأصله من الْجَهْدِ أو مِن الجُهدِ؛ إما مِن الوُسع والطاقة، أو من بَذل الوُسع؛ من بذل الوسع يعني أن يستفرغ الإنسان وسعه وطاقته.

وهناك صلة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، فالمعنى اللغوي كما ذكرنا هو من بذل الوسع والطاقة، أو هو من استفراغ الوسع والطاقة، لما فيه من الكلفة والمشقة في أدائها، فكل عمل فيه مشقة وفيه بذل للطاقة فيمكن أن يُقال إن صاحبه قد بذل فيه جهده، فهذا هو المعنى اللغوي.

وأما المعنى الشرعي فهو كما عرّفه هنا: هو قتال الكفار، وكما قلنا: هناك صلة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي من جهة أن المسلمين يستفرغون وسعهم ويبذلون طاقتهم في قتال الكفار، واستفراغ الوسع هنا فيه جهد ومشقة وتعب؛ ولذلك قال الله ﷻ: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ﴾ [البقرة: 216]، كره لكم؛ لما فيه من القتل والأسر وبذل الأموال ومفارقة الأوطان والأهل وغير ذلك، ولما فيه من مجاهدة النفس والشيطان وغيره.

فإذن الصلة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي من جهة وجود المشقة في عبادة الجهاد؛ ولهذا قال الله ﷻ: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ﴾ [التوبة: 120]؛ هذا من المشقة، ﴿لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ﴾ [التوبة: 120]؛ تعب، ﴿وَلَا مَخۡمَصَةٞ﴾ [التوبة: 120]؛ جوع.. إلى آخر الآية.

فعبادة الجهاد لا تكاد المشقة تنفك عنها، هذا من حيث ارتباط المعنى الشرعي بالمعنى اللغوي.

وأما اصطلاحًا فقال في تعريفه: «وهو قتال الكفار».

ص 1508

القتال هنا: قتال مخصوص وهو القتال المشروع؛ أي القتال المشروع على الصفة التي أمر الله ﷻ بها؛ لأن قتال الكفار قد يكون مشروعا أي جائزا، وقد يكون محرما كما لو قاتل المسلمون كفارا بينهم عهد؛ فهذا قتال غير مشروع، والكفار الذين قصدهم هنا هم الكفار الحربيون، والكافر الحربي هو الكافر الذي ليس بينه وبين المسلمين عقد ذمة ولا أمان ولا هدنة؛ فلا يكون هذا الكافر من أهل الذمة ولا يكون بينه وبينهم عقد أمان -وهو العقد الخاص الذي يكون بين بعض المسلمين وبعض الكفار-، ولا عقد هدنة أو صلح -وهو العقد الذي يكون بين إمام المسلمين أو من ينوب عنه وبين الكفار؛ أي دولة الكفار-، فالكافر الذي بقي على الأصل بغير عقد فهذا هو المسمى بالكافر الحربي، وسيأتينا تفصيل ذلك ‘ن شاء الله عندما نتكلم عمن يجوز قتله ومن لا يجوز قتله من الكفار؛ فالمقصود هنا بقتال الكفار هنا: قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا، وليس مطلق القتال وإنما هو القتال المشروع الذي شرع في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

والله ﷻ أمر بقتال الكفار وبقتلهم أيضًا، قال الله ﷻ: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ﴾ [البقرة: 193]، هذا في القتال، وقال: ﴿وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ﴾ [البقرة: 191].

إذن نحن مأمورون بقتال الكفار وبقتل الكفار، ولكن ليس المقصود بأننا مأمورون بقتل الكفار أننا مطالبون بقتل كل كافر! لا، ليس هذا هو المقصود، وإنما شُرع لنا بعض أصناف الكفار كما سيأتي بإذن الله ﷻ.

قال في تعريفه: «وهو قتال»؛ إذن القتال المشروع الذي أمر الله ﷻ، وأمر به النبي ﷺ على الصفة المعروفة والهيئة التي ذُكرت ضوابطها وقيودها وأحكامها.

وقوله: «الكفار» هنا، هذا يدخل فيه كل كافر، يدخل فيه اليهود والنصارى والمجوس والمشركون وغيرهم من أصناف الكفار، فاليهود والنصارى لا شك أنهم من الكفار كما قال الله ﷻ: ﴿لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [البينة: 1]، وقال الله ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ﴾ [البينة: 6]؛ إذن يدخل اليهود والنصارى في معنى الكفار هنا، بل هم من الكفار، وكذلك المجوس، وكذلك المشركون، فهؤلاء الكفار نحن مأمورون بقتالهم، فالجهاد المقصود هو قتال هذه الأصناف من الكفار.

ص 1509

وقوله: «الكفار» تُخرج قتال غير الكفار؛ كقتال البغاة وكقتال قطاع الطرق، فهذا لا يسمى عندهم جهادا في الاصطلاح، وان كان داخلًا في عموم معنى الجهاد، ولهذا اختلفوا في قتيل البغاة أي مَن قُتل وهو يسعى لقتال البغاة؛ هل يعد شهيدا وتجري عليه أحكام الشهيد أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء، فالمقصود هنا في هذا الفصل بالجهاد الذي يتكلم عليه هو: خصوص قتال الكفار سواء سمي قتال البغاة جهادا أو سمي قتال قطاع الطرق جهادًا أو لم يسمَّ؛ فليس هو المقصود في هذا الباب.

وكذلك المقصود بالكفار هنا هم الكفار الأصليون وليسوا المرتدين، فقتالهم ليس داخلًا في هذا الباب، وليسوا مقصودين بأحكام هذا الباب؛ لأن لهم أحكامًا تخصهم، وإن كانوا داخلين في الكفار، فالمرتدون من أصناف الكفار، وقتالهم له أحكامه الخاصة من الجهاد في سبيل الله بلا شك فقتال الصحابة رضي الله عنهم لأتباع المتنبئين ولمانعي الزكاة هو من الجهاد في سبيل الله بلا شك، ولكنَّ الكفار الذين يقصدونهم في كتاب الجهاد في الفقه هنا هم الكفار الأصليون؛ الذين لم يدخلوا في الإسلام أصلا، فهؤلاء لهم أحكام تخصهم في هذه العبادة، كما أن للمرتدين أحكامًا تخصهم.

قال: «وهو قتال الكفار»، لا بد من وضع قيد وهو: لتكون كلمة الله هي العليا، وهو قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا، أو هو استفراغ الجهد في قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا؛ لأن قتال الكفار قد يكون على صفة غير مشروعة كما لو قوتل كفار معاهَدون، أو قوتل كفار من أهل الذمة بغير وجه حق فهؤلاء كفار وما يُفعل معهم هو قتال، ولكنه لا يدخل في معنى الجهاد، هذا هو تعريف الجهاد وهو: قتال الكفار.

وكلمة الجهاد إذا أُطلقت فالمقصود بها القتال في سبيل الله، ومعنى: أُطلقت؛ أي لم تقيد بقيد، فإما إنا قلنا: جهاد النفس، فهذه مقيدة بجهاد النفس، وكذلك: جهاد الشيطان، وجهاد المنافقين، وجهاد الفساق.. وأما إذا أُطلقت كلمة الجهاد فالمقصود بها قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا، والأدلة على ذلك من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ كثيرة.

ص 1510

وبعض الناس يداخل بين المعنى اللغوي لكلمة الجهاد وبين المعنى الشرعي الخالص؛ فيقول لك مثلا: الجهاد عندنا جهاد طلب العلم وجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبر الوالدين ويعدد لك أنواعا من الجهاد، فنحن نقول هنا: إذا كان المقصود من إطلاق كلمة الجهاد على هذه المسميات لوجود الجهد فيها وبذل الوسع فهذا إطلاق لغوي وليس إطلاقا شرعيا، وأما إذا أراد الإنسان بذلك أن يدخل هذه الأمور تحت الآيات التي وردت في فضل المجاهدين فنقول له: هذا لا يصح؛ فكلمة الجهاد مثل كلمة الصلاة وكلمة الصيام؛ لها معنى لغوي في أصل لغة العرب ولها معنى شرعي، ولا ينبغي أن نخلط بين المعنيين.

فمثلا كلمة الصلاة في أصل اللغة معناها: الدعاء، كما قال الله b: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ﴾ [التوبة: 103] فالمقصود بها هنا: إن دعاءك، وفي بعض التفاسير في قول الله b: ﴿وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا﴾ [الإسراء: 110] المقصود بها الدعاء على بعض التفاسير؛ فهنا لا نأتي إلى الآيات التي جاءت في الأمر بالصلاة: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [هود: 114] ثم نحملها على الدعاء؛ فهذا لا شك أنه خلط، ولكن إذا اطلقت كلمة الصلاة والمقصود بها الدعاء فلا بد أن تقيد.

وكذلك الصيام: معناه في اللغة مطلق الإمساك فلا نأتي إلى إنسان أمسك عن الكلام ونقول: هذا صائم، ولك فضل الصائم؛ فهذا لا يصح، وأما قول مريم: ﴿إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ٢٦﴾ [مريم: 26] فهذا صيام عند الأولين وهو بمعنى مطلق الإمساك.

ص 1511

فإذا كلمة الجهاد لها معنى شرعي محدد وأصبح لها تعريف خاص عند الفقهاء؛ فلا نخلط بين الأمور، نعم عندنا أنواع للجهاد: إما أن يكون جهادا للنفس، وإما أن يكون جهادا للشيطان، وإما أن يكون جهادا للمنافقين، وإما أن يكون جهادا للفساق، وإما أن يكون جهادا للكفار؛ هذه خمسة أنواع من أنواع الجهاد.. لكن الآيات التي وردت في فضل الجهاد وفي فضل المجاهدين المقصود بها القسم الأخير وهو جهاد الكفار لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا هو الذي يدل عليه كتاب الله وتدل عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتأمل حديث عائشة رضي الله عنها؛ قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم «هل على النساء جهاد؟» فما قالت: هل على النساء قتال؟ وإنما قالت: جهاد! فإذا كان الجهاد يطلق على جهاد النفس وهو الجهاد مطلقا، وكان الجهاد متساويًا بين جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد المنافقين وجهاد الفساق؛ لكان النساء عليهِن جهاد، فمَن مِن النساء لا يجب عليها أن تجاهد نفسها أو تجاهد الشيطان، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة قال: (جهاد لا قتال فيه) فإذن عرف النبي صلى الله عليه وسلم أن عائشة تسأل عن الجهاد الذي هو القتال، وهذا يدلنا على أن المتعارف عند الشرع وعند النبي صلى الله عليه وسلم وبين الصحابة؛ عند إطلاق كلمة الجهاد أنه القتال، ولذلك قال: (جهاد لا قتال فيه)٢٬٤٧٠[سنن ابن ماجه (2901)، مسند أحمد (25322)، وصححه الألباني والأرنؤوط]..

والصحابة رضي الله عنهم عندما جاءوا للنبي صلى الله قالوا له: «دلنا على عمل يعدل الجهاد» وما قالوا: يعدل القتال، فمباشرة قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم (لا تستطيعونه) طيب أليس كل إنسان يجاهد في نفسه ويجاهد الشيطان ويجاهد الفساق ويجاهد المنافقين، ثم أعادوا عليه، فقال: (هل يستطيع أحدكم إذا خرج المجاهد أن يقوم فلا يفتر، وأن يصوم فلا يفطر..)٢٬٤٧١[صحيح البخاري (2785)، بلفظ الحضور لا غيبة (أن تقوم.. أن تصوم)].؛ فهذه كلها ألفاظ لمعنى محدد يفهمه الصحابة رضي الله عنهم؛ فلذلك تجد هذه الأحاديث في باب الجهاد.

فإذن من الخلط أن نأتي الى هذه الكلمة عند إطلاقها ونسقطها على المعاني المتعددة.

[حُكمُ الجهاد]

قال: «وهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط وجوبه عن غيرهم وسُنَّ في حقهم بتأكُّد».

بعد أن عرفنا حقيقة الجهاد بدأ في بيان حكمه، والأحكام الشرعية خمسة: فالشيء إما أن يكون واجبا وإما حراما وإما مستحبا أو مكروها أو مباحا؛ فالواجب منه ما هو عيني، ومنه ما هو كفائي، فبدأ هنا يبين حكم الجهاد وفي أي هذه الأقسام يدخل؛ فبين أنه: فرض كفاية، وعرفه هنا بأنه الذي إذا قام به مَن يكفي سقط وجوبه عن الآخرين.

ص 1512

فرض العين وفرض الكفاية يجتمعان ثم يفترقان؛ فيجتمعان في أن الخطاب ابتداء يتوجه للجميع، فمثلا: كل واحدة من الصلوات الخمس يُخاطب بها كل مسلم بالغ مكلف بعينه؛ فالتكليف الشرعي متوجه إلى هذا الشخص ويُطالب بأداء هذه العبادة، وفرض الكفاية ابتداء يكون هكذا؛ فصلاة الجنازة مثلا هي فرض كفاية، فإذا توفي رجل في هذه القرية فالخطاب ابتداءً يتوجه لجميع أهل هذه القرية المكلفين العالمين بأن يؤدوا الصلاة على هذا الميت، إلى هنا يجتمع فرض العين وفرض الكفاية، ثم يفترقان؛ ففرض العين يُطالب كل إنسان بأداء العمل، فيُنظر فيه إلى الفعل وإلى الى الفاعل؛ فالفاعل من حيثُ إن الشارع يريد العبادة منك ومن هذا وذاك، وأما في فرض الكفاية فالشارع إنما ينظر الى الفعل؛ فاذا وقع الفعل فقد وقع المقصود الذي يريده الشرع، فلذلك يقولون: هو ما طلب الشارع تحصيله دون النظر الى فاعله، أي دون اعتبار ذات من قد فعله من المكلفين فلو أن صلاة الجنازة صلاها كفار فهذه لا تُسقط الحكم عن الآخر، وإنما الكلام هنا على المخاطبين.

وفرض العين يُطالَب كل مسلم بتحصيله ولا يسقط بفعل غيره له، كالصلوات الخمس؛ فصلاة الظهر مثلًا عندما يدخل الوقت يتوجه الخطاب فيها لكل مسلم مُكلف مطالب بأن يؤدي صلاة الظهر، فإذا صلى غيره لم يسقط عنه طلب أداء هذه العبادة؛ فتبقى الصلاة في الذمة إلى أن يؤديها الإنسان، فالخطاب موجه إلى كل واحد من أعيان المسلمين، ففي فرض العين ينظر الشارع إلى الفعل وإلى الفاعل، ينظر إلى الفعل من حيث تحصيله، وينظر إلى الفاعل من حيث كون هذا المسلم هو الذي يؤدي هذه العبادة.

وأما في فرض الكفاية فالخطاب أولًا يتوجه إلى الجميع، كل مسلم يكون مخاطبًا بأداء هذه العبادة، فإذا قام بهذه العبادة بعض المسلمين وحصلت هيئة هذه العبادة وصورتها على الوجه الذي يريده الشارع؛ سقطت المطالبة عن البقية.

ففرض العين وفرض الكفاية يتفقان في مبدأ المطالبة بأداء الأمر، ثم يفترقان.

ثم قال: «وهو فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط وجوبه عن غيرهم. إذا قام بعبادة الجهاد طائفة من المسلمين تكفي لتحصيل مقاصده سقط وجوبه..».؛ يعني سقطت المطالبة بأدائه عن غيرهم، إذا قام به من يكفي سقط وجوبه عن غيرهم.

ص 1513

فعندنا في فروض الكفايات، كصلاة الجنازة: الشرع يريد صورة الفعل؛ فإذا حصلت هيئة صلاة الجنازة على الوجه الشرعي المقصود فقد سقطَ التكليفُ عن الناس، وأما في الجهاد فهنا عندما عرفه قال: «إذا قام به من يكفي»؛ فليس المقصود في الجهاد هو مجرد تحصيل صورة العبادة، وإنما الكفاية وحصول المقصود بأداء هذه العبادة، فعبادة الجهاد لها مقاصد وغايات شرع لأجلها: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39]، ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ﴾ [النساء: 75] فمما شرع لأجله الجهاد: إنقاذ المستضعفين.

فحينما يكون الجهاد فرض كفاية في أصل حكمه؛ ويفترض أنَّ طائفة قليلة من المسلمين خرجوا وقاتلوا في بلاد الكفار، فهنا وقعت صورة الجهاد، حيثُ قامت مجموعة من المسلمين وقاتلوا الكفار في سبيل، فهذا تعريف الجهاد، ولكن هل حصلت الكفاية بهذا العدد القليل؟ وهل حصل مقصود الجهاد من إرعاب الكفار وإرهابهم وإعلاء كلمة الله؟ بهذا الفعل لم يحصل فلذلك ما زال المسلمون آثمين في هذه الحالة، فإذن في الجهاد لا ينظر الى مجرد وقوع صورة العبادة، وإنما لا بُدَّ أن يقوم بهذه العبادة من تحصل بهم الكفاية، وهو أن يحصل مقصود الجهاد من خلال هذه الطائفة التي تجاهده.

وقد اختلف العلماء في أصل حكم الجهاد:

1- فذهب بعض العلماء إلى أن الجهاد فرض عين على كل حال، وهذا قول التابعي سعيد بن المسيب رحمه الله وكذلك ينسب للحسن البصري رحمه الله، فكانا يقولان: بأن الجهاد فرض عين، واستدلوا بقول الله ﷻ: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ [التوبة: 41]، وبقول الله ﷻ: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ [التوبة: 39]؛ فالآية الأولى أمرت بالنفير، والآية الثانية توعدت من لم ينفر، فقالوا: رُتِّب العذاب على ترك النفير وهذا يدل على تعينه، والتوعد على ترك الفعل يدل على وجوب فعله؛ فهذا دليلهم.

ص 1514

ولكن ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة بقول الله b: ﴿۞وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ﴾ [التوبة: 122]، وبعض العلماء حملها على موضع التعين حينما يستنفر الإمام طائفةً من المسلمين فيكون الجهاد فرض عين في حقهم.

2- وذهب جماهير العلماء إلى أن الجهاد في أصل حكمه فرض كفاية، وأصبح العلماء لا يذكرون غير هذا القول وكأن الإجماع انعقد على ذلك؛ فأصبح القول بكون الجهاد فرض كفاية هو المعروف، والأدلة من الكتاب والسنة تدل على هذا:

فمن ذلك قول الله ﷻ: ﴿۞وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ﴾ [التوبة: 122]؛ فهذه الآية قسمت الناس إلى قسمين: نافرين، وقاعدين؛ فالنافرون لهم حكمهم، والقاعدون لهم حكمهم، وهذا تقسيم بكتاب الله ﷻ: طائفة تنفر وطائفة تبقى؛ فلو كان الجهاد فرض عين على كل حال لما جاز لهؤلاء أن يبقوا.

وكذلك قول الله ﷻ: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ﴾ [النساء: 95]،إذن لو كان القاعدون آثمين لما كان هناك تفاضل، بل لكان هناك إثم وثواب، وهذا وجه الاستدلال بالآية؛ فإنَّ الله ﷻ وعد بالحسنى كلًا من المجاهدين والقاعدين، فلو كان الجهاد فرض عين لكان القاعدون مستحقين للوعيد، لا أن يعدهم الله ﷻ بالحسنى، فلمَّا وعدهم الله ﷻ بالحسنى علِمنا أنهم لم يكونوا عصاة بقعودهم.

واستدلوا أيضًا بأن النبي ﷺ قد أرسل السرايا والجيوش مرارًا لتقاتل خارج المدينة وبقي هو بنفسه في المدينة ﷺ، أو بقي بعض الصحابة، فما من مرة خرج النبي ﷺ للغزو إلا وأبقى في المدينة بعض المسلمين؛ وهذا مما يدل على أن الجهاد فرض كفاية وليس متعينًا؛ فلو كان متعينا على كل حال لما تخلف النبي صلى الله عليه وسلم عن أداء فرض العين ولما أجاز لبعض الصحابة أن يتخلفوا عن فرض العين

فالراجح إذا وهو القول المشهور المعروف والذي لا يكاد الناس الآن يذكرون غيره وهو أن الحكم الأصلي للجهاد هو كونه فرض كفاية.

ص 1515

قال المصنف: «ويُسن في حقهم بتأكيد»؛ يعني يبقى حكم الجهاد في حق الذين قعدوا بعد أن حصلت الكفاية سنة مؤكدة، يعني يُسن لهم مع التأكيد أن ينفروا؛ لطلب الثواب الجزيل، وعلو المراتب عند الله ﷻ ولتكثير سواد المسلمين.

فإذا حصلت الكفاية يسن الجهاد في حق هؤلاء الذين سقط عنهم الجهاد؛ تأكيدا، وذلك لعظيم نفعه وجزيل ثوابه، فيكون في حقهم ليس فرض عين ولا فرض كفاية وإنما هو سنة مؤكدة؛ فيكون عندنا حكمه ابتداء إن تركه الجميع: أثم الجميع، فإذا قام به البعض ممن تحصل بهم الكفاية سقط الإثم عن الآخرين وتأكد سنة في حقهم.

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

‌مَا ‌طَلَبَ ‌الشَّارِعُ ‌أَن ‌يُحَصَّلَا

دُونَ اعْتِبَارِ ذَاتِ مَنْ قَدْ فَعَلَا٢٬٤٧٢[نشر البنود على مراقي السعود (1/192)].

قال: «فإن لم يوجد إلا واحد تعين عليه»، الكلام هنا ليس على الجهاد وإنما الكلام على فرض الكفاية؛ يعني فإن لم يوجد إلا شخص واحد هو الذي يقع به هذا الفعل فأصبح هذا الفعل متعينا في حقه، فمثلا لو كنتَ في موضع ترى فيه منكرا وتستطيع أن تغيره ولا يراه غيرك، أو يراه غيرك وهم عاجزون عن تغييره؛ فهنا يصبح متعينا في حقك، أو كنت مسافرا مع شخص آخر فمات صاحبك فليس هناك من يصلي عليه إلا أنت فهنا تعينت عليك صلاة الجنازة على هذا الشخص، وقس على ذلك؛ فكذلك الجهاد إذا كان جهة لا يقوم به إلا طائفة من الناس تعين عليهم فيها.

ص 1516

شروط وجوب الجهاد

قال: «ولا يجب الجهاد الا على ذكر حر مكلف مستطيع»، بدأ بالكلام على شروط وجوب الجهاد، أي متى يكون الإنسان مخاطبا بأداء عبادة الجهاد، ومتى يكون آثما إن فرط ولم تحصل الكفاية؛ هذا هو المقصود، فبدأ يذكر هذه الشروط:

1- الشرط الأول: أن يكون ذكرا، فلا يجب الجهاد على المرأة، وهنا ما زلنا نتكلم على فرض الكفاية؛ ففي الحديث السابق أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله وسلم: «هل على النساء جهاد؟ فقال: (جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)، وفي بعض الروايات: الحج فقط من غير زيادة العمرة٢٬٤٧٣[تقدم الحديث قبل قليل، ولفظ (العمرة) في: مسند أحمد (25322) وصححه الأرنؤوط، وعند البخاري (1861) بنحوه بدون ذكر لفظ (العمرة) ولفظه: (لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور)]..

2- الشرط الثاني: الحرية، فلا يجب الجهاد على العبيد؛ لأن العبد لا يملك أمر نفسه ويحتاج إلى النفقة، والعبد لا يملك مالا لأنه هو وماله لسيده؛ فلذلك لا يجب عليه الجهاد.

وانتبهوا للفرق بين «لا يجب» وبين «لا يصح»؛ فالمقصود هنا عدم الوجوب أي أنه لا يتوجه إليه الخطاب بالتكليف، ولكن لو جاهدت المرأة لصح جهادها، ولو جاهد العبد لصح جهاده.

3- الشرط الثالث: التكليف، أي أن يكون بالغا وعاقلا مسلمًا، فإذا اختل أحد هذه الأمور سقط الوجوب، فالمجنون لا يجب عليه الجهاد؛ لأن الخطاب لا يتوجه اليه، للحديث: (رفع القلم عن ثلاث: وعن المجنون حتى يفيق)٢٬٤٧٤[سنن ابن ماجه (2041) وصححه الألباني].، وأما البلوغ فيكون بشيء من العلامات المعروفة، وبعض العلماء يحدده بخمسة عشر عاما ولكن الضابط في ذلك هو البلوغ؛ فإذا وقع الاحتلام فقد حصل البلوغ، وكذلك أن يكونَ مسلما فالكافر غير مخاطب، وإذا حصل منه الجهاد فلا يصح منه بمعنى أنه لا يؤجر عليه، وليس المقصود أنه لا يحصل بسببه فتح ونصر وغنيمة؛ فنحن نتكلم هنا فيما يتعلق بالثواب والعقاب، ونحن نعلم أن من شرط قبول الأعمال الإيمان ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ﴾ [النحل: 97]؛ فلا بُدَّ من حصول الإيمان.

ص 1517

فإذًا صارت هذه خمسة شروط: أن يكون ذكرا، حرا، بالغا، عاقلا، مسلما، والشروط الثلاثة الأخيرة يغني عنها قولنا «مكلف» والبعض يفصل فيجعلها ثلاثة؛ كما فعل ابن قدامة في كتاب «الكافي» و«المغني» فكانت الشروط عنده سبعة.

4- الشرط الرابع: الاستطاعة، والاستطاعة تتعلق بشيئين: استطاعة مالية واستطاعة بدنية.

فالاستطاعة البدنية تعني أن تكون قادرا على ممارسة وأداء عبادة الجهاد، فقول الله b: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ﴾ [النور: 61]، هذا كله يتعلق بالاستطاعة البدنية، فانتفت في حقهم هذه الاستطاعة.

والاستطاعة المالية: أن يجد النفقة لجهاده، كما قال الله b: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ﴾ [التوبة: 91] فهؤلاء لا يجدون نفقة في جهادهم؛ فإذا كان الإنسان غير مستطيع لا بدنيا ولا ماليا، أو انتفت الاستطاعة في أحدهما فيسقط عنه الجهاد.

ص 1518

وعرف المستطيع فقال: «وهو الصحيح الواجد بملك أو بذل إمام أو نائبه لزاده٢٬٤٧٥[في النسخة التي بين أيدينا «لمراده» بدل: «لزاده» ولعل ما أثبتَه الشيخ أصوب؛ لأنه الأوفق للمقصود].، ولما يحمله إذا كان مسافة قصر، ولما يكفي أهله في غيبته» فقوله «الصحيح» متعلق بالاستطاعة البدنية، وقوله «الواجد» متعلق بالاستطاعة المالية، فالواجد للمال أو المالك له «بملك» أي إما أن يكون مالكا لهذا المال، «أو بذل إمام أو نائبه» أي بأن يعطيه الإمام أو نائبه مالا ليقاتل به؛ فهذا يكون مستطيعا «لزاده» يعني لما يحتاجه في جهاده من أكله وشربه وطعامه وغير ذلك، «وما يحمله اذا كان مسافة قصر» أي ما يركب عليه ويستقله من الدواب إذا كان الجهاد مسافة قصر بين مسكن هذا الإنسان وبين الجبهة التي سيتوجه للقتال فيها، على الخلاف بين العلماء في مسافة القصر؛ فإذا كان سفرا فهنا مما يشترط في وجوب الجهاد عليه أن يكون واجدا لما يحمله، أي واجدًا للدابة التي تحمله، «ولما يكفي أهله في غيبته» أي أن يكون عنده من المال والزاد ما يبقيه لأهله في غيبته، والعلماء هنا يتكلمون على جهاد يستمر فترات قصيرة ثم يرجع الإنسان إلى بيته وأهله.

وهذا الكلام هنا على فرض الكفاية، وإن كان وجود النفقة والاستطاعة البدنية تدخل في فرض العين؛ فمثلا: غزوة تبوك كان الجهاد فيها فرض عين، وفيها نزلت تلك الآيات: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢﴾ [التوبة: 91-92] فيعني أنَّ هؤلاء أيضا لا حرج عليهم ولا إثم، مع أنه كان فرض عين باستنفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم.

قال المصنف: «ولا يجب على أنثى ولا خنثى ولا عبد ولو أذن له سيده ولا صبي ولا مجنون ولا ضعيف ولا مريض مرضا شديدا لا يسيرا لا يمنعه كوجع ضرس وصداع خفيف ونحوهما ولا على فقير ولا كافر ولا أعمى ولا أعرج ولا أشل ولا أقطع اليد أو الرجل ولا مَن أكثر أصابعه ذاهبة أو إبهام يده أو ما يذهب بذهابه نفع اليد أو الرجل» هنا فقط ذكر ما يقابل الحالات التي أشرنا إليها؛ فذكر الذكر هناك فعقب بذكر الأنثى والخنثى التي لا يعرف أذكر أم أنثى لنكلفه، ولا تكليف مع الشك، وهكذا ذكر ما يقابل ما أشرنا اليه بشيء من التفصيل؛ فذكر الأعمى والأعرج والأشل ومقطوع اليد أو مقطوع الرجل أو الإبهام لأن السيف يقبض به.

ص 1519

وهذا كله ليس فيه نص من كتاب الله cـ ولكن دخل في عموم: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ﴾ [التوبة: 91] ولذلك قال: المريض مرضا شديدا؛ أي الذي يمنعه من القتال، ولهذا قال: لا يسيرا كوجع ضرس، أي تؤلمه سنه فيزعم أنه لا يقدر على الجهاد؛ فهذا لا يسقط عنه الجهاد فالمقصود هنا: الإعاقة التي تمنع من ممارسة هذه العبادة، فيسقط معها الجهاد، ولكن أحيانا يكون الجهاد ليس متوقفا على الركض والجري والعدو؛ كأن يكون الإنسان معينا في باب آخر يطيقه، فالآن هناك أبواب كثيرة من أبواب الجهاد يمكن لبعض الناس ممن ذكرهم هنا أن يسدها؛ فمقطوع اليد أو الإبهام مثلا يستطيع أن يشتغلَ في الإعلام، وإنما المقصود هنا بكلامهم صور القتال التي كانت في ذلك الزمن؛ فنحن ننظر في بعض الحالات التي يجتمع فيها هذا المرض بمنع الجهاد في ذلك الزمان وفي هذا الزمان فنقول: هذا جار على ما ذكروه، وأما إذا تغير الحال فنقول: هذا يجب عليه الجهاد في المواطن التي لا يحتاج فيها إلى ركض ولا إلى جري ولا إلى استعمال لليد المقطوعة مثلا؛ فهذا لا يسقط عنه الوجوب، والله تعالى أعلم.

فهذا الكلام في فرض العين وفي فرض الكفاية: المرء إذا لم يجد النفقة التي يسافر بها فلا يجب عليه، هذا هو الحكم الشرعي، وكل إنسان يعرف ما بينه وبين الله c، وقد ذكر هنا النفقة من الإمام أو نائبه؛ فإذا لم يوجد الإمام فيقوم مقامه من تولى امر الجهاد فحينما يأتي الإنسان ويقال له: انفر في سبيل الله ونحن نتولى نفقتك في الجهاد ونجهزك؛ ففي هذه الحالة يجب عليه النفير، وكذلك إن لم يكفِ أولاده في غيبته فلا يجب عليه، ولكن الحمد لله كلنا مجاهدون وأهلونا بعيدون عنا والله c تولاهم، وإنما نتكلم على الحكم الشرعي الذي يذكره الفقهاء في فرض العين وفي فرض الكفاية؛ فلا يجب ولكن يصح منه، ولكن هذا لا يعني أنه لا يسعى لتحصيل ما يكفي لأهله ثم ينفر في سبيل الله؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولكن لو كان الإنسان معدمًا فقيرا ليس عنده مصدر، وإذا ترك أهله ضاعوا من جهة النفقة -ولا نتكلم هنا على جهة التربية ولا المدرسة ولا غيرها بل على جهة النفقة الكافية في غيبته؛ فهذا هو الذي نتكلم عليه ولكن أن يقول: من يعلم أبنائي؟ ومَن يدرسهم؟ فهذه لا يتعلق بها أحكام شرعية-.

قال: «ويلزم الأعور والأعشى، وهو الذي يبصر بالنهار فقط» فالأعور الذي ينظر بعين واحدة يجب عليه أن يجاهد؛ لأن المقصود يحصل بعين واحدة، وكذلك الأعشى الذي يبصر في النهار ولا يبصر في الليل لأنه يمكن أن يؤدي عبادة الجهاد في النهار؛ فيمكن أن يقاتل في النهار ويستريح في الليل، ولذلك قلت لكم إن بعض الأمور التي ذكرها هنا يمكن أن تستثنى في بعض الأعمال الجهادية المعاصرة، فيمكن لإنسان إبهامه مقطوع فقط نريده سائق سيارة وأن يرمي على الكلاشن فلا تحتاج إلى إبهام.

ص 1520

قال المصنف: «قال الشيخ: الأمر بالجهاد منه ما يكون بالقلب والدعوة والحجة والبيان والرأي والتدبير والبدن فيجب بغاية يمكنه» المقصود بالشيخ: ابن تيمية،ويقصد أن الأمر بالجهاد منه ما يكون بالقلب ومنه ما يكون بالدعوة والحجة، ولا يقصد شيخ الإسلام هنا آيات الجهاد التي وردت في خصوص عبادة الجهاد، ولكن الإنسان مأمور بأن يجاهد نفسه وأن يجاهد هواه وأن يجاهد الشيطان وأن يدعو في سبيل الله ويصبر على الأذى؛ لان الصبر على الأذى هو نوع من الجهاد؛ لأن فيه بذل الوسع والطاقة والصبر على ذلك، ولكن ليس المقصود منه هنا أن الإنسان في وقت تعين الجهاد يجتهد في جهاد نفسه ويقول: أنا أؤدي في هذه العبادة، ولا يجوز في وقت تعين الجهاد أن يجتهد في الدعوة ثم يقول: أنا أؤدي هذه العبادة وقد سقط عني فرض الجهاد؛ فليس هذا هو الذي يقصده شيخ الإسلام.

[أقل الجهاد في كل عام]

قال المصنف: «وأقل ما يفعل مع القدرة عليه كل عام مرة، إلا أن تدعو حاجة إلى تأخيره لضعف المسلمين، أو قلة علف أو ماء في الطريق أو انتظار مدد فيجوز تركه بهدنة وبغيرها» بينا سابقًا أن الجهاد فرض كفاية والمقصود به حصول الكفاية؛ فما هو المقدار الذي تحصل منه الكفاية؟ فصلاة الجنازة مثلًا إذا صلينا صلاة واحد فقد سقط الفرض، ولكن ما هو الحد الذي إذا تحصل في الجهاد وقعت الكفاية؟ ذكر أنه عند وجود الدولة الاسلامية والإمام أقل ما يُفعل مرة واحدة في العام، فيجب على الإمام أن يغزو بلاد الكفار في عقر دارهم مرة واحدة في العام أقل شيء، وإذا قصر عن ذلك فقد قصر في أداء الواجب.

واستدل العلماء على هذا التحديد بقول الله b: ﴿أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ﴾ [التوبة: 126] واستدلوا أيضا بان الجزية بدل عن الجهاد، فنحن نقاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يده وهم صاغرون؛ فنحن نأخذ منهم الجزية مرة واحدة في السنة، وهي بدل عن الجهاد، فقالوا: بما أن البدل قام مكان مبدَلِه فالحكم واحد، فهذا الذي عليه جماهير العلماء أنه يجب مرة في العام. ولكن قد يتعين أو يجب أكثر من مرة في العام إذا دعت ضرورة أو حاجة الى ذلك، وقد يجوز له تأخيره عن عام، ولكن كلامنا هنا على الحكم الأصلي المستقر وهو عند وجود الدولة الاسلامية ووجود القوة وأن الكفار لا بد أن يُغزَوا، فعليه أن يَغزوهم مرة في السنة.

ص 1521

ولكن قد يصيب المسلمين ضعف يحتاجون فيه للإعداد والتقوية وتحصيل الزاد والعلف والأموال وغير ذلك، ولا يكفيهم عام واحد؛ فيجوز لهم أن يؤخروا حتى تحصل لهم الكفاية، أو بالعكس؛ قد يكون هناك كفار يخشى أن يغزو بلاد المسلمين فهنا يجب عليه أن يغزوهم ولو أكثر من مرة في العام فهنا الأمر يدور مع الحاجة.

قال المصنف: «وأقل ما يفعل مع القدرة عليه كل عام مرة إلا أن تدعو حاجة إلى تأخيره لضعف المسلمين أو قلة علف أو ماء في الطريق أو انتظار مدد فيجوز تركه بهدنة وبغيرها، إلا أن رجى إسلامهم ولا يعتبر أمن الطريق» يعني أنَّ القدرة على أداء الجهاد كل عام مرة يستثنى منها إذا دعت لتأخيره حاجة، مثل ضعف المسلمين وعدم وجود قوة عندهم لأن يغزو في كل عام مرة، أو قل العلف والزاد لدوابهم فلا يكفي لغزو مرة في العام أو نقص الماء في الطريق؛ كأن يكون السفر بعيدا وليس هناك ماء يكفي، فهذه كلها أمور تجيز له أن يؤخره عن العام، أو انتظار المدد الآتي له ولكنه تأخر؛ فيجوز تركه بهدنة وبغيرها في مثل هذه الحالات؛ فله أن يعقد هدنة مع الكف بأن لا يقاتلهم سنة أو سنتين حتى يزول المانع، أو بغيرها كأن يقاتلهم ويسكت من طرفه دون أن يعقد معهم هدنة؛ فكلاهما يجوز، ولكن قال: «لا إن رجا اسلامهم» فلا يؤخر قتالهم هذه السنة طمعًا في إسلامهم؛ لأنه لو رجا إسلامهم فسيدعوهم للإسلام قبل أن يقاتلهم وهذه الدعوة تكفي لإدخالهم للإسلام إن أرادوا ذلك.

قال: «ولا يعتبر أمن الطريق» فبعد أن ذكر الماء والعلف والضعف وانتظار المدد؛ لم يعتبر أمنَ الطريق، فمن خرج للجهاد فهو من سيؤمن الطريق، ولا يعتبر عدم أمنه مانعًا للجهاد، فإذا أراد الإنسان أن ينفر إلى ساحات الجهاد فلا يقول: سأمر على بوابات وسأدخل من المطارات وأقطع البحار، وهذا فيه مخاطرة؛ فهذا غير معتبر، ولا شك أن الإنسان يبحث عن الأسهل والأسلم، ولكن إذا كان الأمر يقتضي المخاطرة والمغامرة خاصة عندما يكون الجهاد متعينا؛ فيجب عليه ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق: 3].

[تحريم القتال في الأشهر الحرم]

قال المصنف: «وتحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ نصا» بقول الله b: ﴿فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ﴾ [التوبة: 5] وهذه المسألة فيها خلاف طويل، والكلام هنا في فرض الكفاية، وهناك بعض العلماء يقول بتحريم القتال في الأشهر الحرم وأنه ليس بمنسوخ، وفيما أحسب انه كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأطال ابن القيم في تقرير هذه المسألة٢٬٤٧٦[انظر كلام ابن القيم: زاد المعاد (3/473) قال: «ولم يثبت نسخُه بنصٍّ يجب المصير إليه، ولا أجمعت الأمة على نسخه»، ولم أقف على كلام ابن تيمية بل كلامه يفيد أن الجمهور على إباحة القتال فيه، ولم أقف له على نصٍ ظاهرٍ في المسألة، والله أعلم]..

والأشهر الحرم هي ذو القعدة ذو الحجة ومحرم ورجب؛ ثلاثة سرد وواحد فرد.

وذكر الشارح أن نَسَخ حرمة القتال فيه قال به الجمهور وأكثر العلماء؛ واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ﴾ [التوبة: 5] وقالوا: هذا عام في الزمان والمكان وفي المشركين أيضا؛ أي اقتلوا المشركين في أي زمان وأي مكان وأي مشرك كان عموما، ودليلهم كذلك غزوه g الطائفَ لأنه غزاهم في ذي الحجة، واختار ابن القيم أنه ليس بمنسوخ وأجاب بأنه لا حجة في غزوة الطائف وإن كانت في ذي القعدة وليست في ذي الحجة؛ لأنها كانت من تمام غزوة هوازن، فبعد غزوة حنين توجه إلى الطائف فهي من تمامها هذا كلام ابن القيم، وهم بدأوا النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال، ويجوز القتال في الشهر الحرام دفعا إجماعا؛ فخلاصة كلام ابن القيم أن القول بأن القتال في الأشهر الحرم منسوخ لا يسلَّم به.

قال المصنف: «وإن دعت الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرة وجب» فكما ذكرنا أنه يجوز تأخير القتال في العام؛ فكذلك يجوز بل يجب عليه إذا دعت الحاجة لأن يكرر القتال في العام الواحد أكثر من مرة أن يفعل ذلك.

مواضع تعيين الجهاد

ص 1522

قال: «من حضر الصف من أهل فرض الجهاد، أو من عبد، أو مبعَّضٍ، أو مكاتَب، أو حصر عدوٌ بلدَه، أو احتاج إليه بعينه، أو تقابل الزحفان، أو استنفره من له استنفاره، ولا عذر: تعين عليه» قوله «تعين عليه» هذه جواب الشرط لقوله «وإن دعت الحاجة»، وعبارة المصنف مسبوكة ولكنها واضحة، فقد تكلمنا على أصل حكم الجهاد وأنه فرض كفاية، والآن بدأ يتكلم على المواطن التي يكون فيها الجهاد فرض عين فذكر أنها:

أولا: «ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد» فمن المواطن التي يتعين فيها الجهاد إذا التقى الصفان وتقابل الزحفان؛ فيتعيَّن على من حضر الصف أي على من كان في تلك المعركة عند تقابل الزحفين الجهاد، ولا يجوز له أن يفر، وصار التكليف أو الخطاب الشرعي متوجها إليه؛ سواء كان من أهل الجهاد الذين جمعوا شروطه أو كان من غير أهل الجهاد؛ لقول الله b: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥﴾ [الأنفال: 45]، ولقول الله b: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥ وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦﴾ [الأنفال: 15-16]؛ فإذا حضر الإنسان الصف تعين عليه الجهاد فلا يجوز له أن يفر بل يجب عليه أن يثبت؛ فالآيتان إحداهما أمرته بالثبات والأخرى نهته عن الفرار.

وقوله «من أهل فرض الجهاد» يعني من توفرت فيهم شروط الوجوب كالبالغ المسلم، بل غير هؤلاء كما أشار هنا كالعبد إذا حضر الصف فيجب عليه ويحرم عليه الفرار، وكذلك العبد المبعَّض الذي عتق بعضه وبقي بعضه على العبودية كأن يملكه شخصان فأحدهم يعتق نصفه ويقول: نصيبي من هذا العبد حر ويبقى النصف الآخر عبدًا؛ فإذا حضر الصف فكذلك يجب عليه الثبات ويحرم عليه الفرار، وكذلك المكاتَب من العبيد المكاتب وهو الذي يقول له سيده: أدِّ لي كذا من المال وتعتق كأن يقول: تدفع لي مثلا في كل شهر مئة دولار لمدة سنة فإذا أكملتها فأنت حر؛ ففي هذه الفترة يسمى بالمكاتب، ويبقى المكاتب عبدًا ما بقي عليه درهم واحد حتى يؤديه، فحتى لو كان عبدا في فترة مكاتبته يتعين عليه الجهاد إذا حضر الصف؛ فهذا هو الموطن الأول.

ص 1523

وأما المرأة فلم يذكرها، فعليه نقول: الموطن الأول الذي يتعين فيه الجهاد إذا تقابل الزحفان والصفان وجب على من حضره الجهاد، ولا يجوز له الفرار، ويحرم عليه أن يولي الدبر؛ فالفرار من الزحف في مثل هذا الموطن كبيرة من الكبائر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر -ثم ذكر منها- التولي يوم الزحف) وهذا يبين لنا ما يترتب على الفرار من المضار التي تقع على المسلمين، ولذلك وجب عليهم أن يثبتوا في هذا الموطن حفاظا على أنفسهم أولا وحفاظا على مَن وراءَهم من المسلمين وهذا في جهاد الطلب؛ فيتعين على من حضروا الصف.

ثانيًا: قال «أو حَصَر بلده عدو» وفي بعض الكتب يضبطونها «حُصر» أي حاصره العدو، وبعضهم يضبطها «حصره عدو» فالمحاصرة تكون للشخص؛ فالجهاد يكون فرض عين في حقه، وهي صورة قريبة من حضور الصف، ولكن حين حصار العدو للشخص لا يتعين عليه الجهاد، فلذلك يجوز له الاستئسار في هذه الحال كما حصل هذا من بعض الصحابة j؛ فلا أدري ما المقصود بـ«حُصر - حصره عدو» والحالة كذلك؛ فهنا يكون الجهاد متعينًا عليه ولكن لا يقولون بهذا في الفقه؛ فمن حصره العدو أو هو حاصر العدو لا يتيعن الجهاد عليه.

وأما عبارته «حصر بلده عدو» وفي بعض النسخ بالضاد المعجمة «حضر بلده عدو»؛ فيكون الجهاد فرض عين إذا حضر بلادَ هذا الإنسان عدو من الأعداء فأطبق عليه من كل جهة، وصارت بلاده محاصرة، أو اقترب عدو من بلده؛ حاصرها أو لم يحاصرها، والحضور أعم من الحصار، ولذلك فأكثر كتب الحنابلة يضبطونها بالضاد المعجمة، وهذا الموضع في تعين الجهاد متفق عليه بين العلماء؛ إذا داهم العدو بلاد المسلمين، وبعض العلماء ينص على تعين الجهاد إذا خافوا من المداهمة؛ فإن رأوا أن العدو يتهيأ لغزو بلادهم ويعد لذلك، ولو لم يطأ أرض المسلمين؛ فقد صار الجهاد على أهل تلك البلدة التي أراد العدو قصدهَا؛ فرض عين، ويتأكد الوجوب بدخول بلاد المسلمين، وصاروا في هذه الحالة في حكم مَن حضر الصف إجمالًا، ووجب النفير على جميع المسلمين لإنقاذ هذه البلاد، وذلك لأن تسلط العدو يؤدي إلى خراب الدنيا والدين.

ص 1524

ونجد أنه لم يعبر بكلمة إذا داهم العدو أرضا من أراضي المسلمين وهو المقصود هنا، وذلك لأنَّ المحاصرة تكون قبل أن يدخل العدو إلى بلاد المسلمين حيثُ تكون من خارج البلد؛ فإذا كان الجهاد يتعين قبل دخول الكفار لبلاد المسلمين بمجرد محاصرتهم لها، فكيف إذا دخلوا أرض المسلمين؟ فهنا يكون الجهاد فرض عين باتفاق العلماء، فإذا دخل العدو بلادا من بلدان المسلمين؛ صار الجهاد فرض عين على أهل تلك الناحية على والبلدة التي دخلها العدو؛ فإذا أمكنهم أن يطردوه ويخرجوه فقد سقط الحكم عن الآخرين، وإذا قصر أهل هذه البلدة أو عجزوا وتكاسلوا ففي هذه الحالة ينتقل الحكم إلى مَن بجوارهم مِن المسلمين، وهكذا تتسع دائرة الوجوب حتى تعم الأرض كلها؛ إذا ليس هناك حد يقف عند الحدود العراقية ولا حد يقف عند الحدود الكويتية ولا السورية؛ فإذا عجز الإخوة المجاهدون في العراق عن طرد الكافر فعند ذلك تتسع الدائرة لتشمل مَن بجوارهم مِن بلدان المسلمين الأردن والكويت والسعودية «الجزيرة» وسوريا -وإما إيران ففيها السنة ولكن أكثرهم شيعة يحتاجون من يجاهدهم-، وكذلك الأمر في أفغانستان

أحد الحضور: شيخ؛ بالنسبة للعدو إذا حاصر بلدًا، وأحد أفراد هذا البلد هرب فهل يعتبر هذا الرجل فارًّا من الزحف؟

الشيخ: إذا هرب تركًا للجهاد فهو فار من الزحف لا شك، وأما إذا خرج لطول الحصار أحيانًا والمرء يحتاج إلى أكل وطعام وأعمال وقد طال عليه الحصار؛ ففي هذه الحالة إن شاء الله لا يدخل في هذا، أما إذا كان بقاؤه وبقاء أمثاله يتوقف عليه نصرة المسلمين وكسر شوكة الكفار ولو طال الزمن؛ ففي هذه الحالة يحرم عليه الفرار.

أحد الحضور: يعني هل يعتبر الراجعون من أفغانستان فارين من الزحف؟

ص 1525

الشيخ: أنا لا أعتبرهم فارين من الزحف، ولكني أعتبرهم آثمين؛ ذلك لأن الرجوع ينبغي أو يجب أن يكون بإذن الأمير، فالجهاد لا يقوم إلا بإمارة والإمارة لا معنى لها إلا بالسمع والطاعة؛ فهذه مصيبتنا في الأمة كلها وفي الجهاد في كل مكان؛ أنَّ كل واحد من الناس يقدر مصلحته بنفسه، فالطبيب يقدر المصلحة بنفسه فيقول: أنا الآن عندي مستشفى وعندي مرضى وعندي أسرة؛ فكيف أترك هذه العيادة أو هذا المستشفى؟ فأنا في جهاد هنا، وكذلك الشيخ الذي يعلم يقول: أنا عندي خمس مئة طالب أدرسهم وأعلمهم فلمن أترك حلقة العلم هذه، وكذلك الأستاذ في الجامعة يقول: أنا عندي حصص يومية أعطيها لهؤلاء الطلبة، وقس عليه المهندس وأصحاب المهن والأعمال؛ فكل إنسان عندما يقدر المصلحة بنفسه؛ أيحتاج إليَّ الجهاد أو لا يحتاج إليَّ؛ فلن تقوم قائمة للجهاد هكذا، ولذلك فالاستنفار من حق الإمام والأمير، فهو الذي يستنفر الناس ويعرف هل الجهاد محتاج إلى ناسٍ أو ليس بمحتاج، وقد يستنفر طائفة معينة وهي من المواطن التي يتعين فيها الجهاد؛ فالذي يرجع ويترك ساحة الجهاد، بل لا أقول هذا فقط وإنما كذلك الذي ينتقل من ساحة جهاد إلى ساحة جهاد أخرى إذا كان بغير إذن الأمير الذي هو تحته فهو آثم في هذا، حتى وإن كان في تلك الجبهة مقاتلًا ومجاهدًا، ولكن الإثم في انتقاله بغير إذن، لأن الإنسان لا يجوز له أن يخرج من الجيش حتى للاحتطاب والاعتلاف إلا بإذن إمامه أو أميره.

ثالثًا: «أو احتاج إليه بعينه» يعني إذا كان صاحب مهنة أو عمل فاحتيج إليه بعينه؛ صار الجهاد متعينا على هذا الشخص، فعندما نحتاج إلى هذا الطبيب الجراح ولو كان القتال فرض كفاية في حق الناس ولكن هذا الشخص صار الجهاد متعينا عليه؛ يعني أنَّ القيام بهذه المهنة أو هذه المهمة المتعلقة بالجهاد أصبحت مرتبطة بك أنت إن قمت بها أديت، وإن لم تقم بها بقي الموطن شاغرا؛ ففي هذه الحالة يكون الجهاد في حق هذا الشخص فرض عين.

وكذلك إذا احتجنا لشخصٍ يتقن المداخل والمخارج والطرق؛ ووُجد شخص يعرف ذلك جيدًا، فالجهاد متعينًا في حقه، وكذلك لو غنم المجاهدون دبابات وثمة خبيرٌ بها فالجهاد متعين عليه بذاته ليقوم عليها.

وقوله «أو تقابل الزحفان» يعني المسلمون والكفار، وهذه قريبة من الصورة الأولى «أو حضر الصف» بل ما يكاد يظهر لي فرقٌ بينهما.

ص 1526

رابعًا: «أو استنفره من له استنفاره» يعني استنفره للجهاد: الإمام أو الأمير أو من ينوب عن الإمام كأمير الكتيبة أو أمير الناحية أو أمير الجبهة؛ فيكون الجهاد متعينا في حق المستنفَرين، سواء استنفر شخصًا بعينه، أو استنفر طائفةً بعينها أو استنفر جهة ما؛ فإن الجهاد يصبح متعينًا في حق المستنفَرين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا)٢٬٤٧٧[صحيح البخاري: (2783)، صحيح مسلم: (1864)].، والحديث متفق عليه، وكذلك لقول الله b: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [التوبة: 38]، ولأنَّ طاعة الإمام واجبة، وهذه من المواطن التي أمر بها الإمام بأمر مشروع فتتعين طاعته؛ فهذه أدلة ثلاثة من الكتاب والسنة والنظر يصبح الجهاد معها متعينا إذا استنفر الإمامُ الناسَ.

فمثلا: الجهاد في غزوة تبوك كان متعينا على الصحابة رضي الله عنهم، ومن أي أنواع التعين؟ هو من الاستنفار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استنفر كلَّ من كان في المدينة من الصحابة، فلذلك عندما تخلف ثلاثة عن جيش قوامه ثلاثون ألفا، وماذا سيضر؟ لا شيء، وهذا في معركة لم تقع أصلا وما حصل قتال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الروم، ومع ذلك عاقب هؤلاء الثلاثة بأن هجرهم خمسين يوما؛ لأنهم تركوا عبادة متعينة عليهم، وتعينت باستنفار النبي صلى الله عليه وسلم.

وقوله: «وليس له عذر تعين عليه» فالإنسان قد يستنفره الإمام ولكن عنده عذر من الأمور التي ذكرنا أنها تسقط الجهاد، فإذا استنفر الإمام شخصا بعينه وهذا الشخص ليس عنده عذر في عدم النفير؛ فليس هو أعرج ولا مريض ولا أعمى وهو واجد للنفقة وعنده زاد ويستطيع أن يصل؛ فهذا يجب عليه، وأما إذا استنفره وهو عاجز كرجلٍ أعمى فماذا سيفعل به؟ هذا أسقطَ الشرع عنه الجهاد، وكذلك إذا استنفر الإمام طائفة معينة وهو داخل في هذه الطائفة ولكن عنده عذر خاص؛ فكذلك لا يجب عليه، وأما إذا لم يكن له لديه عذر فيتعين عليه.

ص 1527

ولذلك عندما نتكلم ونقول: إن الجهاد فرض عين؛ هذا إطلاق للحكم بحسب الأدلة التي نذكرها الآن؛ لأن بلاد المسلمين تغلب عليها الكفار وداهموها ووصلوا إلى عقر ديار المسلمين، فسبب التعين موجود، والمقصود بالتعين أن الخطاب متوجه الى كل واحد من المسلمين، والكفاية لم تقع، والمقصود لم يحصل؛ فلم يُطرد الكفار؛ فهذا هو الحكم، وعندما نقول: هذا فرض عين فمعناها أنَّ كل واحد لم يؤدِّ هذه العبادة فهو آثمـ ولكن مع ذلك نحن لا نستطيع أن نأثم الأشخاص بأعيانهم إلا إذا عرفنا من شخص لأنه تارك للجهاد العيني مع قدرته عليه ومع عدم وجود عذر فعند ذلك نؤثمه، لكن لا نستطيع أن نسقط الإثم على كل شخص من أفراد الأمة لأن الناس قد يكون لديهم من الأعذار ما لا نطلع عليه، وأما في الجملة فتقول: هؤلاء تاركون لفرض العين وهم آثمون بذلك، لكن أن تقول: زيد آثم؛ فالله تعالى أعلم، ولكن يمكن أن نعرف حال شخص بعينه فنحكم عليه بإِثم. ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم عاقب كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع؛ عاقبهم لعلمه أنهم قادرون على الجهاد، وإلا فلو كانوا عاجزين لما عاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم.

وقوله «من له استنفاره» هذا ليس خاصا بالإمام الأعظم؛ فالآن عندما يقول لك أمير المؤمنين وأنت في الجزيرة، أو يقول لك الشيخ أسامة، أو يقول لك القائد فلان في تلك الجهة: نحن نحتاج الى الأطباء، ونحتاج إلى عشرين من العلماء.. أين أنتم؟ فهذا استنفار لهم، وإن لم ينفروا فهم آثمون بذلك إن لم يكن عندهم عذر؛ هذا هو الاستنفار.

قال: «ولم يجز لأحد أن يتخلف عن النفير لما تقدم» فلا يجوز لأحد التخلف عن النفير (إلا لمن يحتاج إليه)، وهذه الحاجات هي: «لحفظ أهل أو مال أو مكان» أي إذا تخلف لحفظ واحدة من هذه الأمور ليس لحفظ أهله فقط؛ بل لحفظ أهالي المجاهدين أو أموالهم أو أماكنهم؛ بحيث لو خرج الجميع لضاع الناس، فمن احتيج إلى بقائه ليكون عونا للمجاهدين في غيبتهم؛ فهذا يجوز له أن يتخلف؛ لأنَّ بقاءه من مكملات الجهاد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ومن خلف مجاهدا في أهله بخير فقد غزى)٢٬٤٧٨[بنحوه في: صحيح البخاري: (٢٨٤٣)، صحيح ومسلم: (١٨٩٥)]..

ص 1528

وينبغي أن يعلم أن الإمام هو الذي يخلفه على حفظ هذه الأمور، وإلا لما كان هناك فائدة من استنفار الإمام إذا قلنا إن الإمام يستنفر؛ ثم يتخلف من أراد أن يحفظ مالًا أو أهلا بغير إذن الإمام؛ فلا فائدة من استنفاره، فالإمام عليه أولا أن يستنفر من ليس له عذر شرعي، وإذا استنفر طائفة فعليه أن يخَلِّفَ من يقوم على الأهل والمال والمكان؛ كما أبقى النبي صلى الله عليه وسلم في غزو تبوك علي بن أبي طالب في المدينة، وعندما تخلف ثلاثة من الصحابة بغير إذن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينفروا؛ رغم استنفار النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة عاقبهم بأن هجرهم خمسين يوما؛ لأنهم فرطوا في أداء أمر شرعي متعين عليهم وهو النفير للجهاد.

وأما أهل الأعذار فقد عذرهم الله تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢﴾ [التوبة: 91-92] فهؤلاء كان الجهاد ساقطًا في حقهم؛ لعدم وجود الاستطاعة، والنبي صلى الله عليه وسلم استنفر أهل المدينة وأبقى مَن أبقاه بنفسه حيث خلف علي بن أبي طالب h وقال له: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)٢٬٤٧٩[متفق عليه، البخاري: (٤٤١٦)، ومسلم: (٢٤٠٤)].، وأما الثلاثة الذي تخلفوا بغير عذر وبغير إذن؛ فهؤلاء هم الذين عاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجر.

وكذلك قال: «ومن منعه الإمام من الخروج» فيعني أنه كذلك لا ينفر للجهاد من منعه الإمام من الخروج ولو لم يذكر له عذره؛ فالإمام أحيانا يستنفر طائفة الأطباء ويقول لأحدهم: لا تخرج؛ فلا يجوز له أن يخرج، حتى في فرض العين؛ فالإمام له أن يستثني، ويجب على من أمره بذلك البقاء أن يبقى، ويسقط عنه الإثم، إلا لو خلَّفه لإثمه؛ كأن يكون مرجفا أو مخذِّلا أو يبث العداوة بين المجاهدين فيخلفه لهذا الأمر.

قال: «وإن نودي بالصلاة والنفير معا؛ صلى ثم نفر مع البعد، ومع قرب العدو؛ ينفر ويصلي، وذلك أفضل» فإذا نودي بالنفير في وقت أذان الصلاة فهنا ينظر إذا كان العدو بعيدا صلى ثم نفر؛ لأن الفرق بسيط، وأما إذا كان العدو قريبا فهنا عليه أن ينفر وأن يصلي راكبا على دابته.

ص 1529

وهذا مما يبين خطرَ تسلط الكفار على بلاد المسلمين؛ فحتى الصلاة يصليها الإنسان على هيئة ما من أجل الحفاظ على بلاد المسلمين، فالأمر ليس سهلا كما يظنه الناس، فمما يبين لك منزلة عبادة الجهاد في الإسلام أن كل العبادات كُيِّفَت حتى يمكن أن تؤدى هي والجهاد معا، والجهاد لا يسقط بسببها؛ فمثلا: الصلاة وهي ثاني أركان الإسلام؛ شرع في الجهاد صلاة الخوف ولم يقل اتركوا الجهاد ثم تصلون صلاة تامة ثم تكملون الجهاد؛ حتى إنه شرعت صلاة المسايفة، فأنت تصلي في ساعة القتال والضرب ولكن لا تترك الجهاد، وكذلك الزكاة من مصارفها سبيل الله، والصيام إذا كان يؤدي الى إضعاف المجاهد بحيث لا يمكن أن يقوم بها على الوجه الأفضل والأكمل فله أن يفطر ثم يجاهد، وكذلك الحج إذا تعارض الحج العيني مع الجهاد العيني فهنا عليه أن يقدم الجهاد.

قال: «ولا بأس أن يشتري الرجلان فرسا بينهما؛ يغزوان عليه، يركب هذا عقبة وهذا عقبة» فلا بأس أن يكون للشخصين مركوب واحد يتناوبان عليه، كما فعل الصحابة j في غزوة بدر.

قال: «ولو نادى الإمام: الصلاةَ جامعة لحادثة يشاور فيها لم يتأخر أحد بلا عذر» هنا يتكلمون على ما كان عليه في زمنهم؛ فإذا نادى الإمام «الصلاة جامعة» كان هذا النداء للاجتماع والتشاور، فالمقصود أنه إذا دعا الإمام أهل الرأي والخبرة والمشورة أو طائفة من الطوائف، أو دعا المجاهدين للاجتماع ليشاورهم في أمر لم يجز لأحد أن يتخلف عن هذا الاجتماع؛ لأنَّ الجهاد واجب بالنفس والرأي والمال أيضًا، ورُبَّ رأي يقوله هذا الشخص فينتفع به الإمام.

وهذا يشبه عندما يستنفر قادة الجهاد بعض أصحاب الخبرات والأعمال والآراء؛ فهنا يتعين الجهاد عليهم من جهتين: من جهة كونهم استنفروا بأعيانهم؛ فالاستنفار إما لشخص بعينه أو لطائفة ما وعلى كلا الحالتين يتعين الجهاد عليهم، والجهة الثانية أنَّ الأمير احتاج لخبراتهم وآرائهم؛ فكما قال المصنف هنا: «إذا دعاهم الإمام ليشاورهم» ليس المقصود هنا ذات النداء، وإنما المقصود أي أمر يتوصل به إلى إعلامهم بالحاجة إلى آرائهم؛ سواء ناداهم عن طريق التلفزيون أو الراديو أو أي وسيلة من الوسائل ووصلهم هذا الخطاب، وكانوا مستطيعين وليسوا من أهل الأعذار؛ فوجب عليهم أن ينفروا إلى الجهة التي طُلبوا فيها.

❖ ❖ ❖

ص 1530