الجزائر.. بين تضحية الآباء، ووفاء الأبناء
[شوال 1430هـ / 9 - 2009م]
۞
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسولِ الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
أمةَ الإسلام: السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته.
فلسنا نشكُّ طرفة عين أنَّ الجهادَ في سبيل الله هو طريقُ حياةِ الأُمّة، كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 24]، وهذا الطريقُ -أعني طريقَ الجهاد- رغم ما حفَّه وتضمنه من المكاره والمشاق والنصب والتعب واللأواء وصور البلاء؛ إلا أنه الطريقُ الذي ارتضاه الله ﷻ ليكون الْمُوصل إلى مرضاته، والمحقق لعبوديته، والدليلَ على صِدق محبته، والمميز لأهل الصدق والإيمان عن أهل الدجل والنفاق، والْمُمحص لصفوف المسلمين، والسبيلَ لإقامة عَلَم التوحيد واستئصال شأفة الشرك والتنديد.
قال الله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [الأنفال: 39]، وقال ﷻ: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]، وقال عزَّ من قائل: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ﴾ [آل عمران: 166-167].
فالجهادُ في سبيلِ الله هو مأوى المستضعفين، وملجأ المشردين، وسكينة العُبَّاد الناسكين، ومأمن الخائفين المضطربين، وطريق رفع الذلّة والمسكنة عن المكبوتين والمقهورين، ولن يُقطع دابر الفساد في الأرض إلا بالجهاد والجِلاد.
فكيف لا يكون حياةً إذن؟!
قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
وقال ﷻ: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 251].
[مؤسسة السحاب: قال العلاّمة ابن قاسم رحمه الله عن الجهاد: «وهو سنامُ العبادة وذروةُ الإسلام، وهو المحك والدليل الـمُفرِّق بين الْمُحب والْمُدعي، فمن صِدقِ الْمُحبِّ بذلُ مهجته وماله لربه، حتى يَوَدَّ لو أن له بكل شعرةٍ نَفْسًا بذلها في مرضاته، ويودَّ لو أن قتل ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي، قد سَلَّم نفسه لمشتريها، وعلم أن لا سبيل إلى أخذ تلك السلعة الغالية إلا ببذل ثمنها: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ﴾ [التوبة: 111]، ففيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، وفيه إحدى الحسنيين: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة، وفضله عظيم، كيف وحاصلُه بذلُ أعز المحبوبات وإدخال أعظم المشقات على النفس ابتغاء مرضاة الله وتقربًا إليه، ونفعه يعم المسلمين كلهم، وغيره لا يساويه في نفعه وخطره فلا يساويه في فضله»٣٬٣٤٤[ابن قاسم النجدي، حاشية الروض: (4/255)].].
الشيخ أبو يحيى الليبي: وكما تكفل الله ﷻ بحفظ كتابه ودينه؛ فقد تضمَّن بأن يُبقي طائفةً من أهل الحق والعزم والعلم قائمين بأمرهِ داعين إلى شرعه مقاتلين عليه، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، يجاهدون في سبيله ولا يخافون لومة لائم، همُّهم مرضاته، ومقصدهم إقامة شريعته، وغايتهم الفوزُ بجنته؛ فيقاتلون أعداءه ويُغلظون عليهم، ويُوالون المؤمنين ويرحمونهم وينافحون عنهم، رسخت أقدامهم على طريق الحق واقتحموا مستبشرين مواطنَ الصدق مستشعرين فضل الله عليهم وهم يتلون قوله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54].
[مؤسسة السحاب: قال العلامة الشوكاني رحمه الله في هذه الآية: «وهذا شروعٌ في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كُفر، وذلك نوعٌ من أنواع الردة، والمراد بالقوم الذين وعد الله سبحانه بالإتيان بهم هم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجيشه من الصحابة والتابعين الذين قاتل بهم أهل الردة، ثمَ كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين في جميع الزمن، ثمّ وصف سبحانه هؤلاء القوم بهذه الأوصاف العظيمة المشتملة على غاية المدح ونهاية الثناء من كونهم يحبون الله وهو يحبهم، ومن كونهم أذلةٍ على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، أي يُظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين، ويظهرون الشدَّة والغلظة والترفع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله وعدم خوف الملامة في الدين، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من الازدراء بأهل الدين وقلب محاسنهم مساوئ ومناقبهم مثالب، حسدًا وبغضًا وكراهة للحق وأهله»٣٬٣٤٥[فتح القدير: (2/59)].].
الشيخ أبو يحيى الليبي: وقال نبينا ﷺ: (لا تزال عصابةٌ من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعةُ وهم على ذلك)٣٬٣٤٦[صحيح مسلم: (١٩٢٤)].، وقال ﷺ: (لا يزالُ أهل المغربِ ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)٣٬٣٤٧[رواه أبو عوانة في المستخرج: (٧٩٥٤)، ومسلم: (١٩٢٤)، بلفظ: (الغرب) بدل (المغرب)].، ولطالما عصفت بأمة الإسلام موجات محن وفتن، فقيَّض الله لها من جنده الصادقين وعباده المخلصين؛ من رسخوا أمامها رسوخَ الجبال الراسيات، وردُّوا عواصفها بقوة الصبر والثبات، وبدد الله بهم كيدَ المجرمين، وأبطل بإيمانهم سحرَ المخذولين وجعلهم آية للعالمين، بِهِم يقتدون وبفعالهم يتشبهون وبذكر سِيَرهم وبطولاتهم يحيون، فلله در السابق واللاحق وأنعم بهم من قائد ومقتدي!
وفي هذا العصر الذي جيَّش فيه الطغاة جيوشهم شرقًا وغربًا، واستكبروا في أنفسهم وعتوا عتوًّا كبيرًا، وتآزروا وتناصروا وتحالفوا على حربِ الإسلام وأهله وتنادوا فيما بينهم عبرَ إعلامهم ومؤسساتهم وخطبائهم: ﴿أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ﴾ [ص: 6].
في هذا العصر حيث ذلَّ لهم من ذل، وضلَّ معهم من ضل، وخضع لهم مَن خضع، وخنع أمامهم من خنع، انتفض أهل الإسلام وجنود الإيمان في وجه هذا الباطل المنتفش ليبددوا أحلامه بعزيمة الحق، ويمزقوا جيوشه بسيوف الصدق، ويكسروا شوكته بمعول التحدي والإصرار، وقد استرخصوا في سبيل دينهم كل شيء، وقالوا لأهل الباطل المغرورين وحزبهم المخذولين: إنا مستيقنون بوعدِ ربنا ﷻ الذي قال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ﴾ [غافر: 51]، وقال ﷻ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الروم: 47].
فيسَّر الله للمؤمنين منازلة أولئك الكفرة المستكبرين، وأعانهم على مصاولة أجنادهم المتآزرين من اليهود والنصارى والملحدين وأعوانهم المرتدين؛ فصارت ساحات الجهاد مفتوحةً يتنافس فيها المتنافسون ويتسابق نحوها المتسابقون، حتى عمّ الخير بفضل الله ومنته مغرب الأرض ومشرقها وشمالها وجنوبها، فكان من بين تلك الساحات الأبية العصية على الطغاة وأوليائهم أرضٌ ذاقت حلاوة التضحيات عقودًا وعقودا، وامتزج بتربتها دماءٌ زكية روَّت جبالها وهضابها ومدنها وقراها وسهولها وصحاريها، وتُوجت باسمٍ تباهت به بين الدول وأبت أن يُنسى أو يُدنس فأعادت صقله وترصيعه وكررت تجديده وتلميعه، إنها بلد «المليون شهيد»، جزائرُ الخير والعطاء، جزائرُ البذل والفداء، جزائرُ الصبر والإباء، فلله درها ودر شعبها المسلم الذي خاضَ معركةً هي من أشرس وأطول معارك التاريخ: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
نعم؛ لقد أرادت فرنسا النصرانية الحاقدة أن تمسخَ هذا الشعب المسلم عقيدةً وخلقًا، وانتماءً وهويةً؛ ليسير في ركب الأنعام كحال شعوبهم البائسة ممن قال الله فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ﴾ [محمد: 12]، وأطلقت وحوشها المتحضرة -وعجبًا لوحوشٍ متحضرة!- لتمزق أجساد الضعفاء بكل شناعةٍ وبشاعة، وتسفك الدماء من غير تفريق بين طفل رضيع أو امرأة ضعيفة أو شيخ فانٍ أو عالمٍ موقر، وأحرقت بنيران صليبيتها الحاقدة كل ما كان في طريقها وما سلـمَ منها حجرٌ ولا شجرٌ ولا بشر، فنطقَ أهل النفاق ومن في قلوبهم مرض وقالوا: ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا﴾ [الأحزاب: 12]، وازدادَ أهل الإيمان رسوخًا ويقينًا وقالوا: ﴿هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا﴾ [الأحزاب: 22].
وتخرَّج من أتون هذه المحنة وبرزَ من وسط هذا الإعصار رجالٌ أفذاذ وقادةٌ أبطال وعلماءُ صابرون وبالحق صادعون، عرفتهم الجزائر المجاهدة، بل وعرفتهم الأرضُ كلها ممن رفعوا راية الجهاد والاستشهاد صافيةً نقية وبذلوا كلَّ غالٍ ورخيص؛ لحفظِ هوية الجزائر لتكون إسلامية عقيدةً ومنهاجًا وشريعةً وحكمًا وسلوكًا وخلقًا ولغةً وانتماءً، وقطع كل أوصال الفَرْنَسَة التي صال العدو وجال ليسبغها عليها ويجريها في عروقها.
نعم؛ يا شعب الجزائر المسلم: إنَّ عهدكَ بالتضحيةِ قريب، وإن كثيرًا من جراحات تلك الحقبة لا تزال تنزف، وهل يمكن لجرحٍ غائر استمرت الدماء تتدفق من أعماقه أكثر من مئة وثلاثين عامًا أن يُنسى أو يُمحى؟ لا والله، إنه جرحٌ تقرحت فيه عيون اليتامى، وتفتت في وسطه أكباد الأرامل، واشتكت من لظاه أوساط الأرض وأطرافها، وزفرَ لشدة وقعه وآلامه الإسلام، ولكن كل ذلك يهون ما دام لله، وفي الله، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
إلا أن المصيبةَ العظمى التي تفوق تلك المصائب والداهيةَ الكبرى التي تهونُ معها كل النوائب؛ أن لا نصل إلى مقصودنا بعدَ كلِّ ما بذلناه، وأن نرى ثمرة تضحياتنا تقطفها نفس الأيدي التي طالما تحملنا كل عناء لاستئصالها، والأمرُّ من ذلك والأدهى أن نرضى بثمارٍ خبيثة تتدلى فوقنا كأنها رؤوس الشياطين ونعيش معها في أوهام الحريةِ والتحرير والاستقلال أكثر من أربعين عامًا.
نعم، لقد ضحَّى الشعبُ الجزائري المسلم بخِيرة أبنائه ونسائه وشيوخه وعلمائه، ليقيمَ دولةً إسلاميةً خالصة، لا ليُرسِّخ بتلك التضحيات دعائمَ دولةٍ علمانيةٍ مارقة، فهل تحقق له ما يريد؟
وضحى الشعب الجزائري المسلم؛ ليُحكم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، لا ليهيمن عليه دستورٌ وضعي وأنظمةٌ جُمعت والتُقطت من زبالات الأفكار البشرية الكافرة الرديَّة، فهل نال هذه الأمنية؟
وضحى الشعب الجزائري المسلم؛ لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، لا ليجزأ دينُ الله وتُقطع أحكامه وتبعض شرائعه، فهل حقًا صار الدين كله لله في الجزائر؟
لقد ضحى شعبُ الجزائر المسلم؛ لينشأ أبناؤه وتتربى أجياله على عقيدة الإسلامِ الصافية، وأخلاق الإسلام السامية، وعفة الإسلام المصونة، لا ليكون تبعًا للغرب الممسوخ يتهتك بتهتكه ويتميع بتميعه.
لقد ضحى شعبُ الجزائر المسلم؛ ليتولى أمرَه أمراءُ أمناء مؤمنون صالحون يعتزون بإسلامهم، عادلون في أحكامهم مستمسكون بشريعة ربهم، لا ليقوم عليهم كفرةٌ مرتدون خائنون ماجنون علمانيون مارقون.
وضحَّى الشعبُ الجزائري المسلم؛ لينعمَ بخيرات بلاده التي وهبها له ربه ﷻ، لا ليراها تجري من تحت أقدامه وتشقُّ أعماق بحاره ليقام بها صرح الجاهلية الغربية ويتمتع بها كفرتهم.
نعم، هذه الحقيقة التي أدركها أبناءُ هذا الشعب المسلم الأبيِّ، بعد أن حاولَ عبيد فرنسا وأبناؤها الذين رضعوا من لِبناها أن يخفوها ويطمسوها؛ فقامَ العلماء الصادعون والمجاهدون الصابرون في وجه هذا الباطل ليفضحوه بالبيان والسنان، ويمزقوا أرديته الردية باللسان والطعان، وأماطوا اللثام عن الوجه الفرنسي القذر الذي ما فتئ يتستر بالحُكام الخونة وجنرالات الطغيان والفساد، فارتفعت رايةُ الجهاد في الجزائر ضدهم كما ارتفعت من قبل ضد أسيادهم وأوليائهم، وتوافدت قوافلُ الأبطال وتوالت مواكب الشهداء، ليمتزج دمُ اليوم بدمِ الأمس، ويبقى حبلُ التضحية مشدودًا ممدودًا يشنق كل دخيل وعميل.
فتحيةُ محبةٍ ومودةٍ وتوقيرٍ وتبجيلٍ وإخاءٍ وولاءٍ ومناصرةٍ ومؤازرةٍ إلى شعب الجزائرِ المسلم وكوكبةِ أبنائهِ الأخيار الأطهار في تنظيمِ القاعدة ببلادِ المغربِ الإسلامي، وعلى رأسهم الشيخُ المجاهد القائد الْمُسدد بإذن الله أخونا «أبو مصعب عبد الودود» حفظه الله.
[البحر: المتقارب]
[البحر: المتقارب]
فَقُلْ لِلْمُضِلِّينَ بِاسْمِ الهُدَى | تَوَارَوْا فَقَدْ آنَ أَنْ نَهْتَدِي | |
وَهَيْهَاتَ يَبْقَى الشَّبَابُ بِهَا | جَرِيحَ الْإِبَا أَوْ حَبِيسَ اليَدِ | |
سَيَحْيَا الشَّبَابُ وَيَحْيَا الحِمَى | ويُفنِي عُدَاةَ الغدِ الْأَسْعَدِ | |
فَشُقَّ الدُّجَى يَا أَخِي وَانْدَفِعْ | إِلَى مُلْتَقَى النُّورِ وَالسُّؤْدَدِ | |
وَلَاقِي الرَّدَى طَالِبًا لِلرَّدَى | وَمُتْ فِي العُلا مَوْتَ مُستَشهدِ | |
فَمَنْ لَمْ يَمُتْ فِي الْجِهَادِ النَّبِيلِ | يَمُتْ رَاغِمَ الْأَنْفِ فِي الْـمَرْقَدِ | |
أَخِي يَا شَبَابَ الفِدَا طَالَـمَا | خَضَعْنَا لِكَيْدِ الشَّقَا الأَسْوَدِ | |
وَمَرَّتْ عَلَيْنَا سِيَاطُ العَذَابِ | مُرُورَ الذُّبَابِ عَلَى الجَلْـمَدِ | |
فَلَنْ نَخضَعَ اليَومَ لِلظَّالِـمِينَ | وَلَمْ نَسْتَكِنْ لِلْعَنَا الْأَنْكَدِ | |
فَقَدْ آنَ لِلْجَوْرِ أَن يَنْتَهِي | وَقَدْ آنَ لِلْعَدْلِ أَن يَبْتَدِي٣٬٣٤٨[قاله: عبد الله البردوني. وهو معاصر، وقصيدته منشورة على الشبكة]. |
فيا أسودَ الشرى وفرسان الوغى وأبطالَ الميدان: امضوا على بركةِ الله وفي رعايةِ الله، واشكروه على أن اصطفاكم لتكونوا حملةَ رايةِ شريعته ونشرِ كلمته، بتوحيدٍ خالص وإيمانٍ راسخ وسبيلٍ بيِّن؛ فأنتم اليومَ بفضلِ الله ومِنَّته جزءٌ من الطائفةِ المنصورة الظاهرةِ على الحق لا يضُرها من خَالفها ولا من خذلها، ولتستيقنوا أنكم على الحق المبين الذي لا شبهةَ فيه ولا دَخَل، فاثبتوا حتى تلقوا ربكم وأنتم على ذلك، ولتعلموا أنّ الهدايةَ تجلبُ الهداية والسدادَ يقودُ إلى الرشاد، كما قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، وقال عزَّ من قائل: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهـۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ﴾ [محمد: 17].
ولقد رأينا بفضلِ الله سبحانه توفيقَه للمجاهدين عبرَ السنين والأعوام في تجاوزِ المحن والصبر على صور الابتلاء، والانتقال من مرحلةٍ إلى مرحلة حتى وصلوا بمنة الله وحده إلى ما هُم عليه من اجتماع الكلمة وتراص الصفوف وصفاءِ الراية واتحادِ الهدف؛ فصاروا بفضلِ الله مع تباعدِ أقطارهم وترامي ديارهم يستشعرون من أعماقِ قلوبهم صدقَ الولاءِ لبعضهم، فهم اليوم من مشرقِ الأرضِ إلى مغربها في خندقٍ واحد وفي صف واحد وأمام عدوٍ واحد لتحقيق هدفٍ واحد.
وإنّا والله لنرجو أن نكونَ جميعًا ممن قال الله ﷻ فيهم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف: 4]، وما أجمل ما قاله الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله في هذه الآية: «ونقف ثالثًا أمامَ الحالةِ التي يُحب الله للمجاهدين أن يقاتلوا وهم عليها: ﴿صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف: 4]، فهو تكليف فردي في ذاته، ولكنه فردي في صورةٍ جماعية، في جماعةٍ ذات نظام، ذلك أن الذين يواجهون الإسلام؛ يواجهونه بقوىً جماعية ويألبون عليه تجمعاتٍ ضخمة، فلا بد لجنود الإسلام أن يواجهوا أعداءه صفًا، صفًا سويًا منتظمًا، وصفًا متينًا راسخًا، ذلك أن طبيعةَ هذا الدين حين يغلبُ ويهيمن أن يهيمن على جماعة وأن يُنشئ مجتمعًا متماسكًا متناسقًا، فصورة الفرد المنعزل الذي يعبدُ وحده ويجاهدُ وحده ويعيشُ وحده صورةٌ بعيدة عن طبيعة هذا الدين وعن مقتضياته في حالة الجهاد وفي حالة الهيمنةِ بعد ذلك على الحياة»٣٬٣٤٩[في ظلال القرآن: (6/3555)]..
فوالله إنكم على ثغرٍ من ثغور الإسلام عظيم؛ فاحذروا أن يؤتى الإسلامُ من قِبلكم وقد ذقتم حلاوة الجهاد وتنسمتم بركات الاجتماع، ورأيتم هوانَ عدوكم واندحاره أمامكم.
ولا تلتفتوا إلى سخافات الإعلام الساقط الذي نشأ وشبَّ وشاب على الكذب والدجل؛ فما ضجيجهم وصخبهم إلا كصرخةٍ في فلاة لا يسمعها إلا صاحبها، قال ﷻ: ﴿وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ﴾ [الأنعام: 26]، ولا تعبؤوا بشبهات من رقَّ دينهم وجعلوا الكتاب قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا، فمحنة الجهاد والمجاهدين بأمثال هؤلاء قديمة لم ينفكَّ عنها يومًا، ومع ذلك فقافلة الحق ماضية مضاءَ السيف الصارم تشقُّ طريقها في ثباتٍ ورسوخٍ ويقينٍ وشموخ، كيف وقد تكفلَ الله سبحانه بردِّ شبهاتهم في كتابهِ العزيز ونقضها واحدةً، واحدة، كما قال ﷻ: ﴿لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨ وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [التوبة: 48-49].
فشدُّوا حملتكم على أعداءِ الله تعالى من خُلُوفِ فرنسا وعبيدها، واقصدوهم في ثكناتهم فدكّوها عليهم دكًا، وتقصدوهم في معسكراتهم وحصونهم لا سيما أجهزة استخباراتهم التي تتولى التنكيلَ بالمسلمين وتجاهرُ بمحادَّةِ الله ورسوله وسبِّ الشرعِ والدين، ودافعوا عن آبائكم وأمهاتكم وإخوانكم وأخواتكم وسائر المسلمين المستضعفين استجابةً لاستنفار ربكم ﷻ: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
كلّ ذلكَ حفظًا لدينهم، وصونًا لدمائهم، ودفاعًا عن أعراضهم، ورفعًا للذلِ والكبت عنهم، وكونوا أرحمَ الناسِ بهم وأشفقهم عليهم، ومواساةً لضعفائهم اقتداءً بخلقِ نبيكم ﷺ الذي قال الله عنه: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 128].
[مؤسسة السحاب: قال شيخ الإسلام رحمه الله: «واعلموا -أصلحكم الله- أن النصرةَ للمؤمنين، والعاقبة للمتقين، وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون والله ﷻ ناصرنا عليهم ومنتقم لنا منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فابشروا بنصرِ الله تعالى وبحسنِ عاقبته ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، وهذا أمرٌ قد تيقناه وتحققناه، والحمد لله رب العالمين.
واعلموا -أصلحكم الله- أنّ من أعظم النعمِ على من أرادَ الله بهِ خيرًا أن أحياهُ إلى هذا الوقت الذي يجددُ الله فيه الدين ويُحيي فيه شعار المسلمين وأحوال المؤمنين والمجاهدين حتى يكون شبيهًا بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فمن قامَ في هذا الوقت بذلك كان من التابعين لهم بإحسان، الذين ﴿رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]، فينبغي للمؤمنين أن يشكروا الله تعالى على هذه المحنة التي حقيقتها منحةٌ كريمةٌ من الله، وهذه الفتنة التي في باطنها نعمةٌ جسيمة، حتى والله لو كان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم حاضرين في هذا الزمان لكان من أفضل أعمالهم جهادُ هؤلاء القوم المجرمين»٣٬٣٥٠[مجموع الفتاوى: (28/420)].].
الشيخ أبو يحيى الليبي: وفي هذا الموطن أحُثُّ إخواني المسلمين في المغرب الإسلاميِّ كله أن يقفوا وقفةً صادقةً مع إخوانهم المجاهدين في جزائرِ التضحية، ولينبذوا عنهم حدودَ التفرقة وسدودَ التمزيق التي فرقَت الأمةَ الواحدة شيعًا ومزقتها إربًا حتى حلَّ بها من الهوان ما حَلّ، ونزلَ بها من البلاءِ ما نزل، وتسلطَ عليها الأراذل من الحكامِ المرتدين وصارَ كل حزبٍ بما لديهم فرحين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].
إن الجهادَ في الجزائرِ اليوم هو أملكم بإذن الله تعالى في الخلاصِ من جحيمِ الأنظمةِ الحاكمةِ الظالمة، التي غصّت سجونها بشبابكم وأبنائكم، بل وبنسائكم، وسلطت جيوشها وشُرطها واستخباراتها عليكم وفتحت لهم أبواب التنكيل بكم، وما الجزائر إلا حلقةٌ من حلقاتِ تلك الحكوماتِ الطاغيةِ العاتية، التي قيدَ الله لها إخوانكم في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي فوحِّدوا معهم جهودكم وضمّوا إليهم طاقاتكم وجمِّعوا تحت راياتهم وقيادتهم وإمارتهم صفوفكم، ولتعلموا أن انتصارهم هو انتصاركم وتمكنهم هو تمكنكم وخلاصهم هو خلاصكم، قال الله تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103].
[البحر: الوافر]
[البحر: الوافر]
حُمَاةَ الدِّينِ إِنَّ الدِّينَ صَارَا | أَسِيرًا لِلُّصَوصِ وَلِلنَّصَارَى | |
فَإِنْ بَادَرْتُمُوه تَدَارَكُوهُ | وِإِلَّا يَسْبِقُ السًّيْفُ البِدَارَا | |
بِأَنْ تَسْتَنْصِرُوا مَوْلًى نَصِيرًا | لِمَنْ وَالَى وَمَن طَلَبَ انْتِصَارَا | |
وَأَنْ تَسْتَنْهِضُوا جَمْعًا لُهَامًا | تَغُصُّ بَه السَّبَاسِبُ وَالصَّحَارَى٣٬٣٥١[أبيات نقلها الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي عن الشيخ محمد بن الشيخ سيدي في «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط»: (ص 247)، وقوله «لُهاما» من لهم الشيء ألهمه: إذا ابتلعه، ومنه سمي الجيش: لُهامًا. وقوله «السباسب» جمع سبسب، وهي الصحراء]. |
- ويا شباب التضحية في المغرب الأقصى في طنجة والرباط ومراكش ووجده والدار البيضاء ومكناس وفي كل مدينة من مدنه وقرية من قراه: ها قد تسلطَ عليكم طاغيةٌ مُخنث، يسومكم سوء العذاب، يسجن ويقتل أبناءكم ويستحيي نساءكم ويهين علماءكم ويمسخ دينكم وعقيدتكم، فواللهِ لن تذوقوا حلاوة الإيمانِ ورحمة الإسلام إلا بزلزلةِ عرشه وإزالة حكمه، فكونوا لإخوانكم في الجزائر سندًا وعضدًا وعونًا، فمصيبتكم مصيبتهم، فشدوا من عزمهم واصطفوا خلفهم فهم بوابةُ الفتح والتمكين لكم ولهم بإذن الله تعالى.
- أما أنتم يا شبابَ التضحية في ليبيا، في درنة وبنغازي وطرابلس وسبها وهون وغات وغدامس: أربعون عامًا وأنتم تحت حكمٍ أذاقكم من العذابِ ألوانًا، ومن النكالِ أصنافًا، فقتَّلَ أبناءكم، وشرَّدَ شبابكم، وذبَّحَ خياركم، واستهزأ بدينكم، وسخرَ بنبيكم.
ولقد عرفتكم العراق وأفغانستان بتضحياتكم وإقدامكم والأقربون أولى بمعروفكم وأنتم أهل الجودِ والسخاء، فجودوا عليهم بأموالكم طاعةً لله، وبرجالكم ابتغاءَ مرضاةِ الله، ولترصُّوا صفكم إلى صف إخوانكم، وجهدكم إلى جهدهم، ورأيكم إلى رأيهم فإن يدَ الله مع الجماعة.
- ويا ليوثَ الإسلامِ في تونس القيروان: لقد طالت محنتكم واشتدت كربتكم وعظُمَ مصابكم بأحدِ فراعنةِ العصر وجبابرةِ الزمان؛ فمسخَ وجه بلادكم الْمُشرق، وحاربَ دينكم محاربةً لم يبلغها حتى أسياده الذين نصبوه! فأين زيتونةُ العلم وقيروانُ الجهاد وتونس التضحية؟! فها قد لاحَ لكم بصيصُ الأمل يشعُّ من مغربكم القريب برايةِ الجهاد الخالصة التي رفعتها أيدٍ طاهرة لم يدنسها ولاءٌ لغرب ولا خضوعٌ لشرق؛ فانفروا إلى ساحاتهم وكونوا لبنةً من لبنات تشييد صرحِ الإسلام الذي سيأوي إليه المستضعفون ويأمن فيه الخائفون ويُرحم في كنفهِ المظلومون، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا﴾ [الإسراء: 51].
- فيا أبطال المغربِ الإسلامي في الجزائرِ وموريتانا ومالي والنيجر وليبيا وتونس والمغرب: هذا أوانُ انتفاضكم وساعةُ انتهاضكم، فإنَّ عدوكم على هوانه قد حزمَ أمره فاحزموا أمركم، وحشدَ جنده فاحشدوا جنودكم، ورصّوا صفوفكم ووحدوا قيادتكم، وأرسلوا بصبركم وثباتكم واتفاقكم رسالةً لكفرة الغرب والشرق مفادها: ﴿ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ [النمل: 37].. فالصبرَ الصبر، والثباتَ الثبات، والهمةَ الهمة، وما النصرُ إلا صبرُ ساعة، قال تعالى: ﴿وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الروم: 4-5].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا