🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

بمن نبدأ القتال؟

بمن نبدأ القتال؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أظن أن الدرس أخذنا مثله في فقه الجهاد، ولا أدري لماذا يعيد «عبد الرحمن» الدرسَ مرة أخرى، وتقريبا ليس عندي شيء جديد أضيفه، ولكن أظن والله أعلم أن الموضوع ينظر إليه من جهتين، ولكن قبل ذلك نريد أن نحدد: ما هو الموضوع الذي نتكلم فيه الآن؛ هل هو بحث في حكم الموضوع من الجهة الشرعية «قتال العدو القريب والبعيد»، أو هو بحث من جهة الخيارات العسكرية؛ فالموضوع تداخل في أثناء الكلام من أكثر من جهة، وأنا أرى أن ننظر اليه من الجهتين.

- فمن جهة الحكم الشرعي: بالنسبة للإخوة الذين وصلوا إلى هذه الساحة، أي الذين جاءوا عن طريق ترتيب الإخوة في «القاعدة» مثلا ووصلوا إلى معسكراتهم وبقوا في مراكزهم ودخلوا تحت إمرة قادتهم، ثم عنَّ لهم بعد ذلك أن ينفردوا لأمر تأولوه للعمل في هذه الساحة أو تلك الساحة أو للانتقال إلى تلك الساحة؛ فالذي أدين الله c في مثل هذه الحالة أنه ليس للإنسان أن يترك هذه الساحة ولا أن ينتقل إلى غيرها؛ لا إلى ساحة جهاد ولا إلى بيته، إلا بعد أن يستأذن أولي الأمر وهم المجاهدون، وهذا بنص كتاب الله b، والآية يستدل بها الأئمة والفقهاء في كتاب الجهاد: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ﴾ [النور: 62]؛ فهؤلاء الإخوة على أمر جامع مع هؤلاء الأمراء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقوم مقامه من ينوب عنه في مثل هذه الأمور.

ص 2335

ثم (إنما الطاعة في المعروف)٣٬١٩٤[صحيح البخاري (6726)]. فهؤلاء القادة لم يأمروا لا بمعصية صريحة ولا فيها شبهة، وإنما أمروك بالجهاد مثلا؛ فإذا كان كل إنسان من المجاهدين وصل إلى هذه الساحة واعتبر نفسه تحت إمرة هذه الجماعة، وبدأ يقدر المصالح بنفسه: أين هو الأصلح والأنفع للقتال؟ وأي الساحات يمكن أن أؤثر فيها أكثر؟ فإذا ما فائدة هذه الجماعة التي نقاتل تحتها؟! فليقاتل كل إنسان بمفرده، وإنما الجهاد عبادة جماعية، ولذلك ما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة سرية أو جيشا إلا وعليهم أمير، وهذه هي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة من بعده في مسألة الجهاد؛ فهذا من ناحية الحكم الشرعي.

- وأما من ناحية: أي الساحات أهم في القتال؟ فالأهمية تختلف، والأمر نسبي، فإذا أردت أن تنظر إلى أي الساحات أقرب إلى التمكين؟ ونحن أول شيء نريده الآن في أي مكان حتى في «بلاد الواق واق» كما يقولون!؛ نريد فقط أرضا نكون قد تمكنا منها، هذا هو الشيء الأول الذي نريده؛ بحيث تكون ملاذًا للمشردين، فعندما نخطف ونريد أن نبادل نقول لهم: ابعثوهم إلى هذه الأرض، أو أحضروهم إلى هذه الأرض؛ فنريد أرضا نمكَّن فيها سواء كانت في الصومال أو في الجزائر أو في العراق أو في أفغانستان؛ فهذا هو المطلب الأول ونحن متفقون عليه، والأعداء أهم شيء عندهم أن لا يبقى لنا موطن آمن؛ ليس دولة إسلامية، بل مجرد موطن آمن لا يريدون أن نحصل عليه.

فإذن نقطة الصراع الأساسية الآن بيننا وبينهم: أنتحصل على أرض نتمكن منها أم لا؟ فهم يقولون: لا، دون ذلك خرط القتاد، ولا يمكن أن نقبل بهذا، وهذه تصريحات قادتهم: «لن نترك ملاجئ آمنة لا للقاعدة ولا للمتطرفين»؛ فإذن مطلبنا الأول هو هذا، وهذا نسبي، ويمكن أن أقول لك: الآن في الصومال يوجد تمكين عند الإخوة هناك، وهذا نصر كبير؛ فلا يمكن أن نهمل هذه الجبهة ولا أن نتركها ولا أن نعتبرها شيئا هامشيا؛ بل هي جزء وركن من أركان المعركة، وضررها عليهم يعني ضرر وجود ساحة مفتوحة تمكن فيها المجاهدون في الصومال لا يقل عن ضررها في أفغانستان، بل إذا نظرت من الناحية الجغرافية تلك أشد بكثير؛ فنحن الآن في أطراف الأرض، فلو نقول الآن لأمريكا: كفوا عنا ونكف عنكم؛ فسيقولون: جيد بس ريحونا، لكن هناك في الصومال: المعابر البحرية، جزيرة العرب، اليمن، مصر.. والآن يُتكلم على أرض الكنانة فقد قال أبو بصير: إن أرض الكنانة قريبة من بيت المقدس؛ فالمقصود أنه من الناحية الجغرافية نجد أن الصومال أهم بكثير، وفي النهاية نحن نبحث عن تمكين في بقعة من بقاع الأرض.

ص 2336

وأفغانستان يعتبرها الأمريكان من أخطر الساحات؛ لأسباب:

1- أولا: تعود الشعب الأفغاني على ذلك، فهنا الشعب اعتاد على القتال وتمرس على حياة التقشف والتشرد والهجرة والفقر والتدمير؛ اعتادت عليها أجيال والأولاد ولدوا في هذا النوع من الحياة؛ فهو مهيأ لأن يخوض معركة أخرى، ونفسيته قتالية؛ فهو متخوف منه.

2- الثاني: الشعب الأفغاني النسبة الكبرى فيه للبشتون؛ فمن لم يأت به الدين مع الطالبان ستأتي به القبلية، ولماذا الناس كلهم تجدهم في هذه الأرض وراء فلان ووراء فلان؟ ولذلك يذكرون أنَّ من دعائم إقامة الدولة: العصبية، كما ذكر ابن خلدون في المقدمة٣٬١٩٥[انظر: تاريخ ابن خلدون (1/ 165) فقد قال: «الرّئاسة لا تكون إلّا بالغلب والغلب إنّما ‌يكون ‌بالعصبيّة»، وتكرر مرارًا عنده]..

3- الثالث: يعتبرون أنَّ رأس التفكير للمجاهدين موجود هنا، فيعتبرون التوجيه من هنا، والأفكار من هنا، والخطط من هنا؛ فالدفع الروحي للمجاهدين في أقصى المغرب ينطلق من أفغانستان، فعندهم إذا وُجدت أرض على الوضع الذي هي فيه الآن؛ أي وجود هذه الطائفة من المجاهدين ومن القادة ومن أصحاب التجربة: هذه مصيبة كبيرة عندهم، فالأمر لن يتوقف بعد ذلك.

4- ثم ذكر -أخونا عبد الرحمن- وجود أمير جربوه، أي أنه لا يوجد كلام معه، أقصد أمير المؤمنين؛ فهذا أمير جربوه وذاقوا مرارته كما قال النفيسي، فهم واضعين الاحتمال في الأمام، وأنا أريد أن أصحح أمرًا ذكره أخونا «قتادة» وهو أن الطالبان فقط يفكرون في أن يقيموا دولة في داخل أفغانستان؛ فهذه ليست فكرة الطالبان وهذه ليست فكرة أمير المؤمنين، وأنا أتكلم على وقت الإمارة الأولى؛ فأنا أصحح لك هذا الغلط وأعطيك قصص وحوادث لهذا مع أمير المؤمنين الملا محمد عمر، ولكن لا تنشروها وإنما تحتفظون بها فقط٣٬١٩٦[تم اقتطاع التسجيل من المصدر، حفاظًا على سرية المعلومات التي ذكرها الشيخ أبو يحيى]..

فالقاسم المشترك للساحات هو: أن وُجود أرض ممكنة خطر عليهم على كل حال، ومَن الذي يضرب اليوم؛ الأمريكان أم غيرهم؟ طبعا الأمريكان، والآن ليس لنا خيار أن نتراجع عن ضرب الأمريكان أصلا؛ فهم هدف في كل مكان، وسواء كانت هذه الضربة صغيرة أو كبيرة، قوية أو ضعيفة في داخل أفغانستان، فحتى الجندي الذي تقتله في أفغانستان أو قاعدة عسكرية في جزيرة العرب، أو في اليمن؛ هو مؤثر تأثير مباشر أولًا على الأمريكان وكذلك على حلفائهم.

لكن بحسب التجربة التي رأيناها بالنسبة لقتال الحكومات العربية؛ أنَّ القتال المفتوح الذي يطلب به إسقاط النظام والتمكين، هذا نراه بعيدا بالنسبة لحال الأنظمة العربية؛ فلذلك قتال هذه الحكومات على قسمين:

1- ضرب التمكين: وهذا في الساحات المفتوحة الموجودة الآن مثل أفغانستان والعراق والجزائر والصومال؛ فهذه الساحات نشط فيها المجاهدون بفضل الله b وقطعوا شوطا كبيرا والناس تفهموا المعركة عندهم، وتهيأت لهم ظروف من الله b سهلت لهم أن يسلكوا هذا الطريق.

2- وضربات للنكاية: وهي تصب في ضربات التمكين، ولكنها تضعف العدو مع مرور الزمن؛ يعني ليست عمليات متواصلة، فيمكن في جزيرة العرب في السنة أن ترتب لعملية واحدة، ما في داعي لسرايا وتنظيم وأعمال وفلان قبض عليه وفلان هرب.. كلا، بل رتب لك مجموعة خمسة أو ستة فقط، وتقول لهم: أنتم عندكم الهدف الفلاني فخططوا واجمعوا وابحثوا حتى تصيبوا الهدف بضربة قاتلة ثم استريحوا سنة كاملة بعد ذلك، على أن تختاروا الأهداف التي تجمع بين الأمرين؛ تجمع بالنكاية بالأمريكان والغربيين عموما، وكذلك المكتسبات الشرعية وهي فضح هؤلاء وتعريفهم للناس.

ص 2337

فتعريف هؤلاء الحكام للناس لا يتم فقط بمجرد الخطابات والكلمات، فعندما تقوم بعملية عسكرية مفهومة واضحة يدركها العامي، ثم تعلق عليها: لماذا أنا فعلت هذا؟ فهذه تقطع عليك مسافات طويلة في توعية الناس وتفهيمهم؛ فهذا الذي يظهر -والله أعلم-، وهذه الطريقة التي نمشي عليها؛ فلماذا يوجد جناح للعمل الخارجي في داخل القاعدة والتنظيم؟ ليس من أجل فتح جبهات وقتال مفتوح، وإنما هو انتقاء لأهداف دقيقة سواء في داخل أوروبا أو في أي مكان في البحر أو في الجو أو في البر؛ أينما وجدوا هدفا سائغا ويكون له تأثير فيتوكلون على الله c؛ فهذا القتال الذي يكون للنكاية، والآخر يكون للتمكين في الجبهات المفتوحة المعروفة.

وأنا أعتبر والحمد لله أنَّ باكستان باتت جزءًا من هذا الأمر، أي صارت الآن من جبهات القتال والتمكين، والمجاهدون فيها قطعوا شوطا كبيرا لا يقل عن أفغانستان، وباكستان الآن في حالة الاحتضار.

ثم العمليات الأخرى وهي عمليات النكاية والإضعاف، لها مكاسب مع مرور الزمن؛ منها تعرية هذه الأنظمة وتعريف الناس بها، والأمر الآخر إضعاف هذه الأنظمة، وكذلك بيان عمالة هذه الأنظمة للغرب، فالناس لا يجتمعون على قتال بشار الأسد ولا على حسني مبارك، والناس لا يتفهمون هذا بسرعة، ولكن عندما تكون أهدافٌ يهودية كعملية على السفارة الإسرائيلية في داخل مصر؛ فكم ستكسب لك هذه من الأنصار في ظروف مثل التي يمر بها المسلمون في غزة، وهكذا..

والله تعالى أعلم، وجزاكم الله خيرا

❖ ❖ ❖

ص 2338

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: بمن نبدأ القتال؟

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا