المبطئون
[مجلة الفجر -الصادرة عن الجماعة الإسلامية المقاتلة-، العدد: 50 ربيع الثاني 1420هـ / 7 - 1999م]
۞
يقف كثير من المسلمين اليوم من الأحداث الجسام، والأمور العظام، التي تجري في الأمة الإسلامية بين الحين والآخر، موقف المتفرج على حوادثها، المترقب لنتائجها، وقد اتخذ كل منهم لنفسه ساترًا وحاجزًا فكريًا يتلبس به، ويمنعه من اقتحام أتونها، وولوج أبوابها، أو أن يكون له دور فعلي في مجرياتها، أو تحريك عجلاتها، فصير قصارى جهده، وغاية أمره، ومبلغ بذله، ترقب الأخبار آناء الليل وأطراف النهار، وقد هاب الفتن، وخشي المحن، وركن إلى الدعة، ومال إلى الراحة، مكتفيًا بما هو فيه، وكأن ما يراه ويراقبه لا يعنيه، وذلك لقصور همته عن ارتقاء المعالي، وتعود نفسه التقهقر عند إظلال المصائب، وتوالي النوائب.
وليته مع هذا كله نأى بنفسه، وشعر بذنبه، واعترف بتقصيره، ونسب الفضل إلى أهله، إذن لكان الأمر يسيرًا ولما لامه أحد إلا قليلًا، غير أن الأمر ليس كذلك، بل أشد وأنكى على نفوس العاملين الجادين الصادقين، فتراه وهو في ملجئه، ومغارته ومُدَّخله، قد نصَّب نفسه ناقدًا بصيرًا، وموجهًا خبيرًا ومنظرًا نحريرًا، إذا تكلم؛ تكلَّم باللوم والعتاب، وليس في حديثه إلا ضمائر «الغيبة» و«الخطاب»، فقوله لا يعدو: «لو أنهم فعلوا» أو «لو أنكم فعلتم»، أما أن يدرج نفسه بين العاملين حقًا ويضمها إلى جملة المتكلمين صدقًا، فيقول: «لو أننا فعلنا»، فهذا ما لا يصدر عنه، ولا يكون منه.
إنه صنف «المبطئين» «المتريثين» «المترقبين» الذين يريدون النصر والظفر في كل معركة بصورة متتالية متوالية ويبتغون دولة قائمة حاكمة من غير دفع ضريبة إقامتها، فهم يصبحون على الأوهام، ويمسون على الأحلام، وقد قال ﷻ: ﴿وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢ وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 72-73].
وإنه لجدير بكل مسلم اليوم أن يقف عند هذه الآية الكريمة وقفة تأمل طويلة، وتفكر عميقة، يتدبر معانيها ويلتمس دلائلها، فهي بحق تكشف دخائل عناصر دخيلة، ونماذج غريبة على الصف الإسلامي «وإن منكم»، تزيّت بزيه، وتظاهرت بمظهره، وتسمت باسمه، ورفعت شعاراته، إلا أن حقائق نفوسها ومكنونات صدورها، وخبايا قلوبهم، بعيدة كل البعد عن ذلك الزي، ومنفصلة كل الانفصال عن ذلك المظهر، ومختلفة تمام الاختلاف عن ذلك الاسم، إنها زبَد يطفو ويبدو عندما يُرسَل سيل المصائب والنوائب الجارف، يعرف به وهنها، وتنكشف حقيقتها، وتنفضح دسائسها، وتباح سرائرها.
أولئك «المبطئون» الذين لا همَّ لهم، ولا هِمَّة لديهم، إلا رؤية نتائج الأمور، وثمار الجهود، أما تحمّل مشاق طريقها، وحمل أعباء وسائلها، وبذل المجهود لوصولها، فهم عن ذلك كله بمعزل ومنأى، وليس لها منهم إلا النقد، والأخذ والرد، والإحصاء والعد.
فهم «المتربصون» الذين لا ينظرون إلا إلى مآل الأمور، وينتظرون ليعرفوا أي حال يصل إليها أهل المعارك وحماة الثغور، ممن كابد السهر، وتحمل وعثاء السفر، واصطلى بنيران الفتن، وتجرع مرارًا كؤوس المحن فشب عليها وشاب، ولم يثنه عن دربه ومواصلة نهجه تَوَعُّدُ عَدُوٍّ، أو عتاب أصحاب، ولم يخالج قلبه شك ولا ارتياب، بعد ما رسخ فيه رسوخ الرواسي، أنه بين إحدى الحسنيين «النصر أو الشهادة» فهانت أمامه الصعاب، وتفتحت الأبواب، وتمهدت العقبات وتيسرت الأزمات، وتصاغرت العظائم والنكبات.
الجهاد... والتمحيص
إن عبادة الجهاد قد طابق فيها الاسم المسمى، وليست كما يريدها بعض الناس اليوم أن تكون، بحيث لا تتجاوز في فهمه وأمنيته رحلة هادئة، ونقلة هانئة، يبلغ سالكها غايته، وينال بغيته، من غير ما تعب ولا نصب، ولا ابتلاء أو دماء وأشلاء.
فإن هذا التصور العقيم ما كان أبدًا، ولن يكون واقعًا في عبادة تسمى «الجهاد»؛ إذا كنا نفهم هذه العبادة على حقيقتها الشرعية الواقعية، وليست الخيالية الوهمية.
فالتمحيص جزء لا ينفك عن هذه العبادة «الممحصة» البتة، فهي حاوية لكل صنوف المحن وأنواع الفتن وصور الابتلاءات، من الهزائم والتشريد، والأسر والقهر، وذهاب الأنفس ونقص الأموال، ومعاناة الجوع والخوف، ومشاق السفر ومكابدة السهر، ومفارقة الخلان وهجر الأوطان، إلى غير ذلك مما تعبر عنه كلمة «جهاد» من الجهد والمشاق.
قال ﷻ: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ﴾ [محمد: 31]، وقال ﷻ: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]، وهذه الحقيقة المهمة ينبغي لكل من سلك طريق الجهاد أن يجعلها نصب عينيه، ويقيمها بين يديه حتى لا تزل قدمه، ويُبدّد حلمه، عند أول محنة تلاقيه، أو رغبة وإغراء يُعرضان عليه.
وهي حقيقة لم يهملها القرآن أو يغفلها، بل أفصح عنها أيّما إفصاح، وبينها أتمَّ البيان وركز عليها أشد التركيز، من خلال الدروس التربوية العظيمة التي تنزل عقب الغزوات، لا سيما التي أصاب المسلمين فيها أذى كثير كغزوة أحد؛ فالقرآن وهو يعرض تلك الدروس السامية، والعبر الباقية، لم يغرس في نفوس المؤمنين المجاهدين آمال النصر، وأماني الظفر فقط، بل أرشدهم إلى جعل توقع الهزائم، وإظلال العظائم: أمرًا قائمًا نصب أعينهم دائمًا، حتى لا يصطدموا بما يلاقونه منها، ولينقي الصف ممن يتخلله ممن لا يتحمل مثلها، ولا يصبر على شدتها، أو يعزل نفسه فلا يقحمها في معمعتها أصلا، فهو ليس لذلك أهلًا، لأنه بنى مشاركته في القتال، على تيقن حصول الانتصار في كل معركة، وحوز الغنيمة عند أية غزوة، بل أضاف القرآن على ذلك أنْ حث المجاهدين المبتلين، إلى عدم جعل الابتلاء ووقوع اللأواء سببًا يفت عضدهم، أو يوهن قوتهم، أو يخلخل يقينهم، فقال لهم ﷻ: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 139-140]، وقال ﷻ: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 104].
أوَلسنا نرى ما حدث يوم أحد لخير الخلق ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، وحتى تفاجأ الصحابة بذلك، خاصة أنه وقع بعد الانتصار الساحق الذي حققوه يوم بدر، وكانوا إذ ذاك أقل منهم عددًا وعدة، فتساءلوا في غاية الاستغراب والتعجب: ﴿أَنَّىٰ هَٰذَاۖ﴾ فجاء القرآن بجواب صريح واضح: ﴿قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ﴾ .
ومع أن هذه المصيبة كان سببها المعصية التي وقعت من الرماة، إلا أن ذلك لا يمنع أن تكون متضمنة ومشتملة على حكمة بالغة، يرجع مردودها، وتعودُ فائدتها على أولئك المؤمنين المصابين كما قال ﷻ مُبنيًا تلك الحكمة: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ﴾ [آل عمران: 166-167].
فكما أن ثمة ابتلاءً وتمحيصًا للناس ليعلم المؤمن من غيره، فكذلك الأمر في الجهاد؛ حتى يتميز المجاهد الصادق من الدعيّ المنافق، ليبقى الصادقون الخُلَّص، الذين صبروا وصابروا، ولم يغيروا أو يتغيروا، فيكونوا بعد نزول ذلك التمحيص، أهلًا لاستلام الأمانة وحمايتها، والحفاظ عليها وصيانتها، والقيام عليها خير قيام؛ لأنهم عرفوا قدرها، وأنزلوها منزلتها، فقدموا لأجلها كل غال ورخيص، وتحملوا أنواع الأذى، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، ولا خذلوا ولا لانوا.
الميزان الدنيوي... ديدن المبطئين
فالغثاء لا يمكن أن يكون له موضع في عبادة الجهاد الشاقة التي قرر القرآن أنها كتبت علينا وهي كره لنا: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]، ولا سيما في هذا الزمان، الذي انتشرت وتتابعت فيه الشبهات، وكثرت وتنوعت الشهوات، واستأسد الكفر وأهله، وقويت شوكته، واجتمعت على الإسلام كلمته؛ فعقدت لأجله المؤتمرات، وأقيمت الندوات، وأبرمت الاتفاقيات.
والمسلمون - كما نرى- مشتتون يتخطفهم الناس هنا وهناك، ولا يكاد الصادق منهم يجد له مقرًا ولا موطنا، فمثل هذه الظروف القاسية المتكاتفة، لن يتحمل معها أعباء عبادة الجهاد الشاقة في أصلها -علاوة على الظروف المعاصرة- إلا الصادقون المستيقنون وليسوا «المتهورين» «المتعجلين» كما يسميهم بعض «المبطئين» «المتثاقلين».
فالمتربصون المبطئون الذين يقيسون نجاح المعارك بمقياس النتائج الذي رسموه في تصورهم، لا يوجد في حساباتهم إلا أمران اثنان يرجعون إليهما ويعتمدون عليهما، عند تقويم أي معركة، وهما: «مصيبة، أو نصرٌ»، فميزانهم دنيويٌ مجرد، أما مقياس الآخرة أو ميزان الأجور، فهذا لا يفكرون فيه، ولا يلتفتون إليه، ولا يعبؤون به ولهذا تظهر خبايا نفوسهم، وخفايا قلوبهم، ودسائس صدورهم -والتي تعبر عن مقياسهم وميزانهم- عند أول عاصفة محنة تهب عليهم؛ فإذا هم ﴿كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ﴾ [إبراهيم: 18]، تنقله حيث شاءت، وتلقيه أينما أرادت؛ لخفته وهوانه، ولاختلال ميزانه، فلا يملك أحدهم عند حلول المصيبة، إلا أن يقول -شامتًا- وهو فرحٌ مرحٌ: ﴿قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا﴾ [النساء: 72]، فتراه يعد حالته، ويحسب نجاته و«رويته» من نعم الله التي يشكره عليها.
والمبطئ لا يرضى لنفسه الانفراد بهذا الوصف المستبشع، والنعت المستقذع، بل لا يزال يبحث عن الأنيس، ويفتش عن الرفيق، الذي يُسليه، ويميلُ إليه، ليشركه فيما هو فيه: ببث الشبهات، وتضخيم الأحداث، وإحباط الهمم، واختلاق الأعذار، والتنقيب عن مختلف الحجج، التي يتعذر بها عن النفير، ويحترز بها عند الاتهام بالتقصير، وهو في ذلك كله مترقب متربص لما تصل إليه المعركة، ليظهر عند «المصيبة» -حسب فهمه ومبلغ علمه- بوسام الحكمة والحنكة، والغور والخبرة، والتمرس في فهم الأحداث، جاعلًا تلك الحجج التي لجأ إليها، واعتمد عليها، برهانًا ساطعًا، ودليلًا قاطعًا، كان على من نزلت بهم تلك «المصيبة» أن يأخذوا به، ويسيروا على دربه.
أما إذا كانت الأخرى، فرجحت كفة الجهاد، ورفرفت رايات النصر، وبرقت أسارير الظفر، ونال أهل النزال الغنيمة والأجر، لَبَدَا -كأن لم تكن بينه وبينهم مودة- مُوَلوِلًا، وولَّى ساخطًا صاخبًا، يقرع نفسه ويتقد في حسراته، ويصارع زفراته، والندامة تأكل قلبه، وهو يُردد: ﴿يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 73]... الآية.
إنه لم ينكر أو ينظر إلى ما كابده أهل النصر من العناء وما لاقوه من البلاء، وما تحملوه من المشاق المتوالية والكروب المتتالية، والخطوب التي لا تكاد تطاق، حتى وصلوا إلى قمة الانتصار، ومنازل الأخيار، مما يراه ذلك التحسر ويعانيه، ولم يخطر بباله، أن يجعل لنفسه من ذلك الجهد قسطًا، ومن تلك الكروب حظا، يثقل به ميزانه، ويشد به أزر إخوانه، بل كان محجمًا متربصًا، ومترقبًا متريثًا، وهو متذبذب بين فزع الإقدام الذي يؤزُّ قلبه أزًّا، وطمع المغنم الذي يشدُّه إليه شدًّا، ولكنه آثر الإحجام على الإقدام، ومراتع النعيم على مواطن النزال، ومقارعة الأبطال وما ذلك إلا لأنه يرى بعين واحدة، ويزن بميزان واحد، ميزان النتائج المختل الذي يعرف به الربح والخسارة، والحكمة والتهور، والخبرة والسطحية، والنصر والقهر، فتراه عند أي مصيبة، هزيمة أو أسرًا أو قتلًا، شاكرًا لربه على نجاته، ساخرًا مستهزئًا من غيره على شهادته، وعند المغانم مقرعًا لنفسه على ما فاته، حاسدًا لقومه على ما حصلته جهودهم وسيوفهم من المغنم، وعلى ما وصفوه من الفضل والشرف؛ فهو متباطئ ومثبِّط لأهل الجهاد في الابتلاء، ومضادٌّ لهم في الانتهاء؛ فعند مصيبتهم في سرور وحبور، ولدى بهجتهم بالفوز والنصر في ويل وثبور، ونعوذ بالله من الخذلان.
ولهذا جاءت الآية القرآنية بعد ذكر حال المبطئين، مبينة الميزان الصحيح الذي لا اختلاف فيه، والذي ينبغي أن توزن به أحوال الجهاد والمجاهدين، ناسفة ذاك الميزان المضطرب الذي نصبه «المبطئون» لأنفسهم، يتكئون عليه، ويلجؤون إليه، فقال ﷻ: ﴿۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 74]، إنه ميزان «الأجر العظيم» الذي يتساوى في كفتيه «القتل» و«الغلبة» بل ربما كان -وكثيرًا ما يكون- القتل فيه أعظم أجرا، وأكبر قدرا، وأثقل وزنا وأحق فوزًا، وهذا ما لا يفهمه «المبطئون» ولا يفقهه «المتثاقلون»، قال ﷻ: ﴿وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾ [آل عمران: 157]، وقال تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ﴾ [التوبة: 111]... الآية.
وقال ﷺ: (تكفَّل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته، أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة)٢٬٦٠٩رواه البخاري [٣١٢٣] ومسلم [١٨٧٦]..
فهلا رجعنا بأنفسنا إلى هذا المقياس الدقيق الصحيح، واعتمدناه في تقويم أعمال المجاهدين المنافحين عن حوزة الدين، بما استطاعوا؛ ما بخلوا بمال، ولا شحوا بنفس، ولا تشبثوا بوطن، وما رضوا بوهن، فإن استخدام هذا الميزان هو الكفيل بوضع الأمور في نصابها، والعاصم من بخس الناس أشياءهم، وطيِّ جهودهم، وهضم حقوقهم، وهو الذي نعرف به حقائق نفوسنا، وصحة نوايانا، فإن دخائل النفوس لا تتفلَّت إلا عند إلمام الرزايا، وإقبال المنايا، ونزول الخطوب، وتوالي الكروب، وربما كان لسان الحال أفصح وأصرح من المقال، ولْنقدِّر ما يلاقيه أهل الجهاد من المحن، ويتعرضون اليه من الفتن، ويحف بهم من المخاطر التي لا تنقطع، والمكائد التي لا ترتفع، ولنأخذ بوصية ربنا، قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [آل عمران: 156].
والحمد لله رب العالمين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: المبطئون
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا