وتستمر معركة الشبهات
هذا وكلما اشتدت جذوة الجهاد توهجًا، وكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، وأصبحت أفئدة عامة المسلمين تهوي إليه، ونَفَر إليه النافرون من كل فجٍّ عميق؛ ازداد صخب الشبهات التي يراد بها التهويش عليه، وبث الاضطراب بين أهله والقائمين بأدائه، واتخذ كثير من القاعدين لأنفسهم حجة يدفعون بها عن أنفسهم ويلقنونها غيرَهم ويلقونها في طريقهم، لا سيما وأن تلك الشبهات هي في أغلبها مما يستحسنه الطغاة الذين تضعضعت عروشهم وبليت نُظمهم وسئمها القريب والبعيد، ومع أن بعض ما يثار منها ليس جديدًا إلا أن الجديد هو إحياؤها والنفخ فيها وتدعيمها بأنواع المحسِّنات والمرغّبات والمزينات التي تجتذب الناظر إليها وتأخذ بلُبِّ مستمعها، ورواج مثلها ليس بغريب ولا عجيب كما قال ﷻ: ﴿وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ﴾ [التوبة: 47]، وقد قال ﷻ عن المنافقين: ﴿۞وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ﴾ [المنافقون: 4].
وما دامت تلك الشبهات المعوِّقة متجددة متولدة ومتطورة كل حينٍ، فلا يمكن للمرء أن يتتبعها ويستقصيها كلَّها أو يأتي عليها جميعها ولو كان عالِمًا راسخًا كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «ولا يجب على العالم حل كلِّ شبهة تعرض لكل أحد فإن هذا لا آخر له»١٬٦٥٠[شفاء العليل: (1/489)]..
ولكن حتى يبقى الحق ناصعًا بيّنًا أحببت تدوين هذه الكلمات تثبيتًا للمجاهدين، ودحرًا لتخرصاتٍ تحاول أن تحجب النور المبين، وتجمعَ كل شاذٍّ نادٍّ من الأقوال وتؤلف بينه بطرق سقيمة ليحسب الظمآن سرابه ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وتستحدِث دخائل تُلبِس الحق بالباطل، ثم قبل ذلك اتباعًا لمسلك القرآن الكريم الذي صان عبادة الجهاد بدفاعٍ قلَّ نظيره في أكثر العبادات، بحيث لا تكاد تجد غزوة من الغزوات -لا سيما التي يكون فيها تعبٌ ظاهرٌ وجروحٌ داميةٌ- إلا ويصاحبها ذبٌّ عن الجهاد والمجاهدين، وإبطالٌ صارمٌ لمتعلِّقات القاعدين والمنافقين، ويشنُّ عليهم هجماتٍ ماحقةٍ لا تبقي ولا تذر حتى يُرجِع حجتهم داحضةً وهم داخرون.
ولكن مما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه أن الاستنفار لرد جراد الشبهات المنتشر يجب أن يكون مصاحبًا لدحر جيوش الكفرة وقتالهم وليس بمشغلٍ عنه، فإن ذلك مطلبٌ مهم بالنسبة للكفرة الذين لا يريدون أكثر من الحفاظ على أنفسهم وأمنهم حتى ولو احتدمت معركة الشبهات لتصل إلى عَنان السماء، فالقلم يصاحب السيف ولا يحل محلَّه، والبيان والسنان قرينان لا يفترقان ولا يتدافعان، وهذا هو المسلك القرآني الذي يزيل ما يحدثه أهل النفاق والشقاق وأرباب القلوب المريضة من العقبات في طريق الجهاد والحجج الواهية التي يحاولون الاتكاء عليها في التنصل منه، فإن الآيات التي تدحض شبههم تكون متخللة للآيات التي تتحدث عن وقائع المعركة وتفصِّل أحداثها، بل بعضها يتنزل على النبي ﷺ عند تهيئه للغزوة أو في طريقه إليها أو أثناء قفوله منها.
فعلى المجاهدين المقاتلين في سائر الساحات أن يتفطنوا لهذا المكر الكبار الذي يريد أعداء الله ﷻ أن يقحموهم في حماه، وهو أن يُشغَلوا بالرد على الشبهات عن ضرب الهامات، ويقيموا القَلم مكان السيف، ويقتصروا بالحبر عن الدم، ويستغنوا بالأوراق عن الرِّقاق، وليحذروا أن تستنفد الردود طاقتهم لتكون على حساب النزول إلى ساحات النزال، وليتولَّى الرد على شطحاتهم الشيطانية مَن بسط الله ﷻ له في العلم وليبقَ السيف يحصد رؤوس أئمة الكفر الذين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، فيتحقق فيكم قوله تعالى: ﴿۞وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
❖ ❖ ❖