🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

رسالة للأخوات المهاجرات في ساحات الجهاد

رسالة للأخوات المهاجرات في ساحات الجهاد

رسالة للأخوات المهاجرات في ساحات الجهاد

[يُحتمل أنها في: صفر 1431 هـ / 1– 2010م، ونُشرت بعد مقتل الشيخ رحمه الله]

۞

الحمد لله، والصَّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:

فهذه كلمة مُختصرة أوجهها إلى أخواتي المهاجرات الفاضلات المجاهدات، اللاتي امتنَّ الله ﷻ عليهنَّ بنعمة الإسلام والهداية والتيسير إلى طريق الهجرة، ثم المكوث والصبر على لَأْوَائِها، والبقاء بين المهاجرين.

فأقول: السلام عليكن ورحمة الله وبركاته.

فإنَّ أعظم ما يتذكره الإنسان في هذه الدنيا، وأعظم ما يستحضره مما امتنَّ الله ﷻ به عليه سواء كان رجلًا أو امرأة؛ هو نعمة الهداية لدين الإسلام؛ هذه النعمة التي لا يعدلها شيء في هذا الكون، نعمة الهداية لدين الإسلام؛ بمعنى أن الله ﷻ برحمة منه وفضل ومِنَّة وكرم شرح صدر عبدٍ من عبيده، أو أَمَةٍ من إمائه، وأدخل في قلبه نور الإسلام، كما قال الله ﷻ: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ﴾ [الأنعام: 125].

والله ﷻ قد قال لخير الخلق وأكرمهم وأحبهم إليه رسولِ الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ﴾ [القصص: 56]؛ فالهداية -التي هي هداية التوفيق واتباع الحق -لا يملكها إلا الله ﷻ.

ص 2644

فأنتِ أيتها الأخت الفاضلة تَرَيْنَ الكثير من خلق الله ﷻ من الرجال والنساء ممن تفاوتت مراتبهم، ورفع الله ﷻ بعضهم على بعض درجات في أمور الدنيا؛ هذا أذكى من هذا، وهذا أقوى من هذا، وهذا أغنى من هذا، وهذا أكثرُ أموالًا وأولادًا من هذا، وغير ذلك من الأمور التي يتفاوت فيها الناس تفاوتًا لا يعلمه إلا الله ﷻ، ومع ذلك لا تجد قانونًا أو نظامًا مُعيَّنًا يمكن أن تقيس عليه أمر الهداية؛ تجد إنسانًا ذكيًا حاذِقًا غنيًا لبِقًا، كثير القراءة، كثير الاطلاع، عنده من الثقافة والمعلومات وغير ذلك الشيء الكثير، ومع ذلك تجده يعبد حجرًا، أو يعبد شجرًا، أو يعبد بقرًا كما هو الحال مثلًا في الهند أو في غيرها!

وفي المقابل تجدين امرأة عجوزًا ضعيفة لا تقرأ ولا تكتب، أميَّةً، ومع ذلك تجدين هذه المرأة قد انشرح صدرها للإسلام، ورضيَتْ بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا، تحب الله ورسوله وتوالي فيه وتعادي فيه، وتحبُّ كتاب الله ﷻ، وتؤمن بالله واليوم الآخر.

لماذا هذه اهتدت؟ ولماذا هذا مع ذكائه وحذقه وغير ذلك بقي ضالًا كافرًا، يتمتع كما تتمتع الأنعام؟! هذا شيء يتفضَّل الله ﷻ به على من يشاء: ﴿ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ﴾ [المائدة: 54].

فأنتِ أيتها الأخت الفاضلة التي هاجرت من أماكن ومن مواطن بعيدة؛ قد هداكِ الله ﷻ في هذا الزمن الذي توفَّرت فيه كلُّ أسباب الإغواء والإغراء؛ فالناس يتكالبون الآن على الدنيا، ويتنافسون على زهراتها، ويتقاتلون على مَتَاعها، فأنتِ -أيتها الأخت الفاضلة- ربما كنتِ من قرية من القرى النَّائية، أو من مدينة من المدن المكتظَّة المليئة بخَلْق الله ﷻ، وربما كنتِ في أقصى الأرض التي لا يوجد فيها من الدُّعاة ومن الأئمة ومن العلماء ومن طلبة العلم ومن أسباب الهداية والتَّحريض والتَّرشيد ما هو عند غيركِ من النساء الكثيرات.. ومع هذا اصطفاكِ الله ﷻ -أيتها الأخت الفاضلة المهاجرة- لتخرجي من تلك القرية أو من تلك المدينة أو من تلك الجامعة، أو من هذه المدرسة أو من ذلك البيت، لتشُقِّي طريق الهجرة في زمنٍ الناس يتنافسون فيه على الوصول إلى بلد الكفر، والتمتع بما فيها من أمور الدُّنيا والرَّاحة والسَّعة والأموال والمتاع وغير ذلك!

ص 2645

الناس كل واحد منهم الآن -إلا من رحم الله ﷻ- يفكر في الليل والنهار كيف يصل إلى أمريكا مثلًا ليعيش هناك، كيف يصل إلى لندن، كيف يصل إلى مدريد، كيف يصل إلى باريس، وعنده أحلام وآمال وطموحات له ولزوجته ولأبنائه.. وهذا هو أقصى ما يسعى إليه، وأقصى ما يطمح إليه، وأقصى ما يريده!

وأنتِ أيتها الأخت الفاضلة صَرَف الله ﷻ عنكِ هذه الفتنة، فهي فتنة، ثم يسَّر الله ﷻ لكِ حتى وصلتِ إلى طريق الهجرة، ثم بقيتِ في هذه الأرض، بعيدة عن الأهل، بعيدة عن الأقارب، بعيدة عن الوالدين، تعيشين هذه الغربة المركَّبة؛ غربة الوطن، غربة الأهل، غربة الدين، غربة الجهاد في داخل الدين، فهذا من إكرام الله ﷻ لكِ!

بعض الناس قد يكون نظره قاصرًا؛ فيرى هذا الأمر: عندما يتفكر الأخ أو تتفكر الأخت فيما هو فيه مما يعيشه ويلاقيه من ضيق في المسكن، ومن ضيق في المأكل أحيانًا، ومن قلة الزيارات واللقاءات والبُعد عن الأقارب يشعر بغربة؛ فيضيق صدره من ذلك ويودُّ أنْ لو خرج من هذه الأرض وارتاح مما هو فيه، وهذا من تلبيس الشيطان؛ الدنيا كلها سجن المؤمن.

إن عشتَ وأنتَ مؤمن بالله حق الإيمان في أفغانستان الفقيرة، أو عشتِ وأنتِ مؤمنة حق الإيمان بالله ﷻ في وسط واشنطن أو نيويورك؛ فأنتَ أو أنتِ في سجن، هذه هي الدنيا! لا تخلو من الأكدار، لا تخلو من المنغِّصات، لا تخلو من الضيق، لا تخلو من الهموم..

ولكن بمَ يتفاوت الناس؟ يتفاوتون بمن يحتسب همَّه وغمَّه وكربه وبلاءه عند الله ﷻ؛ فيؤجر بذلك، وبين من يسخط ويتضجّر ويتضايق، وربما -والعياذ بالله- يسخطُ على الله ﷻ؛ فيجتمع عليه غمُّ الدنيا وغمُّ الآخرة.

فمِن نِعم الله ﷻ عليكِ -أيتها الأخت المهاجرة- أنكِ اليوم في ساحة من ساحات الجهاد، وإني أقسم بالله ﷻ رغم ما تجدينه أنتِ في بيتك من قلة الحركة ومن قلة التنقل ومن قلة الزيارات، وربما من قلة الخدمات، وكلُّ ما يريده الإنسان في بيته، إلا أنكِ لو احتسبتِ أجركِ عند الله ﷻ؛ لعلمتِ أنَّ ما تعيشين فيه أنتِ من السعادة والسعة في الدنيا هو أكثر مما تعيشه كثير من النساء اللاتي يعِشن في القصور وفي الفيلات وفي البيوت الفارهة والسيارات الفاخرة، وغير ذلك.

ص 2646

الدنيا لا يشبع منها الإنسان؛ سواء من الرجال أو من غيرهم: (لو أُعطي ابن آدم واديًا من ذهب لطلب آخر)٣٬٣٧٣[صحيح البخاري: (٦٤٣٩)].، فهذه المرأة المسكينة التي تعيش في القصر الكبير الْمُزخرف الْمُزيَّن المليء بالفرش والبُسُط وغير ذلك، أول زيارة تزورها إلى جارتها إذا وجدتها قد زادت عليها بشيء؛ بدأت نفسها تتحرك وتبحث عن التنافس في الدنيا، وهكذا...! وهذا ليس خاصًا بالنساء، هذا بالنسبة للنساء وبالنسبة للرجال.

أما هنا فالإنسان يعيش في تواضع: في مسكنه، في ملبسه، في فراشه، بين أهله، بين أبنائه، هذه هي الحياة التي عاشها النبي ﷺ، كما قال النبي ﷺ: (إن ابن آدم يغدو معه إلى قبره ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى ثالث؛ يذهب معه ولده ومالُه وعمله، فيرجع عنه ولده، ويرجع عنه ماله، ويبقى هو وعمله)٣٬٣٧٤[ذكره الشيخ بالمعنى، والحديث بلفظ قريب متفق عليه، رواه البخاري: (٦٥١٤)، ومسلم: (٢٩٦٠)].؛ فالدنيا لن يأخذ منها الإنسان شيئًا إلى قبره، ولن يستصحِب منها شيئًا إلى عالم الآخرة، لن يذهب الإنسان من هذه الدنيا إلا بعمله.

وما هو هذا العمل؟ هو العمل الصالح الذي يُرضي الله ﷻ، الصدق مع الله ﷻ، الإخلاص لله ﷻ، إقامة الصلوات على وجهها، الصيام، ذكر الله، تلاوة كتاب الله ﷻ، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، تربية الأبناء، القيام بحق الزوج، الصبر في ساحة الهجرة، احتساب الأجر في ساحة الرباط التي أنتِ فيها أيتها الأخت، خدمته للآخرين، نفعه للآخرين من المسلمين من جيرانه ومن أهل بيته وغير ذلك.. هذا هو الذي ينتفع به الإنسان في الآخرة.

أما الدنيا فمهما كدَّس منها الإنسان، ومهما جمع منها الإنسان ومهما تنافس عليها الإنسان، ومهما انتقى الإنسان منها فلن يأخذ معه منها في قبره فلسًا واحدًا! بل لو أن الإنسان دُفن في قبره وسقط من الرجال الذين قاموا بدفنه شيء من المال لنبشوا قبره وأخرجوه منه، ولا يستحق أن يبقى معه؛ فإذن لماذا يتنافس الناس على الدنيا وهم لن يأخذوها معهم، ويومًا من الأيام لا بد للإنسان أن يخرج من هذه الدنيا..

ص 2647

فأنا أقول هذا لأذكركنّ أيتها الأخوات الفاضلات المهاجرات بما أنتنّ فيه من النِّعمة، يكفي أن الواحدة منكُنّ قد تشبَّهت بالصحابيات المهاجرات، بأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، قد اشتركتِ أنتِ وعائشة رضي الله عنها وأم سلمة وأم حبيبة وميمونة وسودة وغيرهن من نساء المهاجرين، اشتركتِ معهن في صفة واحدة: صفة الهجرة، الهجرة لماذا؟ الهجرة لله ﷻ، لا لطلب الدنيا، فلا أحد يأتي إلى هذه الأرض وهو يطلب شيئًا من الدنيا، فالدنيا تركها وراءه.

ثم من جاء إلى هذه الساحة وفُتحت عليه نافذة من نوافذ الدنيا وانكبَّ عليها وركض وراءها وحاول أن يتنافس فيها؛ فهذه قد تكون فتنة من الله ﷻ، فليتنبَّه الرجل أو المرأة لهذا الأمر.

فإذن عليكنَّ أن تستحضرن ما أنتنَّ فيه من النعم، والله ما أنتن فيه من الراحة النفسيَّة، ومن السكينة، ومن الطمأنينة، وهي أقصى ما يسعى إليه الإنسان في هذه الدنيا، والله لا تملكه «هيلاري كلينتون»، ولا «أنجيلا ميركل» -رئيسة وزراء ألمانيا-، ولا غيرهن من النساء اللاتي حُزن جاه الدنيا وأموال الدنيا.. لماذا؟ لأن الله ﷻ قد جَبَل النُّفوس؛ فالرجل جبله على شيء، والمرأة جبلها على شيء، قال ﷻ: ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ﴾ [الأحزاب: 33]، وما قال للنساء: لتكن إحداكن وزيرة الدفاع أو رئيسة الوزراء أو وزيرة الخارجية أو غير ذلك!

فإذن هذه هي الحياة الطبيعية للمرأة، وأعداءُ الله ﷻ لم يحاربوا المسلمين بشيء كما حاربوهم بساحة المرأة: «تحرير المرأة، حقوق المرأة..»، وما هو إلا إخراجٌ للمرأة من بيتها لتعيش في مَطْحَنة الدنيا، فالمرأة بدل أن تكون في بيتها، في لباسها، مع زوجها، في تربية أبنائها، في سكينتها، في تواضعها، في حيائها.. تصبح هذه المرأة مثلها مثل الرجل! تجدها في أعلى العمارات وهي تدُقُّ المسامير على الخشب، أو وهي تبني الجدار وترفع الطوب وغير ذلك، أهذه هي حياة المرأة؟ أخُلقت المرأة لهذا؟! فهذه هي حرية المرأة التي يطالب بها هؤلاء المجرمون!

ص 2648

إذن أيتها الأخت الفاضلة؛ عليكِ أن تتذكري نعمة الله ﷻ عليكِ، وما يصيب المرأة المهاجرة من الضيق أحيانًا، نحن نعرف أن الظروف التي نعيشها هي ظروف فيها شيء من القسوة، وتحتاج إلى صبر وجَلَد، هذا لا شك فيه، وهذا جزء من ضريبة الهجرة؛ فإنَّ النبي ﷺ قال: (إن شأن الهجرة شديد)، ولكن الإنسان -الرجل أو المرأة- إذا شعر أن هذا كله يقدُّمه لله رب السماوات والأرض؛ يعني أنتِ هاجرتِ لوجه الله ﷻ، وأنتِ في هذه الأرض لوجه الله ﷻ، وأنتِ تصبرين مع زوجك على ما عنده من الشدة لوجه الله ﷻ؛ فهذا هو الذي يكون سببًا في نزول السكينة والطمأنينة والراحة وانشراح الصدر لكِ أيتها الأخت.

أما النظر إلى الدنيا ومن يبحث عن الراحة في متاع الدنيا فهذا قد خدعه الشيطان وغلبته نفسه!

فهذا الأمر لا بد أن يكون دائمًا في ذاكرة كل واحدة منكنّ.

وأريد هنا أن أذكِّر ببعض النقاط التي ينبغي على الأخت في هذه الساحة أن تقوم بها، ولا تقول الأخت: أنا في البيت ليس لدي شغل! أنا في البيت فارغة، أنا في البيت كل وقتي يضيع هكذا، لا؛ أنتِ أيتها الأخت إن أردتِ أن يكون وقتكِ ضائعًا ضيَّعتيه، وإذا أردتِ أن يكون وقتكِ كله ينقضي في مجالس القِيل والقال، وفلانة عندها، وفلانة ذهبت، وفلانة جاءت... ضيّعتِ وقتكِ في هذا.

وإن أردتِ أن يكون وقتكِ في طاعة الله ﷻ وفيما تنتفعين به أنتِ، وتنتفع به أمة الإسلام، فالمرأة ولو كانت في قَعر بيتها، ولو كانت في وسط غرفتها إلا أنها تشارك في بناء أمة، وهذا ليس كلامًا نقوله، وإنما هذه هي الحقيقة التي على المرأة المسلمة المربيَّة أن تستشعِرها.

ألم يقل النبي ﷺ: (والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها)٣٬٣٧٥[صحيح البخاري: (٨٩٣)].؟ يعني المرأة في بيت زوجها راعية: راعية لزوجها، وراعية لأبنائه، وراعية لأمواله، وراعية للقيام بحقوقه.. فهي جزء من عجلة الحياة التي تتحرك.

والنبي ﷺ يقول: (النساء شقائق الرجال)٣٬٣٧٦[رواه أبو داود: (٢٣٦)، والترمذي: (١١٣)، وصححه الألباني]..

فإذن لا تقول المرأة: أنا كل وقتي يضيع هكذا، وما عندي شيء أفعله! لا؛ فأنتِ تستطيعين أن تحددي لنفسكِ البرنامج الذي تملئين فيه وقتكِ حتى لا تجدي فراغًا، وأنتِ تستطيعين أن تجعلي وقتك كله ضائعًا هكذا، العمر كله ينقضي من غير أن تستفيدي شيئًا.

ص 2649

فإذن هنا بعض الأمور التي أريد أن أذكر بها:

أولًا: قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وفي القرآن حين يأتي: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ هذا ليس خاصًا بالرجال، فأينما وُجد في القرآن ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يدخل في هذا الرجال والنساء، إلا إذا جاء في هذا دليل خاص بالرجال يبيّن أن المقصود بهذه الآية هم الرجال؛ فعندها تخرج النساء من هذا الخطاب بدليل شرعي خاص ﴿قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، إذن هذا خطاب ليس خاصًا بالأب، وليس خاصًا بالولي، ليس خاصًا بالوصي، هذا تدخل فيه المرأة، تدخل فيه الزوجة أيضًا، أن الله ﷻ يخاطبكِ أيتها الأخت الفاضلة المؤمنة، يقول لكِ: يا أيتها المؤمنة قِي نفسكِ، اجعلي بينكِ وبين النار وقاية، حجابًا ينقذكِ من النار، ما هو هذا الحجاب؟ هو طاعة الله ﷻ؛ يعني الاستجابة لأوامره، أداء أوامره والابتعاد عن معصيته وعمَّا حرمه ﷻ.

قال ﷻ: ﴿قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا﴾ فالرجل مسؤول عن أهل بيته، مسؤول عن زوجته، مسؤول عن أبنائه، فالمرأة أيضًا مسؤولة عن نفسها، مسؤولة عن أبنائها، كيف؟ مسؤولة عنهم في تربيتهم على طريق الإسلام، على الأخلاق الحسنة، على طاعة الله ﷻ، على أداء الصلاة، على سموِّ الأخلاق، على حب الله ﷻ، على حب رسوله ﷺ، على حب التضحية، على الجهاد.

باب التربية واسع لا ينتهي، وكلما اجتهدَتِ المرأة في بيتها على تنشِئة أبنائها تنشئة صالحة ظاهرًا وباطنًا؛ كلما كان هؤلاء الأبناء أنفعَ لها هي في الدنيا، وأنفعَ لها هي بعد مماتها إن بقوا بعدها لأنهم سيكونون لها صدقة جارية، وأنفع لأمة الإسلام.

فإذن الدور الذي تقوم به المرأة في بيتها هو جزء من أداء هذا الأمر الشرعي الذي جاء في هذه الآية: ﴿قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ﴾، نعوذ بالله من النار.

ص 2650

فإذن؛ الأخت المسلمة المهاجرة عليها أن تستحضر هذه الآية، وأنها مخاطبة بها، والتكاليف الشرعية بمعنى الأوامر من عند الله ﷻ: افعلوا، صلوا، زكوا، صوموا، حجوا... هذه الأوامر يشترك فيها الرجال والنساء، كلهم مخاطبون؛ قال ﷻ: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 97]؛ إذن الأمر مشترك بين الرجال والنساء، فهذا ليس خاصًا بالرجال.

فالمرأة أيضًا كلما اجتهدت في طاعة الله ﷻ، وتقرَّبت إلى الله ﷻ؛ ارتفعت درجتها في الآخرة، واقتربت من الله ﷻ أكثر، وكان نفعها لأمة الإسلام أعظم.

أول ما ينبغي على المرأة في حق نفسها، وفي حق أبنائها هو المحافظة على الصلاة، نحن نعلم أن ثاني أركان الإسلام بعد الشهادتين أداء الصلاة؛ قال ﷺ: (بُني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة...)٣٬٣٧٧[متفق عليه، رواه البخاري: (8)، ومسلم: (16)].؛ فالمرأة عليها في بيتها أن تؤدي صلاتها على وجهها: أن تُتم ركوعها وسجودها وذكرها وخشوعها وطمأنينتها؛ يعني ما تدخل المرأة إلى الصلاة وهي ساهية لاهية، ثم تصليها بسرعة بأي طريقة، من غير خشوع، ومن غير استشعار أنها واقفة بين يدي الله ﷻ، ومن غير تدبر ولا تفكر فيما تقرأه، فلا تعرف ماذا قرأت، وكم قرأت.. ثم بعد ذلك: السلام عليكم، السلام عليكم، وتقول: أنا أديت الصلاة!

نعم سقط الأداء، يعني أنتِ لستِ مطالبة بعد ذلك بإعادة الصلاة، ولكن ليست هذه الصلاة الكاملة التي يريدها الله ﷻ، ولذلك فالله ﷻ زكَّى إسماعيل عليه السلام بأنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكل الأنبياء كانوا يأمرون أهليهم بالصلاة والزكاة، والله ﷻ أمر نبيه أن يأمر أهله بالصلاة، قال له: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ﴾ [طه: 132]، يعني أن أداء الصلاة ليس شيئًا هينًا، وليس معناه إذا دخل وقت الظهر أو دخل وقت الفجر فقط تقوم المرأة بسرعة، وضوء، الله أكبر.. ما تعرف ماذا قرأت، سلام عليكم، سلام عليكم، وانتهت الصلاة!

كلا؛ فهذه ثاني أركان الإسلام، وأول ما يُحاسب عليه المسلم من حقوق الله ﷻ هو الصلاة، كيف صلاتك؟ كيف أدَّيتِ صلاتكِ؟ هل أتممتِ ركوعها؟ هل أتممتِ سجودها؟ هل أتممتِ تلاوتها؟ هل أتممتِ الطمأنينة والخشوع فيه؟

ص 2651

فأنا أحثُّ كل أخت وأطلب من كل أخت أن يكون أول اعتنائها في بيتها هو: إقامة الصلاة، في حقها وفيما تربي عليه أبناءها -من الذكور ومن الإناث-، وهذا داخل في أن تقي نفسها وأن تقي أهلها نارًا.

ونحن نعلم أن أكثر الإخوة هنا في هذه الساحة قد لا يبقى في بيته كثيرًا بسبب الأعمال والأشغال والأوضاع الأمنيَّة؛ فهذا يجعل عبئًا كبيرًا من المهام والمطالبات المتعلقة بتربية الأولاد على أداء حقوق الله ﷻ ومنها الصلاة، سيتوجَّه إلى المرأة، فبحسب جهد المرأة في بيتها، في تربية أبنائها وتعليمهم وتوجيههم إلى أداء الصلاة وغيرها من الأوامر الشرعية، بحسب ذلك؛ سيتخرَّج أبناؤها من بيتها صالحين متقين يخافون الله ﷻ ويقومون بما أمر الله ﷻ به.

إذن أيتها الأخت الفاضلة، النبي ﷺ يقول: (مُرُوا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع)٣٬٣٧٨[رواه أحمد: (6689)، وأبو داود: (٤٩٥)، وصححه الألباني].؛ فإذن من حين أن يبلغ الولد أو البنت سبع سنوات تصبح المرأة تأمرهم بالصلاة شيئًا فشيئًا من غير مشقة ومن غير ضغط ومن غير ترهيب، بل بالترغيب: قوموا صلوا، أحيانًا يصلي الظهر وأحيانا يترك.. المهم من السبع سنوات تبدأ المرأة تأمرهم، وكذلك الأب، لكن أنا باعتبار كلمتي موجّهة للأخوات في البيوت.

طبعًا هذا يقتضي أن تعلِّم بناتها وتعلم أبناءها شروط الصلاة ومنها الطهارة؛ فتعلمهم كيف يتوضؤون وغير ذلك، فإذن هذا من الأمور المهمة التي على الأخت الفاضلة في بيتها أن تحرص عليها؛ يعني إذا دخل وقت الظهر والولد يلعب، تقول له: يا ولد تعال صلِّ، تعالي يا بنت صلِّي...

إذا وصل عمره أو وصل عمرها عشر سنوات وأبى أن يصلي؛ فهنا لا بد من الضرب، يعني الضرب غير المبرِّح ولكن يخوِّف الطفل ويُلزمه ويدفعه إلى أداء الصلاة، فهذه من الأمور التي على الأخوات الفاضلات المهاجرات في البيوت أن يحرِصن عليها: أن يقمن الصلاة، ولذلك في القرآن لا يوجد: «صلوا»، يوجد: ﴿أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [الأنعام: 72]؛ أي أدوا الصلاة على وجهها واجتهدوا أن تؤدوها على أكمل حالاتها وصفاتها.

ص 2652

إذن الأخت تجتهد في حق نفسها، وتجتهد أيضًا في تربية أبنائها على الصلاة.

النقطة الثانية -وهي جزء من النقطة الأولى-: تربية الأبناء على الأخلاق الفاضلة.

نحن نريد من أبنائنا أن يتخرَّجوا من مدرسة الجهاد رجالًا كما هو حال آبائهم؛ فينبغي للأم في البيت أن تربي أبناءها على الشجاعة، على الصبر، على الخشونة، على الرجولة، على البطولة، على فضائل الأخلاق، على الصدق، على الأمانة، على الوفاء بالعهود...

هذه معانٍ لا بد من غرسها في قلوب الأبناء، وطبعًا لا بد أن يكون النصيب الأكبر بالنسبة للزوجة نفسها؛ ففاقِدُ الشيء لا يعطيه، فالمرأة لا بد أن تكون هي في نفسها صاحبة صدق وأمانة ووفاء وحياء وإخبات وخوف من الله ﷻ، حتى إذا قدَّمت هذه التُّحف –الهدايا- التي جاءتنا من عند الله ﷻ، وهي أمور يُتَّفق عليها بين عقلاء الناس، ومن محاسن الأخلاق، فعندما تقدِّمها إلى أبنائها وإلى بناتها؛ تؤخذ منها بكل سلاسة وسهولة؛ لأن الأبناء يرون هذه المعاني القيِّمة قد تمثَّلت في أمهم عمليًا، ثم بعد ذلك تُدعَّم بما يسمعونه من أمهم من الكلام، ومن غير ذلك من طرق التربية.

فإذن على الأخت أن تعتني مثلًا عندما يتكرَّر الكذب من الابن مرة مرتين؛ فتحذر المرأة جدًا أن يتربَّى الابن على الكذب! يعني لو تركتِ عقوبة ابنكِ عشر مرات على خطأ فعله، هذا أفضل من أن تُعاقبي ابنكِ على شيء ثم ينجو بالكذب وتغُضّي الطَّرْف عن كذبه.. فالكذب إذا اعتاد عليه الطفل فهو داءٌ عُضال مُفسد لأخلاق الطفل.

فلذلك قال النبي ﷺ: (المؤمن لا يكون كذابًا)٣٬٣٧٩[روى مالك في الموطأ -رواية أبي مصعب الزهري-: (٢٠٨٨) أن النبيﷺ سئل أيكون ‌المؤمن ‌كذابا؟ فقال: (لا)، ورواه البيهقي في الشعب: (4812)، وقال ابن عبد البر في التمهيد: (10/286): «لا أحفظ هذا الحديث مسندا بهذا اللفظ من وجه ثابت، وهو حديث حسن»، وجاء في حاشية مسند أحمد (36/505) للشيخ الأرنؤوط: إسناده صحيح إلا أنه مرسل أو معضل].، فالمؤمن يمكن أن يكون بخيلًا، يمكن أن يكون جبانًا، لكن لا يمكن أن يكون كذابًا، فإذن الصدق مع الله ﷻ.

ص 2653

غَرْس مراقبة الله في قلب الطفل؛ فالمرأة عليها أن تربي الطفل على أن الله ﷻ يراك، ويراقبك، فلا تخوِّفي الطفل منكِ أنتِ، ولا تخوفيه من أبيه، لا تقولي له: «سأقول لأبيك»، جيد هذا أن يكون مرة أو مرتين، لكن لا يكون خوف الطفل دائمًا من أبيه، كلا؛ فلا بد أن يكون خوفه ومراقبته لله ﷻ، تُذكّريه أن هناك نارًا، وأن هناك حسابًا، وأن هناك عقابًا، وأن هناك سؤالًا عن كل صغيرة، وأن الله يراك ويسمعك، وإذا كنت تكذب؛ فالله ﷻ يعلم أنك كذاب، ممكن أنت تكذب عليَّ وأنا لا أعرف لكن الله ﷻ لا يخفى عليه شيء، هذه المعاني لا بد أن تربّي الأم ابنها عليها.

من الأمور التي أريد أن أنبه عليها، وهذه بعضها يدخل في بعض، وهي: تربية البنات؛ فللأسف هنا كثير من الأخوات تحت دواعي الحياء أو الخجل، حيثُ جُبلت المرأة على الحياء والخجل، (والحياء كله خير)٣٬٣٨٠[صحيح مسلم: (٣٧)]. كما قال النبي ﷺ، وهو شُعبة من شُعب الإيمان، إلا أن هذا الحياء قد يتجاوز الحد الشرعي فيترتب عليه بعض الأمور الممنوعة أو المحرمة أو غير اللائقة.

فنحن نعلم أن الله ﷻ قد كتب على النساء الحيض، كما قال النبي ﷺ: (إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم)٣٬٣٨١[متفق عليه، البخاري: (٢٩٤)، مسلم: (١٢١١)].، وهذا الحيض خصَّه الله ﷻ بالذِكر في كتابه، وجاءت فيه أحاديث من النبي ﷺ، وتترتَّب عليه أحكام كثيرة، وأحكام ليست صغيرة بل كبيرة؛ كأداء الصلاة والطهارة من الصلاة والصيام وقضاء الصيام، وأمور كثيرة مرتبطة بمسائل الحيض.

فلا ينبغي للأم أن يحول حياؤها بينها وبين تعليم بناتها ما يتعلَّق بمسائل الحيض؛ يعني أحيانًا البنت يبلغ عمرها اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة، وهي لا تعرف شيئًا من هذا! والنساء فيما بينهن يعتبرن هذا من الأسرار، وتتكتَّم المرأة وتحذر أن تفلت منها كلمة فتسمعها بنتها! لا؛ ما كانت هكذا نساء الصحابة رضي الله عنهن، ليس هناك أي حرج أن تجلس الأم مع بنتها عندما يبلغ عمرها سبع سنوات، أو يبلغ عمرها عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة، ثم تحكي لها شيئًا فشيئًا عن أمور الحيض، طبعًا بالطريقة اللائقة، بالطريقة المؤدبة المناسبة، ولكن لا بد أن يكون عند البنت خلفية عن هذا الأمر، حتى لا يدخل عليها الحيض وهي لا تعرف، ثم بعد ذلك تقول: أنا صليت بغير طهارة، أو أنها صامت وهي حائضة، أو غير ذلك من الأحكام التي لا تعرفها.

ص 2654

فإذن على الأخوات أن يَعْلمن أنه ليس من الحياء الممدوح ما يحول بين الأم وبين تعليم بناتها، بل ليس من الحياء الممدوح أنَّ الأخت المهاجرة أو الأخت المسلمة أيًا كانت، أن تستحي أنْ تسأل عن أمور دينها، حتى فيما يتعلق بأمور الحيض، وبأمور النفاس، وأمور الحمل، وعن الأحكام الشرعية.

ومن يقرأ سيرة الصحابيات وكيف كنَّ يأتين إلى النبي ﷺ ويسألنه عن أمور واضحة مكشوفة متعلّقة بمثل هذه المسائل، يعلم أنهن كنّ أحرص النساء على تعلم دينهن.

فإذن أنا أحثُّ الأخوات هنا، وأن يعلمن أن هذا لا يمكن أن يؤديه أحد كما تؤديه الأم مع بنتها، وهو أن تعلمها ما تحتاجه من أمور الطهارة، من أمور الحيض، وغير ذلك.

فهذا يكون بالأمور العمليَّة وبالأمور النظرية؛ فالأم إذا جاءها الحيض أو جاءتها الدورة فهي لن تصلي، وإذا كان عمر البنت سبعة أو ثمانية أو تسعة سوف تأمر بنتها بالصلاة، يأتي وقت الصلاة: «قومي يا بنت صلِّي»، أحيانًا هي تصلي مع أمها أو مع أبيها، فتقول: «وأنتِ لماذا لا تصلين؟»، تقول: «أنا عندي عذر»، فتبيِّن لها ما هو هذا العذر، بالطريقة اللائقة المناسبة التي تفهمها هذه الطفلة أو هذه البنت، أنه هناك نوعًا من الأعذار تمنع من أداء الصلاة، وممكن يأتي في يوم من الأيام لهذه البنت، هذا تعليم بالطريقة العملية.

أما أن تعيش البنت في البيت وتحت طائلة الأسرار والكتمان.. حتى تقع في الورطة، فهذا ينبغي أن تتجنبه الأخوات.

من المسائل التي أنبه عليها: أن الأخوات يغتنمن أوقاتهن فيما يفيدهن، وأن يبتعدن عن مجالس أكل لحوم البشر.. عجيب! هناك مجالس لأكل لحوم البشر، وهي الغيبة، كما قال الله ﷻ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ﴾ [الحجرات: 12]؛ فعلى الأخوات أن يحذرن أشدَّ الحذر من الغيبة ومن النميمة.

ص 2655

الغيبة كما ذكر العلماء: كبيرة من الكبائر، والإنسان يحتاط من شرب الخمر، الإنسان يحتاط من كثير من الكبائر، ولكن تجد لسانه يتكلم في كل مجلس، يقطِّع عِرض هذا ويأكل لحم هذا، ويصول على دم هذا، وهو لا يبالي!، وهو بهذا يرتكب كبيرة من الكبائر.

تعرفين ما معنى كبيرة من الكبائر؟! يعني المرأة أو الإنسان والرجل إذا مات وهو مصرٌّ على الغيبة فإنه في الآخرة في مشيئة الله ﷻ؛ إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، وهذا من حقوق الناس؛ يعني لا بد أن يعفو عنك صاحب الغيبة.

وإذا اغتبتِ شخصًا فعليكِ أن تتوبي إلى الله ﷻ، وأن تدعي الله ﷻ له بأن يغفر له وبأن يتوب عليه وبأن يرفع درجته، وأن يصلح حاله، وأن يتجاوز أيضًا عن الغيبة التي اقترفتِها في حقه.

فإذن على الأخوات أن يُذكِّرن بعضهن بعضًا إذا بدأت المجالس تميل إلى اليمين أو الشمال، الغيبة تكون باللسان، وتكون بالعين؛ بالغمز، باللمز، بالهمز: ﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]، فتحتاط الأخت.

ولهذا لا يوجد أفضل ولا خير ولا أحسن من أن تكون المرأة في بيتها وبعيدة عن المجالس التي ليس فيها ذكر لله ﷻ، وليس فيها شيء من طاعة الله ﷻ.

كذلك مما أوصي به الأخوات اللاتي آتاهن اللهشيئًا من العلم ولو كان بسيطًا: أن يجتهدن في تعليم نساء الأنصار اللاتي يعشن معهن شيئًا فشيئًا.. ولو آية، ولو حديثًا واحدًا.

ولو أن الأخت المسلمة المهاجرة تجتهد أن تحفِّظ واحدة من نساء الأنصار أو بنات الأنصار اللاتي يعشن معها في البيت حديثًا واحدًا أو آية واحدة، أو تشرح لها معنى آية، أو تفسر لها معنى آية، أو تشرح لها معنى حديث، فهذا علم، وهذه أمانة.

ونحن نعلم حاجة كل إنسان إلى العلم، سواء من نساء المهاجرين أو من نساء الأنصار، فالأخوات اللاتي آتاهن الله شيئًا من العلم، ولو آية ولو حديثًا؛ فعليهن أن يتكرّمن وأن يتفضّلن طاعةً لله ﷻ وأداءً لأمانة العلم بتعليم نساء الأنصار وبنات الأنصار بما يفتح الله ﷻ.

ص 2656

النقطة الأخرى التي أذكِّر بها أخواتي هي: طاعة أزواجهن؛ فالنبي ﷺ يقول: (لو كنتُ آمرًا أحدّا أن يسجد لأحد لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها)٣٬٣٨٢[رواه أحمد: (12614)، وابن ماجه: (١٨٥٢)، وصححه الألباني]..

كذلك مما أُوصي به الأخوات: الإكثار من الدعاء للمجاهدين؛ فكل أخت عليها أن تشعر أنها مشاركة في هذا الجهاد الكبير الذي تخوضه أمة الإسلام ضد أمم الكفر، فالنبي ﷺ قال: (وهل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم؟)٣٬٣٨٣[رواه البخاري: (٢٨٩٦)]..

فعلى الأخوات أن يجعلن حظًا من دعائهن للمجاهدين، للأسرى، للشهداء، للجرحى، للمرضى، ولعامة المسلمين، وهذا أمر لا ينقص من أمر الإنسان شيئًا بل خيره راجع إليكِ أيتها الأخت، كما قال النبي ﷺ أن دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب مستجابة، وكل إنسان يدعو لأخيه فإن هناك ملكًا من الملائكة كلما دعا يقول: «آمين، ولك بالمثل»٣٬٣٨٤[صحيح مسلم (2732)].؛ فقد يكون تأمين الملك على دعائك خيرًا لنفسك.

فأوصي الأخوات أن يجتهدن في الدعاء للمجاهدين، وأن يتخيَّرن ويتحرّين أوقات الإجابة كالثلث الأخير من الليل لمن يسّر الله ﷻ لها شيئًا من قيام الليل، أو دُبر الصلوات المكتوبات، أو بين الأذان والإقامة، هذه الأوقات على الأخوات أن يجتهدن فيها، لعل الله ﷻ أن يفتح بدعائهن، وأن ينفع عباده المجاهدين.

هذه تذكرة عارضة، أحببتُ أن أقدمها لأخواتي... أسأل الله ﷻ أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم... وصلِّ اللهم على خير خلقك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكنَّ ورحمة الله وبركاته..

❖ ❖ ❖

ص 2657

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: رسالة للأخوات المهاجرات في ساحات الجهاد

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا