الكلمة الختامية للدورة الشرعية التي أقيمت في أحد مراكز المجاهدين
[جمادى الثاني 1428هـ / 6 - 2007م]
[۞
﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ﴾ [الحديد: 25].
أقيمت هذه الدورة في أحد مراكز المجاهدين، وفي ثغر من ثغور الرباط، وقد شملت الدورة الدروس الآتية:
الأول: أحكام التجويد.
الثاني: دراسة فقه الطهارة، والصلاة، والصيام.
الثالث: دراسة كتاب «الجامع من بلوغ المرام»، مع حفظ أربعين حديثًا منه.
الرابع: دروس متفرقة من السيرة النبوية وتوجيهات تربوية متفرقة.
الخامس: مراجعة المحفوظ من كتاب الله ﷻ]٣٬١١٥[هذه تقدمةٌ بين يدي كلمة الشيخ، وُضعت في الإصدار المرئي للتعريف بالدورة التي ألقى الشيخ كلمته في خِتامها]..
۞
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
فاليوم هو الثاني عشر من شهر جمادى الثاني لعام (1428) لهجرة المصطفى ﷺ، وهذا اليوم هو آخر أيام الدورة الشرعية، التي نسأل الله ﷻ أن يدَّخر لنا أيامها؛ فننتفع بها يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وكما قلت لكم في أول الدورة؛ فإن مثل هذه الدورات مثالٌ لعمر الإنسان الذي له بداية ونهاية، ونهايته بحسب اجتهاده في عمره؛ فالدورة -كما رأينا- كانت تحتاج مِنا إلى اجتهاد ومدارسة ومراجعة؛ حتى ينال منها الإنسان ما يريد من العلم الذي جلس أصلًا لطلبه.
ومِن فضل الله ﷻ علينا أن جمع لنا بين عبادة الجهاد وبين عبادة طلب العلم، وهذا من عزيز نعم الله ﷻ وهو الكريم المنَّان الجوَاد؛ أن يجمع الله ﷻ لعبده بين أشرف وأعظم العبادات؛ فالجهاد أعظم العبادات؛ كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ، بل كما جاء في كتاب الله ﷻ: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ﴾ [النساء: 95]... إلى آخر الآية.
فمن انضم إلى جهاده التفرغ لطلب العلم ولو لأيام معدودات؛ فليعلم أن هذا من فضل الله ﷻ عليه، لماذا؟
لأننا إنما خُلقنا أصلًا لعبادة الله ﷻ؛ قال الله ﷻ: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، والعبادة هي تكاليف من الله ﷻ؛ أي هي أمر ونهي، وما من عبادة من العبادات سواءً كانت صلاة أو صيامًا أو حجًا أو جهادًا إلا ولها أحكام يحتاج المسلم لأن يعرفها، فإذا يسر الله لك باب طلب العلم فاعلم أنه يسَّر لك عبادته على بصيرة؛ لأن الإنسان لا بد أن يعبد الله ﷻ، فإذا لم يعبد الله على علم وفهم وبصيرة وبيِّنة؛ فسيعبد الله قطعًا على جهل وعلى عماية والعياذ بالله، فهذه من نعم الله ﷻ التي علينا أن نستشعرها في كل وقتٍ، ثم أن نجتهد في أداء شكرها حتى لا تضيع علينا، ونحن نعلم حديث النبي ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ)٣٬١١٦[رواه البخاري: (٦٤١٢)].، فأنت بقيت في هذا البيت أو هذا المركز طوال هذه المدة بعيدًا عن أهلك وبعيدًا عن إخوانك، متفرغًا لشيء واحد وهو طلب العلم؛ فهذه من النعم العظيمة التي يسرها الله ﷻ لك.
إذن عبادة العلم -وهو عبادة بلا شك- وعبادة الجهاد هما من أعظم ما ييسرهما الله ﷻ لعبده المؤمن.
ومما نستخلصه من هذه الدورة أن الفصام الذي يحاول بعض الناس أن يختلقه بين عبادة الجهاد وبين طلب العلم، هذا لا حقيقة له؛ أي إنَّ افتراض وجود جهادٍ بلا علم؛ هذا غير صحيح، وأن افتراض أن العالم أو طالب العلم لا يستطيع أن يجاهد؛ هذا غير صحيح، لماذا؟
لأن الله ﷻ أخبرنا عن حقيقة كتابه فقال: ﴿وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: 82]، هذه هي آيات الله ﷻ التي في القرآن؛ فكما أن كتاب الله ﷻ المنزل من عنده لا تعارض بين آياته ولا اختلاف بين أحكامه، فكذلك العبادات التي أمرنا الله ﷻ بها لا تعارض بينها، فهذا الأمر الذي حاول البعض أن يحدثه وأن يصطنعه وأن ينفخ فيه، وأن الجهاد والعلم لا يلتقيان؛ هذا غير صحيح، ودليله هو ما نعيشه نحن الآن، هذا بفضل الله ﷻ دليل على أن طلب العلم يمكن أن يكون في ساحات الجهاد، وكم من الأحكام الفقهية التي لا تتعلق بالجهاد نزلت في ساحات الجهاد، منها آيات التيمم؛ فقد نزلت والنبي ﷺ في طريقه راجع من غزوة من الغزوات.
ثم إن الله ﷻ أخبرنا بهذا فقال: ﴿۞وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
إذن من تيسير الله ﷻ لنا أن نجمع بين عبادة الجهاد وبين طلب العلم؛ هذا من أعظم ما أكرمنا الله ﷻ به؛ هذا هو الأمر الأول الذي لا بد أن تتنبهوا إليه.
الشيء الآخر: كما ذكرنا أنه لا تعارض بين طلب العلم وبين الجهاد في سبيل الله، ونحن كمجاهدين مطالبون بأن نتعلم أحكام ديننا كغيرنا من المسلمين، ولا أقصد بأحكام ديننا فقط ما يتعلق بعبادة الجهاد؛ كلا، بل نحن مطالبون بأن نعرف أحكام الصلاة، وأحكام الطهارة، وأحكام الصيام، وكل عبادةٍ أوجبها الله ﷻ على المؤمنين وفرضها؛ فلا بد للمجاهد أن يعرف أحكامها، فإن المجاهد ليس شخصًا مستثنى من أحكام الله ﷻ، وليس شخصًا خارجًا عن التكاليف الشرعية، وإنما هو كغيره من المسلمين، فكما أننا في ساحات الجهاد نتعلم أحكامَ الجهاد وآدابه وقواعده وضوابطه، فكذلك نحن أيضًا مطالبون بأن نتعلم أحكام العبادات الأخرى؛ ما فائدة أن يجاهد المجاهد وأن يقاتل في سبيل الله وهو لا يحسن كيف يتوضأ!؟ وهو لا يحسن كيف يصلي!؟ وهو لا يحسن كيف يصوم!؟ ما فائدة هذا!!، يعني يعبد الله في جهاده على بصيرة، ويعبد ربه على عِماية وغواية وضلالة في الصلاة وفي غيرها!! هذا لا يمكن أن يكون.
فبفضل الله ﷻ أَن وفَّقنا لأن نثبت حقيقةً وعملًا أن هذا لا تعارض بينه، كما أن كتاب الله لا اختلاف بين آياته، ولا تصادم بين أحكامه، فكذلك العبادات التي أمر الله ﷻ بها لا تعارض ولا اختلاف بينها.
الأمر الثالث الذي أريد ان أنبه عليه -وافتحوا معي آذانكم- هو: أنَّ الشخص الذي أخذ هذه الدورة وتعلم ما فتح الله ﷻ عليه فيها، لا يعني أنه تخرَّج منها ليكون فقيهًا ومفتيًا ومتصدِّرًا للمجالس يفتي بـ«يجوز ولا يجوز، وهذا حرام وهذا حلال» لا؛ إنما جلسنا هنا فقط لنتعلم أحكام الله ﷻ حتى نعبد الله ﷻ على بصيرة، أما مرتبة الفتوى ومرتبة هذا حلال وهذا حرام فهذه دونها مفاوز حتى يصلها الإنسان، هذه لا يمكن أن تُكتسب في شهرٍ ولا شهرين، ولا في سنةٍ ولا في سنتين.
فالإمام مالك -وهو من هو- يقول: «ما جلست في هذا المجلس -يعني حتى أُفتي- حتى شهد لي ثمانون عالِمًا أنني أهلٌ للفتيا»٣٬١١٧[حلية الأولياء: (6/316)، بلفظ: «سبعون» بدل «ثمانون»].، ثمانون عالِمًا شهدوا للإمام مالك؛ قالوا له: أنت الآن لك أن تُفتي، أين نحن الآن من هذا؟! من سيشهد لنا بأننا أهلٌ للفتوى، وفي شهرٍ أو شهرين، أو سنةٍ أو سنتين، وأحدنا ربما لا يحسن أن يقرأ سورة الفاتحة، وأن يميز بين الواجب وبين المستحب، وبين المكروه وبين الحرام؛ فعليكم أن تتقوا الله ﷻ.
ولا أريد أن أسمع أنَّ شخصًا منكم خرج من هنا وتصدَّر المجالس، وأصبح يقول: هذا حلال وهذا حرام، نعم؛ لك أن تقول: الذي درسته هو هذا، أما أن تُفتي في المجالس وفي المسائل العينيَّة، كأن يأتيك شخصٌ ويستفتيك وتقول له: هذا جائز وهذا محرمٌ وهذا مكروه؛ فهذا غير مقبولٍ شرعًا وكذلك لا نرتضيه في أخلاقنا وفي تربيتنا، فتنبهوا لهذا الأمر، وهذا من أكثر الأمور التي أريدكم أن تحرصوا عليها.
ثم مما نستفيده في مثل هذه الدورات -وإن كانت مختصرة- أن نعرف قدر العلماء ومنزلتهم ومكانتهم، فالعلماء كالشمس في رابعة النهار، إذا وُجدوا استطاع الناس أن يعيشوا عيشةً صالحة، واستطاعوا أن يتصرفوا في حياتهم تصرفًا طبيعيًا، وإذا غابت الشمس فماذا سيحصل، وما الذي سيحل بالناس؟ الظلام.. والظلام هو الجهل والعماية والغواية والبدعة وغير ذلك من الضلالات؛ فالعلماء نعرف قدرهم بمثل هذه الدورات.
وأنت إذا اجتهدت لمدة شهرٍ واحد في الحفظ والتكرار والمراجعة والمدارسة والاستشكال وغير ذلك؛ ووجدت نفسك قد بذلت جهدًا حتى تحصَّلت على قدرٍ أو جزءٍ بسيطٍ جدًا لا يُذكر من العلم، ومع ذلك تفرح بما آتاك الله ﷻ؛ فكيف بعالمٍ قضى عمره كاملًا وهو مجتهدٌ في طلب العلم، وفي تعليم الناس، وفي الصبر على المراجعة، والصبر على الفتوى، والدعوة إلى الله ﷻ.. وغير ذلك؟ أين أنت من هذا؟! فلا نريد أن نجعل مجالسنا لِمُمَاراة السفهاء ولا لمجاراة العلماء، وإنما نريد أن نعرف قدر هؤلاء العلماء الصالحين، الذين يخشون الله ﷻ ويبلغون رسالاته ولا يخشون أحدًا سواه، هذا لا بد أن تتنبهوا له.
إذا رأيت عالِمًا صالحًا يخشى الله ﷻ فاعرف قدره، وتذكر أنك صبرت شهرًا أو شهرين في طلب العلم ووجدت أن الأمر يحتاج إلى جلدٍ وإلى مصابرة وإلى مراجعة حتى لا يضيع ما عندك من العلم؛ فكيف بهذا العالم الذي ربما قضى عمره كله في هذا الأمر؟ هذا يجعلك تعرف قدر الناس وتعرف منازلهم وما يستحقونه من التعظيم والتوقير والتبجيل.
والعلماء أشركهم الله ﷻ في شهادته على وحدانيته، وهذه أعظم شهادةٍ على الإطلاق، على أعظم شيء على الإطلاق: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ﴾ [آل عمران: 18]، فشأن العلماء كبيرٌ جدًا، ولو زلوا ولو أخطؤوا فالله ﷻ لم يخلق خلقه البشر معصومين من الخطأ، ومن قال: أن الإنسان لا يُخطئ!! ومن قال: أن الإنسان لا يصيبه شيٌ من الهوى أحيانًا فيأخذه يمينًا أو شمالًا!! ولكن قواعدنا في دين الإسلام أن: ﴿ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ﴾ [هود: 114]، وليس أن السيئات يذهبْن الحسنات!.
فلا نأتي إلى عالم بذل جهده وعمره في الدعوة إلى الله ﷻ وفي تعليم الناس وفي تفقيههم، ثم أخطأ أو زل في مسألةٍ أو مسألتين فنسبه أو نشتمه ونمسح كل حسناته.. هذا ليس ميزان الشرع، بل هذا ميزان الهوى، ونحن لسنا من أهل الأهواء، قال ﷻ: ﴿ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 8]؛ هذا هو ميزان الشرع.
والمسألة الرابعة والأخيرة: أن الله ﷻ فتح لكم باب طلب العلم، ووجدتم لذة طلب العلم، ولذة الصبر على طلب العلم والتفرغ لطلب العلم، فما دام الله ﷻ فتح لك هذا الباب؛ فتوكل على الله وواصل هذا الطريق بما تستطيع، بدلًا من أن تقضي جزءًا من يومك أو من عمرك في سماع الأناشيد التي لا تسمن ولا تغني من جوع؛ فاقضها في سماع محاضرةٍ أو درسٍ أو سماع شريط للفتاوى أو مراجعة لدروسك أو مدارسة مع أحد زملائك.
وإذا تيسرت دورة أخرى بإذن الله حاول أن تجتهد في أن تكون فيها؛ لأن العلم إنما يُؤتى بالدرجات ولا يُؤتى العلم يومًا واحدًا ولا دفعةً واحدة: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ﴾ [المجادلة: 11].
والأمر الأخير: أن تجتهد في دعاء الله ﷻ أن يبارك لك فيما أعطاك، العلم ليس بكثرة المحفوظات ولا بكثرة المتون، فكم من الذين تجدهم كالموسوعة «كمبيوتر».. من أين ما تخاطبه يرد عليك، ولكن الله ﷻ لم يبارك في علمه، بينما تجد شخصًا علمه متواضعٌ قليلٌ، ولكنه جمع معه الإخلاص والتضرع لله ﷻ... كما أُمر أن يطلب الله أن يزيده من العلم.
نسأل الله ﷻ أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ونسأل الله ﷻ أن يجعلنا ممن ينتفع بعلمه.
ونعوذ بالله من فتنة القول والعمل، إنه سميعٌ قريب.
هذه هي الأمور التي أحببت أن أنبِّه عليها..
والآن إن شاء الله نبدأ في مراجعة الأحاديث، نبدأ من اليمين إن شاء الله، ثم بعد ذلك نستمع إلى قراءة من كتاب الله ﷻ.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا